fbpx
قلم وميدان

تركيا والمسألة الكردية: المتاح والضروري

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

تشكل مواجهة مشروع المنظمات الكردية المسلحة في سوريا أولوية تركيا في السياسة الخارجية وأساس مقاربتها للشأن السوري في السنوات الأخيرة، بسبب جدلية التأثر والتأثير – في الاتجاهيين – بين المسألة الكردية في كل من تركيا وسوريا، حيث ترى تركيا في مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي في الشمال السوري خطراً كبيراً على أمنها القومي.

تقول المقاربة التركية إن أي كيان سياسي (دويلة، ممر، حكم ذاتي، إدارة ذاتية) ينشئه الحزب بدعم خارجي وفق المعطيات الحالية سيؤدي إلى رفع سقف المطالب الكردية في الداخل التركي وسيصعّب من أي عملية حل سياسي محلية مستقبلية، فضلاً عن تخوف أنقرة من تحول هذا الكيان المفترض إلى منصة لتدريب عناصر حزب العمال الكردستاني وجبهة جديدة لشن العمليات ضدها، هذا إضافة لكونه كياناً عازلاً لتركيا عن سوريا والعالم العربي بطبيعته وقيادته وتوجهاته السياسية وتحالفاته الخارجية.

وتبدو هذه العلاقة الترابطية بين الملفين محدِّدة جداً في مسار المسألة الكردية في تركيا بشكل أكبر، بمعنى أن التطورات المتسارعة التي طرأت على المشهد السوري حظيت بتأثير أكبر على المسألة الكردية في تركيا وليس العكس، حصل ذلك بالأمس وسيحصل في المستقبل على الأرجح.

ذلك أن حكومات العدالة والتنمية أقدمت على خطوات كثيرة ومتتالية في سبيل حل المسألة الكردية وإنهاء مظلومية الأكراد التاريخية في تركيا على مدى سنوات عديدة. تعلق جزء منها بتنمية مناطق الأغلبية الكردية في الشرق والجنوب الشرقي للبلاد المهملة تاريخياً، وجزء آخر بحقوق الأكراد بحيث سمح بالتعليم والدعاية السياسية والتقاضي باللغة الكردية فضلاً عن إطلاق الحكومة قناة تلفزية حكومية رسمية ناطقة باللغة الكردية، وصولاً إلى مرحلة التفاوض السياسي مع العمال الكردستاني لإلقاء سلاحه وإنهاء حربه الانفصالية المستمرة منذ 1984 في مقابل الحقوق الكاملة للأكراد في تركيا على أساس المواطنة المتساوية التي سيقرها دستور جديد للبلاد.

بيد أن تطورات الأحداث في سوريا أدت لضعف الحكومة المركزية وسيطرتها على الأطراف وبالتالي سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي على بعض المناطق وإعلان إدارة ذاتية عليها، وشعوره بفرصة تاريخية لتأسيس دولة كردية لطالما حلم بها الأكراد، سيما مع الدعم الأمريكي الواضح. ساهمت هذه التطورات في عرقلة المساعي التركية لحل المسألة الكردية محلياً، فتوقفت العملية السياسية بعد رسالة شهيرة من عبدالله أوجلان تطلب من أنصاره إلقاء السلاح بعد الاتفاق مع الحكومة على وثيقة من 10 نقاط في آذار/مارس 2015، واستأنف حزب العمال الكردستاني عملياته العسكرية في تموز/يوليو من نفس العام متأثراً بالمتغيرات في سوريا والإقليم ومستثمراً تراجع حزب العدالة والتنمية في انتخابات حزيران/يونيو البرلمانية. أعلنت بعض البلديات في مناطق الأغلبية الكردية “إدارات ذاتية” وحُفرت الخنادق وأقيمت السواتر الترابية، وبدأت الدولة التركية مواجهة واسعة مع الحزب في المدن والبلدات الكردية منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا.

كما في الأمس، اليوم أيضاً تبدو تطورات المشهد الكردي في سوريا مؤثرة في المسألة الكردية في تركيا، إذ تفقد تركيا تدريجياً وبشكل بطيء جداً قدرتها على منع المشروع الكردي في الشمال السوري. صحيح أن عملية “درع الفرات” قد منعت التواصل الجغرافي بين الكانتونتين الشرقي (عين العرب والقامشلي) والغربي (عفرين) مؤقتاً وبالتالي حالت دون تحقيق الأرضية الجغرافية والجيوبوليتيكية المطلوبة لإعلان الدويلة الكردية، إلا أن ذلك لا يبدو كافياً على المديين المتوسط والبعيد في ظل الدعم المقدم للحزب ومشروعه.

وجدت الولايات المتحدة في حزب الاتحاد الديمقراطي وذراعه العسكرية وحدات الحماية ظهيراً محلياً وشريكاً في “الحرب على الإرهاب”، ليس فقط لأنه أبدى استعداداً وقدرة على مواجهة “داعش” ولكن أيضاً لأن توجهاته الفكرية لا تقلقها على المدى البعيد كما تفعل الفصائل ذات الخلفية الإسلامية. وعليه، لطالما دعمت واشنطن الحزب سياسياً وعسكرياً ولوجستياً في الماضي، لكن التطورات الأخيرة تبدو أكثر أهمية وخطورة.

فقد تنصلت الولايات المتحدة من تعهداتها لأنقرة بخروج قوات سوريا الديمقراطية – التي تتشكل غالبيتها من وحدات الحماية – من منبج، بل ونشرت قواتها هناك لحمايتها، إضافة لنشر قواتها على الحدود التركية – السورية “لمنع الاحتكاكات بين القوات التركية والكردية”، وزيارة بعض قياداتها لمقار الحزب التي قصفتها تركيا لأول مرة في كاراتشوك شرق الفرات، وتسيير دوريات مشتركة بين القوات الأمريكية والمنظمات الكردية في رسالة واضحة لتركيا.

أكثر من ذلك، وقع الرئيس الأمريكي مرسوماً يسمح للبنتاغون بتسليح المنظمات الكردية بالسلاح الثقيل قبل أيام فقط من زيارة اردوغان لواشنطن وخلال تواجد وفد تركي رفيع المستوى فيها، بما عنى بشكل واضح تفضيل ترمب للمنظمات الكردية على تركيا واستبعاد الأخيرة عملياً من معركة الرقة وتضييق هامش المناورة على تركيا في هذا الملف.

فإذا ما أضفنا لكل ذلك التواجد الروسي العسكري في عفرين وغيرها من الإشارات الروسية الواضحة (ومنها تعبير موسكو عن قلقها من القصف التركي الأخير)، فإن خيارات أنقرة للوقوف في وجه المشروع الكردي في سوريا تبدو ضيقة جداً وفي مسار متراجع باضطراد. أكثر من ذلك، فإن تركيا لا تملك من الناحية السياسية والقانونية القدرة على منع أي حل فيدرالي (وبالتالي حكم ذاتي للأكراد) في سوريا إذا ما اتفقت الأطراف المختلفة عليه، اللهم إلا علاقتها الجيدة ونفوذها القوي لدى المعارضة السورية، وهو عامل غير مستقر أو حاسم بطبيعة الحال.

وعليه، إذا ما اتضح أن تركيا تسير قدماً نحو فقد القدرة على التأثير في المشروع السياسي الكردي في سوريا، فإن طريق منع التأثيرات السلبية لذلك عليها تبدأ في تركيا عبر تحصين جبهتها الداخلية. لقد توقفت العملية السياسية في تركيا مع الأكراد، أي حزب العمال وذراعه السياسية حزب الشعوب الديمقراطي، منذ تموز/يوليو 2015، لكن هناك فرصة ينبغي على أنقرة التقاطها وضرورةً للعودة للعملية السياسية، سيما في ظل عدة عوامل مشجعة ومساندة أهمها:

أولاً، أن حل القضية الكردية في تركياً محلياً ما زال خياراً استراتيجياً للعدالة والتنمية بقيادة اردوغان، لما له من دور في تمتين النسيج المجتمعي وتحصين الجبهة الداخلية وغلق الباب أمام التدخلات الخارجية، فضلاً عن السعي لإنهاء المظلومية التاريخية لأكراد تركيا والتي لا ينفيها الحزب.

ثانياً، نتائج تصويت الاستفتاء الشعبي على التعديل الدستوري الشهر الفائت، والتي قدمت مناطق الأغلبية الكردية فيه ثلاث رسائل أساسية، تمثلت في تراجع شعبية الشعوب الديمقراطي (رغم بقائها عالية)، والتأكيد على الحل المحلي “التركي”، والثقة بشخص اردوغان لاستكمال ما بدأه على هذا الصعيد.

ثالثاً، كسر شوكة حزب العمال الكردستاني العسكرية إلى حد بعيد، فقد أفشلت القوات الأمنية التركية حالة العصيان في المدن والبلدات وأنهت حالة حرب العصابات وأزالت الخنادق والأنفاق والسواتر الترابية، وأخرجت الجزء الأكبر من عناصر الكردستاني إلى خارج الأراضي التركية وخفضت بشكل ملحوظ وتيرة عملياته التفجيرية والانتحارية، وما زالت مستمرة في مواجهته بشكل فعال.

رابعاً، أعلنت الحكومة التركية مراراً أنها لن تعود لعملية السلام كما كانت مسبقاً ولن يكون حزب العمال الكردستاني شريكاً لها فيها وهو ما يعني حاجتها الماسة لشركاء جدد تعمل على كسبهم و/أو صناعتهم منذ فترة. من هؤلاء الشركاء الذين كسبتهم الدولة التركية أحزاب منافسة في الساحة الكردية ووجوه العشائر الكردية ومنظمات المجتمع المدني وشخصيات اعتبارية كردية، فضلاً عن حضور العدالة والتنمية نفسه في الشارع الكردي ووجود عدد لا بأس به من الوزراء والنواب الأكراد في الحكومة والحزب الحاكم.

خامساً، تعمل الحكومة التركية على كسر هيمنة العمال الكردستاني والشعوب الديمقراطي على الشارع الكردي ودحض ادعاء احتكارهما لتمثيل أكراد تركيا. في هذا الإطار، يبدو تراجع شعبية الأخير وسط حاضنته الشعبية ومشكلاته الداخلية التي يعاني منها منذ أشهر (اعتقال بعض        قياداته للتحقيق معهم) وتراجع نسبة التأييد له في استطلاعات الرأي، يبدو كل ذلك مشجعاً على إطلاق عملية سياسية جديدة، سيما وأنه أدى لبروز أصوات داخل الحزب نفسه تتحدث عن مراجعات وأخطاء أقدم عليها الحزب مؤخراً.

سادساً، صدرت عدة إشارات عن اردوغان والحكومة والعدالة والتنمية تغذي هذا الاتجاه، أولها حديث اردوغان خلال الحملة الانتخابية عن إمكانية العودة للحل السياسي، واحتفاؤه ليلة الاستفتاء بنتيجة مناطق الأغلبية الكردية على وجه الخصوص، وتغيرات اللجنة التنفيذية للعدالة والتنمية في مؤتمره الاستثنائي الأسبوع الفائت، وغيرها الكثير.

في الخلاصة، تبدو تركيا على المدى البعيد غير قادرة على منع تبلور المشروع الكردي السياسي في سوريا، إلا بعملية عسكرية مباشرة على غرار “درع الفرات” تكتنف مخاطر كبيرة قد تشمل مواجهة بمستوى أو آخر مع الولايات المتحدة. وبالتالي إن أرادت حماية نفسها من ارتدادات ذلك على جبهتها الداخلية فعليها العودة للاهتمام بحل قضيتها الكردية الداخلية حلاً محلياً ذاتياً، سيما وأن الكثير من العوامل والفواعل والمتغيرات تساعد على ذلك حالياً. وهو ما يعني أن المسارعة إلى ذلك ضرورة تركية قبل أن تكون مجرد أمر متاح وفق الظروف والمعطيات الحالية.

ولئن كان مفهوماً إصرار الحكومة التركية على استبعاد العمال الكردستاني والشعوب الديمقراطي من أي حل مستقبلي مفترض مع الأكراد بسبب حالة عدم الثقة لما فعله الطرفان منذ 2015، إلا أن ذلك لا يبدو ممكناً ولا واقعياً. ذلك أن هدف عملية التسوية الداخلية هو الوصول لإنهاء الصراع المسلح وإدماج الأكراد تماماً في الحياة السياسية والمجتمعية التركية، وهذا يتطلب أن يكون حامل السلاح اليوم طرفاً في الحل بطريقة أو بأخرى.

وعليه، وكخطوة أولى، لا يمكن استبعاد حزب الشعوب الديمقراطي كحزب سياسي يعمل وفق الدستور التركي وكطرف محسوب على الكردستاني من أي خطوات قادمة بهذا الاتجاه، سيما إذا ما أثبت أنه غير رؤيته وخطابه وسياساته والتزم فعلاً بالحل المحلي، إضافة طبعاً للاعبين الآخرين الذين سبق ذكرهم بحيث لا يحتكر الشعوب الديمقراطي الحديث باسم الأكراد.

إن واجب الوقت على تركيا، لتحمي نفسها من تداعيات المتغيرات الإقليمية وتأثيرات سيناريوهات التقسيم في المنطقة، هو إطلاق عملية سياسية للقضية الكردية المحلية، وإن اختلف اسمها وخارطة طريقها وبعض فواعلها استفادةً من أخطاء العملية السابقة، وتبدو الظروف اليوم مهيئة لخطوة من هذا القبيل بما يعني أنها قد تكون الفرصة الأخيرة لتركيا (1).

——————————–

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close