fbpx
اوروبا وامريكاترجمات

تقارير متابعة قضية ريجيني في الإعلام الإيطالي (2)

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

أعلن ممثلو الادعاء العام في إيطاليا الخميس الموافق 10 ديسمبر إنهاء تحقيقاتهم في قضية اختفاء ومقتل الطالب جوليو ريجيني في القاهرة عام 2016. وسمّى ممثلو الادعاء الإيطاليون أربعة من عناصر الأمن المصري كمتهمين مشتبه بهم، وفقاً لما أعلنته وكالة رويترز للأنباء. وفي بيان صدر من مكتب المدعي العام في روما الخميس، قال ممثلو الادعاء الإيطالي إن المصريين الأربعة مشتبه بهم في الضلوع بدور في عملية “اختطاف في ظروف مشددة” لريجيني، وأن أحد هؤلاء الأربعة -وهو رُتبة في الأمن الوطني المصري- قد يواجه أيضا اتهامات بـ”التآمر لارتكاب عملية قتل في ظروف مشددة”. وأمهل ممثلو الادعاء المتهمين الأربعة 20 يوماً لتقديم إفادات أو طلب الاستماع إليهم في القضية. على أنْ يقرر المحققون بعد انقضاء هذه المهلة ما إذا كانوا سيطالبون بمحاكمة المتهمين من عدمه.

وما أن صدر هذا البيان من مكتب المدعي العام الإيطالي حتى سارعت كبريات الصحف الإيطالية وأكثرها انتشاراً في نشر تقارير لا تخلو من تسريبات جديدة حول خطف وتعذيب وقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني بمصر على يد ضباط في جهاز الأمن الوطني المصري والذين قام الادعاء العام في روما باتهام أربعة منهم رسمياً بارتكاب الجريمة، وهم: اللواء صابر طارق؛ والعقيد آسر كامل محمد إبراهيم؛ والعقيد حسام حلمي؛ والرائد إبراهيم مجدي شريف. وبالإضافة إلى ذلك، تم تسريب فيديوهات تكشف عن مراقبة العقيد آسر كامل لريجيني عن طريق أحد المخبرين الذي أظهر الفيديو مكالمة أجراها المدعو محمد عبدالله، وهو أحد الباعة الجائلين كان العقيد آسر كامل قد كلفه بمراقبة الباحث الإيطالي جوليو ريجيني.

وكنا قد نشرنا الجزء الأول: “تقارير متابعة: قضية ريجيني في الإعلام الإيطالي (1)” من هذه التقارير والمقالات، بتاريخ 15 ديسمبر، حيث قام المعهد المصري بترجمتها من الصحافة الإيطالية. وفيما يلي الجزء الثاني منها:

ملخص:

يتضمن هذا المحتوى أربع تقارير/مقالات تم نشرها في الصحافة الإيطالية. التقرير الأول من صحيفة إيل فاتو كوتيديانو الإيطالية بتاريخ 11 ديسمبر 2020 والذي أعده الصحفي بييرفرانشيسكو كورزي، ويحتوي على تفاصيل جديدة عن المتهم الثاني من ضباط الأمن المصريين، اللواء طارق صابر، والذي كان النظام المصري يقول إنه قد تم إبعاده، ولكن اتضح أنه “مازال يقود قمع السيسي”، بحسب الصحيفة الإيطالية. والمقال الثاني نشرته صحيفة لاريبوبليكا بتاريخ 12 ديسمبر 2020 والذي كتبه الصحفي جيوليانو فوشيني بعنوان: “كذبت مصر في قضية ريجيني: فالليلة التي تعرض فيها للخيانة كان وزير الداخلية هناك”، حيث قال إن الشاهد محمد عبد الله فضح الحكومة المصرية التي قالت إنها لا تعرف عن الباحث الإيطالي، حيث قال عبدالله: “عندما وصلت إلى ثكنة الأمن الوطني كان عبدالغفار (وزير الداخلية آنذاك) يخرج من المبنى”. والمقال الثالث هو مقال رأي نشرته أيضا صحيفة لاريبوبليكا بتاريخ 12 ديسمبر 2020، والذي كتبه كورادو أوجياس، الكاتب الإيطالي المعروف والصحفي المتميز، وجاء بعنوان: “إحياءً لذكرى جوليو ريجيني، سأعيد وسام جوقة الشرف إلى فرنسا” وذلك اعتراضاً على منح الوسام لديكتاتور مصر عبدالفتاح السيسي، حيث قال: “لم يكن ينبغي للرئيس ماكرون أن يمنح وسام جوقة الشرف لشخص أصبح موضوعياً شريكاً لمجرمين فظيعين”. أما المقال الربع فقد نشرته صحيفة إيل فاتو كوتيديانو بتاريخ 13 ديسمبر 2020 للصحفي بييرفرانشيسكو كورزي، والذي تناول فيه تقرير منظمة “كوميتي فور جستيس” الحقوقية ومقرها جنيف الذي جاء بعنوان: “كم ريجيني في مصر منذ 2013”. أما كورزي فجاء مقاله تحت عنوان: “1058 حالة وفاة في مقار الاحتجاز على غرار ريجيني في عهد السيسي، معظمها بسبب التعذيب وسوء الرعاية”، حيث زادت الوفيات داخل السجون خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2020 وحدها بمعدل 100 حالة وفاة مقارنة بالعام الماضي.

المقالات المنشورة في الصحافة الإيطالية:

1- إيل فاتو كوتيديانو: نشرت صحيفة إيل فاتو كوتيديانو الإيطالية بتاريخ 11 ديسمبر 2020 تقريراُ أعده الصحفي بييرفرانشيسكو كورزي احتوى على تفاصيل جديدة عن المتهم الثاني من ضباط الأمن المصريين، اللواء طارق صابر، والذي كان النظام المصري يقول إنه قد تم إبعاده، ولكن اتضح أنه “مازال يقود قمع السيسي”، بحسب الصحيفة الإيطالية.

اللواء طارق علي صابر، الضابط الأعلى رتبة في القاهرة الذي انتهى التحقيق بشأنه في اختطاف الباحث الإيطالي من فيوميتشلو، لا يزال يعمل تحت حماية النظام. فقد أكد العديد من الشهود الذين استمعت إليهم إيل فاتو كوتيديانو، بمن فيهم سياسيون وأعضاء في منظمات غير حكومية ملتزمة بحماية حقوق الإنسان، أنه كان عليهم التعامل معه في الأسابيع الأخيرة: “فهو ليس من نوع الجلادين الذين يمكن للنظام الاستغناء عنه. الآن أنت تفهم لماذا لم تمتثل الدولة المصرية قط لطلبات المحققين الإيطاليين في قضية ريجيني!”.

كان كثيرون يعتقدون أنه قد تم التخلي عنه أو أُحيل للتقاعد بعد سنوات من العمل في خدمة النظام المصري. وكانوا يتخيلون أنه ربما الآن يرتدي البيجامة والشبشب بعد هذا التقاعد المزعوم الذي تم الترويج له عام 2017، العام الذي أعقب مقتل جوليو ريجيني. ولولا مثابرة المحققين الإيطاليين الذين أدخلوه في سجل المشتبه بهم لهذه الصفحة الإجرامية الشائنة، لما تم الحديث عنه مرة أخرى. ما تم في الواقع هو أن اللواء طارق علي صابر لم يعد يعلِّق شارة جهاز الأمن الوطني، ولكنه يواصل القيام بعمله كحارس لحماية أمن النظام.

يُعتبر صابر العضو الأبرز في مجموعة الضباط الذين انتهى بهم المطاف في التحقيق بالاتهام في خطف وتعذيب وقتل ريجيني وإدارة محاولات التضليل الذي تم تنظيمها في الأشهر التي تلت اكتشاف جثة الباحث ريجيني على طريق القاهرة-الإسكندرية الصحراوي في مصر يوم 3 فبراير 2016. ولم يتم توجيه أي عقاب لصابر على تلك السلسلة من الاتهامات من قبل قادة وزارة الداخلية أو من قبل الحكومة وعبد الفتاح السيسي نفسه، بل على العكس تم تأكيد استمراره في لعب نفس الدور باعتباره نوع من المكافأة له.

في الواقع، لم يغادر اللواء صابر مكتبه في مدينة نصر، والآن يظهر انخراطه المركزي والكلي في مرحلة القمع المنفذة منذ 20 سبتمبر 2019. احتجاجات الشارع في ذلك اليوم، والتي جاءت إثر مجموعة من الفيديوهات التي أذاعها على صفحات التواصل الاجتماعي محمد علي، الممثل السابق ورجل الأعمال الذي كان مقرباً من نظام السيسي، والذي فر إلى إسبانيا. حيث كان هناك رد فعل قمعي عنيف لم يسبق له مثيل في السنوات الأخيرة، بهدف إلى إبادة أي صوت معارض في مهده، خاصة من أعضاء المنظمات التي تتعامل مع حقوق الإنسان، بالإضافة إلى ممثلي الحركات السياسية المعارضة وكذلك مشجعي كرة القدم.

حسناً، من كان وراء استراتيجية الترهيب الصامتة وما هو توجيه رئيس الأجهزة المصرية؟ هل كان صابر متقاعد اً؟ لا، هذا ليس صحيحاً، فقد ظل دائماً في منصبه وما زال يحتفظ بأعلى رتبة في التسلسل الهرمي العسكري في النظام المصري. لم يتغير شيء. عشية الانتخابات الرئاسية 2018، كان دوره كبيراً جداً وممتداً على نطاق واسع. الجنرال صابر كان  كذلك هو المسؤول عن الانتخابات البرلمانية الأخيرة. ومن خلال دوره كمشرف على الحملة الانتخابية لهذه الجولة، فقد حافظ على اتصالات مع ممثلي جميع القوائم  في البداية ثم أقام علاقات مع المرشحين الأفراد في جميع الأمور المتعلقة بالأمن. ولم تعدم صحيفة إيل فاتو كوتيديانو الإيطالية الشهادات حول العمليات الحالية لطارق علي صابر، حيث جمعت أدلة كثيرة على ذلك. في البداية كان استهداف مرشح أحد الأحزاب السياسية الذي يعتبر غير مريح للنظام، حيث تم إسكاته على الفور، لكن هناك آخرون يحيلون الأمر برمته فيما يقوم به صابر في الوقت الحاضر وقبل كل شيء إلى الدور الذي قام به حيال الباحث الإيطالي.

من إدارة ما حدث في قضية جوليو ريجيني إلى الهجوم على المنظمة التي تعاون معها باتريك زكي لسنوات، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية. في الواقع، نجحت اليد الطولى لأجهزة التنصت التابعة للأمن الوطني والمخابرات أيضاً في دخول غرف المبادرة المصرية للحقوق الشخصية: “لقد نسق بروتوكول التعامل مع المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والذي كان في الحقيقة يفضل فيه دائماً الاعتقال والاحتجاز، حتى ولو كان لمدة أسبوعين فقط لثلاثة من قادة المنظمة الحقوقية، جاسر عبد الرازق، وكريم عنارة، ومحمد بشير، بالإضافة إلى تجميد حساباتهم المصرفية ”.

قد يكون إبراز مصادر مثل هذه التصريحات أمراً خطيراً، لا سيما في هذه اللحظة التاريخية الدقيقة، حيث يفضل مسؤول المنظمة غير الحكومية في القاهرة والذي اتصلت به إيل فاتو كوتيديانو التحدث دون الكشف عن هويته: “كانت هناك اتصالات مباشرة مع طارق صابر في الأسابيع الأخيرة، كان عليهم بالضرورة التواصل معه بخصوص ما حدث. من الواضح أنه كان مسؤولاً عن جمع المعلومات المتعلقة بالاجتماع الذي عُقد في مقر المبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع قيادات دبلوماسية من دول أوروبية عديدة ودول أخرى خارجها. ففي الأيام القليلة الماضية، كان صابر كامل قد أرسل من خلال أحد مرؤوسيه تسليم طلب استدعاء إلى مكتب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في جاردن سيتي للمجيء إلى مقر وزارة الداخلية. وفي ذلك اليوم، تم إبلاغ قادة المنظمة غير الحكومية بضرورة تسجيل المبادرة المصرية للحقوق الشخصية رسمياً في قائمة المنظمات في الدولة مع جميع المراجع ذات الصلة، حيث كان على الجانب الآخر في ذلك اليوم كان الجنرال صابر بنفس الإستراتيجية التي يتبناها دائماً، وهي إبقاء أصوات المعارضة تحت السيطرة”.

إن كان كامل صابر قد اختفى على النطاق الرسمي المعلن، لكن على مدى السنوات الأخيرة لم يكن هناك أي ذكر لمن خلفه نهائيا، مما يؤكد استمراره في أداء نفس الدور. وبعد جمع الشهادات المرتبطة بالتورط الكامل لطارق صابر في شؤون الأمن المصري، قامت صحيفة إيل فاتو كوتيديانو بالتحقيق في الأمر ومن بين المصادر العديدة التي تم جمع المعلومات منها، لم يظهر أحد شكوكاً أو مفاجأة تجاه ذلك: “لقد قرأت كثيراً في السنوات الأخيرة، خاصة في الصحف الإيطالية، مقالات تتحدث عن الجنرال صابر؛ كان هناك حديث عن تقاعده، لكنه في الواقع لا يزال صابر يقود العمليات بصلاحيات نائب مساعد وزير الداخلية لجهاز الأمن الوطني،” قال الممثل القانوني للمنظمة التي أُنشئت للدفاع عن الحقوق الشخصية في مصر، مضيفاً: “إنه على اتصال دائم بجميع المنظمات، ويراقبها عن كثب، ويجعلنا نشعر بأنفاسه فوق أعناقنا. باختصار، لا يزال يمارس سلطاته الكاملة، وصدقوني، إنها سلطات واسعة جداً “.

حصلت صحيفة إيل فاتو كوتيديانو على رقم موبايل ضابط الأمن الوطني المصري الكبير وحاولت التحدث معه وطرح بعض الأسئلة عليه دون تلقي أي رد. ونظراً لأنه ضابط أمن وطني كبير، فإن الآثار الرسمية – الصور والسجلات والوثائق والتوقيعات – لأعماله الكاملة نادرة ويعتبر نشرها خطراً. وكما ذكرنا سابقاً، فإن طارق صابر متقاعد نظرياً و بعيد عن الشؤون الداخلية وعن خط السياسات الذي يريده عبد الفتاح السيسي؛ ولكن لتأكيد دوره الريادي الذي لعبه وراء الكواليس، هناك مصدر آخر اتصلت به صحيفة إيل فاتو كوتيديانو، على مقربة من التحقيقات في وفاة جوليو ريجيني، والذي قال: “طارق صابر ليس من ليس من نوع الجلادين الذين يمكن أن يخرجوا للنور ويصدروا بيانات صحفية أو يوقعوا على وثائق أو يشاركوا في المناسبات الرسمية أو الاجتماعية. أنا شخصياً أعرف هذه الأمور، وقد أتيحت لي الفرصة للتحدث معهم حول هذا الموضوع بالذات، مع المسؤولين الذين التقوا بالجنرال صابر مؤخراً، وأقصد بكلمة “مؤخراً” في نهاية نوفمبر، وليس قبل ثلاث سنوات. هل تفهم الآن لماذا لم تمتثل الدولة المصرية لطلبات المحققين الإيطاليين في قضية ريجيني؟ من غير المحتمل أن “تخون” القيادة السياسية من يقومون بتلك الخدمات الرائدة، بفضل شخصيات مثل طارق صابر وآخرين، تستمر السلطة في ترسيخ وضعها “.

2- صحيفة لا ريبوبليكا: وفي صحيفة لا ريبوبليكا بتاريخ 12 ديسمبر 2020، كتب جيوليانو فوشيني مقالاً بعنوان: “كذبت مصر في قضية ريجيني: فالليلة التي تعرض فيها للخيانة كان وزير الداخلية هناك”، والذي يقول فيه:

الشاهد محمد عبد الله يفضح حكومة القاهرة التي قالت إنها لا تعرف عن الباحث الإيطالي. “عندما وصلت إلى ثكنة الأمن الوطني كان عبدالغفار (وزير الداخلية آنذاك) يخرج من المبنى”.

أمام العالم وبعد ساعات قليلة من اكتشاف جثة جوليو ريجيني قال عبدالغفار بسخط: “مصر لم تعرف جوليو ريجيني. هذه ليست أساليب جهاز أمن الدولة”. كان مجدي عبد الغفار وزير الداخلية آنذاك في حكومة السيسي يكذب. لأن الأجهزة المصرية كانت تعرف جوليو ريجيني جيداً لدرجة أنهم تتبعوه لأشهر قبل اختطافه واغتياله. وربما كان يعرفه أيضاً لأنه في الليلة التي قُتل فيها جوليو ريجيني في مقر جهاز الأمن الوطني في لاظوغلي، القاهرة، كان وزير الداخلية. مجدي عبدالغفار هناك.

فقد روى هذا للقضاة محمد عبد الله البائع المتجول الذي خان جوليو بعد ذلك وباعه عندما عمل جاسوساً لجهاز أمن الدولة بالقاهرة. فهو الذي كان يتابع ريجيني ويسجل له بالمعدات التي قدمها له جهاز الأمن الوطني ليخون جوليو ريجيني. قال عبدالله: “لقد جاءوا إلى السوق وطلبوا مني أن أتبعهم لسؤال ريجيني”. تحركوا نحو ثكنات وكالة الأمن الوطني. وفي نفس الوقت الذي وصلنا فيه كان الوزير يغادر الجهاز”. قد يقال إنه يمكن أن يكون هناك صدفة، “لكن كانت الساعة الرابعة أو الخامسة صباحاً …” كما أوضح محمد عبد الله. “اعتقدت في نفسي أن الأمر خطير للغاية لدرجة أن وزير الداخلية قد حضر بنفسه. بقينا حتى نزل الوزير وغادر “.

ماذا كان يفعل عبدالغفار هناك؟ هذا أحد الأسئلة التي طرحها قضاة مكتب المدعي العام في روما. وحسب شهادات أخرى من شاهدي عيان، أحدهما رأى ريجيني في مركز شرطة الدقي (تحت الاسم المستعار “دلتا”) قبل ترحيله لاحقاً إلى مبنى الأمن الوطني بلاظوغلي، والآخر رآه في داخل ثكنة أمن الدولة (تحت الاسم المستعار “إبسيلون”).

يقول شاهد العيان “إبسيلون” عن مبنى لاظوغلي: “إنه مبنى في فيلا يعود تاريخها إلى عهد عبد الناصر، وقد تم استغلاله بعد ذلك من قبل هيئات التحقيق. والفيلا مكونة من أربعة طوابق ولكن أكثرها أهمية هو الطابق الأول، حيث توجد الغرفة رقم 13… التي يتم اقتياد الأجانب المتهمين بالتآمر على الأمن القومي إليها”. ويضيف: “وفي الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين من يناير، رأيت ريجيني في المكتب الذي يحمل رقم 13 بصحبة ضابطين وعملاء آخرين لا أعرفهم، حيث لم أكن أعرف سوى الضابطين. وعند الدخول إلى المكتب لاحظت أنه كان مكبلاً بسلاسل حديدية، وكان نصف جسده العلوي عارياً، وتبدو عليه علامات التعذيب وكان يتمتم كلمات بلغته، وكأنه يهذي … وكان جسد الشاب نحيلاً للغاية”.

وهناك أمر آخر يجعلنا نلقي باللائمة على وزير الداخلية مجدي عبدالغفار. فقد كان هناك على رأس وزارة الداخلية عندما تم تنظيم كل محاولات التضليل عن الحقيقة. في البداية قالوا قد يكون الحادث بسبب مشاجرة بين جوليو وشاهد آخر ثبت أنه شاهد زور، حيث قال بعدها في محضر التحقيق: “لقد طلبت مني الشرطة القيام بذلك”. ثم يتم الحديث عن حادث طريق محتمل لا تؤيده حالة الجسد الذي بدو عليه أمارات التعذيب. ثم أخيراً تم قتل خمسة أشخاص أبرياء والزعم بالعثور على وثائق جوليو في منزل أحدهم، بينما تم إحضارها من قبل وكيل جهاز الأمن الوطني. من ناحية أخرى، فإن المدعي العام المصري نفسه هو الذي أبلغ روما بأنها مهزلة. يقول المدعون العامون الإيطاليون: “الشكوك حول إعادة ترتيب القصة المختلقة تؤكدها حقيقة أن النائب العام المصري أبلغنا بأنه تم اعتقال ثلاثة من الضباط  المسؤولين الذين شاركوا في هذا الأمر عن قرب، ولكن تم الإفراج عنهم على الفور. وبعد أن طلبنا معلومات عن نتيجة الإجراءات التي اتخذت، كرر المدعي العام القول بأن كل شيء قيد الانتظار.” إنه من السيء للغاية أنه قبل خمسة عشر يوماً فقط من الآن، كان المصريون يروجون لمسرحية قاموا باختلاقها بأنفسهم بخصوص ما حدث لجوليو ريجيني.

3- وفي صحيفة لا ريبوبليكا أيضاً بتاريخ 12 ديسمبر 2020 كتب كورادو أوجياس، الكاتب الإيطالي المعروف والصحفي المتميز، مقال رأي بعنوان: “إحياءً لذكرى جوليو ريجيني، سأعيد وسام جوقة الشرف إلى فرنسا”، والذي قال فيه:

سأذهب غداً الاثنين الموافق 14 ديسمبر إلى السفارة الفرنسية لإعادة شارة وسام جوقة الشرف الممنوحة لي في ذلك الوقت. وهي لفتة جدية بقدر ما هي رمزية بحتة، ويمكن أن أقول عنها عاطفية. أشعر أنني مضطر للقيام بذلك بسبب الرابطة الثقافية والعاطفية العميقة التي تربطني بفرنسا، موطن عائلتي.

رأيي أنه لم يكن ينبغي للرئيس ماكرون أن يمنح وسام جوقة الشرف لشخص أصبح موضوعياً شريكاً لمجرمين فظيعين. لا أقول هذا فقط لإحياء للذكرى الحزينة لمقتل جوليو ريجيني، ولكن أيضاً من أجل فرنسا، وللأهمية التي لا يزال يمثلها هذا الوسام بعد أكثر من قرنين من تأسيسه. عندما أسس نابليون بونابرت وسام جوقة الشرف لأول مرة لم يكن يريد إحياء ذكرى فارس بل للمصادقة على الاعتراف بالجدارة العسكرية أو الاجتماعية لمن يحصل عليه. هذا التمييز مهم فيما يتعلق بالقضية قيد المناقشة. وفي هذا السياق، أين وما هي فضائل السيسي حتى يتم منحه هذا الوسام؟

تخضع الجوائز والأوسمة التي تمنحها الدولة للتوجه المتغير للتاريخ، وقد يحدث أن تتحول الإشارة المعطاة في لحظة معينة إلى لفتة محرجة للسلوك اللاحق للشخص الممنوح. ومع ذلك، ففي هذه الحالة، نجد الأمور واضحة بالفعل اليوم. حيث سلوك السلطات المصرية، ابتداءً من رأسها عبد الفتاح السيسي، كان على طول الخط إجرامياً، فانتهك قواعد العدالة، حتى قبل تلك المواثيق الإنسانية. وتواجه إيطاليا الآن بديلا حقيقيا لأحابيل الشيطان. فالحكومة معرضة للمخاطرة بارتكاب الخطأ في أي قرار تتخذه. فإذا أقامت علاقات دبلوماسية طبيعية مع مصر، فسيكون معنى ذلك أنها تخون ذكرى الباحث الجامعي الجيد الذي تعرض للتعذيب والقتل بسبب العمل الأكاديمي الذي كان يقوم به. وإذا قاطعت السلطات المصرية، فسيتم استبدالها، في غضون أيام قليلة، بدول أخرى في العديد من العلاقات التجارية والصناعية المثمرة. وفي كلتا الحالتين، هناك خسارة، وإن كانت ذات طبيعة مختلفة.

العلاقات بين الدول (مثل أي علاقة سياسية) تحكمها الحسابات، وبالتأكيد لا تكون بالكرم أو الصداقة، ولا حتى بالروابط القديمة الموجودة بين إيطاليا وفرنسا. لكن هناك حداً لا يجب تجاوزه، فهناك مناسبات يجب أن يلتزم فيها حتى رؤساء الدول بما يسميه الأمريكيون الشيء الصحيح. أعتقد أن الرئيس إيمانويل ماكرون فعل شيئاً غير عادل في هذه القضية.

هذا نص الرسالة التي سُلمت للسفير الفرنسي:

“عزيزي السفير، لقد أتيت إلى هنا ومعي شارة وسام جوقة الشرف لإعادتها. عندما مُنحت هذه الشارة لي، أثرت هذه البادرة بعمق في نفسي. وأعطت نوعا من التكريس لحبي لفرنسا، لثقافتها. لقد فكرت دائما في بلدكم كأخت كبرى لإيطاليا ووطن ثان لي، لقد عشت هناك لفترة طويلة، وكنت أعول على الاستمرار في ذلك. وفي يونيو 1940، عانى والدي من البكاء من عدوان إيطاليا الفاشية آنذاك على فرنسا التي كانت بالفعل على وشك الهزيمة. لقد أعدت الشارة مرة أخرى بشكل مؤلم لنفسي، بينما كنت في السابق فخوراً بإظهار الشريط الأحمر على عروة سترتي. لكنني لا أشعر برغبة في مشاركة هذا الشرف مع زعيم دولة أصبح موضوعياً شريكاً للمجرمين. إن مقتل جوليو ريجيني بالنسبة لنا نحن الإيطاليين يمثل جرحاً دامياً وإهانة، كنت أتوقع من الرئيس ماكرون بادرة تفاهم إن لم تكن من واقع الأخوة، فلتكن باسم أوروبا التي نحاول -معاً- جاهدين أن نبنيها. لا أريد أن أبدو ساذجاً على غير الحقيقة التي أنا عليها. أنا على دراية تامة بآليات الأعمال والدبلوماسية – لكنني أعلم أيضاً أن هناك مقياساً، اسمحوا لي أن أكرره بكلمات الشاعر اللاتيني هوراس: هناك حدود معينة، لا تتجاوزها من قريب أو من بعيد. وأعتقد أنه في هذه الحالة تم تجاوز حدود العدالة، بل تم استفزازها وإغضابها بالفعل مع الأسف الشديد”.

4- إيل فاتو كوتيديانو: ونشرت صحيفة إيل فاتو كوتيديانو الإيطالية بتاريخ 13 ديسمبر 2020 مقالاً كتبه كتب الصحفي بييرفرانشيسكو كورزي عن تقرير منظمة “كوميتي فور جستيس” الحقوقية ومقرها جنيف “كم ريجيني في مصر منذ 2013”. وكتب كورزي مقاله تحت عنوان: “1058 حالة وفاة في مقار الاحتجاز على غرار ريجيني في عهد السيسي، معظمها بسبب التعذيب وسوء الرعاية”، والذي جاء على النحو التالي:

في تقرير من 53 صفحة أصدرته مؤخراً منظمة كوميتي فور جستيس الحقوقية ومقرها جنيف، أكدت المنظمة الحقوقية على ضرورة تحميل المسؤولية للأجهزة لأمنية في أرض الفراعنة عن الوفيات المتزايدة في مقار الاحتجاز نتيجة التعذيب وسوء الرعاية. حيث زادت الوفيات داخل السجون خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2020 وحدها بمعدل 100 حالة وفاة مقارنة بالعام الماضي.

وهكذا مات العديد من المصريين على غرار “جوليو ريجيني”. فالنظام الذي أسسه الجنرال السابق الذي تولى رئاسة مصر عبد الفتاح السيسي أدى إلى وفاة أكثر من ألف مواطن مصري على يد الدولة في السجون والثكنات وأقسام الشرطة والمحاكم عسكرية ونحو ذلك. لقي الكثيرون نفس مصير جوليو ريجيني، وهو في ريعان الشباب مثلما كان الباحث الإيطالي الذي تعرض للتعذيب والقتل في إحدى الغرف السرية للأمن الوطني في القاهرة.

فمنذ توليه السلطة بعد الانقلاب على الرئيس السابق محمد مرسي، في ربيع 2013، توفي 1058 شخصاً في مقار الاحتجاز المصرية حتى أكتوبر الماضي. وفي الأشهر العشرة الأولى من العام الحالي فقط، توفي 100 شخص في السجن أو في انتظار المحاكمة في ظروف تتعلق بمسؤوليات محددة لجهاز الدولة: الحرمان من العلاج، والتعذيب، والانتحار، وسوء ظروف الاحتجاز. وفي تقرير من 53 صفحة أصدرته منظمة كوميتي فور جستس الحقوقية مؤخراً في جنيف، حمّلت المنظمة الحقوقية الجهاز القمعي لبلاد الفراعنة المسؤولية عن ذلك.

ويرتبط الاسم الذي اختاره قادة المنظمات غير الحكومية الدولية لحملة الاتهام ضد نظام القاهرة بالأحداث الجارية وخاصة بإيطاليا: “كم ريجيني في مصر منذ 2013”. وهذا بالتأكيد يلفت نظرنا إلى الواقع القاسي فيما يتعلق بحقوق الإنسان والذي يمثله أحد الشركاء التجاريين الأكثر قرباً من الحكومة الإيطالية: وتأتي الشكوى من المدير التنفيذي لمنظمة “كوميتي فور جستس”، أحمد مفرح، حيث يقول: “جوليو ريجيني لم يكن الضحية الوحيدة للسلطات المصرية. فبعد مقتله، وقع آخرون ضد أجانب، أفكر في الفرنسي إريك لانج، والأمريكي جيمس هنري لون وآخرين، قتلوا بدم بارد ودون أي عواقب جنائية على جلاديهم وقتلهم. هذه حالات قليلة مقارنة بالعديد من مواطنينا خارج النظام لأنهم يعتبرون غير مرتاحين. إن ما يحدث في مصر منذ عدة سنوات يغطيه صمت دولي مشبوه “.

وفي صياغة الوثيقة، لم تعتمد “كوميتي فور جستس” على “الإشاعات” أو الأدلة الضعيفة أو القابلة للدحض. كان العمل طويلاً وشاقاً. فقد حلل باحثو المنظمة غير الحكومية، في حدود إمكانياتهم، كل المراسلات المرتبطة بأكبر عدد من الضحايا الذين ماتوا أثناء وجودهم في أيدي الدولة. مرجع واحد قبل كل شيء يجعلنا نفكر ويشير إلى الديناميكية الدرامية وراء نهاية جوليو ريجيني. فمن بين 1058 حالة وفاة في مقار الاحتجاز، وقع أكثر من نصفها في أقسام الشرطة، بواقع 584 حالة، ولك أن تتخيل نسبة الوفيات في سجون سيئة السمعة مثل العقرب في طره، حيث كان هناك 359 ضحية. أما القتلى داخل سيارات الترحيلات فبلغ عددهم 43 حالة. “تصدرت حالات الوفاة داخل أقسام ومراكز الشرطة بواقع 55% (584/1058)، تليها السجون المركزية والعمومية بواقع 33.9% (359/1058)، مع ارتفاع أعداد الوفيات بين المحتجزين والسجناء داخل سيارات الترحيلات ومعسكرات قوات الأمن المركزي ومقار المحكمة بواقع 43، و20، و16 حالة وفاة على التوالي،” حسب المنظمة الحقوقية.

وذكر التقرير أنه بتحليل أسباب الوفاة خلال الفترة من يونيو 2013 إلى أكتوبر 2020، يتضح تصدر الوفاة بالحرمان من الرعاية الصحية منذ استحواذ السلطة العسكرية على مقدرات الحكم في 2013، بينما تذبذب أعداد الوفيات بسبب التعذيب، فيما يأتي عام 2013 الأسوأ بكل المقاييس، ففي غضون ستة أشهر فقط (يونيو – ديسمبر 2013)، وقعت 85 حالة وفاة على يد سلطات الاحتجاز، 57% منها (49/85) كان بسبب التعذيب الوحشي، و36% (31/85) كان بسبب الحرمان من الرعاية الصحية. وبصفة عامة، وصلت نسبة وقائع الوفاة بالحرمان من الرعاية الصحية لـ 71.9% (761/1058) من إجمالي وقائع الوفاة داخل مقار الاحتجاز خلال فترة التقرير، تليها الوفيات بالتعذيب التي بلغت نسبتها 13.6% (144/1058)، ثم الوفيات بسبب سوء أوضاع الاحتجاز4 بنسبة 2.7 (1058/29).

وبتحليل المسار الدوري لأثر الدماء التي بدأت في السيلان منذ تنصيب السيسي، يتبين أنه من بين 85 حالة في عام 2013 (في النصف الثاني فقط) وفي العامين التاليين، تم الوصول إلى سجلات غير قابلة للاقتراب: 183 حالة وفاة في عام 2014 وحتى 217 حالة في عام 2015. وفي العام التالي، وهو العام الذي بدأ باغتيال جوليو ريجيني، انخفضت الإحصائيات إلى 129 أو ما إلى ذلك، مع 146 حالة وفاة في عام 2017 و 108 في عام 2018، وأدنى مستوى مع 90 حالة العام الماضي 2019.

ونتج عن نقطة التحول التي مثلتها الاحتجاجات في شوارع وميادين مصر يوم 20 سبتمبر 2019، في أعقاب الاتهامات التي أطلقها الممثل السابق محمد علي عبر مواقع التواصل الاجتماعي ضد السيسي ونظامه، تصعيداً قمعياً جديداً من قبل النظام. فعلى مدار العام التالي، شنت السلطات حملة لم يسبق لها مثيل من الاعتقالات، طالت الآلاف من كل ركن من أركان مصر؛ ومرة أخرى هزت استقرار دولة خائفة من خطر اندلاع ثورة مثل تلك التي حدثت منذ ما يقرب من عشر سنوات. لذلك، فإن تهدئة أي حراك يهدف للحرية في مهده هو الوصفة الوحيدة التي يضمن من خلالها السيسي وجهازه التنفيذي السيطرة الكاملة على الوضع في البلاد.

يتركز أقصى قدر من اهتمام النظام على القاهرة، العاصمة المترامية الأطراف، والمحافظات المجاورة لها، من المنيا إلى الجيزة، ومن القليوبية إلى الفيوم، إلخ. وحدثت حالة وفاة واحدة تقريباً من بين كل أربع حالات وفاة في سجون ومقرات جهاز الأمن الوطني بالعاصمة، وفقاً لمخرجات التقرير، 236 ضحية، 204 بين المنيا والجيزة على التوالي، مع 64 حالة في الإسكندرية وعلى الأقل حوالي عشرين حالة في مواقع أخرى.

ثم هناك القسم الأكثر إثارة للقلق في التقرير، وهو تحليل أسباب وفاة المشتبه بهم والموقوفين والمعتقلين. لنبدأ من الرقم الأصلي، 58 ضحية من يونيو إلى ديسمبر 2013: وفقاً لوثيقة “كوميتي فور جستس”، تُعزى 57% من الوفيات إلى التعذيب الوحشي و 36% أخرى تُعزى إلى الحرمان من الرعاية الصحية. صوت مرجح على مدى سبع سنوات قيد الفحص، مع 761 سبباً للوفاة من إجمالي 1058. وانخفضت نسبة الوفيات الناجمة عن التعذيب بشكل ملحوظ مقارنة بالأشهر الستة الأولى منذ أن استولى السيسي على الحكم في البلاد، من 57% إلى 14%، والتي لا تزال تشكل من الناحية العددية 144 حالة.

أما عام 2020، فسيتم تسجيله في التاريخ باعتباره عام حالة الطوارئ الوبائية، حتى في مصر حيث توجد اليوم نسبة وفيات تقارب 7 آلاف حالة، وهي نسبة عالية جداً مقارنة بالحالات المؤكدة، حوالي 120 ألفاً حتى تحديث أمس. وبحسب تقرير “كوميتي فور جستس”، فقد تسببت الإصابة بفيروس كورونا بي نزلاء السجون المصرية في وفاة 17 حالة من بين حالات الإصابة المؤكدة بكوفيد-19 خلال الفترة من فبراير إلى أكتوبر. وأخيراً، هناك إحصائية مؤكدة: أنه من بين 100 حالة وفاة مسجلة في الأشهر العشرة الأولى من هذا العام في مصر، حدث أكثر من نصفها في أربعة أشهر. و 12 في مايو ويوليو، و 14 في سبتمبر و 15 في يونيو.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close