تقديرات

ترامب وحظر الإخوان: صراع التوجهات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

هوس نقرأه بين الفينة والاخرى في صحف أمريكية وأوروبية بعدد المسلمين في عام 2050، والذي تقول دراسات “كمية” كتلك التي أجراها معهد بيو أن عدد المسلمين في الولايات المتحدة سيتنجاوز عدد اليهود، وأنه سيقارب في بريطانيا عدد المسيحيين، ليأتي تصعيد جديد متحدثا عن قصور تقديرات 2050 والدعوة لمدها إلى 2070، حيث يتجاوز عدد المسلمين في بريطانيا عدد المسيحيين لتتحول بريطانيا إلى دولة مسلمة. دعوات تدعو للهلع، وتصاغ على نحو يدعو للقلق، ويثير العصبية المسيحية في المجتمعات الأوروبية والأمريكية. وفي مجتمع تعددي مثل الولايات المتحدة، لا يتجاوز فيه تعداد المسلمين 1%، ولن يتجاوز في 2050 حاجز 2.1% من عدد السكان، يجد الهوس طريقه للأذهان من باب إمكانية تقويض النموذج الأمريكي من الداخل، وهي الرؤية التي أثارت سخرية خبراء أمريكيين في شؤون الحركات الإسلامية في ضوء واقع المنظمات الإسلامية المدنية في الغرب، والتي بالكاد تجد تمويلا يكفيها لشهر أو شهرين.

الهوس المشار إليه يصب اليوم في تيار وضع أولويته في مواجهة جماعة “الإخوان المسلمون”، ورأى في وضعها على لائحة المنظمات الإرهابية وسيلة للسيطرة على حركات المجتمع المدني التي تتولى تعزيز الحقوق المدنية للمسلمين في الولايات المتحدة، عبر إلحاقها هي الأخرى بمنظمة جرى وصمها – من قبل – بوصمة الإرهاب.

في الأسبوع الأول من شهر فبراير 2017، بدأت إدارة ترامب في بحث تداعيات وضع جماعة الإخوان المسلمين على لائحة المنظمات الإرهابية، وأفاد تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز في الأسبوع الأول من فبراير أن بعض مستشاري ترامب يرون أن الجماعة راديكالية، وأنها كنت تعمل منذ فترة على التسلل للولايات المتحدة، وتطوير قانون أمريكي في ضوء الشريعة. وأضاف التقرير أن هؤلاء المستشارين يرون أن الوقت قد حان لاتخاذ إجراء ضد هذه الجماعة، وهو ما يعني بالتبعية، وفق تقديرات قيادات التجمعات الإسلامية من مختلف الإثنيات أن تطال يد التمييز الحقوق المدنية للمواطنين الأمريكيين المسلمين أو المقيمين من أصول إسلامية في الولايات المتحدة، كما أن من شأنها التأثير على الحقوق المدنية لمسلمي أوروبا كذلك، بالنظر لتصاعد الهوس ضد الوجود المسلم مع تصاعد الحضور السياسي للتيارات اليمينية.

الاجتماع الذي طرح القرار للمناقشة تضمن إدراج الحرس الثوري الإيراني على نفس اللائحة، وبينما تحمس نواب جمهوريون لضرورة إدراج الحرس الثوري كرسالة لإيران، إلا أن نفس الحماس لم يحضر حيال الجماعة1.

ويمكن القول بأن المرحلة الراهنة تشهد اشتعال خلاف حول هذه القضية، بالمعنى الحرفي لكلمة اشتعال. فإلى أي ميناء سيرسو الصراع بين هذين الفريقين.

رؤى طرفي الصراع

الصراع بين أيدينا صراع ثقافي، لا يتعلق ابتداء بالمنطقة أو العراكات السياسية فيها، وإن كانت أطراف إقليمية تغذيها، حيث تشير مواقع إخبارية أمريكية ضغوط داخلية وخارجية تضغط على إدارة ترامب لوصم جماعة الإخوان بأنها جماعة إرهابية2. كما أن الداعين لتفعيل هذه الوصمة قانونيا يتذرعون بأن عددا من الدول أعلنها منظمة إرهابية، ومن بينها دول إسلامية، بالإضافة إلى تنظيمات مسلمة عديدة في الولايات المتحدة، سنية وشيعية، توافق على توجه ترامب باتجاه وضع الجماعة على قائمة المنظمات الإرهابية3. وفيما يلي تصور الفريقين حول الأزمة.

الفريق الأول

ترجع فكرة التخوف من جماعة “الإخوان المسلمون” إلى مذكرة إيضاحية عثر عليها جهاز إف بي آي خلال مداهمة نفذها في عام 2004 على منزل في ولاية فيرجينيا، هذه المذكرة كتبها في 1991 شاب يدعى محمد أكرم عدلوني، وقيل آنذاك أنه عضو بجماعة “الإخوان”، يدعو فيها إلى تبني منظور لـ”الجهاد الحضاري”، يهدف إلى “تقويض الحضارة الأمريكية من الداخل” وتخريب “بيتها التعس”. المذكرة حملت عنوان “مذكرة إيضاحية حول الهدف الإستراتيجي لجماعة الإخوان في أمريكا الشمالية”. المذكرة كانت تدعو قيادات “العمل الإسلامي” لقراءتها حتى النهاية، وتطالبهم بتأمل مآلات مثل هذا العمل لو انضم إليها عدد من المنظمات؛ مثل مجلس العلاقات الأمريكية – الإسلامية (CAIR)، وتجمع مسلمي أمريكا الشمالية (ISNA)، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي (IIIT)4.

وبرغم أن تحليل خطاب “المذكرة” يكشف بجلاء أن قيادات جماعة الإخوان كانوا يحملون موقفا رافضا للورقة، وأن فكرة “الجهاد الحضاري” تلك لا صلة لها بالمؤسسات الثلاثة المذكورة؛ بدليل “الدعوة للتخيل”، وأنها تدعو لتبني هذا “المنظور” ولا تعبر عن وجوده، إلا أن لوبيا قويا داخل الولايات المتحدة يرتكن لهذه المذكرة باعتبارها مخططا واقعا، ويستشهدون بها بين الفينة والأخرى.

ويعلو الخطاب الشعبوي في هذا السياق ليشعل نيران الكراهية والوصم بصور ذهنية مختلفة. حيث نجد فرانك جافني الابن، وهو مؤسس “مركز السياسة الأمنية”، يروج إلى أن “الرئيس أوباما قد يكون مسلما في السر”. جافني، الذي يستخدم وثيقة “الجهاد الحضاري” في أحاديثه الإذاعية ومقالاته، يلح جافني على “ترامب” لكي يعلن أن جماعة الإخوان تنظيما إرهابيا. وفي إحدى المقابلات معه على “راديو بريتبارت”، الذي صار مؤسسه كبير الإستراتيجيين في إدارة ترامب، جمع جافني الإخوان ببقية التنظيمات الإسلامية المتشددة المذكورة ضمن لائحة المنظمات الإرهابية مثل طالبان وبوكو حرام وداعش والقاعدة وجبهة النصرة وتنظيم الشباب في الصومال، كلها – برأي جافني – تشارك جماعة الإخوان نفس الفكر، وتسعى مثلها لتأسيس حالة استعلاء إسلامي تضمه دولة واحدة5.

في الثالث عشر من شهر يناير 2017، تقدم عضو مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية تكساس تيد كروز باقتراح بقانون يطالب فيه إدارة أوباما بتسمية جماعة الإخوان جماعة إرهابية، وتقدم عضو مجلس النواب عن ولاية فلوريدا ماريو دياز – بالارت بنفس الاقتراح من مجلس النواب6، وهو الاقتراح الذي علق عليه المراقب الأمريكي كريستوفر ماتياس بأنه نوع من “الفزاعة، قد يدمر الجماعة المسلمة في الولايات المتحدة، ويهدد بالتحول باتجاه انتهاك وحشي للحقوق المدنية”7.

ويشير موقع Gatestone Institute إلى أن السناتور تيد كروز كان قد تقدم من قبل باقتراح قانون لا يؤدي تطبيقه لحظر جماعة “الإخوان” فقط، بل أيضا لحظر منظمات ثلاث تمثل من وجهة نظره واجهة للجماعة، وهي: مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR)، وتجمع مسلمي أمريكا الشمالية (ISNA)، والوقف الإسلامي لأمريكا الشمالية (NAIT)8.

وكان أول مقترح بقانون لتسمية “الإخوان” تنظيما إرهابيا قد صاغه عميل متقاعد، تقاعدا غير مشرف، في جهاز إف بي آي، وهو العميل “جون جواندولو”، وتقدم به النائب السابق عن ولاية مينيسوتا “ميشيل باشمان”، وهو أحد رموز الناشطين ضد المسلمين في أمريكا. يذكر أن جواندولو يترأس جماعة كارهة للمسلمين في الولايات المتحدة تسمى “فهم الخطر Understanding the Threat (UTT)”، وترى هذه الحركة أن كل المساجد في مدينته ناشفيل بولاية تينيسي محض واجهات لجماعة الإخوان، ولا حق لها في الوجود، ولا محل لها في الاستفادة من التعديل الأول للدستور9. وهنا نجد الحديث بالترتيب عن المساجد، ثم الجماعة، ثم منظمات المجتمع المدني.

الفريق الثاني

باعتبار أن هذه الحركة الفاشية قديمة، فإن موقف منظمات المجتمع المدني الإسلامية منها، وبعض غير الإسلامية، تراها مقلقة، وبخاصة مع وصول ترامب للمكتب البيضاوي، حيث يرون أن أجندة هذا الفريق المتشدد تهدف لتوفير أساس قانوني لتبرير حملة منظمة ضد المؤسسات الخيرية الإسلامية والمساجد وسائر التنظيمات المدنية المرتبطة بالمسلمين داخل الولايات المتحدة أكثر من اهتمامها بدعم العلاقات مع شركاء الولايات المتحدة في جهود مكافحة الإرهاب مثل تركيا والأردن وتونس والمغرب، بل وأكثر من الاهتمام بمكافحة الإرهاب الحقيقي10.

وفيما نسبت نيويورك تايمز تصريحها إلى، فإن رويترز ساقت تصريحا لسياسي أمريكي رفض الكشف عن هويته، أكد فيه أن تقارير أجهزة الاستخبارات لا يمكن معها أن تنطبق معايير لائحة المنظمات الإرهابية على جماعة “الإخوان المسلمون”11، فضلا عن أن تنطبق على حركات مدنية لم تشر تقارير أجهزة الاستخبارات الأمريكية لتلقيها تمويلا من هذه الجماعة من قبل.

ففي حوار مع موقع Buzz Feed قال المحلل المتخصص في شؤون مكافحة الإرهاب في “برنامج الإرهاب” بجامعة جورج واشنطن، جيه إم بيرجر: “دعني أكون واضحا بصورة قطعية حيال الفكرة الأشمل حول وضع جماعة “الإخوان المسلمون” على لائحة المنظمات الإرهابية، حيث أن رأيي أن هذه المبادرة تتعلق بالسيطرة على مسلمي الولايات المتحدة، وليس لها أية علاقة بجماعة الإخوان على أي نحو عملي أو واقعي يتسم بالمنطق”.

ووافقه الرأي مدير إدارة مراقبة ومواجهة الإسلاموفوبيا في مجلس العلاقات الأمريكية – الإسلامية (CAIR) كوري سيلور، في حواره مع هافنجتون بوست، حيث أكد على أن “مقترح قانون تيد كروز وزميله يتعلق بالسيطرة على المسلمين، وأنه وطيد الصلة بنظرية مؤامرة مفضوحة ترى في المنظمات الإسلامية تنظيمات شائنة”12.

اشتعال الصراع

تشتعل المرحلة الراهنة من مراحل تدشين إدارة ترامب بنيران عدة، إحداها نار الصراع بين رافضي وجود جماعة “الإخوان المسلمون” في الولايات المتحدة، ومن ثم يدعون إلى “تسميتها” جماعة إرهابية، وبين فريق آخر يرى أن ارتباطات الجماعة بغيرها من اللجماعات الراديكالية في مصر والمنطقة وحول العالم لا يجعل منها جماعة إرهابية.

ضمن قاعدة المجتمع المدني ذات الروح الشعبوية الرافضة لوجود المسلمين في الولايات المتحدة، ثمة جماعات ضغط أمريكية تباشر حملات تجاه البيت الأبيض، للضغط على إدارة ترامب لتسمية جماعة الإخوان على لائحة المنظمات الإرهابية. وتحشد تلك المنظمات الأمريكيين تحت لافتة “اغتنام الفرصة التي أتيحت للولايات المتحدة والتي قد لا تتكرر”. ومن بين هذه الجماعات نجد مبادرة “قف لمصلحة أميركا Act for America”، والتي صنفها “مركز فقراء الجنوب القانوني Southern Poverty Law Center” باعتبارها منظمة كراهية، حيث أعلنت بريجيت جابرييل مؤسسة المبادرة أنها على “صلة مباشرة بالبيت الأبيض لاغتنام فرصة سنوات ترامب الأربعة للتخلص من جماعة الإخوان والمنظمات التي تمثل واجهة لها13.

وخلال فترة الإعداد لدخول ترامب البيت الأبيض، وحتى هذه الأيام، ما زالت حروب ترامب ومناصريه تشتعل في مواجهة المؤسسة السياسية الأمريكية. وقفة سريعة حيال مواقف الشبكة الضخمة من مؤيدي توجه ترامب الشعبوي، وبخاصة ضد وجود المسلمين على الأراضي الأمريكية من معارضي ترامب تكشف عمق المعركة بين الفريقين، والتي طالت مؤسسات بحساسية وكالة الاستخبارات المركزية.

أحد نماذج الهجوم على الوكالة هو موقع “حرب المعلومات Info Wars”، والذي يؤكد أن المتعاطفين مع جماعة الإخوان داخل “المخابرات المركزية الأمريكية” يقفون وراء تسريبات البيت الأبيض، والتي بدأت أولاها مع نهاية الأسبوع الأول لدخول ترامب البيت الأبيض (26 يناير). ويشير الموقع إلى أن بقايا أتباع جون برينان، مدير وكالة المخابرات الأمريكية خلال فترة إدارة اوباما يقف خلف تلك التسريبات من خلال أتباعه العاملين في البيت الأبيض.

ويرى المعسكر الرافض لوجود المسلمين في الولايات المتحدة أن “برينان” متعاطف مع المسلمين، وأنه قد قام بتنظيف جواز سفر باراك أوباما خلال فترة خدمة الأخير كعضو لمجلس الشيوخ الأمريكي، وهو الجميل الذي رده له أوباما بتعيينه في منصبه بالوكالة عندما حلف اليمين كرئيس للولايات المتحدة. ويعطي الموقع أمارات على تعاطف برينان مع المسلمين بالتذكير بدراسته في الجامعة الأمريكية بالقاهرة قبل التخرج، عارضين تسجيلات له في أحد مؤتمرات مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية قام به بتعريف “الجهاد” لا باعتباره عنفا، ولكن باعتباره نضال روحاني قيمي بحثا عن السلام داخل قلب الإنسان (الجهاد الأكبر). ويربط المركز بين ميول برينان وبين انتقاداته الحادة لـ”ترامب” منذ توليه منصبه بالبيت الأبيض14.

الحرب بدأت بين الفريقين على خلفية الشخصيات المركزية في إدارة ترامب. ومع غلبة الفريق اليميني الشعبوي المرتبط بترامب، فإن الصراع لم يكن على أنصار اليمين الشعبوي، بل على أنصار الفريق اليميني المحافظ. ومن بين تلك المعارك:

1. المعركة حول باترسون:

اللوبي الذي يتضمن عشرات المنظمات، وعشرات المواقع على الشبكة العنكبوتية، وبعض الصحف والقنوات التليفزيونية، شن حربا ضروسا ضد اسمين أساسيين بعينهما من قائمة فريق “ترامب”. ولنبدأ من آخر المعارك بين الفريقين، وهي المعركة حول منصب مساعد وزير الدفاع لشؤون السياسة، حيث يمكننا اليوم متابعة الاتهام الموجه للسيدة “آن باترسون”، سفيرة الولايات المتحدة السابقة في مصر وباكستان وكولومبيا والسلفادور والأمم المتحدة، ومساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى خلال إدارة أوباما، وهي مرشحة وزير الدفاع جيمس ماتيس لتكون مساعدة له لشؤون السياسة، وهو أرفع منصب مدني بالبنتاجون، ورابع أهم منصب فيه. الفريق اليميني الشعبوي من إدارة ترامب يتهم “باتروسون” بأنها تجمعها روابط قوية مع الرئيس المصري الأسبق والمعزول محمد مرسي.

أما الفريق الآخر، ويترأسه وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس، فأكد تمسكه بالسفيرة السابقة، ورفض محاولات لوصمها بتلك التهمة. مقربون من ماتيس صرحوا لوسائل إعلام أمريكية بأن الرجل يهتم جدا بالفريق المعاون له في مهام وظيفته، ويختارهم بعناية، ولا يرغب في أن يكون ضمن فريقه أحد يراه بعيدا عن المسار Off the Track15.

ولا يبدو، حتى تاريخ كتابة هذه السطور، أن ماتيس قد تمكن من حسم الأمر لصالحه؛ بما يعني عدم القطع بتقلد باترسون مهام المنصب الذي رشحها له، لكنه لا يعني رفضها؛ حتى الآن. غير أن سوابق تشير إلى أن إدارة أوباما شرسة جدا فيما يتعلق بالشخصيات التي تثار عليها عهلامات استفهام بين جماعات اللوبي المختلفة المؤيدة للرئيس الأمريكي. وسبق لترامب أن أصدر قراره برفض تعيين مساعد لوزير الخارجية ريكس تيليرسون على نفس الخلفية.

2. الصراع حول ماكماستر

لا شك في أن الصراع على هربرت ريموند ماكماستر كان الصراع الأهم باعتبار الرجل مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي. بدأ الأمر مع اتجاه الولايات المتحدة للتخلي عن أحد المهووسين برفض الإسلام السياسي، الجنرال مايكل فلين مستشار ترامب السابق للأمن القومي، بسبب قضية ربما كانت لترقى لاتهامه بالتخابر مع روسيا، حيث أعقبه ترامب بتعيين أحد نظرائه مستشارا للأمن القومي، إتش آر ماكمستر، بعد مواجهة بين فريقين حول التفضيل ما بين ماكمستر وجون بولتون وكينيث كيلوج16.

الكاتب اليهودي المعروف باهتماماته العسكرية “إيلي ليك” كتب لشبكة بلومبرج في مديح ماكمستر ما يبلور الخلاف حول العسكري قبل ترشيحه، وهو جعل الرجل يبدو سياسيا محنكا أكثر منه عسكريا ضيق الأفق، يقول ليك: “أن الرجل الذي أقنع المسلمين بالقتال إلى جانب الأمريكيين سيقضي وقته الآن في إقناع الرئيس الأمريكي بعدم تنفير أولئك الحلفاء من الولايات المتحدة مجددا”، في إيماءة إلى اتجاهه لثنيه عن السعي لتسمية الجماعة “تنظيما إرهابيا”17.

ماكمستر الذي بنى اسمه عبر إعادة كتابة الدليل الميداني للقوات الأمريكية التي تعمل في أراض مسلمة، حيث تمكن الرجل من إقناع قيادات سنية كانت تحارب القوات الأمريكية، وتؤثر التعامل مع تنظيم القاعدة على “موالاة الأمريكيين”، أقنعها بالقتال لصفوف القوات الأمريكية ضد تنظيم القاعدة، ثم صارت تقاتل تنظيم داعش لاحقا. الرجل قضى بضعة سنوات يعلم الجنود احترام مشاعر المسلمين، ويعلم القادة تحت أيديه أن المسلمين ليسوا شعبا ذو بعد واحد، وأنهم يرفضون الإرهاب كما الجميع، وأنهم يمكنهم القتال إلى جانب الأمريكيين لو آمنوا أنهم ليسوا العدو، هذا الرجل كان له فعلا ما فكر به. وهو ما زال يرى أن جماعة “الإخوان المسلمون” ليسوا أحبة، لكنهم حلفاء محتملون في الحرب على الإرهاب18.

كيف سيتصرف ترامب؟

سبق أن لفتنا إلى أن الاجتماع الذي طرح القرار للمناقشة تضمن إدراج الحرس الثوري الإيراني على نفس اللائحة، وبينما رأى نواب جمهوريون ضرورة إدراج الحرس الثوري كرسالة لإيران، إلا أن لم يكونوا بنفس الحماسة حيال وصم جماعة “الإخوان”، منوهين لتقارير صادرة عن أجهزة الاستخبارات ومجلس الأمن القومي تخلص إلى أنه لا يوجد أساس قانوني لوضع تلك الجماعة على لائحة المنظمات الإرهابية، فضلا عن أن هذه التسمية ستؤدي إلى نفور بعض حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة19.

هل يقود تيليرسون الملف؟

تسود حالة من عدم اليقين حيال ما ينتوي الرئيس دونالد ترامب فعله حيال هذا الملف، حيث يرى مراقبون أنه من المحتمل أن يوكل ترامب إلى ريكس تيلرسون، رئيس مجلس الإدارة السابق لمجموعة إكسون موبيل ووزير الخارجية في إدارة ترامب، عملية مراجعة موقف الجماعة، وما إذا كان على الإدارة الأمريكية أن تعتبرها منظمة إرهابية من عدمه، وفي حال توصيته بتسميتها، فقد يصدر القرار20.

وتشير رويترز في تقرير إخباري لها إلى أن تيلرسون قد صرح خلال جلسة استماع عقدها الكونجرس الأمريكي بأن جماعة الإخوان تعد وجها ممثلا Agent للإسلام الراديكالي، مثلها في ذلك – بحسبه – كمثل تنظيم القاعدة، وبعض التنظيمات الإسلامية في إيران21. وقد اختير تيلرسون بعد تزكية ودعم من عدد من الشخصيات الجمهورية البارزة، من بينهم وزيرة الخارجية السابقة كوندليزا رايس، ووزير الخارجية السابق جيمس بيكر، ووزير الدفاع السابق روبرت جيتس22. وفي توصية كوندوليزا رايس بالرجل إضاءة لما يمكن أن تكون عليه بصمته في الملف.

هل يحسم ماكمستر الملف؟

من جهة أخرى، وفي مواجهة اختصاص ريكس تيليرسون، فإن بعض مساندي ماكمستر في رؤيته يشككون في قدرة الرجل على التأثير في موقف إدارة ترامب من ملف “الإخوان”؛ بسبب غلبة الفريق الشعبوي ضمن إدارة “ترامب”، وموقفهم من القضية واضح، ومرجح أن ينقادوا لتصاعد الضغوط عليهم في هذا الصدد.

غير أن البعض الآخر يرى العكس. فتوازن وزير الدفاع جيمس ماتيس، وخبرة آن باترسون كمساعد لوزير الدفاع لشؤون السياسات، إن قبلت إدارة ترامب تسميتها تحت ضغوط ماتيس، يضاف إليها الآن هربرت ماكمستر الذي يترأس الآن مجلس الأمن القومي. ولعل هذه العلاقة الرسمية، فضلا عن الحاجة لنفوذ مكامستر تجعل تأثيره على ملف التنظيمات الإرهابية إيجابياً وتحمل له نفس بصمته خلال فترة تواجده بالعراق. غير أن ذلك يبدو مشروطا بفاعلية علاقات الإخوان بالفصائل الإسلامية في مناطق الالتهاب التي ستعنى بها الولايات المتحدة عسكريا وإستراتيجيا في مقتبل الأيام.

خلاصة:

لا يمكن القول بأن إدارة ترامب لا تعرف من هو إتش آر مكماستر. فالرجل في سيرته يضارع سيرة مايكل فلين، حيث خدم كلاهما في أرفع المناصب العسكرية، كما أن لهما إسهاماتهما النقدية للأدبيات والأداء العسكريين للجنود الأمريكيين، فضلا عن صيت ماكمستر الذي ذاع نتيجة نجاحه في تحقيق أهداف إستراتيجيته في إدارة الأقاليم المحتلة من جانب القوات الأمريكية، من حيث التقارب مع المسلمين وتوظيفهم لصالح الإستراتيجية الأمريكية، بالرغم من أن تكتيكاته تضمنت تسليح المسلمين، وإنشاء قوات شرطة نظامية.

ومن جهة أخرى، فإن إدارة “ترامب” تدرك أن خطاب الحملة قد لا يقبل الانسحاب على الواقع، ليس فيما يتعلق باعتبار جماعة “الإخوان” تنظيما إرهابيا، ولكن فيما يتعلق بالعلاقة مع العالم الإسلامي، على الأقل فيما يتعلق بالاتجاه لاحتواء “إيران”. وفي هذا السياق، يبدو ماكمستر مفتاحا إقليميا مهما، خاصة وأن صلاته الشخصية بقيادات سنية (لا شيعية) عراقية (الجار الأقرب والاكثر حظوة بالنفوذ الشيعي) لم تنقطع.

وفي هذا السياق، نكون قد اجبنا على السؤال الأول، وهو السؤال الخاص بالمقدمة، والمتمثل في تسمية الجماعة كمنظمة إرهابية كمدخل لمحاصرة حركة الحقوق المدنية للمسلمين الأمريكيين، ويبقى؛ كجزء ثان من هذه الدراسة، السؤال التالي: هل يكون العصف بحركة الحقوق المدنية لمسلمي الولايات المتحدة أيسر بعد وضع الجماعة على قائمة المنظمات الإرهابية؟

القبعة تنطوي على سوابق جديرة بالمتابعة والتأمل 23.

—————————

الهامش

(1)Peter Baker, White House Weighs Terrorist Designation for Muslim Brotherhood, New York Times, February 7, 2017. link

(2)Maxim Lott, Calls mount for Trump administration to label Muslim Brotherhood ‘terrorist organization’, Fox News, February 03, 2017. link

(3)FoxNews.com, Mattis’ Pentagon pick seen as supporter of Muslim Brotherhood, group Trump may outlaw, Fox News, March 10, 2017. link

(4) Christopher Mathias, Ted Cruz vs. The Muslim Brotherhood Boogeyman, Huffington Post, January 13, 2017. link

(5) Peter Baker, White House Weighs Terrorist Designation for Muslim Brotherhood,New York Times,Febraury 7, 2017.link

(6)Christine Williams, Ted Cruz introduces bill to designate Muslim Brotherhood a terrorist organization, Jihad Watch, January 13, 2017. link

(7)Christopher Mathias, Ted Cruz vs. The Muslim Brotherhood Boogeyman, Huffington Post, January 13, 2017. link

(8)Thomas Quiggin, Muslim Brotherhood Front Organizations, U.S. and Canada, Gate Stone Institute, January 31, 2017.link

(9)Stephen Piggott, Politicians, Anti-Muslim Leaders Urge Trump To Designate Muslim Brotherhood as Terrorist Organization, Southern Poverty Law Center, Febraury 13. 2017. link

(10)Peter Baker, White House Weighs Terrorist Designation for Muslim Brotherhood, New York Times, Febraury 7, 2017 link

(11)Mark Hosenball, Trump administration debates designating Muslim Brotherhood as terrorist group, Reuters, January 29, 2017. link

(12)Christopher Mathias, Ted Cruz vs. The Muslim Brotherhood Boogeyman, Huffington Post, January 13, 2017. link

(13) Christopher Mathias, Ted Cruz vs. The Muslim Brotherhood Boogeyman, Huffington Post, January 13, 2017. link

(14)Jerome Corsi, Muslim Sympathizers at CIA Behind Trump Leaks, Info Wars, February 16, 2017. link

(15)FoxNews.com, Mattis’ Pentagon pick seen as supporter of Muslim Brotherhood, group Trump may outlaw, Fox News, March 10, 2017. link

(16) Gabby Morrongiello, Trump to interview trio of candidates to replace Flynn, Washington Examiner, Febraury 17, 2017. link

(17) Eli Lake, Trump’s New Adviser Is Known for Respecting Muslims, Bloomberg, February 21, 2017. link

(18) Jon Finer, H.R. McMaster is hailed as the hero of Iraq’s Tal Afar, The Washington Post, February 24, 2017. link

(19)Peter Baker, White House Weighs Terrorist Designation for Muslim Brotherhood, New York Times, Febraury 7, 2017. link

(20)Peter Baker, White House Weighs Terrorist Designation for Muslim Brotherhood, New York Times, Febraury 7, 2017.link

(21) Mark Hosenball, Trump administration debates designating Muslim Brotherhood as terrorist group, Reuters, January 29, 2017. link

(22)BBC, Rex Tillerson – the wild card diplomat, BBC, February 1, 2017. link

(23) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *