fbpx
تحليلاتقلم وميدان

تركيا والبدائل الاقتصادية للاتحاد الأوروبي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

ظل النموذج التركي إلى ما قبل عام 2011 مرضيًا عنه من قبل أمريكا والاتحاد الأوروبي، وكان يُسوق على أنه النموذج الذي يجب أن يُحتذى به على الصعيد السياسي والتنموي، ولكن بعد ثورات الربيع العربي ودعم تركيا للقوى السياسية الثورية الجديدة بهذه الدول تغير الموقف تمامًا.

حيث رأت أوروبا وأمريكا أن تركيا تدعم تلك الحركات الثورية تمكينًا لمشروعها الإقليمي من جهة، ومن جهة أخرى تشجيع تلك الدول على نموذج جديد للتنمية قوامه الاعتماد على الذات، وبخاصة من خلال علاقات تركيا مع دول المنطقة العربية، وغيرها من الدول الافريقية غير العربية، حيث تركز تركيا دائمًا على وجود مصالح مشتركة مع تلك الدول، وإقامة استثمارات مشتركة، وعدم الاقتصار على حركة التجارة فقط.

التطور الأكبر لإنهيار جدار الثقة بين أوروبا وتركيا أتى بعد فشل محاولة الانقلاب العسكري في تركيا منتصف يوليو 2016، حيث قامت تركيا بحركة تطهير واسعة لكل من تُثار حوله شبهة المشاركة في هذا الانقلاب. وثمة توقعات وتقديرات سياسية أشارت إلى مساهمة دول غربية في دعم الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا.

رفعت أوروبا، وبخاصة أكبر دولتين في الاتحاد الأوروبي وهما المانيا وفرنسا عصا حقوق الإنسان، وحماية داعميهم في تركيا من ملاحقة الدولة التركية لكل من ساهم في دعم محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة. وكان رد الفعل من دول الاتحاد الأوروبي على تصرفات تركيا في مواجهة داعمي الانقلاب، هو تأجيل تنفيذ اتفاقها بشأن السماح لدخول الأتراك لدول الاتحاد الأوروبي بدون تأشيرة في أكتوبر 2016، مقابل الجهود التي بذلتها حكومة تركيا في الحد من حركة الهجرة غير الشرعية لأوروبا.

ففي مارس 2016 حددت القمة التركية الأوروبية 72 معيارًا لدخول الأتراك الاتحاد الأوروبي بدون تأشيرة، وسعت الحكومة التركية لتحقيق نحو 37 معيارًا حتى يونيو 2016، ولكن موقف أوروبا من تركيا بعد محولة الانقلاب العسكري الفاشل، يدلل على أن تركيا لو استوفت كافة المعايير لن يسمح لها بخطوة دخول مواطنيها للاتحاد الأوروبي بدون تأشيرة.

ومؤخرًا صرح رئيس الوزراء التركي علي بن يلدرم –حسب ما أوردته وكالة رويترز للأنباء-” إن على الاتحاد الأوربي ألا ينسى أن تركيا دائما لديها بدائل”، مشيرًا إلى مساعي أنقرة الطويلة والتي لم تكلل بنجاح حتى الآن للانضمام للاتحاد . وأضاف في مؤتمر لحزبه الحاكم العدالة والتنمية عقد السبت 22 أكتوبر الحالي: “تعمل تركيا منذ نصف قرن من أجل الانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي وقدمت أكثر مما يجب أن تقدمه والآن القرار للاتحاد الأوروبي”

العلاقات الاقتصادية لتركيا مع الاتحاد الأوروبي

ثمة مجموعة من المؤشرات يمكن من خلالها الوقوف على حجم العلاقات الاقتصادية بين أي طرفين، وسوف نكتفي هنا، بمؤشرات التجارة السلعية والاستثمار الأجنبي المباشر، والسياحة.

أولًا التجارة السلعية

التجارة السلعية لتركيا مع الاتحاد الأوروبي (القيمة بالمليار دولار)

المصدر: معهد الاحصاء التركي

يلاحظ من خلال بيانات الجدول المذكور عاليه، أن الميزان التجاري لصالح الاتحاد الأوروبي، ولا يعد ذلك مستغربًا، فالاتحاد يضم 26 دولة، ولكن يلاحظ على مدار سنوات الفترة التي شملت بيانات التجارة الخارجية لتركيا مع الاتحاد الأوروبي أن العجز في الميزان التجاري تراجع في عام 2014 مقارنة بما كان عليه في الفترة من 2010 – 2014، فوصل في عام 2015 لـ 14.9 مليار دولار، وهو ما يمثل قرابة 50% مما كان عليه في أعوام (2011، 2012، 2013).

ومثلت الصادرات التركية في عام 2015 نسبة 81% من قيمة وارداتها من الاتحاد الأوروبي، ويلاحظ كذلك أن تركيا تتبنى سياسة التخلي عن تركز تجارتها الخارجية مع الاتحاد الأوروبي، وهو ما يظهر من خلال البيانات التي تشير إلى أن نسبة استيعاب الاتحاد الأوروبي للصادرات التركية والتي بلغت في عام 2006 نحو 56.3%، بينما في عام 2015 تراجعت هذه النسبة إلى 44.5%.

ونفس الشئ ينطبق على نسبة الواردات من الاتحاد الأوروبي، من إجمالي الواردات التركية، ففي عام 2006 كانت هذه النسبة 42.6%، وانخفضت في عام 2015 إلى 38%، وهو ما يعني أن هناك جهودًا تبذل لخلق تجارة خارجية لتركيا في مناطق أخرى، مع الحفاظ على الاتحاد الأوروبي كأكبر شريك تجاري واقتصادي لتركيا خلال السنوات الماضية.

ثانيًا: الاستثمارات الأجنبية المباشرة

الاستثمار الأجنبي المباشر لبعض الجهات للفترة 2003 – 2014 (القيمة بالمليار دولار)

المصدر: البنك المركزي التركي

ويعد الاستثمار الأجنبي المباشر أحد الإيجابيات التي اتسمت بها التجربة التركية منذ عام 2005، ويلاحظ من البيانات المذكورة عاليه، أن الاتحاد الأوروبي مثل الجانب الأكثر أهمية لتدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وإن كانت السنوات (2006، 2007، 2008، 2011) هي الأفضل من حيث تدفقات الاستثمارات الأوروبية لتركيا.

وحتى في عام 2014 بلغت استثمارات الاتحاد الأوروبي قرابة نسبة 50% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المتدفقة لتركيا في ذلك العام.

ولكن حينما نطالع البيانات القُطرية والخاصة بتدفقات أبرز دول الاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى روسيا، نجد من بيانات الجدول التالي، أن روسيا تنافس بين دول أوروبية كبرى في أعوام (2011، 2013، 2014).

الاستثمارات الأجنبية المباشرة لبعض الدول في تركيا للفترة 2010–2014 (القيمة بالمليون دولار)

المصدر: البنك المركزي التركي

ثالثًا: السياحة

لازالت أوروبا تعد المصدر الرئيس للسائحين الوافدين لتركيا، وبما يمثل نسبة تزيد عن 50%، ولكن عند ترتيب السائحين الأجانب لتركيا حسب الدول نجد أن الوضع مختلف، حيث تأتي المانيا في الصدارة بنحو 5.5 مليون سائح، ثم روسيا بنحو 3.6 مليون سائح، ثم انجلترا بنحو 2.5 مليون سائح.

وتمثل السياحة الوافدة من أوروبا الشرقية رقمًا مهمًا لتركيا، حيث تحتل جورجيا المرتبة الأولى من بين هذه الدول، بنحو 1.9 مليون سائح، ثم بلغاريا 1.8 مليون سائح.

أما بالنسبة للدول الأسيوية فتأتي إيران في المقدمة بنحو 1.7 مليون سائح، ثم العراق بنحو 1.09 مليون سائح.

والجدير بالذكر أن السياحة في تركيا تأثرت خلال عام 2016 بشكل ملحوظ بسبب تداعيات أعمال العنف الناتجة عن ممارسات بعض القوى السياسية الداخلية، وكذلك أحداث إسقاط الطائرة الروسية. وأضيف إلى ذلك تداعيات محاولة الانقلاب العسكري الفاشل.

البدائل الاقتصادية التركية

العلاقات التركية الأوروبية بمكوناتها المختلفة ممتدة على مدار عقود، ومن الصعب تحولها مرة واحدة خلال سنوات قليلة، أو الانصراف عنها بالكلية، لازالت التجربة التركية في إطار الدول الصاعدة، وعلاقاتها بأوروبا مهمة لنقل التكنولوجيا واستجلاب الاستثمارات الأجنبية، والاستفادة من سوق يتجاوز عدد سكانه 350 مليون نسمة.

ولكن يلاحظ أن تركيا تبنت منذ سنوات مبكرة من تجربة حزب العدالة والتنمية استراتيجية الاتجاه شرقًا، تحسبًا لمثل هذا الموقف الذي تعيشه اليوم مع أوروبا.

فتركيا زادت من حجم علاقاتها التجارية والاقتصادية مع المنطقة العربية، وبخاصة في منطقة الخليج، وثمة أمر مهم أن تركيا على الرغم من توتر علاقاتها السياسية مع بعض الدول العربية، إلا أن علاقاتها الاقتصادية والتجارية كما هي، ولم تتأثر كثيرًا، وأن التأثير السلبي الضعيف الذي اعترى هذه العلاقة، ناتج عن تراجع الأوضاع الاقتصادية بتلك الدول.

فعلى سبيل المثال حجم التبادل التجاري بين مصر وتركيا لا يزال يدور حول رقم 4.7 مليار دولار – 4.9 مليار دولار. كما أن العراق تمثل البلد الثالث لتصريف الصادرات السلعية التركية.

كذلك ركزت تركيا في علاقاتها مع كل من روسيا وإيران، وسعت لإصلاح ما اعترى علاقاتها بهاتين الدولتين، على الرغم من البون الشاسع بين توجهاتها السياسية مع هاتين الدولتين، وبخاصة في سورية، وذلك بدوافع اقتصادية.

ولم تترك تركيا كل من أمريكا اللاتينية وأفريقيا، حيث يلاحظ أن هناك حضور متسارع لتركيا في تركيا على الصعيد الافريقي من حيث التبادل التجاري والاستثمارات، وكذلك المساعدات سواء على مستوى الحكومات أو المجتمع الأهلي.

ولكن تبقى قضية استغناء كل من تركيا والاتحاد الأوروبي مستبعدة من قبل الطرفين، وإن كان إمكانية تخفيض العلاقات الاقتصادية والتجارية وارد، وهو ما تتحسب تركيا لعدم تأثرها سلبيًا بهذا الأمر، والبحث عن بدائل تمثل ورقة ضغط لديها ضد الاتحاد الأوروبي، وبخاصة أن تركيا تعد الممر الأسهل والأفضل لمرور الغاز الطبيعي إلى أوروبا، سواء من قبل روسيا أو باقي دول أوروبا الشرقية، أو حتى من قبل الكيان الصهيوني.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close