fbpx
تقديرات

تفجيرات أنقرة: الاحتمالات والتداعيات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تمهيد:

تعرضت العاصمة التركية أنقرة (الأربعاء 17-2-2016)، لانفجار كبير هز أرجاء منطقة “كيزلاي” وسط أنقرة؛ أسفر عن مقتل 28 شخصاً، وإصابة 61 على الأقل (وفق تصريحات رسمية تركية). وقد وقع الانفجار في منطقة رئاسة هيئة الأركان والبرلمان ومجلس الوزراء التركي مستهدفا حافلة عسكرية (1)، ليطرح العديد من الدلالات حول الزمان والمكان.

أولاً: من يقف خلف التفجيرات:

عند محاولة الإجابة عن هذا السؤال، يكون البحث عن المستفيدين من مثل هذه التفجيرات، وهنا تبرز مجموعة من الأطراف، يمكن في إطارها التمييز بين مجموعتين:

الأولي: الأطراف الخارجية:

وهنا تشير الاحتمالات إلى دور كل من إيران وحزب الله وقوات بشار الأسد وقوات الحماية الشعبية الكردية (الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا بزعامة صالح مسلم)، وروسيا الاتحادية، حيث أعلنت هذه الأطراف أنها لن تسمح بتدخل عسكري تركي في سوريا عبر كافة الطرق. ومن هنا يمكن أن تقف خلف هذه التفجيرات ذلك من أجل تحقيق عدة أهداف، من بينها:

1-محاولة إفشال المخطط التركي المعلن برغبتها في التدخل البري في سوريا؛ من أجل الحفاظ على منطقة إعزاز، ومحاربة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا؛ وإعلانها بأنها لن تسمح بوجود دولة كردية على حدودها مع سوريا.

2-تشكيل ضغط على الرئيس التركي وحكومة العدالة والتنمية عبر الأحزاب التركية المعارضة؛ من أجل منع أردوغان من التدخل في سوريا والتحريض الإعلامي ضده، وكذلك محاولة تحريض المؤسسة العسكرية في تركيا ضد الرئيس أردوغان شخصياً ومحاولة التخلص منه عبر انقلاب عسكري.

3-نقل رسالة للحكومة التركية، مفادها بأن على تركيا، وحكومتها الحالية عدم التدخل بشؤون الدول الخارجية، وإن حدوث هذا الانفجار في قلب العاصمة التركية أنقرة، له دلائل وإشارات دبلوماسية للحكومة التركية (2).

المجموعة الثانية: الأطراف الداخلية:

1ـ حزب العمال الكردستاني (PKK): رغم أن حزب العمال الكردستاني قد نفي ضلوعه في تفجيرات أنقرة؛ إلا ان هناك (3) ثمة من يربط الانفجار بمواقف، وحسابات داخلية، تتعلق بالأزمة السياسية كنتيجة لملابسات الصراع الدائر بين الحكومة التركية، وحزب العمال الكردستاني PKK. وفقد جاء انفجار أنقرة، تزامنا مع الفترة التي تشن فيها الحكومة التركية حملة ضد أعضاء “حزب العمال الكردستاني”، التي تصفها بـ “الإرهابية”.

2ـ الحكومة التركية: حيث يذهب البعض إلى أن الحكومة التركية هي التي تقف خلف هذا الإنفجار، ويقف خلف هذا التفسير أن هذه التفجيرات يمكن أن تحقق للحكومة عدة مكاسب:

(أ) شرعنة التدخل التركي البري في سوريا، من خلال إيصال رسالة للداخل والخارج بأن تركيا أصبحت في دائرة الاستهداف “الإرهابي” ويجب عليها التعامل معه من خلال محاربته في سوريا.

(ب) خلق مبررات مسبقة، في حال دخول القوات البرية التركية لسوريا، وتعرض البلاد لتفجيرات محتملة رداً على هذا التدخل؛ والقول بأن التفجيرات قائمة قبل التدخل وبعده وليست نتيجة مباشرة للتدخل.

(ج) استدراج حلف الناتو لمساندة تركيا (انطلاقا من المادة 5 في ميثاق الحلف) والتي تنص على “أنه في حال تعرض أي دولة من الدول الأعضاء في حلف الناتو لأي إعتداء مسلح، يعد عدوانا على كافة الدول المشاركة في الحلف”.

وفي مقابل هذا الوجهة من النظر يرى آخرون، أن هذا الاحتمال يشكل مغامرة خطيرة، ويصعب أن تخرج من الحكومة التركية في مثل هذا التوقيت، لأنه من السهل الكشف عن ذلك، وهو ما يمكن أن ينال حال حدوثه من مصداقية هذه الحكومة، ويهز شرعيتها الداخلية والخارجية.

ثانياً: ردود الفعل المتوقعة التركية:

في ظل ما أكده الرئيس التركي – أردوغان – عن تصميم بلاده على استخدام حق “الدفاع عن النفس” بعد تفجيرات أنقرة (4) وفي ظل تأكيده “سيرى كل من يسعى لإبعاد تركيا عن أهدافها باستخدام التنظيمات الإرهابية، أنه على خطأ”(5)، يمكن أن تشهد الفترة القادمة عدداً من ردود الأفعال:

في ظل ما أكده الرئيس التركي – أردوغان – عن تصميم بلاده على استخدام حق “الدفاع عن النفس” بعد تفجيرات أنقرة (6) وفي ظل تأكيده “سيرى كل من يسعى لإبعاد تركيا عن أهدافها باستخدام التنظيمات الإرهابية، أنه على خطأ”(7)، يمكن أن تشهد الفترة القادمة عدداً من ردود الفعل التركية:

1ـ تكثيف القصف التركي لمواقع منظمتي “PKK”، و”وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا”، في محيط مدينة “أعزاز”، شمالي سوريا؛ بهدف منع تواجد معسكرات للقوات الكردية على الحدود التركية السورية.

2ـ زيادة دخول شاحنات تركية محملة بالمساعدات الإنسانية إلى سوريا من معبر باب السلامة، بهدف إيصال رسالة أن الدور التركي في سوريا هو دور إنساني بما يُسهل لها حرية حركة في المناطق الحدودية (8).

3ـ تشكيل ضغط على الولايات المتحدة الأمريكية من أجل الحصول على موقف واضح وصريح ضد الأكراد، وفي هذا السياق تبرز تصريحات “شرف مالكوج” كبير مستشاري الرئيس التركي، والتي ألمح فيها إلى احتمال قيام تركيا بغلق قاعدة “أنجرليك” الجوية أمام المقاتلات الأمريكية على خلفية التصريحات الأمريكية الخاصة بحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني (9).

4ـ تكثيف الطيران التركي غاراته على منطقة حفتنين العراقية القريبة من الحدود السورية، ويعتبر معسكر حفتنين أحد أكبر القواعد الخلفية للمتمردين الأكراد في جبال شمال العراق (10).

5ـ على الرغم من وجود مؤشرات لعبور ما لا يقل عن 500 مقاتل سوري معارض للحدود التركية بتاريخ 18-2-2016م، إلى منطقة إعزاز السورية الواقعة في شمال محافظة حلب والمهددة بالسقوط في أيدي قوات كردية موالية لنظام الرئيس بشار الأسد. فإنه من المتوقع أن يستمر تدفق المقاتلين إلى درجة تسمح بترجيح الكفة لصالح تركيا في المنطقة الحدودية (11)، ويمكن أن تنتهي هذه الخطوات بتوغل بري للقوات التركية في منطقة اعزاز، بعد تأمينها من قوات المعارضة المدعومة من القوات التركية، وأن يحظى هذا التوغل بتأييد إقليمي وعالمي.

6. إحداث تفجيرات انتقامية في داخل الدول التي سيثبت تورطها في تفجيرات أنقرة، ومن المتوقع أن تستهدف العواصم دمشق، وموسكو؛ وكذلك بعض قيادات حزب الله.

7. اشتداد العمليات العسكرية التركية في شرق البلاد بهدف منع أي احتمالية تواصل ما بين أكراد سوريا وأكراد تركيا.

8. تشكيل ضغط تركي دبلوماسي على دول الاتحاد الأوروبي؛ من خلال التلميح أنه في حال حسمت الأمور في سوريا لصالح روسيا فإن تركيا لن تسمح ببقاء أي عسكري – من قوات المعارضة -هارب من المعركة على أراضيها، بمعني فتح المجال أمام تدفق ألاف المقاتلين صوب أوروبا؛ أي أنه في حال تم تهديد الأمن القومي التركي فإن دول الاتحاد الأوروبي سيكون أمنها القومي في خطر. وبالتالي زيادة الضغط الأوروبي على الولايات المتحدة الأمريكية من أجل الوقوف إلى جانب تركيا.

ثالثاً: دلالات التفجير:

تشير خصوصية وحساسية المنطقة التي شهدت التفجيرات، إلى احتمالات تورط أجهزة استخباراتية خارجية في التفجيرات، فضلًا عن تسهيلات داخلية محتملة، وبالتالي تحمل التفجيرات رسائل متعددة للحكومة التركية في سياستها الخارجية، وكما تحمل العديد من الدلالات:

1ـ ستكون التفجيرات -إن صحت المسؤولية الكردية عنه -مرحلة جديدة في صراع حزب العمال مع الحكومة التركية، وبالتالي مزيد من التعقيد للصراع.

2ـ أن المسؤولية المشتركة المفترضة للعمال الكردستاني (من أكراد تركيا)، وقوات الحماية (من أكراد سوريا) ستفتح الباب واسعًا لتدويل القضية الكردية، وبالتالي صعوبة إن لم تكن استحالة تسويتها تركياً بسبب التدخلات الخارجية.

3ـ أن الاستهداف المباشر لمؤسسات الجيش ومقر القوات الجوية يحمل رسالة مزدوجة للمؤسسة العسكرية التركية، من ناحية أنها المسؤول الأول عن قصف مواقع الكردستاني في جبال قنديل في العراق، ومن ناحية ثانية أنها المتحفظة على عملية عسكرية واسعة النطاق في سوريا.

4ـ أن استخدام الرئيس التركي أردوغان عبارة “الحق المشروع بالدفاع عن النفس” دليل على مواجهة دول أو أخطار خارجية وليس للرد على تنظيمات داخلية، وهو ما يوحي بتفكير صانع القرار التركي في الرد في الداخل السوري، خاصة وأن رئيس الوزراء التركي (داود أوغلو) أكد على “مسؤولية النظام السوري عن التفجير” باعتبار أن قوات الحماية الكردية محسوبة عليه وتتحرك بتنسيق مع أجهزته الأمنية والعسكرية (12).

 

خاتمة:

هناك العديد من المؤشرات التي تكشف عن توجه تركي نحو التدخل العسكري في سوريا، وهذا يعد مؤشراً على أن الأمن القومي التركي قد أصبح بالفعل في خطر محدق، وأن هناك موافقة غير معلنه من قبل دول إقليمية ودولية على هذا التدخل، كما أن هناك من يحاول استدراج تركيا إلى المستنقع السوري، وهو ما يعني أن هذا التدخل ستكون له تبعاته السلبية والإيجابية، من زوايا مختلفة على الدولة التركية وأمنها القومي، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في التوجهات التركية نحو عملية التدخل، وفق حسابات المكسب والخسارة، والفرص والتهديدات، والتعامل وفق رؤي دقيقة تراعي خريطة التحولات الاستراتيجية في المنطقة وتداعياتها على مختلف القوي الإقليمية والدولية.

——————————-

الهامش

(1) العربية نت، تاريخ الزيارة 18-2-2016م، الرابط

(2) وكالة الأناضول، تاريخ الزيارة 18-2-2016م، الرابط

(3) الميادين، تاريخ الزيارة 18-2-2016م، الرابط

(4) الأخبار، تاريخ الزيارة 18-2-2016م، الرابط

(5) وكالة الأناضول، تاريخ الزيارة 18-2-2016م، الرابط

(6) الأخبار، تاريخ الزيارة 18-2-2016م، الرابط

(7) وكالة الأناضول، تاريخ الزيارة 18-2-2016م، الرابط

(8) وكالة الأناضول، تاريخ الزيارة 18-2-2016م، الرابط

(9) صرّح “شرف مالكوج”، بأن بلاده قد تغلق قاعدة إنجيرليك أمام المقاتلات الأمريكية، وذلك على خلفية التصريحات الأمريكية المتعلقة بحزب الاتحاد الديمقراطي، ولا سيما بعد التفجير الانتحاري الذي شهدته أنقرة، والذي ثبت أن الحزب المذكور هو من وقف خلفه، وعلى الرغم من ذلك لم تقم أمريكا بوصفه حزبا إرهابيا. وقال: “إن أمريكا لا تنظر إلى حزب الاتحاد الديمقراطي كإرهاب، ولذلك من الممكن أن نغلق قاعدة إنجيرليك أمام الطائرات الأمريكية، في إطار أخذ التدابير اللازمة، علينا أن نأخذ التدابير اللازمة أمام الدول التي تعلن صداقتها لتركيا، ولكنها في الحقيقة تخفي عداءها، وهذه التدابير ليست خاصة بأمريكا، كل من يقوم بنشاطات وفعاليات ضد تركيا أيّا كان سنأخذ التدابير اللازمة تجاهه”. أنظر: كبير مستشاري أردوغان: قد نغلق قاعدة إنجيرليك أمام الطائرات الأمريكية، ترك برس (19/2/2016)، تاريخ الزيارة، 19-2-2016، الرابط.

(10) الميادين، تاريخ الزيارة 18-2-2016م، الرابط.

(11) العربية نت، تاريخ الزيارة 18-2-2016م، الرابط

(12) سعيد الحاج، ما بين سطور تفجير أنقرة، أخبار تركية، 20 فبراير 2016، الرابط، تاريخ الزيارة 23/2/2016.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close