fbpx
اوروبا وامريكاترجمات

تقارير متابعة قضية ريجيني في الإعلام الإيطالي (1)

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

أعلن ممثلو الادعاء العام في إيطاليا الخميس الموافق 10 ديسمبر إنهاء تحقيقاتهم في قضية اختفاء ومقتل الطالب جوليو ريجيني في القاهرة عام 2016. وسمّى ممثلو الادعاء الإيطاليون أربعة من عناصر الأمن المصري كمتهمين مشتبه بهم، وفقاً لما أعلنته وكالة رويترز للأنباء. وفي بيان صدر من مكتب المدعي العام في روما الخميس، قال ممثلو الادعاء الإيطالي إن المصريين الأربعة مشتبه بهم في الضلوع بدور في عملية “اختطاف في ظروف مشددة” لريجيني، وأن أحد هؤلاء الأربعة -وهو رُتبة في الأمن الوطني المصري- قد يواجه أيضا اتهامات بـ”التآمر لارتكاب عملية قتل في ظروف مشددة”. وأمهل ممثلو الادعاء المتهمين الأربعة 20 يوماً لتقديم إفادات أو طلب الاستماع إليهم في القضية. على أنْ يقرر المحققون بعد انقضاء هذه المهلة ما إذا كانوا سيطالبون بمحاكمة المتهمين من عدمه.

وما أن صدر هذا البيان من مكتب المدعي العام الإيطالي حتى سارعت كبريات الصحف الإيطالية وأكثرها انتشاراً في نشر تقارير لا تخلو من تسريبات جديدة حول خطف وتعذيب وقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني بمصر على يد ضباط في جهاز الأمن الوطني المصري والذين قام الادعاء العام في روما باتهام أربعة منهم رسمياً بارتكاب الجريمة، وهم: اللواء صابر طارق؛ والعقيد آسر كامل محمد إبراهيم؛ والعقيد حسام حلمي؛ والرائد إبراهيم مجدي شريف. وبالإضافة إلى ذلك، تم تسريب فيديوهات تكشف عن مراقبة العقيد آسر كامل لريجيني عن طريق أحد المخبرين الذي أظهر الفيديو مكالمة أجراها المدعو محمد عبدالله، وهو أحد الباعة الجائلين كان العقيد آسر كامل قد كلفه بمراقبة الباحث الإيطالي جوليو ريجيني.

وفيما يلي أهم هذه التقارير والمقالات التي قام المعهد المصري بترجمتها من الصحافة الإيطالية، بالإضافة إلى فيديوهات مسربة نشرتها قناة الجزيرة لأول مرة لأحد المخبرين السريين للضابط آسر كامل أثناء مراقبة جوليو ريجيني، وفيديو رئيس البرلمان الإيطالي الذي يطالب فيه بقطع العلاقات مع مصر:

ملخص:

ينقسم هذا المحتوى إلى قسمين: القسم الأول يتضمن خمس مقالات نُشرت في الصحافة الإيطالية. المقال الأول من صحيفة كوريرا ديلا سيرا لجيوفاني بيانكوني بتاريخ 10 ديسمبر 2020 ويدور حول ملابسات مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني في القاهرة. وحسب بيانكوني، فإن هناك شاهدي عيان أحدهما رأى ريجيني في قسم شرطة الدقي والآخر رآه في مقر أمن الدولة بلاظوغلي. والمقال الثاني نشرته صحيفة كوريرا ديلا سيرا أيضاً ولكن بتاريخ 11 ديسمبر 2020، وهو لجيوفاني بيانكوني الذي يقول فيه إنه مما يثير السخرية أن اليوم الذي تقدم فيه الضابط بالسفارة الإيطالية دافيد بونشيفيني وأصدقاء ريجيني المصريون إلى قسم شرطة الدقي للتبليغ عن اختفاء ريجيني، كان الباحث الإيطالي محتجزاً هناك بالفعل؛ وتناول بيانكوني كذلك الغرفة رقم 13 في مقر الأمن الوطني المخصص التي تم تعذيب وقتل ريجيني بها. أما المقال الثالث فقد نشرته صحيفة لاريبوبليكا بتاريخ 11 ديسمبر 2020 لجوليانو فوشيني الذي قال إن لائحة الاتهام التي  أعدها المدعي العام بريستيبينو ونائبه كولايوكو تتكون من 94 صفحة؛ وهي لائحة اتهام غير مسبوقة في التاريخ القضائي لإيطاليا، حيث تضع الحكومة المصرية في وضع التقصير في تحقيق العدالة. والمقال الرابع جاء أيضاً في صحيفة لاريبوبليكا بتاريخ 11 ديسمبر 2020، وكتبه كارلو بونيني بعنوان: “الصمت لا يكفي”، حيث يقول فيه إن الشيء الوحيد الذي لا يجب أن يُسمح به هو التزام الصمت حيال قضية ريجيني، والقناعة بأن “المؤسسات الجمهورية ستتحدد في البحث عن الحقيقة”، حيث لا يمكن أن يكون ذلك ذريعة للاكتفاء بالصمت. والمقال الخامس نشرته صحيفة دوماني بتاريخ 12 ديسمبر 2020 لجيوفانا فاجيوناتو بعنوان: “قضية ريجيني بين مصر وليبيا: الحكومة لا تتخذ القرار” ويقول فيه إنه بينما يصدر رئيس الوزراء الإيطالي كونتي تصريحاً قوياً عن قضية الباحث المقتول، فإنه في الوقت نفسه يسعى لإنقاذ الصيادين الإيطاليين المحتجزين في ليبيا في أيدي ميليشيات حفتر الذين يحميهم عبدالفتاح السيسي؛ فماذا بوسعه أن يفعل في كلا الأمرين؟ أما القسم الثاني فهو عبارة عن فيديوهات مسربة تثبت تورط الضابط آسر كامل في إدارة مراقبة ريجيني باستخدام أحد المخبرين.

أولاً: المقالات المنشورة في الصحافة الإيطالية:

1- كوريرا ديلا سيرا: الساعات الأخيرة لمقتل ريجيني

نشرت صحيفة كوريرا ديلا سيرا الإيطالية بتاريخ 10 ديسمبر 2020 مقالاً للصحفي جيوفاني بيانكوني حول ملابسات مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني في القاهرة. وحسب بيانكوني، فإن الشاهد الأول رأى ريجيني مساء يوم الخامس والعشرين من يناير 2016 ليلة اختطافه من أجهزة الأمن المصرية؛ بينما الشاهد الثاني رآه بعد بضعة أيام في مبنى أمن الدولة بلاظوغلي، وكان ريجيني وقتها مصفّدا بسلاسل مع علامات واضحة من التعذيب على جسمه. وقالت الصحيفة الإيطالية إن النيابة تتبعت أثر الشهود وأن المدعي العام الإيطالي ميشيل بريستيبينو ونائبه سيرجيو كولايوكو قد تمكّنا من الاتصال بالشاهدين، ولحماية هويتهما وأمنهما جرى إدراجهما في التحقيق تحت اسمين مستعارين: دلتا وإبسيلون. وكشفت الصحيفة أن التحقيق توصّل إلى أن الباحث ريجيني اقتِيد، رغماً عنه ودون سند قانوني، أولا إلى قسم شرطة الدقي، ثم إلى مبنى في مقر مباحث أمن الدولة في لاظوغلي حيث احتُجز لمدة 9 أيام. وقالت كوريرا ديلا سيرا إن الشهادة الثانية جاءت من مقر أمن الدولة بلاظوغلي، على لسان “إبسيلون” (اسم مستعار)، حيث قال إن أهم طابق في البناية المكونة من أربعة طوابق هو الطابق الأول، حيث توجد الغرفة رقم 13 التي يُقتاد إليها الأجانب المتهمون بالتآمر على الأمن القومي، وأكد “إبسيلون” أنه رأى ريجيني وهو ملقى على الأرض ووجهه إلى الخلف، ويداه مقيّدتان بالأصفاد ومثبتة على الأرض حتى لا يتمكن من النهوض، وأكد أنه لاحظ آثار التعذيب وعلامات احمرار على ظهره.

يقول جيوفاني بيانكوني في مقاله:

حصل مكتب النائب العامة في روما، الذي أغلق التحقيق في اختطاف وتعذيب وقتل جوليو ريجيني في مصر، أقوال شاهدي عيان: شاهد أحدهما الباحث في الثكنة التي جرى فيها احتجازه بعد القبض عليه، والآخر في المكان الذي تم قتله فيه.

كان مكتب المدعي العام في روما – الذي أعلن صباح اليوم إغلاق التحقيق في اختطاف وتعذيب وقتل جوليو ريجيني من قبل  أربعة من المشتبه بهم و”الذين يتعذر تعقبهم” – قد قام حسب القواعد الموضوعة بأخذ أقوال شاهدي عيان كانا قد شاهدا الباحث الإيطالي الشاب في ثكنتين منفصلتين تابعتين لقوات الأمن المصرية.

إحدى المرتين التي رأى فيها أحد شاهدي العيان فيها ريجيني كانت في مساء يوم اختطافه، يوم 25 يناير 2016؛ وكانت المرة الأخرى قد رآها شاهد العيان الآخر بعد أيام قليلة من ذلك، حيث كان مقيداً بالسلاسل وعلي جسده آثار تعذيب واضحة. وكان قد تم تعقب الشهود بفضل التحقيقات الدفاعية التي أجرتها عائلة ريجيني مع المحامية أليساندرا باليريني.

وقام المدعي العام ميشيل بريستيبينو ونائبه سيرجيو كولايوكو بالاتصال بشاهدي العيان، ولحماية هويتهم وضمان سلامتهم، تم استخدام اسمين مستعارين لهما هما: “دلتا” و “إبسيلون”.

وإليكم ملخص القصتين اللتين أوردهما المدعي العام بريستيبينو ونائبه كولايوكو خلال جلسة استماع أمام لجنة التحقيق البرلمانية في اختطاف ووفاة ريجيني.

شهادة “دلتا” (اسم مستعار)

بحسب ما انتهت إليه التحقيقات، فإنه قد تم اقتياد ريجيني “رغماً عنه وخارج أي نشاط مؤسسي، في البداية إلى مركز شرطة الدقي ثم لاحقاً في مبنى الأمن الوطني في لاظوغلي” حيث “تم حرمانه من حريته الشخصية لمدة تسعة أيام.”

يقول شاهد العيان تحت اسم “دلتا” في إفادته: “في الخامس والعشرين من يناير 2016، وبينما كنت في مركز شرطة الدقي، وصل حوالي الساعة الثامنة أو التاسعة مساء شخص بين السابعة والعشرين والثامنة والعشرين من العمر، له لحية قصيرة، ويرتدي سترة صوفية، ربما كان لونها بين الأزرق والرمادي، حسبما أتذكر، ويرتدي تحتها قميصاً… كان الشاب يتحدث باللغة الإيطالية وطلب محامياً للدفاع عنه… وأنا متأكد من أنه كان جوليو ريجيني؛ وحسب الصور التي رأيتها على الإنترنت، كانت اللحية تبدو أطول قليلاً.”

“أثناء تواجدي في مركز شرطة الدقي، رأيت هذا الشاب عندما وصل والذي عرفت لاحقاً فقط أن اسمه جوليو ريجيني؛ وأثناء سيره في الممر كان يطالب بتمكينه من التحدث إلى محام أو التواصل مع القنصلية. وفي المنعطف، تمكنت من رؤية الشاب الإيطالي جيداً، وكان قد وصل بصحبة أربعة أشخاص يرتدون ملابس مدنية. وفي نفس الوقت رأيت أحد هؤلاء الأربعة ممسكاً بجهاز اتصال في يده،” حسبما أفاد شاهد العيان “دلتا”.

وذكر الشاهد لاحقاً أن ريجيني “تم وضعه في سيارة من طراز “شاين”، وكان معصوب العينين، حيث تم نفله إلى مكان يُدعى “لاظوغلي”. وكان أحد رجال الشرطة الذين كانوا معه يدعى شريف … وكان الآخر يدعى “محمد”، لكنني لا أعرف ما إذا كانت هذه هي أسماؤهم الحقيقية أم لا”.

وبالإضافة إلى ذلك، فبينما كان ريجيني “يطلب محامياً، حاول معتقل آخر مساعدته، ولكنه سرعان ما تلقى كوعاً في وجهه من قبل شرطي قال إن الشاب الإيطالي يتحدث العربية أيضاً”.

شهادة “إبسيلون” (اسم مستعار)

في ثكنة لاظوغلي، كان هناك شاهد العيان “إبسيلون” (اسم مستعار)، الذي تم تعقبه واستجوابه في 29 يوليو، قال إنه عمل لمدة خمسة عشر عاماً في المبنى ’الذي مات فيه ريجيني‘، أي “في مقر الأمن الوطني الذي يقع داخل وزارة الداخلية، والذي اكتسب اسمه من اسم الشارع المتواجد فيه: حيث يُقال ’مبنى لاظوغلي‘، ’اتجاه لاظوغلي‘”.

ويقول شاهد العيان “إبسيلون” عن مبنى لاظوغلي: “إنه مبنى في فيلا يعود تاريخها إلى عهد عبد الناصر، وقد تم استغلاله بعد ذلك من قبل هيئات التحقيق. والفيلا مكونة من أربعة طوابق ولكن أكثرها أهمية هو الطابق الأول، حيث توجد الغرفة رقم 13… التي يتم اقتياد الأجانب المتهمين بالتآمر على الأمن القومي إليها”.

“وفي الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين من يناير، رأيت ريجيني في المكتب الذي يحمل رقم 13 بصحبة ضابطين وعملاء آخرين لا أعرفهم، حيث لم أكن أعرف سوى الضابطين. وعند الدخول إلى المكتب لاحظت أنه كان مكبلاً بسلاسل حديدية، وكان نصف جسده العلوي عارياً، وتبدو عليه علامات التعذيب وكان يتمتم كلمات بلغته، وكأنه يهذي … وكان جسد الشاب نحيلاً للغاية”.

كان مُلقى على ظهره على الأرض، ووجهه إلى الخلف … رأيته مكبل اليدين بالأصفاد التي كانت تجبره على البقاء ملقى على الأرض … لاحظت علامات احمرار على ظهره، لكن مضت أربع سنوات منذ ذلك الوقت، لذلك لا أتذكر كل التفاصيل. لم أتعرف عليه على الفور، لكن بعد مرور خمسة أو ستة أيام، عندما رأيت صور ريجيني في الصحف، طابقتها في ذهني وأدركت أنه هو الذي رأيته هناك.

شاهد آخر من كينيا، “جاما”، (اسم مستعار)

وقبل هذين الشاهدين، كان نائب المدعي العام سيرجيو كوليوكو قد استمع، في أبريل من عام 2019، إلى الشاهد “جاما”، الذي تناقلت الأنباء بالفعل شهادته، حيث أفاد بأنه شهد لقاءً بين الرائد مجدي إبراهيم عبدالعال الشريف – أحد المشتبه بهم في عملية الاختطاف، والآن هو متهم أيضاً بتعذيب وقتل جوليو ريجيني – وزميل له كيني، الذي يُزعم بأنه اعترف له، خلال اجتماع في نيروبي، بأنه قام بضرب الباحث الإيطالي، للاشتباه في أنه كان محرضاً على الاحتجاجات.

إليكم قصة جاما:

“في عام 2017، خلال شهر أغسطس، كنت في مطعم وكان هناك شخص يرجح أن يكون مصرياً. وفي وقت لاحق، دخل إلى المطعم شخص كان على ما يبدو ينتمي إلى أجهزة الأمن الكينية.

وبدأ الرجلان، المصري والكيني، في مناقشة الأوضاع التي نشأت في نيروبي، من حيث النظام العام، وفيما يتعلق بالتحركات الاحتجاجية في كينيا.

وعندما انتهى العنصر الأمني الكيني من التحدث باللغة الكينية، بدأ الضابط المصري يتحدث باللغة العربية عن طالب دراسات عليا إيطالي، على أنه كان يحاول إثارة مجموعة صغيرة من الناس للشروع في ثورة. وقال الكيني، رداً على ما قاله المتحدث بالعربية، إنه يعتقد أنه قد يكون الأوروبيون أشراراً أيضاً.

وتابع المتحدث باللغة العربية قصته قائلاً إن هذا الإيطالي قد يكون عضواً في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أو في جهاز الموساد الإسرائيلي. ومضى يقول إنهم اكتشفوا أنه ينتمي إلى “مؤسسة أنتيبود”، التي كانت تدفع من أجل إشعال ثورة جديدة في مصر.

وفي مرحلة ما، كما قال المصري، كان المصريون قد ضاقوا ذرعاً بالباحث الإيطالي، حتى إنهم بدأوا في التنصت على هاتفه. وذات يوم سمعوا من خلال التنصت على المكالمات الهاتفية أنه سيذهب إلى حفلة في منطقة التحرير؛ وقبل أن يصل إلى مطعم في ميدان التحرير كانوا قد أوقفوه.

كان الضابط المصري يستخدم صيغة المتكلمين (نحن) أثناء حديثه وعند سرده لهذه الأمور. كانوا، أي المصريون، غاضبين جدا؛ واستخدم الضابط المتحدث باللغة العربية ضمير المتكلم المفرد (أنا)، للادعاء بأنه قام بضرب الباحث الإيطالي. عند هذه النقطة، سأل الكيني محاوره المصري عن اسم الشخص الذي يتحدث عنه، فرد عليه المصري بقوله: اسمه “جوليو ريجيني”.

وقبل إلقاء التحية والانصراف، تبادل الضابطان بطاقات العمل، ونطق الكيني الاسم الموجود على البطاقة التي استلمها من محاوره المصري: “إبراهيم مجدي شريف”، حيث أكد المصري أنه اسمه.

وعلى أساس هذه الشهادات، والعديد من الأدلة الأخرى التي تم جمعها خلال ما يقرب من خمس سنوات من التحقيقات التي شملت مقابلات مع ممثلي الادعاء المصريين، أقل ما يقال فيها إنها كانت معقدة ومتقطعة، أغلق المدعي العام في روما التحقيق ويُعد للمطالبة بمحاكمة الرائد شريف (المتهم بالخطف والقتل) واللواء طارق صابر والعقيد آسر كامل محمد إبراهيم والعقيد حسام حلمي (الأسماء الثلاثة الأخيرة متهمون بالخطف فقط). وبالنسبة للمشتبه الخامس، وهو محمود نجم، وكيل جهاز الأمن الوطني، فقد طلب المدعي العام عدم إدراجه في الدعوى لعدم كفاية الأدلة.

2- في صحيفة كوريرا ديلا سيرا أيضاً بتاريخ 11 ديسمبر 2020، كتب جيوفاني بيانكوني يقول:

ما يثير السخرية في المقام الأول من النهاية الفظيعة لجوليو ريجيني -التي كانت غامضة آنذاك- كانت في أن بدايتها كانت في اليوم الذي تم الإبلاغ عن اختفائه فيه. فعندما تقدم الضابط بالسفارة الإيطالية دافيد بونشيفيني، ومعه صديقة جوليو نورا مدحت وهبي وزميله في السكن محمد الصياد ببلاغ إلى قسم شرطة الدقي، غرب القاهرة يوم الأربعاء 27 يناير 2016 قالوا فيه إن الباحث الإيطالي الشاب جوليو ريجيني اختفى منذ مساء الاثنين، كان جوليو في يوم الاثنين نفسه، الذي بدأ فيه اختفاؤه، كان هناك، في قسم شرطة الدقي نفسه الذين يقدمون بلاغ الاختفاء له.

ثم علمنا اليوم بفضل شهادة شاهد العيان الذي يحمل الاسم المستعار “دلتا” (لحماية سلامته) أن نائب المدعي العام في روما سيرجيو كولايوكو كان يقرأ أمام لجنة التحقيق البرلمانية في حبس ريجيني ووفاته: “في الخامس والعشرين من يناير 2016، وبينما كنت في مركز شرطة الدقي، وصل حوالي الساعة الثامنة أو التاسعة مساء شخص بين السابعة والعشرين والثامنة والعشرين من العمر، له لحية قصيرة، ويرتدي سترة صوفية، ربما كان لونها بين الأزرق والرمادي، حسبما أتذكر، ويرتدي تحتها قميصاً… كان الشاب يتحدث باللغة الإيطالية وطلب محامياً للدفاع عنه… وأنا متأكد من أنه كان جوليو ريجيني؛ وحسب الصور التي رأيتها على الإنترنت، كانت اللحية تبدو أطول قليلاً.”

ويواصل الشاهد قائلا: “أثناء تواجدي في مركز شرطة الدقي، رأيت هذا الشاب عندما وصل والذي عرفت لاحقاً فقط أن اسمه جوليو ريجيني؛ وأثناء سيره في الممر كان يطالب بتمكينه من التحدث إلى محام أو التواصل مع القنصلية. وفي المنعطف، تمكنت من رؤية الشاب الإيطالي جيداً، وكان قد وصل بصحبة أربعة أشخاص يرتدون ملابس مدنية. وفي نفس الوقت رأيت أحد هؤلاء الأربعة ممسكاً بجهاز اتصال في يده،” مضيفاً “تم وضعه في سيارة من طراز “شاين”، وكان معصوب العينين، حيث تم نفله إلى مكان يُدعى “لاظوغلي”. وكان أحد رجال الشرطة الذين كانوا معه يدعى شريف … وكان الآخر يدعى “محمد”، لكنني لا أعرف ما إذا كانت هذه هي أسماؤهم الحقيقية أم لا”. وتم إسكات من كان يحاول مساعدة ريجيني، فبحسب الشاهد أنه بينما كان ريجيني “يطلب محامياً، حاول معتقل آخر مساعدته، ولكنه سرعان ما تلقى كوعاً في وجهه من قبل شرطي قال إن الشاب الإيطالي يتحدث العربية أيضاً”.

أما الشاهد الثاني واسمه المستعار إبسيلون قد رأى ريجيني في مقر الأمن الوطني في لاظوغلي والتابع لوزارة الداخلية، في الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين من يناير كما ذكر، حيث قال أيضاً إنه عمل لمدة خمسة عشر عاماً في نفس هذا المبنى الذي مات فيه ريجيني. وقال الشاهد إن مقر الأمن الوطني في لاظوغلي عبارة عن “مبنى في فيلا يعود تاريخها إلى عهد عبد الناصر، وقد تم استغلاله بعد ذلك من قبل هيئات التحقيق. والفيلا مكونة من أربعة طوابق ولكن أكثرها أهمية هو الطابق الأول، حيث توجد الغرفة رقم 13… التي يتم اقتياد الأجانب المتهمين بالتآمر على الأمن القومي إليها”.

أما الغرفة رقم 13 في الطابق الأول من هذا المبنى فهي غرفة التعذيب، حيث قال الشاهد: “رأيت ريجيني في المكتب الذي يحمل رقم 13 بصحبة ضابطين وعملاء آخرين لا أعرفهم، حيث لم أكن أعرف سوى الضابطين. وعند الدخول إلى المكتب لاحظت أنه كان مكبلاً بسلاسل حديدية، وكان نصف جسده العلوي عارياً، وتبدو عليه علامات التعذيب وكان يتمتم كلمات بلغته، وكأنه يهذي … وكان جسد الشاب نحيلاً للغاية. كان مُلقى على ظهره على الأرض، ووجهه إلى الخلف … رأيته مكبل اليدين بالأصفاد التي كانت تجبره على البقاء ملقى على الأرض … لاحظت علامات احمرار على ظهره، لكن مضت أربع سنوات منذ ذلك الوقت، لذلك لا أتذكر كل التفاصيل. لم أتعرف عليه على الفور، لكن بعد مرور خمسة أو ستة أيام، عندما رأيت صور ريجيني في الصحف، طابقتها في ذهني وأدركت أنه هو الذي رأيته هناك.”

وبانتهاء المدعي العام ميشيل بريستيبينو ونائبه سيرجيو كولايوكو من التحقيقات وإعداد تقرير ولائحة اتهامات ضد أربعة من عناصر جهاز الأمن الوطني المصري -اللواء صابر طارق؛ والعقيد آسر كامل محمد إبراهيم؛ والعقيد حسام حلمي؛ والرائد إبراهيم مجدي شريف- يستعد الادعاء للمطالبة بمحاكمة المتهمين المسؤولين عن خطف وتعذيب وقتل الباحث الإيطالي الشاب.

أما كلمات الشاهد الكيني جاما فتلقي بظلالها على الرائد شريف، بالإضافة إلى دلالات اتصالات هاتفية وعلاقات مع البائع الجائل محمد عبد الله الذي كان يتعقب جوليو لصالح جهاز الأمن الوطني. حيث قال جاما إنه رأى الرائد شريف في كينيا وسمعه وهو يعترف لزميل له في الشرطة الكينية بأحد المطاعم بأنه اعتقل وضرب ريجيني: “بدأ يتحدث عن طالب إيطالي، طالب دكتوراه، كان يحاول إثارة مجموعة صغيرة من الناس من أجل الشروع في ثورة… وادعى شريف أن الباحث الإيطالي قد يكون عضواً في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أو في جهاز الموساد الإسرائيلي. ومضى يقول إنهم اكتشفوا أنه ينتمي إلى “مؤسسة أنتيبود”، التي كانت تدفع من أجل إشعال ثورة جديدة في مصر.

ووفقاً لشهادة جاما، فإن شريف (الذي تم التعرف عليه من خلال تسليم بطاقة عمل إلى الضابط الكيني، الذي نطق اسمه بصوت مسموع) نظم التنصت على جوليو وتعقبه، وذات يوم سمعوا من خلال التنصت على المكالمات الهاتفية أنه سيذهب إلى حفلة في منطقة التحرير؛ وقبل أن يصل إلى مطعم في ميدان التحرير كانوا قد أوقفوه. كان الضابط المصري شريف يستخدم صيغة المتكلمين (نحن) أثناء سرده لهذه الأمور، ولكن عند سرده لما قام هو به ضد ريجيني، استخدم ضمير المتكلم المفرد (أنا)، حيث ادعى أنه قام بضرب الباحث الإيطالي. وعندما سأله الضابط الكيني عن اسم الشخص الذي يتحدث عنه، فرد عليه المصري بقوله: اسمه “جوليو ريجيني”.

التضليل المستمر من الجانب المصري

وفي إبريل 2016، قال المدعي العام بريستيبينو إن العلاقة مع مصر كانت “صعبة ومرهقة ومعقدة”. ولكن بعيداً عن الكلام الدبلوماسي وحتى اللطيف للمدعي العام، فتظل هناك أسئلة كثيرة أرسلت للجانب المصري بلا إجابة: 39 من أصل 64. بل إن الجانب المصري كان مصراً على نهج التوجيهات الخاطئة منذ اكتشاف الجثة في 3 فبراير 2016: من الحديث عن الدافع الجنسي إلى حادث طريق، ومن مشاجرة في الميدان إلى سرقة الوثائق… وإبادة خمسة أشخاص ادعت الأجهزة الأمنية بأنهم العصابة التي قامت بجريمة قتل ريجيني، والكذب بوجود خلل في  كاميرات مترو الأنفاق، بالإضافة إلى الأعذار التي تُقدم لنفي المعلومات والشكوك المستمرة حول نشاط جوليو، الأمر الذي أثار شكاوى المدعي العام السابق جوزيبي بيجناتوني، ودفع المدعي العام كولايوكو إلى مقاطعة أحد الاجتماعات مع زملائه في القاهرة “رافضاً التشكيك في صحة سلوك ريجيني في مصر”.

أما الإهانة المأساوية الأخرى هي أن الأشخاص المصريين اللذين ذهبا للإبلاغ عن اختفاء جوليو: صديقته “نورا” ورفيقه في السكن “الصياد”، ساهموا أيضاً في “شبكة التعقب” التي نسجها الأمن الوطني حول الباحث، من خلال الاتصالات – المباشرة أو عبر الوسائط – مع الرائد شريف والعقيد حلمي.

وبينما أجمع البرلمان على التعبير عن الرضى عن العمل الذي قام به مكتب المدعي العام في روما، فإن  المعارضة تثير انتقادات للحكومة “التي لا تزال لا تشرح موقفها من التضليل الخطير الذي حاول به نظام السيسي إخفاء مسؤوليته عن مقتل جوليو”.

يقول باولو ترانكاسيني، برلماني وعضو لجنة التحقيق في وفاة الباحث الإيطالي: “صمت المؤسسات الإيطالية غير مقبول بأي حال من الأحوال، أيضاً في ظل إغلاق التحقيقات وتوجيه الاتهامات لأربعة عناصر أمن مصريين بشكل رسمي، هل من الممكن أنه لا يوجد شيء لدى كونتي ليقوله عن ذلك؟”.

من ناحية أخرى، فإن نواب حركة الخمس نجوم راضون عن سير الأمور، حيث كتبوا في مذكرة: “لأول مرة في إيطاليا سيُحاكم الأشخاص الذين ينتمون إلى أجهزة حكومية أجنبية لوقائع ذات صلة في دولة أجنبية تمت ضد مواطن إيطالي بالخارج”.

أما في الحزب الديمقراطي، فقد أكد ليا كوارتابيل، زعيم الكتلة في لجنة الشؤون الخارجية، وديبورا سيراتشياني، رئيس لجنة العمل، أن “محاكمة قتلة الباحث الإيطالي ستجري وستتم في إيطاليا. ففي السنوات الأخيرة نحن لم تتوقف أبداً عن المطالبة بالحقيقة والعدالة “.

3- أما صحيفة لا ريبوبليكا فقد نشرت يوم 11 ديسمبر 2020 مقالا لجوليانو فوشيني، قال فيه:

وجه المدعي العام في روما ميشيل بريستيبينو الاتهام بشكل رسمي لأربعة من العناصر الأمنية المصرية بارتكاب جريمة الخطف المتعدد والتورط في الإضرار الشخصي والقتل والمسؤولية الكاملة عما حدث للطالب الإيطالي جوليو ريجيني عام 2016 في مصر، وهم: اللواء طارق صابر، والعقيد آسر كامل محمد إبراهيم، والرائد مجدي إبراهيم عبد العال الشريف، والعقيد حسام حلمي، وخاصة الرائد مجدي الشريف، الذي اعتبره الادعاء المسؤول الرئيسي عن تعذيب وقتل  الطالب الإيطالي.

لقد كان اختطاف وتعذيب وقتل جوليو ريجيني جريمة دولة. حيث قُتل الباحث الإيطالي على يد رجال من الحكومة المصرية، والأمن الوطني، والمخابرات العامة، بعد تسعة أيام من “التعذيب المروع والتعذيب بالأدوات الساخنة والشفرات والعصي والركلات واللكمات” في غرفة الرعب رقم “13” في الطابق الأول لفيلا من خمسينيات القرن الماضي وسط القاهرة (لاظوغلي) على بعد خطوات قليلة من وزارة الداخلية. حيث أقسم وزير الداخلية في حكومة السيسي، السيد مجدي عبد الغفار، بعد أيام قليلة على الجريمة، أمام الصحافة الدولية، قائلاً: “إنه من غير المقبول أن يشتبه في تورط قوات الأمن في الجريمة”.

لقد اتضح أن المسؤولين عن خطف وتعذيب وقتل جوليو هم أربعة ضباط في جهاز الأمن الوطني، وهم: صابر طارق من مواليد 1963 وهو لواء في جهاز الأمن الوطني؛ وآسر كامل محمد إبراهيم، من مواليد 1968، برتبة عقيد، وهو مدير التفتيش بمديرية امن الوادي الجديد؛ وحسام حلمي، برتبة عقيد، من مواليد 1968، عضو سابق بجهاز الأمن الوطني؛ وإبراهيم مجدي شريف، برتبة رائد، من مواليد 1984، رائد في جهاز الأمن الوطني.

ويطالب المدعي العام في روما بإصدار حكم على المتهمين من خلال لائحة اتهام من 94 صفحة موقعة من قبل المدعي العام ميشيل بريستيبينو ونائبه سيرجيو كولايوكو. وهذه الوثيقة تغلق خمس سنوات من التحقيقات وتزيل الحجاب ليس فقط عن المسؤولية المادية عن مقتل ريجيني ولكن أيضاً عن المسؤولية السياسية، حيث تم عرقلة البحث عن الحقيقة بشكل كامل. وهذه لائحة اتهام غير مسبوقة في التاريخ القضائي لبلدنا تضع حكومة جمهورية مصر العربية في وضع التقصير في تحقيق العدالة.

فالمدعي العام متأكد من أن اليد الطولى في مقتل جوليو ريجيني هي يد الأمن الوطني؛ حيث يقوم الدليل على أربعة عناصر على الأقل.

وقد وثق تشريح الجثة التعذيب الذي تعرض له جوليو. وقال المدعي العام جوزيبي بيجناتون لنظرائه المصريين إن التفاصيل تبين نفس الأوصاف المعهودة في الأدبيات الجنائية المصرية، وهو نفس أسلوب العمل المحلي المتبع لتعذيب المعتقلين.

وقد كتب مكتب المدعي العام أن الأمن الوطني حقق مع ريجيني وقد فعل ذلك، بعد أن وصلنا إلى الدافع، لأنه كان يعتقد أنه كان يعمل “جاسوساً لوكالة المخابرات المركزية أو مؤسسة أنتيبود البريطانية”. ولكن على العكس من ذلك، اتضح بالوثائق التي لا تقبل الشك أن الباحث كان يقوم بعمله بأمانة.

وأخيراً، لقد انحرفت مصر علمياً عن التحقيقات منذ البداية، بداية من التلاعب في صور كاميرات محطة المترو حيث تم اختطاف جوليو، وقتل خمسة أبرياء للإيهام بأنهم الجناة. فمصر – كما كتب فريق الادعاء – لم تجري أي تحقيق مستقل بعد عام 2016، مما أدى إلى إغلاق التحقيقات فعلياً في ذلك التاريخ”، أو بالأحرى، “لم تقم مطلقاً بأي أنشطة تحقيق مشتركة” مع الجانب الإيطالي.

الشهود

ومع ذلك، كانت نقطة التحول الحاسمة في التحقيقات هي خمس شهادات، تم جمعها بفضل المساهمة الحاسمة لمحامية عائلة ريجيني، أليساندرا باليريني. فجميع الشهود الآن في مواقع محمية خارج مصر. ولحمايتهم، قام المدعي العام بإخفاء هوياتهم، واصفاً إياهم بألفا وبيتا وجاما ودلتا وإبسيلون. هذا فقط ما قالوه عنهم.

4- وفي صحيفة لا ريبوبليكا أيضا بتاريخ 11 ديسمبر 2020، كتب كارلو بونيني مقالا تحت عنوان: “الصمت لا يكفي”، جاء فيه:

لائحة الاتهام التي أغلق بها مكتب المدعي العام في روما خمس سنوات من التحقيقات، مع إعطاء أسماء للمسؤولين عن اختطاف وتعذيب وقتل جوليو ريجيني هو إشعار رسمي، ليس فقط لجمهورية مصر العربية وأجهزتها الأمنية، حيث سيحاكم ضباطها أمام محكمة الجنايات، لكن أيضا، وبالأحرى، لحكومتنا وبرلماننا. توثق الصفحات الـ 94 التي سطرها المدعي العام ميشيل بريستيبينو ونائبه سيرجيو كوليوكو بدقة المكان والظروف التي تعرض فيها جوليو للتعذيب والأذى بشكل لا إنساني لمدة تسعة أيام قبل أن يتم التخلص منه تماماً، بالإضافة إلى مساعي القاهرة لعرقلة البحث عن الحقيقة. في الواقع، يشير نظامنا القضائي إلى مكان مرعب في إطار هيكل دولة جمهورية مصر العربية – المكتب رقم 13 في مبنى لاظوغلي، التابع لوزارة الداخلية. وفي زي الدولة، فام ضباط الأمن الوطني، الخدمة السرية، بعمل الجلادين. وهذا لا يترك مجالا لبدائل كثيرة على المستوى السياسي والدبلوماسي، خصوصاً أن المحاكمة الجنائية المستقبلية، تحكم طبقاً للمسؤولية الفردية للمتهمين، ليس إلا.

لذلك فالشيء الوحيد الذي لا يجب أن يُسمح به هو التزام الصمت، والقناعة بأن “المؤسسات الجمهورية ستتحدد في البحث عن الحقيقة”، وهذا لا يكفي لأن هذا ليس سوى جزء فقط من الطريقة التي يجب أن تمارس بها الدولة الديمقراطية سيادتها. كما لا يمكن أن يكون ذريعة للاكتفاء بالصمت بعد ذلك. في الحقيقة مثلت زيارة عبدالفتاح السيسي لباريس مؤخراً “ضعفاً أوروبياً في قضايا مهمة”. حيث “القضايا المهمة” هي احترام حقوق الإنسان. وهي شرط لا غنى عنه وضعته أوروبا كشرط مسبق للدول الأعضاء فيها قبل السعي لتوفير الأموال التي ستعيد بناء أوروبا بعد كوفيد-19. فلا يظن المسؤولون أنه يكفي أن يحدث “تغيير واضح للوتيرة في التعامل مع القاهرة” وفقط.

من واجب رئيس الوزراء جوزيبي كونتي ووزير الخارجية لويجي دي مايو أن يشرحا أولاً وقبل كل شيء للبلاد، حتى قبل عائلة ريجيني، بالشفافية والشجاعة التي تتطلبها خطوة من هذا النوع، والتي تم تأجيلها لفترة طويلة مع استمرار حجة التحقيق القضائي؛ ما هي القرارات السيادية التي تعتزم حكومتنا اتخاذها في هذه المرحلة ولأي أسباب.. وليس كما فعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي وضع في الأيام الأخيرة في باريس وسام الشرف على صدر الجنرال المصري عبد الفتاح السيسي، متحججاً بأن عدم احترام مصر لحقوق الإنسان لا يمكن ولا ينبغي أن يكون عقبة أمام الصداقة والمصالح الاقتصادية والجيواستراتيجية بين البلدين، حتى لو وصلت إلى أكثر من واحد أو عشرة أو مائة أو ألف انتهاك.

باختصار، لا يمكن لرئيس الوزراء أن يستمر في تجنب معضلة مقتل ريجيني. وأين ومتى يمكن أن يكون احترام حقوق الإنسان على أجندة الديمقراطية الغربية. وبالتالي، ما هو الثمن الذي يجب أن يدفعه المرء وأن تدفع تلك الدول التي لا تحترمها. ستكون فرصة استثنائية لإثبات أن الرغبة والأمل في “سياسة عليا” ليست حمقاء في كل مقابلة من قبل طبقة حاكمة ضعيفة، غير متأكدة من كل شيء، وبالتالي، فإنها، بشكل دراماتيكي، جاهزة لفعل أي شيء. قد لا يمر بناء “الجيل القادم من الاتحاد الأوروبي” فقط من طرق تكوين غرفة التحكم في خطة التعافي ومن إصلاح الموازنة، لكنه يعطي إجابة واضحة لآلاف الفتيات والفتيان الأوروبيين، مثل جوليو، الذين يشعرون أنهم مواطنون في عالم لم يفقد الأمل في التغيير.

5- وفي صحيفة “دوماني” الإيطالية، نشر الصحفي جيوفانا فاجيوناتو مقالا بعنوان: “قضية ريجيني بين مصر وليبيا: الحكومة لا تتخذ القرار” بتاريخ 12 ديسمبر 2020 قال فيه:

يحمي رئيس الوزراء الإيطالي كونتي نفسه بخصوص قضية الباحث المقتول مع القضاة، لكنه في الوقت نفسه يعد بمبادرات لإنقاذ الصيادين الإيطاليين المحتجزين في ليبيا في أيدي قوات حفتر الذين يحميهم عبدالفتاح السيسي.

أعلن رئيس الوزراء، جوزيبي كونتي عن احتجاز ثمانية عشر صياداً في بنغازي، ليبيا، لأكثر من مائة يوم. ولا يستطيع كونتي أن يقول أن السياسة و المؤسسات تبذل نفس الجهد من أجل الإفراج عنهم. وفي الحقيقة لم يقل ذلك. فخلال المؤتمر الصحفي في ختام أعمال المجلس الأوروبي، عندما سئل سؤال عما كان يتوقعه أو ماذا ستفعل الحكومة في قضية ريجيني – أوضح رئيس الوزراء ما سيفعله القضاء بدلاً من ذلك. وقال: “فيما يتعلق بجوليو ريجيني … ما تمكنا من معرفته أنه لدينا عناصر تدل على وجود إطار من الأدلة أو الإثباتات، لا أريد الدخول في تفاصيل فنية قد تكون لها دلالات معينة، ولكن هذا الإطار القانوني سيسمح لنا على أي حال بإجراء محاكمة إيطالية خالصة، بناء على قواعدنا وضماناتنا التي يقدمها نظامنا القضائي في جميع مراحل القضية، للتأكد من الوصول للحقيقة بشأن وفاة ثبت بالفعل أنها كانت وحشية وقاسية.” كما لو كان رئيس الوزراء الإيطالي يحمي نفسه من مبادرة القضاة.

 وأضاف كونتي قائلاً: “إنها لحظة مهمة، حيث ستكون محاكمة ذات مصداقية وذات أهمية دولية، مع إمكانية مشاركة مراقبين دوليين فيها. نحن نريد الحقيقة وسنواصل كحكومة تنفيذ كل تلك الخطوات الضرورية والوظيفية للوصول إلى هذه الحقيقة.” ثم قال كونتي أن الحكومة ستتاح لها الفرصة لأخذ أي مبادرة، مؤكداً أنها لن تتخذ أي مبادرة في الوقت الحالي “وسنقيِّم أي مبادرة أخرى قد تظل مفيدة ومكملة لهذا المنطق فيما يتعلق بتحقيق هذا الهدف، مع احترام قواعد العدالة التي ندين بها لابننا هذا ولأسرته”.

يبدو أن الحالتين، الحالة التي يدعي فيها كونتي التدخل والأخرى التي يحرص على عدم القيام بذلك، بينهما بون شاسع، لكنهما في الواقع مرتبطتان بخيط دقيق للغاية يمكن ملاحظته بسهولة بأعين أولئك الذين يتعاملون مع العلاقات الدولية.

الصيادون الإيطاليون المحتجزون لدى حفتر

تم الاستيلاء على الصيادين الصقليين من قبل الميليشيات الليبية التابعة لخليفة حفتر على بعد 40 ميلاً من مدينة بنغازي، رأس برقة، التي كانت في البداية معقلا للجهاديين ثم قاعدة لقوات خليفة حفتر، الجنرال الذي كان يدعي القتال ضد داعش في ليبيا، يسعى للسيطرة على البلاد بدعم من السعوديين والروس والفرنسيين والمصريين. أما إيطاليا، فلطالما دعمت، مثلها مثل الاتحاد الأوروبي، حكومة فايز السراج المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، ولكن ذلك لم تمنع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من الانحياز إلى الجبهة المقابلة وإلى جانبه السيسي، الذي منحه ماكرون وسام جوقة الشرف في الإليزيه قبل أيام قليلة.

في مواجهة الصعود العسكري لحفتر، حاولت إيطاليا استعادة المواقع المفقودة من خلال محاولة أن تصبح وسيطاً. ولكن في نهاية العام الماضي، فشلت محاولة كونتي استقبال الزعيمين بعد احتلال حفتر لمدينة سرت. وعندما طلبت حكومة السراج من إيطاليا وأوروبا التدخل لتعزيز دفاعه، جاء الرد من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أحد أمهر شاغلي الفراغات السياسية والعسكرية. ومنذ ذلك الحين فقد حفتر العديد من المواقع، وهو الآن بحاجة إلى الدعم، بما في ذلك من إيطاليا.

قضية الصيادين المحتجزين، والذين ينبغي محاكمتهم أمام محكمة عسكرية في بنغازي، تنسجم مع هذه الصورة المعقدة. في مزارا، بإيطاليا هناك احتجاجات لعائلات الصيادين: قبل يومين وصلوا للتظاهر تحت منزل والدي الوزير ألفونسو بونافيد. وأصبحت القصة موضوعاً للعراك السياسي الذي يؤدي إلى التعثر: فليس من قبيل المصادفة أن أكثر خصوم كونتي في الداخل هم من يقومون بإثارةً الناس. في الواقع، يعمل مدير وكالة الخدمات الاستخبارات الخارجية جياني كارافيلي، المعين من قبل كونتي في مايو من العام الماضي، على إعادة مواطنيه إلى الوطن لحضور أعياد الكريسماس. فإيطاليا بالتأكيد لا تنقصها الاتصالات في ليبيا. لكن وزير الخارجية، لويجي دي مايو، قال إن حقيقة أن المجموعة لا تزال في بنغازي “تجعلها في منتصف الطريق بين الاعتقال والاختطاف. ولأننا نعمل مع سلطة غير معترف بها، وهي سلطة شرق ليبيا، بقوات تدعي أنها جيش، فإننا لذلك نقوم باستخدام المخابرات والسلك الدبلوماسي.” ومع ذلك، تمت دعوة هذه السلطة غير المعترف بها إلى إيطاليا مرتين. وأضاف دي مايو أيضاً أنه ورئيس الوزراء كونتي سيفتحان حواراً مع الدول الرئيسية التي لها تأثير في المنطقة.

دي مايو متردد

يجب إدراج مصر السيسي، حامي حفتر، على الورق، حتى لو كانت مشاركته، مع الأخذ في الاعتبار جميع الأسئلة المفتوحة، غير واضحة على الإطلاق. في أنظمة مثل النظام المصري، فإن الاعتماد المتبادل بين القيادة العسكرية والسياسية هو أمر ثابت. ووزير الخارجية الإيطالي الذي أراد في فارنيسينا جلب الوفود (والمسؤولين) إلى التجارة الخارجية، له علاقات ممتازة مع السيسي، على الأقل في الجانب الاقتصادي: التي كان لها أثر على علاقات الشركات التابعة للدولة مثل إيني وفينكانتييري، وشركات أخرى. فهذا الصيف، عندما سُئل وزير الخارجية عن بيع فرقاطات إيطالية الصنع للنظام المصري، قال باقتضاب: “دعونا نقيم كل حالة على حدة”. وفي مواجهة قرار الاتهام الصادر عن المدعي العام في روما، علق قائلاً: “نطلب من القاهرة بوضوح تغيير الوتيرة. لا مزيد من التردد. كفى انتظاراً.” الدرس المستفاد من هذين الحدثين واحد، كما يقول دبلوماسي قديم: “الاعتماد على الدبلوماسية أو الخدمات لا يجدي إذا لم تكن هناك إشارات سياسية قوية”.

ثانياً: الفيديوهات المسربة:

ملحوظة: الفيديو الأول والثاني تم نشرهما حصرياً على قناة الجزيرة القطرية لأول مرة، أما فيديو رئيس البرلمان الإيطالي فجاء في سياق حديث له مع شبكة الجزيرة الإخبارية.

فيديو 1:

ويتحدث فيه المخبر المكلف بمراقبة الباحث الإيطالي جوليو ريجيني واسمه محمد عبدالله مع العقيد آسر كامل الذي يدير عملية المراقبة لسؤاله عن بعض الأمور الفنية أثناء مراقبة الباحث.

فيديو 2:

وفيه يتحدث أيضاً المخبر المكلف بمراقبة الباحث الإيطالي جوليو ريجيني واسمه محمد عبدالله مع العقيد آسر كامل الذي يدير عملية المراقبة، لتسليمه المادة التي جمعها.

فيديو 3:

وفيه يعلق رئيس البرلمان الإيطالي على تقرير المدعي العام الإيطالي بخصوص قضية ريجيني، ويعلن تمسكه بقطع العلاقات الدبلوماسية مع مصر.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close