fbpx
الشرق الأوسطترجمات

تقارير متابعة قضية ريجيني في الإعلام الإيطالي (3)

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

أعلن ممثلو الادعاء العام في إيطاليا الخميس الموافق 10 ديسمبر إنهاء تحقيقاتهم في قضية اختفاء ومقتل الطالب جوليو ريجيني في القاهرة عام 2016. وسمّى ممثلو الادعاء الإيطاليون أربعة من عناصر الأمن المصري كمتهمين مشتبه بهم، وفقاً لما أعلنته وكالة رويترز للأنباء. وفي بيان صدر من مكتب المدعي العام في روما الخميس، قال ممثلو الادعاء الإيطالي إن المصريين الأربعة مشتبه بهم في الضلوع بدور في عملية “اختطاف في ظروف مشددة” لريجيني، وأن أحد هؤلاء الأربعة -وهو رُتبة في الأمن الوطني المصري- قد يواجه أيضا اتهامات بـ”التآمر لارتكاب عملية قتل في ظروف مشددة”. وأمهل ممثلو الادعاء المتهمين الأربعة 20 يوماً لتقديم إفادات أو طلب الاستماع إليهم في القضية. على أنْ يقرر المحققون بعد انقضاء هذه المهلة ما إذا كانوا سيطالبون بمحاكمة المتهمين من عدمه.

وما أن صدر هذا البيان من مكتب المدعي العام الإيطالي حتى سارعت كبريات الصحف الإيطالية وأكثرها انتشاراً في نشر تقارير لا تخلو من تسريبات جديدة حول خطف وتعذيب وقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني بمصر على يد ضباط في جهاز الأمن الوطني المصري والذين قام الادعاء العام في روما باتهام أربعة منهم رسمياً بارتكاب الجريمة، وهم: اللواء صابر طارق؛ والعقيد آسر كامل محمد إبراهيم؛ والعقيد حسام حلمي؛ والرائد إبراهيم مجدي شريف. وبالإضافة إلى ذلك، تم تسريب فيديوهات تكشف عن مراقبة العقيد آسر كامل لريجيني عن طريق أحد المخبرين الذي أظهر الفيديو مكالمة أجراها المدعو محمد عبدالله، وهو أحد الباعة الجائلين كان العقيد آسر كامل قد كلفه بمراقبة الباحث الإيطالي جوليو ريجيني.

وكنا قد نشرنا الجزء الأول: “تقارير متابعة: قضية ريجيني في الإعلام الإيطالي (1)” بتاريخ 15 ديسمبر، والجزء الثاني: “تقارير متابعة: قضية ريجيني في الإعلام الإيطالي (2)” بتاريخ 16 ديسمبر؛ من هذه التقارير والمقالات التي قام المعهد المصري بترجمتها من الصحافة الإيطالية. وفيما يلي الجزء الثالث منها:

ملخص:

يتضمن هذا المحتوى أربع تقارير/مقالات تم نشرها في الصحافة الإيطالية. التقرير الأول من صحيفة ريفورميستا الإيطالية للصحفية ايلينا ديل ماسترو ونُشر بتاريخ 14 ديسمبر 2020 ويتحدث عن إعادة ثلاثة إيطاليين آخرين لوسام جوقة الشرف لفرنسا اعتراضاً على منحه لدكتاتور مصر عبدالفتاح السيسي، ويعتبر أن “واجب سياسي وأخلاقي”. والمقال الثاني نشرته صحيفة كوريرا ديلا سيرا بتاريخ 14 ديسمبر 2020 للصحفي الإيطالي إرنستو جالي ديلا لوجيا، بعنوان “قتلة ريجيني وقلة حيلتنا”، حيث انتقد الكاتب فيه الحكومة الإيطالية قائلاً “إنه لم يقدم أحد اقتراحاً ملموساً للرد على السلوك المشين الذي ارتكبته القاهرة”. والمقال الثالث نشرته صحيفة لاريبوبليكا الإيطالية بتاريخ 14 ديسمبر 2020، وهو عبارة عن رسالة وجهها الصحفي لويجي مانكوني إلى رئيس الوزراء الإيطالي بخصوص قضية الباحث الإيطالي جوليو ريجيني الذي قُتل في مصر، والتي جاءت بعنوان: “رسالة إلى كونتي باسم جوليو ريجيني”. والتقرير الرابع من صحيفة لاستامبا الإيطالية، حيث نشرت الصحيفة يوم الثلاثاء الموافق 15 ديسمبر 2020  حواراً أجرته مع  رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي تناولت فيه العديد من القضايا، أبرزها قضية ريجيني. وصرح كونتي للصحيفة بأنه من المتوقع أن تكشف محاكمة اختفاء وتعذيب وقتل الطالب جوليو ريجيني في القاهرة عام 2016 حقائق “صادمة”، بالإضافة إلى تصريحات أخرى.

المقالات المنشورة في الصحافة الإيطالية:

1- صحيفة ريفورميستا الإيطالية: نشرت صحيفة ريفورميستا الإيطالية بتاريخ 14 ديسمبر 2020 تقريراً للصحفية ايلينا ديل ماسترو بعنوان: “واجب سياسي وأخلاقي”.

 تقول الصحفية الإيطالية ايلينا ديل ماسترو في تقريرها إن هناك ثلاثة آخرين من أبرز الكتاب والساسة الإيطاليين ساروا على خطى  الكاتب الإيطالي الكبير كورادو أوجياس الذي أعاد وسام جوقة الشرف الممنوح له من قبل اعتراضاً على منح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نفس الوسام لدكتاتور مصر عبدالفتاح السيسي. وحسب الصحفية الإيطالية، فإن الإيطاليين الثلاثة الجدد الذين أعادوا وسام جوقة الشرف إلى فرنسا هم سيرجيو كوفيراتي، ولوسيانا كاستيلينا، وجيوفانا ميلاندري.

أما سيرجيو كوفيراتي، فهو الرئيس السابق للنقابة العمالية الرئيسية في إيطاليا، وأما لوسيانا كاستيلينا، فهي الكاتبة الصحفية المخضرمة المعروفة، وأما جيوفانا ميلاندري، فهي سياسية إيطالية بارزة ظلت نائبة في البرلمان الإيطالي لمدة 18 عاماً وشغلت منصبي وزيرة الثقافة ووزيرة الشباب والرياضة.

بعد الخطوة الاحتجاجية التي قام بها كورادو أوجياس بإعادة وسام جوقة الشرف الذي كان قد مُنح له سابقاً إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عبر السفارة الفرنسية في إيطاليا كدليل على احتجاجه على منح ذات الوسام إلى طاغية مصر السيسي، يحذو إيطاليون آخرون حذوه. فسيرجيو كوفيراتي، الرئيس السابق لاتحاد العمال العام في إيطاليا ورئيس بلدية بولونيا السابق، ولوسيانا كاستيلينا، الكاتبة المرموقة، والوزيرة السابقة جيوفانا ميلاندري الذين قرروا جميعاً إعادة الوسام الفرنسي. واتخذت مجموعة المثقفين هذه قرارها بإعادة شارة وسام الجوقة بعد أن علموا أنه في السابع من ديسمبر، منحت الحكومة الفرنسية أيضاً نفس التكريم للجنرال عبد الفتاح السيسي.

وكان سيرجيو كوفيراتي الذي قرر أمس التخلي عن وسام جوقة الشرف التي حصل عليه في عام 2001، قد صرح لصحيفة بوست الدولية (تي بي آي) قائلاً  “من أجل طريقة فهمي للعالم، لم أسمح لنفسي أن تجمعني هذه الشارة مع السيسي.”؛ وجاء هذا التصريح في أعقاب إصدار مكتب المدعي العام في روما الملف الذي يثبت تورط أربعة من عملاء المخابرات المصرية في مقتل جوليو ريجيني.

وأضاف الرئيس السابق لاتحاد العمال العام في إيطاليا الذي عائلة جوليو ريجيني جيداً وداوم على المشاركة معهم في معركتهم عندما كان عضواً في البرلمان الأوروبي، أضاف قائلاً: “لقد تم تسليم هذه الجائزة إليّ من أجل عملي في الدفاع عن حقوق الأطفال وضد استغلال القُصّر”. “كان موضوع وسام جوقة الشرف الخاص بي هو الحقوق العالمية التي أراها الآن وقد داسها اختيار ماكرون منحها للسيسي”. ويضيف سيرجيو كوفيراتي: “يجب أن تتحرك أوروبا حيال الحكومة المصرية – ولكن على إيطاليا أيضاً أن تقوم بدورها وأن تسحب السفير من القاهرة في أسرع وقت ممكن”.

كما استطاعت كاستيلينا أن توصل صوتها إلى السفير الفرنسي ماسيه، حيث كتبت له رسالة قالت فيها: “في مواجهة ما حدث، أشعر بواجب سياسي وأخلاقي للتخلي، مع الأسف، عن لقب ’ضابط الفنون والآداب في الجمهورية الفرنسية’”. ويمنح وزراء الثقافة وسام جوقة الشرف للأشخاص الذين تميزوا بإبداعاتهم في المجالات الفنية والأدبية. ومن بين الإيطاليين الذين حصلوا عليها هناك أيضاً باولو كونتي ولودوفيكو إيناودي وناني موريتي وكلاوديو سانتاماريا وستيفانو أكورسي.

وكتب المتحدث الوطني باسم اليسار الإيطالي، نيكولا فراتوياني، في حسابه على موقع تويتر: “بفضل سيرجيو كوفيراتي ولوسيانا كاستيلينا وجيوفانا ميلاندري الذين قرروا اتباع البادرة الي قام بها كورادو أوجياس، بالتخلي عن التكريم الذي حصلوا عليه من الدولة الفرنسية، كرسالة احتجاج على منح وسام جوقة الشرف للديكتاتور السيسي”.. وكتب المتحدث الوطني باسم اليسار الإيطالي، نيكولا فراتوياني، في حسابه على موقع تويتر. “آمل حقاً أن يحذو حذوهم الآن سياسيون آخرون ومؤسسات أخرى. واختتم فراتوياني، الذي يترأس أيضاً حركة “ليو”[1] كلامه قائلاً: “… وأن يقدموا أيضاً بادرة كرامة وتماسك”.

2- صحيفة كوريرا ديلا سيرا: نشرت صحيفة كوريرا ديلا سيرا بتاريخ 14 ديسمبر 2020 مقالاً كتبه الصحفي الإيطالي إرنستو جالي ديلا لوجيا، بعنوان “قتلة ريجيني وقلة حيلتنا”، انتقد فيه الحكومة الإيطالية قائلاً “إنه لم يقدم أحد اقتراحاً ملموساً للرد على السلوك المشين الذي ارتكبته القاهرة”. وقد جاء المقال على النحو التالي:

“الدولة الجادة لا تسمح لنفسها بمثل هذه المعاملة”

لقد وافقت على الفور عندما قرأت هذه الكلمات التي كتبها جوليانو فيرارا قبل أيام قليلة عن مقتل جوليو ريجيني. وفي الواقع، فإن ورود أنباء عن رفض الحكومة المصرية من جديد الإفصاح عن الجريمة أثار ذلك في نفسي فوراً أفكاراً، يُعتبر خيالي الوطني بالتأكيد مسؤولاً عنها، مثل تخيل تنفيذ أعمال انتقامية مناسبة لهذه الجريمة؛ تخيلت، على سبيل المثال، مجموعة من القوات الإيطالية الخاصة من وحدة “كول موسكين” الهجومية بعد نزولهم من مروحية على سطح مقر جهاز الأمن الوطني المصري في القاهرة وقد اندفعوا إلى الداخل، وأمسكوا بالبلطجية الأربعة المتهمين في قضية قتل ريجيني، وقاموا بشحنهم وإحضارهم إلى روما لحسابهم على جرائمهم. هل ستقول إن تنفيذ هذا الأمر في غاية الصعوبة لأسباب فنية؟ حسنا. لذلك تخيلت أيضاً كإجراء بديل، مثل فرض ضريبة بنسبة 15% على جميع التحويلات المالية التي تتم كل يوم من قبل عدة آلاف من المواطنين المصريين الذين يعملون في إيطاليا والذين يرسلون الأموال إلى أرض الوطن. أو ربما عمل ما هو أفضل من ذلك، مثل طردهم من إيطاليا؟ أو ربما مصادرة أموالهم وأصولهم؟

لكنني سرعان ما أدركت أن كل هذه الأفكار من دروب الخيال، بل هي محض خيال، لأسباب كثيرة ومتنوعة: أولاً لأنه يوجد في إيطاليا حكم القانون، وهناك المادة 11 من الدستور، وهناك شركة “إيني”، وهناك اليمين واليسار، وبعد ذلك لأن هناك أوروبا التي تضع حدوداً و قيوداً على إجراءات من هذا القبيل. ولكن أثناء التباهي بتمثيل “مجال الحرية والعدالة والشرعية”، وإذا كانت المسألة تتعلق بالجدية والتمثيل، فهناك دائماً المصلحة الوطنية للبلاد (التي نادراً ما تكون المصلحة الإيطالية ضمن ذلك على ما أعتقد …) التي يمكن أن تتجاوز كل ذلك.. وهناك ماكرون الذي هو دائما على استعداد لبيع “القيم الجمهورية” من أجل بيع أسلحة وسفن للمصريين بدلاً منا.

“الدولة الجادة لا تسمح لنفسها بمثل هذه المعاملة”

 إنها حقيقة. فلأول مرة ترى كل التعليقات، كل الصحف، كل الأطراف متفقة على شيء واحد. فهناك سخط عام وهناك كذلك دعوات لاتخاذ الإجراءات الانتقامية المناسبة. لكن من المؤسف أن هذه الأصوات لم تُسمع، ولم يكن هناك جواب على السؤال: وماذا بعد؟ وما الذي يجب أن تفعله إيطاليا للرد على السلوك الشائن الذي قامت به القاهرة؟ ما هو الإجراء الملموس الذي يمكن أن يُتخذ؟ وفي نسخة محدّثة من العبارة المعتادة “فلنسلّح أنفسنا ونذهب”، صرخ الجميع في الحكومة حتى تفعل شيئاً، لكن لم يستطع أحد أن يقول ماذا يمكن أن تفعل الحكومة. ويبدو لي أنه لم يقدم أحد أي اقتراح غير حث الحكومة على فعل شيء، حتى ولو كان رمزياً إلى حد كبير، مثلاً كتجميد العلاقات الدبلوماسية مع القاهرة بسحب سفيرنا وإعلان السفير المصري شخصاً غير مرغوب فيه. أتخيل كيف سيكون خوف السيسي عندما يبلغوه بمثل هذا التهديد.

الحقيقة هي أن الدولة الإيطالية هي كما هي عليه، فقد يكون هناك ما يربو على ألف دعوة أو ألف تصريح رسمي (لكنهم دائماً يفوتون اقتناص الفرص التي تظهر في وقتها). ليس لدى الدولة الإيطالية سلاح فعال في يدها سواء لتحقيق العدالة أو لجعل القاهرة تدفع ثمن جريمتها. ويبدو لي أن الجدية التي يطالب بها الكثيرون من هكذا دولة تتطلب الاعتراف بذلك علانية. ففي هذه الحالة، ربما يستطيع المواطنون الإيطاليون كأفراد فقط القيام بشيء ما، حتى لو لم يكن مثل هذا الإجراء الفردي شيئاً كبيراً حقاً: فعلى سبيل المثال، يمكنهم التخلي عن شراء تلك الأشياء القليلة جداً التي نستوردها من مصر، أو تجنب الذهاب إلى شرم الشيخ لقضاء عطلة هناك أو على الأقل عدم زيارة هذه الدولة التي يحكمها القتلة. لكن للأسف، هذا كل شيء يمكن عمله.

3- صحيفة لاريبوبليكا الإيطالية: نشرت صحيفة لاريبوبليكا الإيطالية بتاريخ 14 ديسمبر 2020 رسالة وجهها الصحفي لويجي مانكوني إلى رئيس الوزراء الإيطالي بخصوص قضية الباحث الإيطالي جوليو ريجيني والتي كتبها تحت عنوان: “رسالة إلى كونتي باسم جوليو ريجيني”، وجاءت الرسالة على النحو التالي:

منذ ما يقرب من خمس سنوات، لم تتخذ إيطاليا أي إجراءات لممارسة ضغوط مناسبة على السلطات المصرية

السيد رئيس مجلس الوزراء،

مع إغلاق التحقيقات التي أجراها المدعي العام في روما، وصلت قصة اغتيال جوليو ريجيني إلى نقطة اللاعودة. الآن من المستحيل أن نقول: لم نفتح الموضوع؛ الآن أصبح الجميع، مواطنين وسلطات عامة، في وضع يسمح لهم بمعرفة أن شاباً إيطالياً قد تم اختطافه وتعذيبه وقتله على أيدي عملاء الأجهزة الأمنية وكبار المسؤولين في الدولة المصرية. وكلنا علمنا أن ريجيني كان محتجزاً في الغرفة رقم 13 بمبنى خاضع لسيطرة جهاز الأمن الوطني المصري، وأن “نصف جسده العلوي كان عارياً، وتظهر عليه أثار التعذيب، […] كان مُلقى على ظهره على الأرض، ووجهه إلى الخلف؛ […] وكان مكبل اليدين بالأصفاد التي كانت تجبره على البقاء ملقى على الأرض؛ […] ولاحظت علامات احمرار على ظهره”.

إنها قصة فظيعة، أعاد صياغتها وسردها سيرجيو كولايوكو نائب المدعي العام الإيطالي، لكن هناك أيضاً شيء آخر يمثل تحدياً مباشراً لك، سيدي رئيس الوزراء، كرمز سياسي كبير لبلادنا. لأنه، بهذا القتل، تم انتهاك سيادة الدولة وديست المصلحة الوطنية. إن قضية ريجيني هي مسألة إنسانية، وكذلك قضايا الآلاف من المصريين الذين شهدوا ولا زالوا يشهدون نفس المصير. لكنها، في الوقت نفسه، قضية تدعونا إلى التساؤل عن كرامة ومصداقية دولتنا واستقلالها داخل المجتمع الدولي. أنت رجل قانون، سيدي رئيس الوزراء، وتدرك جيداً أن السلطة القانونية والأخلاقية للدولة – ودستورها من الأساس – تقوم على أساس قدرة الدولة على حماية سلامة مواطنيها، حيث تتعهد الدولة بحماية السلامة الجسدية والعقلية لأفراد المجتمع مقابل امتثالهم للقوانين. وفي عالم تسوده العولمة، فإن مثل هذه الحماية يجب أن تمتد إلى ما وراء حدود الوطن. لم يكن لدى إيطاليا القدرة على ضمان سلامة ريجيني في القاهرة؛ ولم تتمكن أيضاً من الحصول على الحد الأدنى من التعاون من نظام عبد الفتاح السيسي (الذي تزعم جميع الحكومات الإيطالية من عام 2016 حتى اليوم أنه نظام “صديق”) لتحديد المسؤولين عن تلك الجريمة. وقبل ساعات قليلة، علمنا أيضاً، وفقاً شاهد عيان موثوق به من قبل القضاء لدينا، أنه رأى وزير الداخلية المصري خارجاً من المبنى الذي كان ريجيني في نفس الوقت يتعرض للتعذيب بداخله.

كنت أتخيل أن يقوم وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو باستدعاء السيد هشام محمد مصطفى بدر، سفير مصر في روما، لحين اتخاذ مزيد من القرارات أخرى. وكنت أتخيل أنه ستصدر منكم، سيدي رئيس الوزراء، تصريحات واضحة لا لبس فيها ضد نظام متواطئ مع أولئك القتلة الذين مزقوا الجسد “النحيل للغاية”، كما قال أحد شهود العيان، لشاب يبلغ من العمر ثمانية وعشرين عاماً.

لكن لم يحدث شيء من ذلك أبداً، وليس فقط في الساعات القليلة الماضية، وانتهى الأمر تقريبا. فعلى مدار خمس سنوات، لم تتخذ إيطاليا أي إجراءات جادة أو فعالة لممارسة ضغوط مناسبة على السلطات المصرية. أقول لم تقم الحكومة بتنفيذ فعل واحد فقط.. فماذا يمكن أن نقول عن عزة الوطن في مواجهة مذبحة تعرض لها شاب إيطالي ذهب إلى مصر لدواعي الدراسة وفضول استكشاف العالم. لم تقم الحكومة بفعل شيء واحد لتأكيد الاستقلال السياسي والدبلوماسي لإيطاليا ضد النظام الاستبدادي الذي استهزأ بشخصية وذكرى أحد أبناء وطننا بعد أن قام الزبانية بامتهان كرامة جسده وتشويهه. واللافت أن هذا الموقف قد لوحظ مع قليل من الفروق من أربع حكومات إيطالية منذ ارتكاب الجريمة وحتى الآن بدعوى الواقعية السياسية وتأكيد تقديم الدولة للعقل والمنطق. إن التسول باسم الواقعية السياسية وتذرع الهواة بالمصلحة الوطنية هو في الأساس لإخفاء الجبن الذي يخيم على السياسة الخارجية الإيطالية التي تفتقر إلى أي استقلالية.

وهكذا، مرة أخرى، يتم تأييد التناقض الخاطئ بين الواقعية والمثالية: اعتماد صورة إيطاليا غير قادرة على حماية حياة مواطنيها وتحقيق العدالة لهم لأنها مشروطة بالحسابات والمصالح الجيواستراتيجية. رخيص.

وكأن الوصول إلى حقيقة الاغتيال لا يتوافق مع تحقيق المصلحة الوطنية بشكل جوهري تماماً كما يمثله التعامل مع النظام في مصر. وبعبارة أخرى، فإن إمكانية إقامة علاقات متكافئة لإيطاليا مع تلك الدولة (مصر) على المستوى السياسي والاقتصادي لا تعتمد على القناعة بموقف الاستسلام، ولكن على حقيقة الوجود وعلى تصرف روما كدولة ذات سيادة تتمتع بالكرامة وتمتلك السلطة، وتتحدث باسم المجتمع الأوروبي القائم على مبادئ الديمقراطية والليبرالية. وإذا لم يحدث هذا، أو لم نسمع في الساعات القليلة القادمة – وقد تأخرنا بالفعل – كلمات حازمة وواضحة، فهذا يعني أن الواقعية الممزقة التي ذكرتها هي السائدة: مما يؤكد أن بلادنا تعاني نوعاً من عقدة الدونية أمام نظام استبدادي مدمر للحريات.

4- صحيفة لاستامبا الإيطالية اليومية: أجرت صحيفة لاستامبا الإيطالية اليومية مقابلة الثلاثاء الموافق 15 ديسمبر 2020 مع رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي تناولت العديد من القضايا، وخلال المقابلة أدلى كونتي ببعض التصريحات عن المحاكمة المنتظرة لأربعة من ضباط الأمن الوطني المصريين المتهمين من مكتب المدعي العام الإيطالي باختطاف وتعذيب وقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، والتي جاء فيها:

في مقابلة حصرية له مع صحيفة لاستامبا الإيطالية اليومية يوم الثلاثاء 15 ديسمبر 2020، والتي تناقلتها وكالات الأنباء المختلفة وعلى رأسها وكالة رويترز، صرح رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي بأنه من المتوقع أن تكشف محاكمة اختفاء وتعذيب وقتل الطالب جوليو ريجيني في القاهرة عام 2016 حقائق “صادمة”.

وكان ممثلو الادعاء الإيطاليون قد قالوا الخميس الماضي 10 ديسمبر 2020 إنهم يعتزمون توجيه اتهامات إلى أربعة من كبار أعضاء الأجهزة الأمنية المصرية بشأن دورهم في قضية الشاب الإيطالي البالغ من العمر 28 عاماً.

وقال رئيس الوزراء الإيطالي: “هذه القصة تثير الحزن في نفوسنا، لكن الآن ستبدأ محاكمة  المتهمين أمام سلطاتنا القضائية … وهي محاكمة حقيقية وجادة وذات مصداقية. هذه المحاكمة هي وسيلة الوصول إلى الحقيقة، والتي للأسف من المتوقع أن تكون صادمة”.

وأضاف كونتي قائلاً: “على مصر أن تفعل أكثر من ذلك بكثير. وهي قادرة على ذلك.”

وعندما سُئل رئيس الوزراء الإيطالي عما إذا كانت إيطاليا ستنظر في سحب سفيرها من القاهرة، كما طالب بذلك مراراً وتكراراً والدا ريجيني، أجاب كونتي أن محاكمة المتهمين بقتل ريجيني لها الأولوية الآن وهي أكثر أهمية من القيام بذلك في الوقت الحالي. لكنه أضاف بأن حكومته ستنظر في هذا الخيار.

وكان المحققون الإيطاليون والمصريون يعملون معاً حتي وقت قريب لمحاولة إيجاد حل لهذه الجريمة، ولكن الحكومة الإيطالية شعرت بالإحباط من بطء وتيرة التطورات في القاهرة، وقررت المضي قدماً بشكل منفرد في التحقيق الخاص بها في محاولة لدفع الأمور إلى الأمام، وفقاً لما صرحت به مصادر قضائية إيطالية.

يذكر أن ريجيني كان يُجهز بحثاً عن النقابات العمالية المستقلة في مصر في سياق الرسالة التي كان يُعدها لنيل درجة الدكتوراه. ويقول مقربون إنه كان مهتماً أيضاً ببحث بدائل لهيمنة الدولة والجيش على الاقتصاد المصري. والموضوعان لهما حساسية خاصة لدى النظام في مصر.

وبموجب القانون الإيطالي، يمكن محاكمة المشتبه بهم غيابياً. وكان مقتل ريجيني في مصر قد تسبب في توتر العلاقات بين مصر وإيطاليا وسحبت روما في البداية سفيرها من القاهرة احتجاجاً ثم أعادته فيما بعد. ولكن العلاقات التجارية بين البلدين لم تتأثر.


[1] تم إطلاق حركة “ليو” في 3 ديسمبر 2017 كاتحاد للأحزاب السياسية في البرلمان بما في ذلك “الحركة الديمقراطية التقدمية” و”اليسار الإيطالي” والـ “ممكن”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close