fbpx
تقديرات

تصريحات المسؤولين الأتراك ومستقبل العلاقات مع مصر

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقدمة:

في الفترة الممتدة من 22/ديسمبر 2014، وحتى 22/يناير 2015، قام عدد من المسؤولين الأتراك بإطلاق تصريحات مثيرة للاهتمام حول العلاقات التركية- المصرية، وقد خلقت هذه التصريحات جدلا بين الأوساط العامة حول طبيعتها وتفسيرها وحول اذا ما كان استئناف العلاقة بين تركيا ومصر وشيكا وعلى أي مستوى وعلى حساب ماذا؟ تحلّل هذه الورقة هذه التصريحات وتبحث في سياق طرحها وخلفيّة المسؤولين الذين طرحوها وكيف يجب علينا ان نقرأها.

المحور الأول: تصريحات المسؤولين الأتراك:

أولاً: تصريحات بولنت أرينج:

1ـ في 22/12/2014، قامت “الجزيرة تورك” باستضافة “بولنت أرينج” نائب رئيس مجلس الوزراء التركي، والناطق باسم الحكومة التركية في حوار شامل حول المنطقة، ومن بين المواضيع التي تطرق لها الحوار العلاقة مع مصر. ففي سؤال عن إمكانية تصحيح العلاقة مع مصر، قال أرينج “نحتاج إلى إصلاح العلاقات مع مصر، ربما على مصر أن تقوم بالخطوة الأولى، لكن يجب علينا ان نوفرها لهم. … تركيا تقول حتى الآن إنها لا تقبل مبدئيًّا الإطاحة بشخص وبحكومة منتخبين عن طريق الانقلاب… أجريت انتخابات ووصل السيسي إلى الحكم بطريقة ضبابية… لكن هناك هناك وضع قائم الآن، والعالم بأسره تقبَّله، فالسيسي اليوم يمكنه زيارة أمريكا والبلدان الغربية، وفي هذا الخصوص، علينا أن نقيم علاقاتنا مع مصر على أرضية سليمة بسرعة، قد تكون مصر هي التي يجب أن تقدم على خطوة أولاً، لكن علينا تحقيق ذلك”.

2ـ بعد يومين، وأثناء زيارته للكويت،  قال أرينج في تصريح له: “نحن نريد الهدوء في علاقات تركيا مع مصر …على مصر أن تغير سياستها ضد حقوق الإنسان، وما نسميه القرارات القضائية المجحفة…تركيا مستعدة لكل شيء.. وهي بجانب السلم والصلح دائماً، ومن يخطو خطوة نحونا نخطو مقابلها 10 خطوات”.

ثانياً: تصريحات وزير الخارجية تشاووش اوغلو

1ـ قال وزير الخارجية تشاووش اوغلو في مقابلة مع قناة “تي.آر.تي خبر” التلفزيونية الرسمية أن بلاده مستعدة لتحسين علاقاتها مع مصر إذا أقدمت القاهرة على “خطوات باتجاه الديمقراطية، وأوقفت انتهاكات حقوق الإنسان والظلم”، “فتركيا ليست لديها أية مشكلة مع الشعب المصري، إلا أنها تعترض على ظلم إدارة السيسي التي وصلت الحكم عبر انقلاب عسكري؛ بحق الشعب المصري”.

وشدد تشاووش أوغلو على وقوف تركيا دومًا إلى جانب الشعب المصري، مضيفا: “إن قتل آلاف الأشخاص في الشوارع؛ يتعارض مع حقوق الإنسان، فحق الحياة يعتبر أقدس حق طبيعي للإنسان، ونحن لا نعلم عدد المعتقلين السياسيين هناك، لقد اعتقلوا أكثر من 19 ألف شخص”.

2ـ خلال تواجده في الكويت أيضا، قال وزير الخارجية التركي في تصريح له انّ “مصر دولة مهمّة في العالم الاسلامي وفي الشرق الأوسط وفي شبه الجزيرة العرببة ولكننا نعارض الحالة التي تعيشها مصر اليوم، الادارة الحالية في مصر مضرة باستقرار البلاد وأمنها. اذا راجعت مصر حالتها الحالية التي هي فيها، سنصلح علاقاتنا معها أيضا”.

ثالثاً: المتحدث باسم الخارجية التركية:

1ـ في 24/12/ 2014، نقلت تقارير تصريح المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية، “تانجو بيلغيج”،قال فيه أن أنقرة وضعت شروطا لتطبيع العلاقات مع النظام المصري تكمُن في “إتاحة الفرصة أمام مواطنيه للتعبير عن إرادتهم الحرة على المستوى السياسي والاجتماعي”. وأوضح “بيلغيج” أن السياسة التركية تجاه مصر كانت مبنية على موقف مبدئي مفاده أن”الديمقراطية في مصر شُوِّهت بالإطاحة بحكومتها المنتخبة ديمقراطياً بعد انقلاب عسكري”.

وقال المتحدث باسم الخارجية التركية رداً على سؤال عن العلاقات مع مصر أنه يمكن تطبيع العلاقات بين بلاده ومصر في حال “عادت مصر إلى الديمقراطية الصحيحة، وتجسدت إرادة الشعب المصري الحر في السياسة والحياة الاجتماعية”.

رابعاً: تصريح رئيس الوزراء التركي

1ـ في 21/1/2015، قال رئيس الوزراء التركي “أحمد داود أوغلو” في تصريح له على هامش مأدبة عشاء جمعته مع قادة الرأي العرب المشاركين في فعاليات الدورة الـ 45 لمنتدى الاقتصاد العالمي “دافوس” المنعقدة: “الأفضل بالنسبة لما يحدث بين مصر وتركيا، هو أن نجلس معاً ونتحدث بدلاً من أن نتبادل الاتهامات بيننا وبين بعض، علينا أن نفهم بعضنا بعضا، بل وعلينا أن نحاول ذلك “.

وأضاف: “استقرار مصر، لن يتحقق إلا برضا الشعب وبالشرعية التي يختارها هو، فهذا قرار تعطيه الشعوب وحدها. نحن دائما وأبداً ما نستخدم لغة واضحة وصادقة ومباشرة، وذلك لأن القيم تحمل بالنسبة لنا أهمية كبيرة، ولا يمكننا أن ندخر أي قيم أو جهود من شأنها إسعاد الآخرين “.

ولفت “داود أوغلو” إلى أن “تركيا لا تفضل فصيل ما على فصيل آخر في أي بلد، ولا شك أن هناك خلافا في الرؤى ووجهات النظر مع مصر…لا توجد أية مشكلة بيننا وبين الشعب المصري، لكننا لن نعترف بالانقلاب العسكري، بسبب احترامنا لقيمنا.. وآمل أن يفرز الشعب المصري إدارة شاملة “.

وتابع: “مصر واحدة من أكبر الحضارات في المنطقة، وهى العمود الفقري للاستقرار في المنطقة أيضا، وبالتالي لو كانت مصر قوية، فاستقرار المنطقة سيكون قويا، هذا هو فكرنا سواء أرادوا أم أبوا….تركيا ليست لديها أجندة سياسية متعلقة بأي بلد على الإطلاق، ونحن فخورون وسعداء بما حدث في تونس، وبهذه المناسبة أُريد تهنئة الجميع فيها، لما حققته من قصة نجاح في خضم الربيع العربي”.

وأضاف: “نحن هنا لسنا بصدد إعطاء دروس في الديمقراطية… لقد كانت مواقفنا واضحة وصريحة للجميع حيال الربيع العربي، ولازالت كذلك، ولم نغيرها مطلقا، ولم نستخدم لغة مغايرة عما كنا نتحدث بها من قبل. ونحن هنا نجل كل احترام للشؤون الداخلية لكافة الدول”.

المستوي الثاني: سياق التصريحات:

جاءت هذه التصريحات بعد أيام قليلة على تطورات حصلت في ثلاثة ملفات إقليمية مهمّة، هي:

1ـ الملف الخليجي: حيث عقدت القمة الخليجية في 9/12/2014 في الدوحة وكرّست التفاهم والمصالحة الخليجية التي جرت في قمة الرياض الاستثنائية وعودة سفراء السعودية والإمارات والبحرين إلى قطر،

2ـ الملف القطري – التركي: ففي 19/12/2015، زار أمير قطر أنقرة حيث قام الطرفان بالتوقيع على اتفاقيات تعاون استراتيجي،

3ـ الملف القطري – المصري: في 20/12/2014، التقى المبعوث الخاص لأمير قطر  الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في 20/12/2014 بالرئيس المصري بحضور المبعوث الخاص للملك السعودي رئيس الديوان الملكي السعودي خالد بن عبد العزيز التويجري.

ونتيجة لهذه التطورات المتسارعة والمتلاحقة، ربط كثيرون بينها وبين التصريحات التركية، وقامت العديد من التقارير بتفسير التصريحات التركية الأخيرة بخصوص مصر بأنّها استجابة لهذه التطورات، فتم بناء التحليلات بعد ذلك من خلال هذا المنظور، وبعضهم قال أن الزيارة القطرية الى تركيا هي لحث الجانب التركي على تغيير موقفه، وبعضهم ايضا قال انّ هناك وساطة قطرية في هذا الملف.

المستوى الثالث: التصريحات بين القراءة والتقييم:

أولاً: إنّ هذه الاجتهادات الذي طرحها البعض كمعلومات او حقائق غير صحيحة بتاتا، ويمكننا التأكيد هنا على أنّ:

1ـ هذه التصريحات غير مرتبطة بهذه التطورات (وان كانت ستأخذها بعين الاعتبار بطبيعة الحال)، فالتصور التركي الذي عبّرت عنه سابق لها (كما سبق وشرحنا في الورقة التي أخرجها المعهد سابقا)، وزيارة أمير دولة قطر الى تركيا التي تمّت في ديسمبر كانت مبرمجة منذ فترة سابقة، وليس لها علاقة بهذا الموضوع، وركّزت في الأساس على توقيع اتفاقيات إستراتيجية للتعاون مع تركيا،

2ـ لا وساطة قطرية (حتى الآن) في هذا الملف، ولم يعرض أحد وساطة حول الموضوع المصري، كما لم يتم التطرق له أساسا في الزيارة. علما انّ بعض المعلومات غير المؤكدة تشير إلى إمكانية أن يكون هناك دور كويتي محتمل اذا ما كان هناك اي وساطات من الجانب الخليجي.

ثانياً: كيف يجب أن نقرأ هذه التصريحات:

قامت العديد من التقارير والأوراق بالاستناد الى هذه التصريحات للقول أنّها تعدّ مؤشراً على تحوّل في الموقف التركي من الموضوع المصري، وانّها نتيجة للتقارب القطري- المصري، وكلا الادعائين غير صحيح كما سنبين لاحقا. لكن، من المهم بمكان حتى نستطيع ان نفهم الموقف التركي جيداً ان نحسن قراءة هذه التصريحات بدقّة. وما يمكننا ان نفهمه منها من منطلق خبرتنا بالموقف التركي، هو الآتي:

1ـ كل تصريحات المسؤولين الرسميين جاءت رداً على أسئلة الصحفيين، وليست بمبادرة صريحة وواضحة منهم.

2ـ ليس هناك تراجع في توصيف الحالة المصرية بالنسبة الى الجانب التركي، فهناك اقتناع راسخ بأنّ ما حصل هو انقلاب وانّ هذا الوضع شاذ ومؤذي للدولة المصرية واستقرارها وأمنها.

3ـ هناك رغبة في التهدئة وعدم الاشتباك أو التصعيد مع الجانب المصري كمرحلة أولى، وهذه الرغبة بالمناسبة ليست حصرية ولا تتعلق بمصر بذاتها وليست استجابة للتقارب القطري- المصري كما يدّعي البعض، وإنما تأتي أيضا ضمن الجهد الأوسع الذي تقوم به الحكومة مؤخرا لإعادة إطلاق آلتها الدبلوماسية بكفاءة أعلى لاسيما في الملفات الشائكة كأرمينيا والعراق وقبرص واليونان.

4ـ قد تفتح هذه التهدئة فيما بعد الباب لاستئناف العلاقات مع مصر على مستوى يحدد حجمه لاحقا، لكنّه يبدو على مستوى منخفض من خلال التصريحات حتى الآن، وسيعتمد بطبيعة حجم الانفتاح المصري نفسه على تركيا.

5ـ الانفتاح مراد له ان لا يتعارض مع موقف تركيا من ان ما حصل هو انقلاب وفق الرؤية التركية، ولكنه في نفس الوقت يعبر عن استعداد لتطبيع مع الأمر الواقع على ان يرتبط بقيام مصر باتخاذ الخطوة الأولى باتجاه تركيا. وربما يعود ذلك إلى الاستغلال السيئ الذي قامت به الحكومة المصرية في المحاولات السابقة عندما حصل نوع من التوافق على انفتاح محدود وانتهى بشكل سيء حاولت القاهرة استغلال الحدث للتسويق لنفسها على حساب تركيا.

5ـ هناك شروط تم ربطها بالانفتاح منها:

  • اتخاذ خطوات باتجاه الديمقراطية
  • أيضا وقف انتهاكات حقوق الإنسان
  • التراجع عن الأحكام المجحفة
  • إتاحة الفرصة أمام المواطنين للتعبير عن إرادتهم الحرة على المستوى السياسي والاجتماعي.

ثالثاً: خلفيّة المتحدّثين ودورهم:

بالنظر الى خلفيّة المتحدّثين، نستطيع ان نلاحظ أنّ هذه التصريحات صادرة عن شخصيات في الحكومة التركية ولا تنتمي الى الفريق الرئاسي. لا يعني ذلك انّها جاءت من تلقاء نفسها او بسياسة تحدّي لرئيس الجمهورية أردوغان، لكنّ هؤلاء وعلى رأسهم أرينج هم  ممّن يصنّفون (كما ذكرنا في الورقة السابقة) على الفريق الذي يتحدث بعقلانية وبنبرة هادئة ويركز على ضرورة الحوار والديمقراطية ودور مصر والشعب المصري التاريخي.

إن بولنت أرينج هو شخصية عقلانية وبراجماتية وعنيدة، وينهج دوما في الغالب بسبب طبيعة شخصيته الى التسوية والتهدئة دون ان يتخلى عن هدفه، وهذا أسلوب مختلف جدا عن أسلوب أردوغان. البعض كان يصنّف أرينج على انه من خط الرئيس السابق عبدالله غول، وكما أصبح معلوما فكل رجل من هؤلاء الثلاثة كانت لديه طريقة مختلفة في الغالب في التعاطي مع الأمور، والثلاثة هم من المؤسسين الكبار لحزب العدالة والتنمية.

وقد حصل ان تصادم كل من أردوغان وأرينج في عدّة مراحل زمنية نظرا لاختلاف وجهات النظر والأسلوب حول قضايا بعينها منذ العام 2002 وحتى اليوم، لعل أبرز تلك المحطّات على الإطلاق خلال احداث جيزي بارك في العام 2013 على الرغم من أنّ قوّة أردوغان كانت في الذروة أنذاك. لكن ما يحصل اليوم هنا مختلف، ويدخل في اطار توزيع الأدوار.

المستوي الرابع: شكل المبادرة المنتظرة:

1ـ في تفسيرنا لما قد يعتبره البعض تناقضا حاليا بين موقف رئيس الجمهورية التقليدي من الوضع المصري وموقف أرينج ورئيس الحكومة، هو أنّ مساومة حصلت بين الطرفين جرى بمقتضاها إعطاء الفريق الحكومي مساحة من التحرك بما يتوافق مع الجهد الأوسع الذي تقوم به الحكومة مؤخرا لإعادة إطلاق آلتها الدبلوماسية بكفاءة أعلى لاسيما في الملفات الشائكة كأرمينيا والعراق وقبرص واليونان. دون جعل اردوغان يضطر شخصيا إلى اتخاذ أية تنازلات كأن يطرح المبادرة بنفسه. وهذا ما يفسّر أيضا في كون أرينج الشخصية الأولى في التعبير عن هذا التوجّه نظرا للحاجة إلى شخصية غير صدامية تعبّر عن هذا الموقف.

ما يؤكد هذا التوجه ما قاله وزير الخارجية التركي في اجتماع خاص مغلق نهاية شهر ديسمبر الفائت، ومفاده “أنّ الحكومة لا تستطيع ان تمنع رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان من التكلم عن الانقلاب، وليس لدينا أي مبادرة باتجاه مصر، إذا كان هناك مبادرة فيجب ان تأتي من مصر” ولكنّ الوزير لمّح الى شكل المبادرة التي ينتظرونها من الجانب المصري حال كان هناك نيّة للتواصل قائلا “إذا تم إخراج مرسي والقيادات الأخرى من السجون المصرية وربما إمكانية إرسالهم إلى دولة ثالثة، فإننا سنعتبر ذلك خطوة مهمة جدا بالنسبة إلى تركيا”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close