fbpx
سياسةتقارير

تسجيلات محمد علي: قراءة بين السطور

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تعمل هذه الدراسة على إعمال المنهج السيميائي في تحليل منظومة الإشارات التي أصدرها، ولا يزال، المقاول السابق والفنان محمد علي على اليوتيوب لتوجيه رسائل الشكوى من فشل الجيش المصري في تعويضه عن نفقات وخسائر المشروعات التي أمر بالإسناد المباشر بتنفيذها لرفاهية السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي وزوجته انتصار وأصدقائه المقربين.

يتناول التحليل في الجزء الأول عناصر تكوين محمد علي لخطابه من حيث الإشارات الجسدية، عناصر الشاشة، خلفية التصوير، الألوان، انعكاس المتلقي على الشاشة، والتراكيب اللغوية التي يستعملها، بالإضافة إلى تحليل مختصر للمضمون يوضح تسلسل الأفكار وانتقالها من مرحلة لأخرى، والمؤشرات التي تثبت الانتقال.

في الجزء الثاني من  الورقة يقدم الباحثان تأطيرًا تاريخيًا وسياقيًا يوضح ملابسات وخلفية وسياق تلك الرسائل المصورة، ويبدأ ببحث مختصر في محاولات التغيير السابقة بين عامي 2013 و 2019، أطراف الصراع السياسي في الساحة المصرية، دوافع التغيير الجاري (أولا: دافع الفرص متمثلا في واقعة محمد علي، تراجع الدعم الإقليمي على خلفية الإشكال بين مصر والسعودية في اليمن وميل السيسي لطرف بن زايد، تراجع الدعم الأمريكي للسيسي باعتبار علاقة الإدارة الأمريكية بالجيش المصري علاقة وظيفية مع المؤسسة كلها وليس علاقة استراتيجية مع شخص السيسي وباعتبار استقدام مصر للطائرات الروسية) (ثانيا: دافع التحولات الجارية باعتبار تحول مؤسسة الحكم في مصر لحق حصري لبطانة السيسي من الجيش وسعيه لمأسسة هذا الاحتكار بإنشاء ما سمي بـ “عقل الدولة” واستدامة حكمه الشخصي بإتاحة الطريق لتوريث الحكم لابنه محمود (المؤشرات) والثالث دافع الاستراتيجية الخاطئة التي فرضها السيسي مثل تغيير العقيدة العسكرية، بيع الأرض، إعادة توزيع القوات بإعادة تعريف العدو، استراتيجيته الشخصية في تصفية العداوات والدهس على أي معارضة سياسية.

ثم تتناول الورقة أهداف التغيير الحالي كما ينعكس من الإشارات والمحتوي الوارد في تسجيلات محمد علي، وأولها اغتيال شخصية الرئيس الحالي، تثوير الشعب، ثم إعادة ترتيب أوضاع المؤسسة العسكرية في الحكم بالتفاوض مع السيسي او الإطاحة به أو تصفيته.

الإطار النظري ومنهج الدراسة:

يعتبر المجتمع المصري كسائر المجتمعات مؤسسًا من مجموعة من الإشارات حيث تعمل الرموز والصور والكلمات والأشياء والحركات أو الـ gestures في منح مضامين متعددة الاتجاه والمستوى وتعكس الثقافة العامة والثقافة المحلية والأفكار المسيطرة على المخيال السياسي للشعب. ويعد الانتشار المذهل لتسجيلات محمد علي ونسب الزيارة المتصاعدة على صفحته “أسرار محمد علي” مؤشرًا لشعبية الفنان والمقاول السابق وأثره الكبير على المجال السياسي -الاجتماعي في مصر.

تحول محمد علي من فنان مغمور إلى بطل “قومي” لملايين المصريين في غضون أيام قليلة، انتشرت صفحته بين مئات الآلاف وتصدر الهاشتاج الذي أطبقه “ارحل يا سيسي” في تويتر والفيسبوك، وأخيرا ظهرت الأغنيات الشعبية تمتدح البطل القومي وتحكي فساد رئيس الجمهورية الحالي.

يركز المنهج السيميائي على الإشارات الواردة من الصور والأصوات والحركات والأشياء ويهدف لتحليل المعاني التي يتم التعبير عنها من خلال تلك الوسائط إضافة إلى الخطاب الموجه للمتلقي وما ينعكس في هذا التواصل من رسائل وسياقات مضمنة والهدف من تلك الرسائل بحسب تفسير المتلقي للإشارات وبحسب سياقها الذي يتم تفسيرها فيه….

وبالتالي قد يزيد التحليل السيميائي من تعقيد الموضوعات محل البحث لزخم الإشارات الواردة في كل تواصل ولتعدد أوجه تفسيرها والمعاني الكامنة فيها، وبالتالي نحاول في تلك الورقة انتقاء الإشارات الشائعة والمتكررة ومضامينها بتحليل السياق السياسي والاجتماعي لتلك التسجيلات.

ويعرف Peircean الإشارة بأنها “شيء يعبر عن دلالة ما لشخص معين باعتبار/بإمكانية معينة”[1] ومن ثم فالإشارة هي مجموع ثلاثة عناصر: المشار إليه، الإشارة – طريقة الدلالة على أو تمثيل المشار إليه- وكيفية تفسير الإشارة أي المفسر. وبحسب نموذج Saussure فإن دراسة تمثيل المشار إليه والتفسيرات الكامنة في الإشارة تحتاج لفهم عملية “التدليل” أو العلاقة بين المحتوي ووسيلة التعبير عنه التي تعكس عمقًا مجازيًا يتلقاه المشاهد..

ولأن “الإشارة” المجردة لا تعكس كل التعقيدات المضمنة في الإشارة البصرية أو اللغوية، فإن معناها انما يكتسب أهميته من المحيط الاجتماعي والسياسي [2] ومن ثم فمن الضروري دراسة السياق الاجتماعي السياسي الذي تظهر الإشارات فيه ويتم تفسيرها بحسبه.

وبحسب هاليداي[3] فإن الإشارة السيمائية لأي سياق اجتماعي تتضمن ثلاثة أبعاد مفاهيمية أو وظيفية: طبيعة أو وصف النشاط، العلاقات والتفاعلات بين المشاركين في النشاط، والقناة أو المنصة التي تقدم وسيطًا لإظهار تلك الأنشطة، وتحدد هذه الثلاثة التشكيل الدلالي وأنماط الخطاب في السياق الاجتماعي.

وفي محاولة تحليل تسجيلات الفنان محمد علي باستعمال تلك العناصر الثلاثة فمن المهم الأخذ بالاعتبار السياق أو الهياكل الدلالية المحيطة بإشاراته والتي يمكن التعامل معها باعتبارها العنصر الثابت في إطار تغير وتعددية أبعاد الإشارات، هذا الثبات الذي يؤسس نسبيًا لمعنى الإشارات في كل حلقة من تسجيلات “محمد علي” لكنه سرعان ما يتغير ليتشكل “ثابت” آخر يؤطر لمعاني الإشارات في الحلقات اللاحقة، وهكذا تتطور العلاقة بين الإشارة والسياق المحيط بها ليعكس ديناميكية السياق الاجتماعي السياسي.

ورغم أن هذا الجانب من التحليل السيميائي هو ما يبرر انتقاده بغياب موضوعية التحليل، للاعتماد الكبير على تحليل القائم بتفسير الإشارات، وعدم القدرة على تعميم النتائج، إلا أنه أنجع المناهج في تحليل الهياكل البصرية والمعاني المشار إليها عبر الوسائط المرئية مثل اليوتيوب، وتعد الدراسات السيميائية لأغنيات الحملات الانتخابية المصورة بابًا واسعًا لتطبيق المنهج بالإضافة إلى الصور الثابتة مثل بوسترات المرشحين الانتخابيين ، كما يشمل المنهج تحليل الصورة الأيقونيةiconography  بتمحيص السياق الثقافي/السياسي الذي يتم فيه استيعاب الإشارات وكيف تمثل الامتدادات المرئية لهذا السياق وتنعكس في الإشارات المرسلة والمعاني المشار إليها، ولأن مجال الدلالة البصرية غير محدود تأتي تحليل النصوص في المنهج السيميائي لتحدد وجهة المعنى المشار إليه بالإضافة إلى وضعية المتحدث وحركات الجسد والتراكيب اللغوية والألوان المستعملة والأداء الصوتي/الحركي.

كما يشمل التحليل السيميائي تحليل الخطاب الذي يعيد هيكلة المعاني من خلال العبارات الدالة على الواقع/الحقائق الاجتماعية/السياسية بحسب ادعاء القائم بالخطاب، ويبلغ الخطاب أقصي درجات التأثير حينما يستمد هيمنته وقيمه من الثقافة المهيمنة في سياق الخطاب بحيث يبدو الخطاب طبيعيًا وcommon-sense like في حال ما يهدف إلى تغيير هام في الأوضاع القائمة. وبينما يشيع استعمال منهج تحليل الخطاب لدراسة الأيدولوجيا المهيمنة على المجتمع وكيف يتم تدعميها واستبقائها من خلال الهياكل المنطقية، مثل دراسة فوكو[4] لتأسيس الجهات الصحية والعلمية والدينية في القرن الـ 18 والـ 19 لخطاب الجنسانية الذي تم توظيفه لوضع حدود الممارسات الشخصية، وكذلك دراسة جولد هاجن[5] للأيدولوجيات المهيمنة التي شيطنت الديانة اليهودية ووفرت إطارًا منطقيًا وثقافيا لقبول الشعب الألماني لأحداث “الهولوكوست” خلال القرن الماضي، فإن نفس المنهج يستعمل لدراسة التحولات الاجتماعية/السياسية التي تبنى على المنطق الشعبوي وتستمد مصداقيتها من السياق والعلاقات القائمة بين الفاعلين فيه.

وتبعا لدراسة محمد النواوي ومحمد المصري[6]، تقوم هذه الورقة بتطبيق منهج كريس ولي وين[7] التي تفصل أبعادًا ثلاثة لتحليل المعنى: المعنى التمثيلي، المعنى التفاعلي، والمعنى التركيبي

ويشير المعنى التمثيلي إلى النمط المنطقي المستعمل في التسجيل سواء كان مفاهيميًا أو سرديًا، ويمثل النمط المفاهيمي المشارك/المشاركين في التسجيل (في هذه الورقة يكون محمد علي فقط) بطبيعتهم العامة المستقرة واللازمنية، بينما يمثل النمط السردي المشاركين بطبيعتهم الحركية ودينامية الأحداث وعمليات التغيير والترتيبات الانتقالية المكانية

أما المعنى التفاعلي فيشير للتفاعل بين المتلقين والمشارك في التسجيل، من حيث: نوع التواصل، المسافة، وزاوية نظر المتلقي.

وينقسم معنى التواصل إلى تواصل “طلبي” بحيث يطلب المشارك في التسجيل بالتعبيرات الرمزية وحركات الجسد من المتلقين تطوير معني معين والقيام بأفعال وسلوكيات بعينها، بينما يهتم التواصل “العرضي” يعرض المشارك بعيدًا منفصلا عن المشاهدين كأنه يطرح معلومات فقط.

أما المسافة فتعبر عن درجة “التلاحم” أو “التباعد” المسافي بين المشارك والمتلقي وتعتبر الـ close-up shotأكثر المسافات اختصارًا لتعكس أدق تفاصيل المشارك بحيث يمتلأ إطار التصوير بوجه المشارك أو جسده فقط وتستعمل في توصيل المشاعر وردود الأفعال المتغيرة بوتيرة عالية أو الطارئة على المشارك لخلق تقارب شديد مع المتلقي واستدعائه للمحيط الشخصي الخاص بالمشارك بغرض أن يتفهم بدقة الدلالات المعنوية والوجدانية للمشارك.

وبالمقابل تعتبر الـ medium shot وسيطًا بين اللقطات البعيدة والقصيرة، وهي الأكثر شيوعًا في تصوير الأفلام ومقاطع التسجيل وتخدم المقاطع التي يكثر فيها الحوار لتلتقط حركات الجسد وغالبا ما يتكون الكادر من عدة أشياء بجانب المشارك وكذلك جزءًا من الخلفية وتظهر بهذا الشكل تفاصيل مادية أكثر عددا من اللقطة القريبة وأقل، وأدق، من اللقطة البعيدة.

على الطرف الآخر تأتي اللقطة البعيدة long shot لتظهر المشهد من مسافة بعيدة ولتركز على المحيط/البيئة المحيطة بالمشارك، وتناسب المواضع التي يكثر ويتماثل فيها عناصر اللقطة مثل مشهد السيارات في الزحام والأمواج وخلافه.

أما زاوية نظر المتلقي: فتعكس التوازن أو عدمه بين المشارك وبيئة (كادر) التصوير، ففي بعض الأحيان يهتم المشارك بإبراز وجوده على حساب كادر التصوير والعكس كما تعكس التوازن بين المشارك والمشاهد فتشير الزاوية المباشرة (المستقيمة) للتواصل المتعادل مع المتلقي، بينما تشير الزوايا العالية والأفقية لقوة المشارك إزاء المتلقي.

أما المعنى التركيبي فيتشكل من أربعة عناصر: (1) قيمة المعلومة: (وضعية الأدوات أو عناصر الكادر يمينا أو يسارا بالاتجاه الأعلى أو الأدنى) (2) الإطار: الذي يصل بين عناصر الصورة أو يفصلها بالمسافات أو بخطوط بينية، (3) البروز: توضيح بعض عناصر الصورة أمام عين المتلقي دون غيرها (4) الواقعية: مدي قرب عناصر الصورة مثل المشارك والبيئة المحيطة به من الواقع، مثلا: فلتر الكاميرا قد يبرز وجه المشارك بشكل لا زمني، أو تاريخي، أو كصورة مرسومة باليد.

ومن خلال تحليل التسجيلات نبرز كيف أن محمد علي قام بتركيب ظهوره على الشاشة من خلال هياكل سردية معينة مثل تعبيرات الوجه، حركات الجسد، وتلويحات اليد، كما نحلل المسافة بين محمد علي والمتلقي والمضامين الرمزية وزوايا النظر المستعملة مثل الزاوية المباشرة (الأمامية) والجانبية والمسافة القريبة والمتوسطة ومستوي نظر المتلقي وقربه من تفاصيل المشارك، كما نقوم بتحليل مضامين الخطاب وتحولاته في سياق تطورات الوضع الاجتماعي والسياسي  ونسبية التركيز في الرسائل بعرضها تكرارًا باللفظ والحركة والدلالة للتأثير على تصور المتلقي لها وتوجيهه ليكون أكثر دقة وقربًا من ذهن المشارك.

أساليب جمع المعلومات

تقوم الدراسة بتحليل ثلاثة مقاطع تسجيلية أذاعها الفنان محمد علي بعد تظاهرات 20 سبتمبر بالإضافة إلى تحليل مختصر لمضمون التسجيلات المذاعة منذ مطلع سبتمبر إلى 20 من الشهر الجاري.

النتائج

بدأ الفنان “محمد علي” في إذاعة تسجيلاته من خلال اليوتيوب وصفحة الـFacebook  في أوائل شهر سبتمبر الحالي للمطالبة بسداد المديونيات المترتبة على المؤسسة العسكرية بعد إسناد عدد من المشروعات العقارية إلى شركته “أملاك” وعدم سداد مستحقاته المتأخرة، في التسجيل الأول وجه محمد علي مطلبًا أساسيًا وهو سداد المستحقات البالغة 220 مليون جنيه، ثم بداية من التسجيل الثاني وحتي الآن، تطورت مطالبه إلى دعوة الجماهير للثورة على النظام الحالي لفساده الفاحش وخيانته للوطن، بالإضافة لإهانة رمزه (الجنرال السيسي) للوطن في المحافل الدولية، ويزعم محمد علي أن هذا نابعًا من شعوره بـمعاناة الفقراء والمحرومين حيث انتمي إليهم لفترة طويلة من حياته في الأجزاء الشعبية الفقيرة من حي العجوزة، ونابعًا من شعوره بالوطنية وضرورة “تشريف” مصر أمام العالم.  وفي توضيح تلك النقاط يطرق محمد علي في كل تسجيل مصفوفة محددة من الموضوعات بطرق مختلفة: أولها إهانة رمزية الرئيس الحالي بصفاته الجسدية والسلوكية ومقولاته الغير موفقة وبعض سياساته التي أفضت للتفريط في أرض الوطن (تيران وصنافير) فضلا عن سفهه في إنفاق أموال الدولة وتبذيره الفاحش بينما يأمر الفقراء بتحمل المستحيل بدعوى إنهم “فقرا أوي”. ثانيًا: التركيز على الانقسام داخل الجيش المصري وأن مؤسسة الجيش والشرطة غير راضية عن تصدره النظام السياسي وتصرفاته الحالية. ثالثًا: كونه، أي محمد علي، من طين الشعب وأنه “تائب” من فساد المنظومة الحاكمة ويريد إنقاذ الفقراء، بمعني آخر، نحت محمد علي لتصوره عن ذاته أنه “بطل شعبي”، “برنس”، لديه من الوفاء والإخلاص ما يكفي للتنازل عن أمواله لكي يفتح عيون الفقراء على بذخ الحاكم ويتحمل الملاحقات والثمن المحتمل – دمه شخصيا- وتكرار تلك الرسالة بما يوحي لقوة الشكوك المحيطة بتوقيت إذاعة تسجيلاته وهو ما سوف يأتي في التحليل أدناه. 

وعلي تلك المحاور تدور التسجيلات مضمونًا بنحو أربعة عشر تسجيلا قبل انعقاد مؤتمر الشباب الذي حاول فيه الجنرال السيسي الرد على اتهامات “محمد علي” ليؤكد أنه بنى وسوف يبني المزيد من القصور لأجل مصر، ما أدى لتفجير تظاهرات الجمعة 20 سبتمبر الجاري والتي تناولتها الأجهزة الأمنية بقمع متوسط المدى رغم وصول أعداد المعتقلين لنحو 1300 شاب وفتاة في أيام قليلة.

وبالتالي نركز في الورقة الحالية على تحليل مفصل للثلاثة تسجيلات التي أعقبت يوم 20 سبتمبر (من 21 إلى 23 سبتمبر) وتحليل الأسباب والسيناريو المتوقع لتلك التطورات استدلالاً من الإشارات التي يلقيها و “يؤديها” محمد علي من خلف الشاشة.

يجتمع في التسجيلات الثلاثة عدد من الأفكار المطروقة نجملها في النقاط التالية:

1- توجيه الخطاب لقوات الجيش والشرطة لتجنب إعمال القمع الشديد تجاه المتظاهرين، بينما يطالب بالإفراج عن معتقلي مظاهرات 20 سبتمبر والمعتقلين والإشارة لتعاون الضباط مع دعوات “محمد علي”، وذلك في يوم 21 سبتمبر، ليأتي تسجيل اليوم التالي يشير لدور رجال الأعمال المنتفعين من السيسي في الوقيعة بين مؤسستي الجيش والشرطة، والتحذير من وضع الجيش والشرطة في مواجهة الشعب، واستمالة ضباط الشرطة بذكر دلائل معاملتهم كمستوى أدنى من الجيش والقضاء، وضعف نفوذ مديريات الأمن في مواجهة الهيئات العسكرية مثل أمن الدولة والمخابرات العامة والحربية وغيرها ، كل ذلك في محاولة لإثارة غضب الضباط والعساكر ضد التوزيع الغير عادل للسلطة والصلاحية داخل المنظومة الأمنية واستقطابهم لصالح التغيير المرتقب.

وفي التسجيل التالي يوم 22 سبتمبر يشير محمد علي لسياسة السلطة في “الوقيعة” بين كافة المؤسسات داخل الدولة لا سيما الأمنية لضمان سيادة الحاكم “الفرد” بحسب منهج “فرق تسد”، مدللا بالشواهد من تبارز الهيئات الحكومية للعداء تنافسًا على مكاسب السلطة (الحوافز والبدلات والمكافآت والمجاملات) وأن هذا هو أصل الفساد الذي يسمح لـ 20 بالمئة فقط (أي دائرة المنتفعين الضيقة حول النخبة السياسية) بالاستفادة من كافة الموارد والثروات، وهذا ما ينبغي التخلص منه وليس القبض على موظف مرتشي في مصلحة حكومية ما (وهنا تأتي إشارة لمحاولة تبرئة نفسه من تهمة الفساد أنه ليس منشئًا لتلك المنظومة بل مفعول به ومضطر للتعامل معها لكسب العيش، وكما لا ينبغي الانتقام من الموظف المرتشي قبل إصلاح منظومة الأجور، فلا ينبغي الانتقام من محمد علي أو تشويهه قبل تغيير المنظومة الفاسدة كلها)

2- المقارنة بين الرئيس الحالي الجنرال السيسي والرئيس السابق محمد حسني مبارك لصالح الأخير كون السيسي “فاسد -خائن – باع تيران وصنافير” وأهان صورة مصر بتقبيل رأس الملك السعودي وتصرفاته غير اللائقة في حضور الرئيس الأمريكي ترامب وولي العهد السعودي، ومثال على مقارناته في هذا الصدد قوله يوم 23 سبتمبر: “مبارك كان فاشل مبيعرفش يدير…. احنا بنقول عليه فاسد؟؟ دا ملاك جنبك، انت خاين برخصة”

3- تبرئة نفسه من الشكوك المثارة حوله كونه “عميل” أو “مأجور” يهدف للإيقاع بالأبرياء في السجون وإشباع النزعة السادية لمؤسسات الأمن بتعذيب المزيد المعارضين أو التعرف على مستوى الغضب الكامن بالشارع المصري:

وفي هذا الإطار يتحدث محمد علي عن نفسه في 21 سبتمبر أنه “ابن بلد” الذي يتحمل تضحيات جسيمة مثل المتظاهرين: “انا منكم… طلعت شفت دا… وشفتكم برضه متبهدلين… صعب عليا اخواتي – كان سهل جدا زي ما اشتغلت معاهم خمستاشر سنة كنت أنيمهم وخدت الـ 220 مليون بتوعي، مفرقتش، وكنت معبرتش حد، وعشت هناك وعشت هنا، ومتبهدلتش ولا أنا ولا عيالي”.

كما يأتي تسجيل 23 سبتمبر ليحاول محمد علي محاولة امتصاص الغضب كونه يثير الجماهير وهو في أمان من البطش الأمني، أولا بتوجيه النصيحة بالنزول في تجمعات – “أنا حامي نفسي بره – أسيبكوا انتو تموتوا؟! (كما لو أن محمد علي لا يعلم أن هناك من قتلوا بدم بارد في مسيرات سلمية 2013)  وثانيا: الإشارة لقدرته على مساعدة المتضررين من دعوته والانتقام من المهاجمين:  “الحكومة اعتقلت بتاع 165 معتقل “وإن شاء الله هنخرجهم كلهم” – (دول ضباط خونة وحسابكم عسير عشان تضرب على أخوك نار)، وثالثًا بالإشارة لتضحياته الجسيمة من وجهة نظره: موضعا نفسه في الصراع الذي ينشبه بين الجماهير والسيسي بقوله ” مانا ممكن اضبط حالي معاهم وانتو تفضلوا تاكلوا من الزبالة” مع الإشارة للجماهير بالأسفل وللحكام وهو معهم بالأعلى، على اعتبار أنه تنازل عن الكثير لصالح الجماهير.

وفي محاولة “علي” تبرئة نفسه من التنسيق أو العمالة لبعض الأجهزة الأمنية، فإنه يحاول في نفس الوقت إرسال رسائل لطمأنة المتظاهرين بعدم وقوع عنف تجاههم وقدرته على إخراج المعتقلين ومغازلة أحلام عشرات الألوف من أهالي المعتقلين الذين راودتهم أحلام الاجتماع بذويهم من المسجونين في قضايا سياسية بعدما يكتمل سقوط النظام الحالي. يحاول “محمد علي” أن يدلل على نزاهته مرارًا ونفي “العمالة” بينما يطمئن، في الوقت نفسه، مشاهديه أنه “مسنود” ويستطيع مساعدة المتضررين من دعواته للتظاهر، وهذا التناقض، تزامنًا مع التركيز على نحت صورة “البطل الشعبي الشجاع” في نفوس مشاهديه، هو ما يستدعي محاولات قلب النظام من داخل المؤسسة العسكرية وربط علاقاته بالقيادات فيها بمحاولة تغيير جديدة تجري الآن.

4-مقاربة السلم- العنف:  بالرغم من تصدير الحركة الشعبية التي يدعو إليها باعتبارها “حركة سلمية” للتغيير السياسي بدون إراقة دماء (خاصة في التسجيل الأول يوم 21 سبتمبر)، والتثوير بنفس منطق “مصر أم الدنيا وهتبقى أد الدنيا” – والتركية على إنجاز “أحلي ثورة في الدنيا من غير ولا نقطة دم” – بالإحالة لأبعاد د التباهي و “المنظرة” وضرورة تشريف مصر أمام العالم، – وهي الصفات المتأصلة في الخيال الشعبي عن السياسة كونها مهنة الأغنياء وذوي الجاه – وهو نفس الوتر الذي يطرقه في الحديث عن دور رئيس الجمهورية بعد قلب النظام الحاكم بأن يكون صورة “مشرفة presentable” في المحافل الدولية وأثناء التعاقدات التجارية،  إلا أنه في نفس الوقت ينتقل بوصف الحراك بصفته “ثورة شعبية” في التسجيلين اللاحقين (22 و23 سبتمبر) ويهدد بالتغيير بالعنف يوم الجمعة 27 سبتمبر : “يوم الجمعة لو ممشيتش هتشوف (الشعب) الحقيقي، يجيبوك من بيتك يقطعوك ستين حتة”، “لو حد وقف ادام الشعب سفلتوه ” – ويشير لكون الحركة الشعبية التي يدعو لها قد تنزع الرئيس بالدم “عشان كدا رئيس الجمهورية منعرفش نشيله إلا بالدم” وفي 23 سبتمبر يقول محمد علي صراحة في معرض الحديث عن التظاهرات المعتزمة يوم الجمعة  27 سبتمبر “لو ممشيتش، هانزل مصر، من المطار أو من الميناء – هتيجوا تاخدوني (كأنه بطل شعبي) – لو طبيت مصر والسيسي معرفش يحبسني الله المستعان عاللي هاعمله فيهم، وهاوريهم الشعب المصري لما يزعل ويتغدر بيه هيعمل ايه” وهنا تبدو خصومة “محمد علي” مع النظام قد انقلبت من العام إلى الشخصي قبل أن يستدرك سريعا “ودمي هيبقى في رقبتكم” أي المصريين. وفي 23 سبتمبر أيضا يهدد “محمد علي” بالانتقام والرد العنيف على قوات الأمن المعتدية على المتظاهرين السلميين في العريش أولا بسب وزير الداخلية ووصفه بمعني الـ “مأجور”، ثانيا: بالتخويف من “رجولة” أهل السويس وقوتهم – “هيفشخوكم، مفيش رحمة في القلبة الجاية”، وثالث: بتهوين المواجهة مع قوات الأمن إذا اتسعت أعداد الحشود وكسر هيبة المنظومة الأمنية بالسب المباشر لقياداتها، كما يقول، في العام وقب انتهاء التسجيل، “كل واحد هيتحاسب واللي هيقتل هيتعدم” 

أما من حيث الرسائل التي ينفرد بها كل تسجيل فيأتي التسجيل الأول يوم 21 سبتمبر ليركز أولا على تصور “محمد علي” لشكل الحكم البرلماني الذي يحقق ديمقراطية تشاركية تأتي بـ “المهنيين” وأهل الاقتصاد بالانتخاب المحلي (الديمقراطية من أسفل لأعلي)، حيث تقوم اللجان البرلمانية واللجان الاستشارية المشكلة من التنفيذيين معًا بهيكلة مؤسسات الدولة وتحضير دراسات الجدوى لكافة المشروعات والقرارات المعتزمة ثم عرضها على المواطنين باستفتاء شعبي يسبق تنفيذها.

ويحاول “محمد علي” من هذه الأفكار تحقيق قيم العدالة والمساواة والصحة والكرامة بين المواطنين مع الحفاظ على مصالح الأغنياء وأصحاب رؤوس الأموال وحقوق ذوي القدرات المتميزة في الكسب والترقي الاجتماعي وهو ما يمثل وترًا حساسًا للغالبية الساحقة من المصريين حيث يشكل هدف “الترقي الاجتماعي” بأبعاده الاقتصادية والثقافية (التعليم المتميز والغني) ثمرة لسنوات من الكفاح يتشارك فيها كل أفراد الأسرة.

وبهذه الموازنات يبدو النموذج الذي يدعو له “علي” أشبه بالشكل الليبرالي المطبق في ألمانيا والدول الاسكندنافية، ويبرر “علي” أهميته بضرورة إزالة الحقد والضغينة بين المواطنين والمؤسسات العاملة بالدولة، وأن يكون منصب الرئيس شرفي يمثل واجهة البلاد في العالم، وأن يكون دور رجال الدين في المجال العام هو الوعظ والإرشاد فقط، فيما يبدو محاولة لطمأنة النخب الليبرالية والعلمانية وسد طريق امام أي هجمات مضادة على مشروعه كونه سيأتي بـ “الإسلاميين” للحكم مرة أخرى، كما يرسل إلى الخارج رسالة مفادها أنه لا يسعى بمشروعه للتغيير لعودة “الإخوان المسلمين” للحكم مع ما لهذا الأمر من أهمية كبيرة في السياق الدولي والإقليمي.

كما تأتي الفكرة الثانية المركزية هنا أن يرحل السيسي فقط، بينما تبقى المؤسسة العسكرية في الحكم ويتصالح أطراف المجال السياسي ويتراضوا بدعوى أن “كلنا فاسدون” وهنا يسعى محمد علي لطمأنة النخب المحيطة والمدافعة عن السيسي بأن التغيير المستهدف لن ينال من مكتسباتهم من السلطة حاليا بل سيعيد توزيع المكتسبات بشكل أكثر عدالة ومعقولية. ويكرر محمد علي تلك الفكرة في التسجيل التالي يوم 22 سبتمبر في محاولة لاستقطاب أطراف الفساد المتورطين مع السيسي وعزلهم عن فعائله: “مش وقت نحاسب مين، كلنا غلطانين خلاص، نتصالح ونحب بعض ونحترم بعض، ونتطهر”

ثم يأتي التسجيل الثاني يوم 22 سبتمبر ليضيف فكرتين أخريين وهما، أولا، تركيز أهداف الحراك القائم في  العودة لتوزيع موازين القوى في عهد الرئيس السابق محمد حسني مبارك  الذي كان يسمح بمكتسبات معتبرة للمدنيين، ويعبر محمد علي عن هذا أولا: بإدانة استحواذ الجيش على السوق ومقدرات الاقتصاد “لما انت تشتغل في كل حاجة احنا نشتغل في ايه؟”، وثانياً: بإعادة إحياء آمال الترقي الاجتماعي واللحاق بأوروبا لدى المواطن المصري، بالمقارنة بين أنظمة التعليم وتوزيع الثروة والخدمات العامة والبنى التحتية بين مصر وأوروبا، ونشر خطاب القيم الـegalitarian  وإلقاء اللوم في الجهل والتخلف والفشل على النخبة الحاكمة كون مصر كانت تشبه هذا النموذج فعلا في العهد الملكي القريب – “انت اللي فشلتني” وهي محاور تلامس كثيرًا من محاور الثقافة الشعبية خاصة إلقاء اللوم على “الظروف – الأيام” أو المؤثرات الخارجية عموما.

والفكرة الثانية التي يهدف إليها تسجيل 22 فبراير هي التواصل مع المطالب الأساسية من التغيير المدعو إليه: عودة المصريين من المنفي – “إن شاء الله تنزلونا بلدنا” – وخروج المعتقلين-  “اخوتنا اللي في السجون اللي عليهم شيكات وفلوس وقواضي هيطلعوا، المعتقلين واللي اتظلموا من الضباط كل دول لازم يطلعوا ماعدا اللي عندهم جرايم قتل دول نحقق معاهم من أول وجديد” وهذا يعني متابعة “محمد علي” للحراك الجاري الكترونيا من طرف المصريين في المنفى رغم ادعاءه بأنه “منقطع عن العالم” وغير قادر على التواصل مع “الترند”  في السوشيال ميديا وغيرها، ما يؤكد من طرف آخر أنه لا يعمل منفردًا.

وفي التسجيل الثالث 23 سبتمبر يعيد محمد علي طرق بعض الأفكار بمنظور مختلف، أولها: استثارة غضب الجماهير باللعب على وتر الفوقية القومية، الكرامة، تمجيد الذات وأحلام التقدم والثراء والترقي الاجتماعي، مثلا يقول: “الخليج بقي منور واحنا بقينا في الأرض– لحد امتى هنشتغل عند السعوديين والخلايجة –لحد أيام الملف فاروق كانوا بييجوا يشتغلوا عندنا– مصر اللي زي الألماظة بتشحت-  ليه بلدنا متبقاش زي الناس دي على الأقل – لسه بناكل من الزبالة، في إماراتي أو قطري أو سعودي بياكل من الزبالة- مصر مش بلد رقصين “يا عوالم” واستثارة مشاعر النخوة والغضب ضد قوات الأمن: “مزهقتش بقى ياخد مراتك ولا بنتك وانت زي الكلب امتى هنبقى رجالة خلاص الكلمة للشعب” وبتوجيه الحوار للجماهير والتلاحم مع المستمعين وتعظيمهم “أهلي اخواتي، شعب مصر العظيم”، ثم التركيز على أهالي المناطق الشعبية “بولاق الدكرور، امبابة، مصنع الكراسي،…..الخ” وانتقاد ثنائية الأحرار والعبيد عند أفراد منظومة الأمن – “بتحمي الكلب وبتضيع شعب –  ماتحترموا نفسكم- ما الجيش اتلم” والتذكير بـ 25 يناير تحذيرا من انتقام الجماهير، وأخيرا باستثارة مشاعر الكرامة الوطنية تعليقاً على زيارة الجنرال السيسي المبكرة للولايات المتحدة قائلاً: “لو ترامب شال السيسي يبقي احنا شعب معندوش كرامة” والتلويح باليد عرضا إشارة إما لانعدام الكرامة أو للموت، ويقول: “لازم الشعب يوم الجمعة هو اللي يشيل السيسي – السيسي لازم يتشال بإرادة الشعب المصري”

وحيث يأتي شحن الجماهير ضد قوات الأمن والسلطة الفاسدة بعد رسائل الاستقطاب والاستمالة للنخب المحيطة بالسيسي وقوات الشرطة والجيش في تسجيلات يومي 21 و22، فإن هذا يؤشر لفشل مرحلة المفاوضات على شكل النظام الجديد وانتقال المعركة للصراع الصفري وقدرة كل جانب على حشد المتظاهرين وفرض نفسه على الساحة السياسية.

ويظهر هذا من إرسال محمد علي في هذا التسجيل رسائل متعاكسة عن نية قوات الأمن في الفتك بالمتظاهرين وتقديره لتوازن القوي بين الجماهير والأمن، فمن ناحية يقول محمد علي أنه “مش ضامن وزير الدفاع ووزير الداخلية” ثم يسارع “وزير الدفاع محترم”، ويتحدث عن خطورة أمانه الشخصي ” ما هو سايب العريش وسد اثيوبيا وجاي عايز يقتلني ويخلص مني، دا اللي مهم” ثم يسارع بطمأنة مشاهديه “بس الحكومة الاسبانية محترمة وهيحموني”

كذلك، يبدأ “علي” الحديث بتحذير الجمهور من الاعتصامات كون “الداخلية هيفتحوا سلاح”، ثم يدعوهم للاعتصام من يوم الخميس، ثم يعرب عن أمنيته بأن يبدأ الاعتصام من يوم الأربعاء، لينتهي بالدعوة للنزول يوم الجمعة وتفادي الاحتكاكات الضئيلة مع الداخلية(!)

وفي التعبير عن تقديره لتوازن القوى بين المتظاهرين والجماهير يبدو “محمد علي” مهتمًا بتجريء المشاهدين على التظاهر والتهوين من قوة الأمن ” لو نزل 5 أو 6 أقلق بقوا 20 خلاص أنا شخيت على روحي” وهو تقدير جزافي يظهر اهتمامه بالحشد على حساب الأمان، في نفس الوقت الذي يرى فيه العدد الموفر للأمان بحدود 100 ألف متظاهر على أساس أن هذا لن يسمح لقوات الداخلية بإراقة نقطة دم واحدة وأن القوات “هتهرب من أدام الناس” فهل يستهدف الجمهور النزول في مجموعات من 20 و30 فرد أم انتظار احتشاد 100 ألف؟

وأخيرا، ففي التسجيلات الثلاثة يعتمد “علي” على التفاعل السردي مع المشاهدين ويخاطب مجموعات مختلفة (قوات الأمن، السيسي، الجماهير، الإعلاميين، الفنانين، الخ) وتنعكس دينامية الأحداث على استعماله المكثف لحركات اليد والجسد ونبرة الصوت المعبرة عن الغضب (تعابير الوجه ونبرة الصراخ) والحسم (التلويح بالذراع عرضيًا باتجاه الأسفل) والتوعد (حركة السبابة)، كما يتحدث محمد علي مع المشاهد من زاوية مباشرة متوسطة المدي مع تضييق كادر التصوير والاقتصار على أقل التفاصيل الممكنة (شخصه، السيجارة، النوت والقلم والمنضدة) وخلفية مصمتة ليس فيها أية فواصل لا بين عناصر التصوير ولا بين محمد علي والمشاهد لتأكيد “حميمية” العلاقة بينه وبين من يصفهم “أهله وأصحابه ، شعب مصر العظيم”. كما يعكس ضيق الكادر تغير موازين القوى بين الطرف الداعم والمناوئ للسيسي وهو ما يمكن ملاحظته بالمقارنة بين كادر التسجيل موضوع التحليل وتسجيلات سابقة في المطاعم والمكاتب وغيرها تظهر المحيطين بـ “محمد علي” وتفاصيل المكان. كما يفيد تواصل “محمد علي” من خلال الكلمات والصوت والحركات بطلبه من المشاهدين التحرك والتفاعل مع رسائله ويظهر في زاوية نظر متساوية مع المشاهد للتأكيد على أهميته، كذلك من خلال التصوير بمسافة وسطية تظهر تعابير وجه “علي” بوضوح وواقعية التصوير بدون مؤثرات إضاءة او صوت وبدون مونتاج- حسب قوله.

كذلك، في التسجيلات التي تم تحليلها، وبعكس التسجيل الأول، نجد نظرة “محمد علي” تأتي ثابتة وفارغة من المضمون، لا تتأثر بمحتوى الحديث بل يتركز المعنى في تعابير الوجه (تقطيب الحواجب والجبين) وفي حركات اليد والجسد، ما يعني الاهتمام بالـ “أداء” و “التصرفات” الحركية/الفعلية، وهو ما يعكس باختصار صفات “الرجولة” في المخيال الشعبي – الذكر الذي لا يبكي ولا “يمحن” بل يتصرف بعنف وحسم بمقتضى “الكرامة”.

كما يتضح من تسجيلات ما بعد 20 سبتمبر أن الهدف هو الحشد لمليونية يوم الجمعة المقبل 27 سبتمبر، استثارة مشاعر الكرامة والنخوة وشحن الغضب لدى الجماهير، تحدي السيسي، وتوعد قوات الأمن التي تهاجم الجماهير بالانتقام.

وتناولت لغة محمد علي التعبيرية السيسي بالكثير من الألفاظ المسيئة، والإحالة لنفاق الرئيس الديني (اختفاء الزبيبة) ويصفه بالشحاذ في مقارنة ضمنية بنموذج “رجل الأعمال”، مشيرا لنفسه، الذي يهدف للاستفادة المتبادلة والصفقات المربحة للطرفين وليس للتسول في المحافل الدولية والتماهي مع الأخرين بما ينافي “هيبة” الدولة.

تحليل السياق السياسي الاجتماعي

1- هل هذه هي المحاولة الأولي لقلب السيسي؟

يتضح من التحليل السابق أن انتقال دعوة محمد علي من سداد مستحقاته إلى الدعوة لثورة شعبية على النظام الحالي، وما تلي ذلك من إشارات لتواصله مع قوات الجيش والشرطة، والتأكيد على عدم رضاء قطاعات واسعة من المؤسسة العسكرية على سياسات الجنرال السيسي، وتوجيه الخطاب المباشر إلى قطاعات المنظومة الأمنية والتهديد بالتصدي لأعمال القمع العنيف ضد الجماهير، حال كونه شخصيًا خارج البلاد كلها تفيد إلى تواصل “علي” الوثيق مع أطراف من داخل المنظومة العسكرية لاستبدال القيادة الحالية من الداخل، فهل هذه هي المحاولة الأولى، وما الجديد الآن؟

منذ أحداث 03 يوليو 2013م، قام أفراد (مجموعات) داخل الجيش بمحاولات لتغيير ذلك الوضع الذي تسيير عليه قيادات المؤسسة، لعدة أسباب من أهمها الوضع السياسي المضطرب التي تشهده الدولة المصرية، والسياسات الخاطئة التي يتبعها النظام وحملت القوات المسلحة وحدها مسؤولية الإدارة، كذلك طريقة تعامل النظام المصري مع الأوضاع في شبه جزيرة سيناء، والخسائر المتتالية التي يتلقاها الجيش المصري في هذه المواجهات، وكذلك التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، بجانب ممارسات النظام في العمل على تغيير العقيدة العسكرية للجيش المصري.

وخلال السنوات الست الماضية منذ انقلاب يوليو 2013، اختلفت محاولات التغيير داخل المؤسسة العسكرية من قبل المجموعات والأفراد الرافضة للممارسات التي تنتهجها قيادات الجيش الحالية، وتنوعت بين محاولات تغيير دستوري وقانوني ومحاولات باستخدام العنف كوسيلة للتغيير.

أولاً: نماذج التغيير القانوني والدستوري:

يقصد بهذا المستوى من النماذج، تلك التي تقوم علي التمسك والحفاظ على المؤسسة العسكرية، وأن يبقى الحكم في قبضة الجيش المصري والإيمان بأن الطرق القانونية والدستورية هي التي ستحدث ذلك التغيير الذي يريدونه تلك الأفراد، عن طريق التخلص من القيادات الحالية للجيش المصري لإداراتها الخاطئة للبلاد، وأتفق كل من أنتهج هذا الأسلوب في التغيير على عدة أمور كانت السبب الرئيس في ضجر وسخط مجموعات داخل الجيش من إدارة السيسي ونظامه، عبر عن ذلك النموذج كلاً من الفريق سامي عنان رئيس الأركان الأسبق والفريق أحمد شفيق قائد قوات الدفاع الجوي الأسبق والعقيد أحمد قنصوه وبمتابعة بيانات تلك القيادات سواء مأ أعلنوا فيها نية ترشحهم لانتخابات الرئاسة التي عقدت في عام 2018م، لمنافسة السيسي على كرسي الرئاسة، أو تعليقهم على الأحداث التي جرت خلال السنوات الماضية كالتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير وغيرها من الأحداث نرى أسباب ذلك الغضب وكانت أهم أسبابة الاتي:

  1. إدارة عبد الفتاح السيسي لا تصغي لأي محاولات للتغيير وأنهم ماضون في طريق ليس لهم أن يتراجعوا عنه مهما عانى الشعب.
  2. التبرؤ من كل من فهمْ إعلان ترشحهم على أنه تمردٌ أو دعوةٌ لانقسام الجيش المصري.
  3. أكدوا على أن الشعب يصارع قسوةَ تزداد ألمًا بمعدل متسارع مفجع في أوضحِ دليل على اختلالِ الأحوال، ويطحنُه السعيُ نحوَ أبسطِ متطلبات المعيشة.
  4. التأكيد على أن الإرهاب يخيم على الواقع المصري ويحصدَ أرواح الأبرياء من المدنيين ومن الجيش والشرطة.
  5. عدم ترك الساحةَ للمشبوهين من جاهل أو فاسد أو خائن، لأن مصر بها من يقودُها برشاد.
  6. ” الإشارة إلى الأوضاع الأمنية والمظالم التي يتعرض لها الكثير من أبناء الشعب المصري كحالات التصفية الجسدية والاختفاء القصري، وكذلك الإشارة إلى التسريبات المتعددة التي تخرج من أروقة مؤسسات الدولة وإذاعة المكالمات الشخصية للمعارضين.
  7. التأكيد على أن مصر تصارع كثيرًا من المشاكل التي أثرت على كل جوانب الحياة والتي أدت إلى تدهور جميع الخدمات
  8. الدعوة إلى الديمقراطية الحقيقية وحقوق الإنسان.
  9. إثبات مصرية تيران وصنافير، والتشكيك فيمن يعارضون مصرية الجزيرتين.
  10. التأكيد على الاستراتيجية الأمنية الخاطئة التي يتبعها نظام السيسي في مكافحة الإرهاب.
  11. التأكيد على تردي أوضاع الشعب المصري والتي يرونها كما جاء على لسان الفريق سامي عنان تزداد سوءا يوما بعد يوم نتيجة سياسات خاطئة حملت القوات المسلحة وحدها مسؤولية الإدارة، دون تمكين القطاع الخاص من القيام بدوره في تسيير أمور الدولة، ودعوة مؤسسات الدولة للوقوف على الحياد بينه وبين السيسي.

ثانياً: نماذج التغيير بالقوة:

أ-عن طريق الانقلاب العسكري:

إن الممارسات التي مارستها القيادات العسكرية طيلة السنوات الماضية وما ترتب عليها من أعمال قتل واختفاء قسري وتصفيات جسدية بخلاف الأوضاع الاقتصادية المتردية التي وصلت اليها مصر، أدى إلى ظهور مجموعات أرادت التغيير  باستخدام وسائل القوه منها من أرادت إن تنتهج نفس الأسلوب الذي استخدمه السيسي والقيام بانقلاب عسكري علي الانقلاب الذي تم في 03 يوليو 2013م،  وكانت أبرز تلك المحاولات كانت بعد انقلاب 03 يوليو 2013م، حيث تم القبض على 26 ضابطا مصريا ، برتب مختلفة منهم ضابطان برتبة عميد وأربعة ضباط برتبة عقيد وثلاثة ضباط برتبة مقدم وسبعة عشر ضابط برتبة رائد وضابطان برتبة نقيب ووجهت لهم تهم ارتكاب جريمة محاولتهم بالقوة قلب وتغيير دستور البلاد، واحتلال شيء من المباني العامة ومرافق ومؤسسات الدولة ومنها: مقر وزارة الدفاع وإدارة المخابرات الحربية والاستطلاع، ومبنى الإذاعة والتليفزيون، ومدينة الإنتاج الإعلامي، ووزارة الداخلية وقطاع الأمن الوطني . والاتفاق على عدم طاعة رئيس الجمهورية ومناهضة السياسة العامة التي تتبعها الدولة في المجال الداخلي والخارجي، وتم اتهام الرائد مصطفى محمد مصطفى، بصفته موظفا عاما بأنه أفشى سرًا من أسرار الدولة، وفي 16/8/2015 أصدرت المحكمة العسكرية مصرية حكمها في القضية وتراوحت الأحكام بين 25 عاماً و15 عاماً و10 أعوام. كما حُكم غيابيا على حلمي الجزار، القيادي بحزب الحرية والعدالة الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، ومحمد عبد الرحمن، عضو مكتب الإرشاد في الجماعة، بالسجن 25 عاما.

ب- العمل الجهادي:

إن الممارسات التي مارستها القيادات العسكرية بعد انقلاب 03 يوليو 2013م، أدت إلى اقتناع بعض المنتمين الي المؤسسة العسكرية بأن العمل الجهادي هو أسلوب ووسيلة من وسائل التغيير، وكانت هذه الوسيلة أحد الطرق التي تبناها بعض ضباط الجيش المصري لإحداث ذلك التغيير، وهناك بعض الضباط الذين تبنوا العمل الجهادي في مصر خلال السنوات الماضية، فانضم بعض الضباط إلى جماعات مسلحة ومنهم من أسس كيانات مسلحة لمواجهة النظام. ومن أمثلة من أنتهج ذلك النموذج في التغيير الضابط هشام عشماوي والضابط عماد عبد الحميد والضابط وليد بدر وغيرهم العديد من الضباط سواء من ضباط الجيش أو ضباط الشرطة.[8]

2- ما الجديد الآن؟

كما وصفنا سابقاً فإن المؤسسة العسكرية شهدت محاولات تغيير عديدة من بعد انقلاب 03 يوليو 2013م، ولكنها بالمجمل تم التنكيل بها جميعاً، لنتيجة سيطرة السيسي داخلياً وقوة علاقاته الإقليمية والدولية.

ولكن بهذا يري البعض أن السيسي أكتسب العديد من العدوات داخل المؤسسة العسكرية. يضاف الي هذا العداء الذي أكتسبه السيسي في صراعه مع جهاز المخابرات العامة والذي سيطر علية بشكل تام في عام 2018م، بعد الإطاحة باللواء خالد فوزي من قيادة الجهاز والمئات من وكلاء جهاز المخابرات، وتولي عباس كامل ومحمود السيسي قيادة جهاز المخابرات العامة.

مع التنكيل الذي فعله السيسي طيلة السنوات الماضية بكل من حاول أن ينتهج نهج لتغيير مسار المؤسسة العسكرية فربما خمدت مجموعات التغيير داخل المؤسسة ولكن ربما كانت تنتظر وتترقب استغلال أي فرصه تسمح لها للتعبير ومحاولة صنع التغيير.

أولا: السيسي والداعمون إقليميا ودوليا:

إن توتر العلاقة بين الداعمين الإقليمين والدوليين للانقلاب هي فرصه لأي مجموعه تريد التغيير، ومن يقرأ سقوط الديكتاتوريين العسكريين فيديلا في الأرجنتين عام 1982، وكذلك بينوشيه في تشيلي والذي انتهى رسميًا حكمه في 1990 إلا أن نهايته الفعلية كانت في استفتاء 1988، يرى أن من أهم عوامل سقوطهم كان تأزم وتوتر علاقتهم مع داعمي انقلابهم وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية.

 في الفترة الحالية يرجح البعض وجود توتر بين نظام السيسي والولايات المتحدة الأمريكية وربما كان نتيجة هذا التوتر هو إقالة اللواء محمد الكشكي مساعد وزير الدفاع، الخلاف الدائر سببه كما يوصف البعض التقارب المصري الروسي الذي يزداد يوماً بعد يوم من بعد انقلاب 03 يوليو 2013م، والذي كان مبرراً من قبل بسبب التوتر الكبير الذي كان بين إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما والسيسي بسبب ما تم بعد انقلاب 03 يوليو 2013م، ونتج عن هذا التوتر وقف بعض المعونة الأمريكية العسكرية لمصر ووقف بعض المعدات التسليحية للجيش المصري، ولكن أنتفى ذلك المبرر بعد مجيء الرئيس دونالد ترامب على رأس الإدارة الأمريكية في ديسمبر 2016. [9]

 اللواء محمد الكشكي يُعد من أهم قادة الجيش في مرحلة ما بعد الانقلاب؛ إذ لعب دورا هاما في التسويق للانقلاب داخل أروقة الولايات المتحدة الأميركية”. الكشكي كان له دور بارز في استئناف عودة تلك المساعدات في فترة لاحقة”، كان يتمتع بعلاقات متميزة مع العديد من قيادات الجيش الحاليين والسابقين. الخلاف الدائر بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية الحالي يتلخص في أن مصر كانت تعتزم خلال الفترة الماضية محاولة تمرير صفقة عسكرية روسية للقاهرة، وكان الكشكي يقود تلك الصفقة التي كانت بدون علم الأمريكان. ولكن الولايات المتحدة غضبت بشدة من تلك الصفقة المصرية – الروسية بعد أن علموا بها، ما اضطر محمد الكشكي للسفر في شهر أبريل 2019م، لواشنطن ومحاولة احتواء الأمر بإنكار صحتها، ولكن التوتر الشديد بين الولايات المتحدة الأمريكية والسيسي بسبب تلك الصفقة أجبر الأخير على الإطاحة بالكشكي لكي يحتوي الموقف. جدير بالذكر هنا أن مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي تعهد في 10 أبريل 2019م، بفرض عقوبات على مصر حال شرائها مقاتلات روسية من طراز “طراز سو-35”. جاء ذلك خلال إفادة قدمها بومبيو أمام اللجنة الفرعية لاعتمادات العمليات الخارجية بمجلس الشيوخ بشأن مشروع ميزانية وزارة الخارجية لعام 2020، التي بثتها شبكة “سي سبان” الأمريكية المخصصة للتغطية المستمرة لاجتماعات الحكومة والأمور العامة.[10]

جدير بالذكر هنا ان العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والمؤسسة العسكرية وتحديداً من بعد إبرام اتفاقية كانب ديفيد عام 1979م، لا تقف على شخص ولا تكن لشخص ولكن هي علاقة بالمؤسسة ككل.

منذ شهر مارس من عام 2015م، وتحديداً بعد بدأ تحالف عاصفة الحزم بقيادة السعودية شن عملياته على الأراضي اليمنية، أصبح هناك توتر نوعاً ما بين السعودية ونظام عبد الفتاح السيسي نتيجة عدم المشاركة المؤثرة للجيش المصري في تلك العلميات، فالسعودية كانت تعول على الدور المصري في تلك العملية، بالتدخل البري ولكن لم يفعل النظام المصري، وأصبح الدور المصري فقط قائم على ضربات جوية من حين إلى آخر. ولجأت السعودية إلى دولة السودان كي تتولى هي التدخل البري في الداخل اليمني، وقد كان بالفعل وقامت القوات السودانية بإرسال قوات برية إلى اليمن.[11] الرد السعودي على النظام المصري والذي يشير إلى هذا التوتر جاء على فترات، فكان مقرراً تعيين قائد مصري للتحالف الإسلامي الذي شكل في 15 ديسمبر 2015م، والذي أعلن عنه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وتضمن بيان الاعلان أن أعضاء التحالف يتحالفون في أربعة مجالات لتنسيق جهودها في محاربة الإرهاب، وكانت مصر حريصة على قيادة ذلك التحالف في ذلك الوقت لأن ذلك كان سيعطي صورة جيدة لنظام السيسي ويظهر أن استراتيجية السيسي هي السعي نحو قيادة المنطقة لنفي ما يقال عن تبعية نظامه واتكاله وتبعيته للمنظومة الإقليمية والدولية.

 ولكن نتيجة لذلك التوتر تم تعيين الجنرال الباكستاني رحيل شريف قائداً للتحالف. ورداً على هذا أصبحت مصر تشارك في مؤتمرات ذلك التحالف بمستوى منخفض من التمثيل فبعد أن كان يحضر رئيس الأركان قبل تعيين القائد الباكستاني أصبح التمثيل المصري من بعد التعيين يقتصر على مساعد وممثل عن وزير الدفاع.

أيضاً في نهاية عام 2016م، أوقفت السعودية بعض المشتقات البترولية عن الدولة المصرية مما دفع النظام المصري على إيجاد بديل فكان في تلك الفترة سعي متبادل من القاهرة وبغداد لتوثيق العلاقات والمصالح المشتركة ولكن بعد فترة تم وقف القرار السعودي وتم استئناف ضخ المشتقات البترولية للنظام المصري.

الآن هناك صراع واضح بين السعودية والإمارات في إدارة الملف السعودي وربما يصطف السيسي في جانب محمد بن زايد وربما هذا يزيد من التطور السعودي المصري في الوقت الراهن وهذا إن تواجد فإنه يلمح أن بعض الداعمين الإقليمين قد يرفعوا أيديهم بعض الشيء عن النظام المصري.

ثانياً تسجيلات محمد علي:

بعد مشاهدة تسجيلات رجل الأعمال محمد علي والتي أصبحت حديث الساعة الآن والتطور الملحوظ الذي تشهده تلك التسجيلات في مضامينها ورسائلها أشير إلى بعض نقاط هامة:

1-محمد علي يعتبر من دولاب عمل المؤسسة العسكرية وكان من ضمن المنظومة التي تعتمد عليها تلك المؤسسة في العديد من أعمالها الانشائية وهو داخل تلك المنظومة منذ 15 عاما تقريباً.

2-فلسفة حكم مبارك في الفترة التي عمل خلالها محمد علي مع منظومة الجيش في تلك الفترة من 2004 إلى 2010 كانت استراتيجية لا تعتمد فقط على تحقيق مكاسب للمؤسسة العسكرية فقط بل كانت تعطي جزءا جيدا من المكتسبات الاقتصادية للمؤسسات الأمنية الأخرى ورجال الأعمال المدنيين وربما ذلك يفسر أن أغلبية رجال الأعمال كانوا ضد ثورة 25 يناير للحفاظ على تلك المكتسبات.

3-محمد علي كان يعلم جيدا أن دولة مبارك كانت تحقق له ولغيره الكثير من الامتيازات ولكن راهن كما راهن غيره الكثير من رجال الأعمال على أن استراتيجية السيسي ستسير على نفس نهج مبارك وسيحققون من ورائها نفس المكاسب ولن يتضرروا، لذلك دعموا ذلك النظام الجديد ولكن شيئا فشيئا تفاجئوا باستراتيجية جديده يتبعها ذلك النظام وهو سعيه نحو السيطرة والهيمنة على كافة النواحي الاقتصادية وبما يحقق نفعا فقط لفريق ذلك النظام العسكري وربما كان ذلك مبررا لمحمد علي في أن يفكر في الخروج على تلك المنظومة بعد تيقنه بأنها لن تعود عليه بالنفع بل بالعكس ستلحق له ضرر كبير.

4-بعد خروج محمد علي وكشفه لفساد المنظومة الحاكمة بالمعلومات الدقيقة التي يعرفها كونه كان قريبا من فساد تلك القيادات فعل أمر هام لأي مجموعة تريد التغيير من داخل تلك المؤسسة وهو اغتيال رمزية من هو على رأس ذلك النظام، تطور مضامين كلام محمد علي في تسجيلاته ربما تشير إلى توافق تم بينه وبين مجموعات ما داخل تلك المنظومة ترغب في التغيير وأصبح هناك بينهم تنسيق ما.

5-محمد على أصبح الآن لا يطالب بما لديه من أموال ولكن يركز على أمرين في غاية الأهمية أولهما أن هناك داخل المؤسسة العسكرية أفراد غير مرحبين بما يقوم به ذلك النظام للتأكيد على أن المؤسسة العسكرية ليست كلها بالمطلق مع السيسي لنفي فرضيه أن الجيش يسير في ركاب السيسي ويركز مرارا للتأكيد على أن من يتحصل على الامتيازات هم حفنه قليلة من القيادات وأن هناك ضباطا في مناصب عليا تعاني ووضعهم المالي صعب وربما هذا يدل على التنسيق الذي يحدث بين علي والمجموعات الأخرى داخل تلك المنظومة.

8-الأمر الثاني الهام الذي أصبح يركز عليه محمد علي الآن هو دعوة الناس للتظاهر في الشوارع والميادين، تحرك الشارع هو عامل أساسي لأي مجموعة تريد التغيير، أو حتى الضغط على النظام الحالي لتحقيق مكتسبات.

ثالثاً انتهاء فزاعة الشرعية:

السيسي كان يستخدم فزاعة الشرعية لتسكيت أي صوت معارض داخل المؤسسة العسكرية، فعندما كانت تتواجد أصوات تتعالى بالتغيير فكانت تتحول القضية أنه فتح باباً لعودة الرئيس مرسي مرة أخرى وهذا ما لم يرحب به قطاع عريض داخل المؤسسة العسكرية، فكان نظام السيسي يستخدم ذلك فزاعة بمعنى أنه بذهاب النظام سيكون البديل الرئيس مرسي والذي كانت ما زال هناك أصوات تنادي برجوعه وشرعيته في الحكم، ولكن بوفاة الرئيس محمد مرسي تم انتهاء صلاحية استخدام تلك الفزاعة.

وربما كان ذلك السبب الرئيس في التنكيل بالقيادات التي كانت تتبنى فكرة تغيير استراتيجية السيسي في إدارة البلاد وأعلنوا عن هذا في اجتماع المجلس العسكري في أكتوبر 2016، وتم التنكيل بهم بعد ثورة الغلابة في 11 نوفمبر 2016م، وربما كان خوف نظام السيسي من تلك التظاهرات نابعا من داخل المؤسسة العسكرية، حتى لا تستغل من مجموعة داخل الجيش المصري.[12]

ختاماً:

إن الصراع الدائر حالياً هو صراع داخل أروقة الجيش المصري أي صراع بين طرفين من داخل المؤسسة العسكرية والطرف المناوئ لإدارة السيسي ونظامه تجمعت لهم أوراق ضغط لم تتجمع بذلك الشكل منذ يوليو 2013، وهم تأزم النظام الحالي في علاقاته الدولية والإقليمية ووجود عامل التثوير الشعبي بناء على ما يفعله محمد علي ويحرص عليه في تسجيلاته، وانتهاء فزاعة الشرعية بوفاة الرئيس محمد مرسي والتي كان يستخدمها السيسي باستمرار داخل اجتماعات المجلس العسكري.

الطرف المناوئ للسيسي له أهداف بالتأكيد ويريد أن يتحصل عليها وربما التفاوض مرحلة أولية لتحقيق تلك الأهداف، من أهم تلك الأهداف التي يحرص عليها الطرف المعارض للسيسي من داخل المؤسسة العسكرية رجوع قواعد الحكم إلى ما قبل يوليو 2013م، بمعني أن المؤسسة العسكرية بالمطلق شريكة في الحكم وليس فرد من أفراد المؤسسة العسكرية هو الحاكم والمسيطر، وهذه هي استراتيجية السيسي منذ اللحظة الأولى وبالفعل حول طبيعة الحكم من المؤسسة العسكرية للفرد العسكري، ثانياً ربما يريد الطرف المناوئ للسيسي الآن تعيين نائباً للرئيس طبقاً للدستور الذي تم تعديله منذ أشهر وربما يكون ذلك النائب من الحرص القديم من قيادات الجيش أو من خدموا في فترة الثورة المصرية في 25 يناير 2011م.

 ويبدو من تطور الأحداث في الأيام السابقة ومن تهديدات محمد علي بالرد على القمع الأمني للمتظاهرين أن الصراع انتقل إلى مرحلة صفرية الهدف منها هو رحيل النظام الحالي، وهو ما يظهر من رسائل التطمين التي يرسلها “علي” في تسجيلاته للقوى الليبرالية والخارج فضلا عن النخب المتورطة والمنتفعة من النظام الحالي، ويبدو أن ساحة التحرير غدًا ستحدد موازين الصراع الجاري.


الهامش

[1] Eco, U. (1984). Semiotics and the philosophy of language. Bloomington, IN: Indiana University Press, p.14

[2] Barthes, R. (1977). Elements of semiology. New York, NY: Hill and Wang. p .4

[3] Halliday, M. A. K. (1978). Language as a social semiotic: The social interpretation of language and meaning. Baltimore, MD: University Park Press

[4] Foucault, M. (1990). The history of sexuality: Vol. 1. An introduction. New York, NY: Vintage Books. 

[5] Goldhagen, D. (1996). Hitler’s willing executioners: Ordinary Germans and the Holocaust. New York, NY: Vintage Books

[6] El Nawawy, Mohammed and ElMasry, Mohamed. (2016). The Signs of a strongman: A semiotic and Discourse Analysis of Abdelfattah Al-Sisi’s Egyptian Presidential Campaign. International Journal of Communication. 10(2016), 2275–2296.

[7] Kress, G., & van Leeuwen, T. (2006). Reading images: The grammar of visual design (2nd ed.). London, UK: Routledge

[8] كيف تصنع انقلاباً داخل المؤسسة العسكرية؟، محمود جمال، الرابط

[9] السيسي يطيح بقائد في الجيش المصري.. ومحمود جمال: قرار أمريكي، عربي 21، تاريخ النشر 09 سبتمبر 2019م، تاريخ الدخول 19 سبتمبر 2019م، الرابط

[10] بومبيو يتعهد بفرض عقوبات على مصر حال شرائها مقاتلات “سو-35” الروسية، الأناضول تاريخ النشر 10 أبريل 2019م، تاريخ الدخول 19 سبتمبر 2019م، الرابط

[11] التحالف الإسلامي وحدود الدور المصري، محمود جمال، الرابط

[12] مصر: المجلس العسكري ـ أبعاد التفكيك والتركيب، محمود جمال، الرابط

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
كلمات مفتاحية
السيسي الفساد محمد علي التغيير السياسي
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. دراسه على درجه عاليه من المهنيه وتحلي إحترافى يعتمد على معلومات موثقه مما يرفع درجة مصداقيته أحى من قام به واسعد بنشره على صفحات المعهد المصرى للدراسات السياسيه والإستراتيجيه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close