دراساتالحركات الإسلامية

الجهاديون العائدون: الجذور والواقع والمستقبل

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

الجهاديون العائدون: الجذور والواقع والمستقبل

أحد أهم الأسئلة المتعلقة بالحالة الجهادية، والنزاع في سوريا والعراق بشكل خاص، يتعلق بالإحصائيات: من أين أتوا؟ كم عددهم في مناطق القتال؟ كم عدد العائدين؟ ثم هناك الأسئلة الأكثر تعقيدًا وأهمية: إلى أين سيذهبون بعدما تضع الحرب أوزارها؟ ماذا سيفعلون بعدما يغادرون مناطق الصراع؟ ما هي المصائر التي تنتظرهم إذا قرروا العودة إلى أوطانهم أو أٌعيدوا قسرًا؟ ما هي الإشكالية التي سيخلقونها إذا اختاروا الهجرة إلى ملاذات جديدة؟

بيدَ أن فهم ظاهرةٍ غير مسبوقةٍ على مستوى الحجم والنطاق كتلك التي نشهدها اليوم، خاصة ما يتعلق منها بتنظيم الدولة، أو استشراف التحول السلوكي المحتمل بعدما تضع الحرب أوزارها أو يظن أحد أطرافها أنه انتصر بالقاضية (وهي تهيؤات لطالما خدعت الكثيرين على مدار التاريخ) – هذا الفهم للحاضر والاستشراف للمستقبل- يتطلب العودة بضعة عقود إلى الوراء لاستحضار دروس التاريخ التي يمكن تعلمها من الصراعات السابقة.

في ضوء هذه الإطلالة التاريخية، يحاول البحث الإجابة عن الأسئلة السابقة مستعرضًا الإحصائيات المتباينة لأعداد المقاتلين الأجانب والدراسات السلوكية التي ظلت تراقب الحالة الجهادية لسنوات في محاولة لتحديد ملامح الخطر المرتقب. ورغم وجود طريقة دولية متفق عليها للتعامل مع هؤلاء العائدين من مناطق الصراع فضلا عن عائلاتهم -يشكل النساء والأطفال معضلة أخرى- يرصد قائمة بأبرز المصائر التي تنتظرهم بدءًا من القتل وليس انتهاءً بالعفو عن “السذّج”، وإن كان المقترح الأخير يبدو “ساذجًا” في نظر البعض.

بموازاة مصطلح “الجهاديون العائدون” يبرز مصطلح آخر هو “الجهاديون المهاجرون”؛ بيد أن هجرة المقاتلين الأجانب التي عجل بها هزائم تنظيم الدولة لن تكون المرة الأولى التي يتعامل فيها العالم مع المقاتلين الأجانب الذين يغادرون منطقة نزاعٍ لإشعال منطقة أخرى. وهنا تبرز مرة أخرى أهمية العودة إلى دروس التاريخ لاستشراف المستقبل.

دروس التاريخ.. لفهم الحاضر واستشراف المستقبل

صحيحٌ أن تنظيم الدولة نجح في حشد عشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب الذين ينتمون لأكثر من 120 دولة للقتال تحت رايته في سوريا والعراق1 ، في ظاهرةٍ غير مسبوقةٍ على مستوى الحجم والنطاق، إلا أن ظاهرة المقاتلين الأجانب لطالما شكَّلت النزاعات العسكرية على مدى التاريخ الحديث.

من هنا تنبع أهمية الإطلالة التاريخية؛ لأن الدروس المستفادة من الصراعات السابقة- بدءًا من الجهاد ضد السوفييت في أفغانستان مرورًا بحروب الشيشان والبوسنة وليس انتهاءً بأعمال العنف التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب ووسط آسيا وصولا إلى صراعات اللحظة- تمثل نماذج حيّة شبه مكتملة تساعد ليس فقط على فهم الحالة الراهنة بل واستشراف المستقبل أيضًا.

إطلالة على البداية

عادة ما يبدأ التأريخ لهذه الظاهرة في العصر الحديث بالجهاد ضد السوفييت في أفغانستان خلال ثمانينيات القرن الماضي، باعتباره أول نزاع حديث يشهد مشاركة مكثفة من المقاتلين الأجانب2 .

من رحم هذا الصراع، ظهر مجتمعٌ عالمي مسلح نجح في تدشين ليس فقط شبكات التمويل ولكن أيضًا ترسيخ المصداقية في صفوف الأنصار والأخطر مراكمة الخبرات القتالية التي سرعان ما فُعِّلَت في البوسنة والشيشان بعد عقد من الزمان. والمتأمل لهذه الصراعات كلها على اختلافاتها يجدها تتبع أنماطًا متشابهة؛ فالأزمات الإنسانية الناجمة عن النزاع تؤدي في نهاية المطاف إلى نشوب صراعات عبر وطنية تجذب المتطوعين من جميع أنحاء العالم.

صحيحٌ أن عمليات تعبئة المقاتلين الأجانب بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 طورت طرق الهجرة وأساليب القتال ووسائل التواصل، لكنها ظلت تحافظ على قواسم مشتركة أساسية كانت هي التي شكلت الصراعات الأولى. وأظْهَرُ تجسدات هذا الارتباط هو أن الشبكات الشخصية التي تشكلت في أفغانستان سرعان ما تعززت في البوسنة والشيشان، ثم لعبت دورا حاسمًا في تشكيل الصراعات في العراق وسوريا. فعلى مدى السنوات، أدى انتقال المقاتلين العائدين من مناطق الصراع السابقة إلى تشكيل العديد من الشبكات المسلحة التي تمخضت عن ظهور منظمات جهادية-سلفية، مثل: تنظيمي القاعدة والدولة.

على الرغم من الاختلافات المكانية والزمانية، تظل هناك سمات مشتركة تربط بين كل موجة جهادية؛ حيث اعتُبِرَ كل صراعٍ حربا دفاعية عن السكان المسلمين المحليين، مما مكّن الداعمين الدوليين (المانحين والمقاتلين) من ترويج المشاركة في النزاع تحت عنوان الواجب الديني.

ارتبطت هذه الصراعات بشكل أكبر بمجموعة مشتركة من المقاتلين الذين اكتسبوا مصداقية وخبرة قتالية تُوِّجَت في نهاية المطاف بتحسين الفعالية العسكرية. ومثلما تطورت التكنولوجيا، حذا المقاتلون الأجانب الحذو ذاته، وتمخض عن كل صراعٍ نهجٌ جديدٌ لشن “الجهاد عبر وسائل الإعلام” 3.

هذه التوعية الإعلامية بدأت مع حرب أفغانستان في الثمانينيات من خلال النشرات والرسائل الإخبارية الدعائية، ثم أصبح المسلحون اليوم يبثون معاركهم باستخدام كاميرات الفيديو واستراتيجيات الإعلام الاجتماعي المختارة. وكانت الخبرة العسكرية المتراكمة كفيلة بتغيير طبيعة الصراعات، ونقلها من الإطار الوطني إلى العالمية عبر وضع المظالم المحلية في إطار السرد الجهادي الإسلامي الشامل4 .

 

المقاتلون الأجانب في العصر الحديث

أفغانستان: 1979

في عام 1979، غزا الاتحاد السوفييتي أفغانستان للدفاع عن وكيله الشيوعي الحاكم في كابول ضد التمرد المتصاعد. على الفور، بدأت المدارس الدينية في باكستان حملةً لتشجيع الأجانب على السفر إلى أفغانستان للانضواء تحت راية الجهاد. وتلبيةً لنداء “الدفاع عن المسلمين ضد الغزاة غير المسلمين”؛ بدأ المتطوعون يتدفقون إلى أفغانستان. ولعبت المنافسة الجيوسياسية أيضًا دورًا في حشد المقاتلين، وساعدت المساعدات الأمريكية والسعودية والباكستانية على تطوير شبكات التجنيد، عبر مزيجٍ من الأسلحة والتمويل والتدريب العسكري لمكافحة الجيش السوفييتي.

– لا يوجد إجماع حول عدد الأشخاص الذين سافروا إلى أفغانستان، لكن التقديرات تتراوح بين 10 و35 ألفًا. وخلال تسع سنوات من الحرب الطاحنة، قُتل ما يقدر بمليون مدني، و90 ألف مقاتل من المجاهدين، و 18 ألف جندي أفغاني، و 14500 جندي سوفيتي5 . لكن انتقال المتطوعين من العمل في المجال الإنساني الدولي6 إلى القتال في ساحات المعارك ساعد في إضفاء مصداقية وتشكيل شبكات مسلحة ستقود صراعات المستقبل. وعلى الرغم من عدم الثقة والعداوة بين “الأفغان العرب” والاحتكاك بين الأجانب ومضيفيهم المحليين، ساعدت علاقات المتطوعين الدولية في تأسيس شبكات رعاية وروابط قوية بين الأفراد.

أدى رحيل القوات السوفيتية في فبراير 1989 إلى إزالة سبب وجود العديد من الأجانب؛ فعاد بعض المقاتلين إلى بلدانهم الأصلية، حيث انطلقوا في دروب الحياة أو انضموا إلى مجموعات محلية. لكن البعض الآخر سار على درب عبد الله عزام لتشكيل طليعة تواصل الجهاد بغض النظر عن طول الطريق حتى آخر نفس أو قيام الدولة الإسلامية. كما أسس عبد الله عزام وأسامة بن لادن “مكتب الخدمات”7 ، الذي انضوى تحت جلباب تنظيم القاعدة في عام 1988، وسهل العمليات الجارية حينذاك. ثم انتقلت الشبكات إلى صراعات أخرى، بما في ذلك الصراعات التي كانت قائمة في البوسنة.

البوسنة: 1992

عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، وما تلاه من تفكك يوغسلافيا في أوائل التسعينيات، وفَّرت البلقان أرضًا خصبة لاستمرار المقاتلين الأجانب في مهمتهم الحربية. وكان أن تُوِّجَت المشاعر القومية المتزايدة بين الكروات الكاثوليك والصرب المسيحيين الأرثوذكس والبوسنيين المسلمين بموجة من الإعلانات عن الاستقلال. كان لإعلان استقلال سلوفينيا وكرواتيا في يونيو 1991 أثره على استقلال البوسنة والهرسك في مارس 1992. لكن صرب البوسنة رفضوا قبول الانفصال عن صربيا، وحملوا السلاح بدعم من الجيش الصربي ضد مسلمي البوسنة8 . جذبت الطبيعة الدينية للحرب، والفظائع التي ارتكبت ضد المدنيين، وتوقيت الأعمال العدائية، المجاهدين السابقين القادمين من أفغانستان.

وصل أول مواطن أفغاني إلى البوسنة في أبريل 1992، بعد شهر واحد من بدء الحرب في البوسنة. وببطء بدأ انتقال الأشخاص الذين يقومون بأدوار التدريب والتسهيل من أفغانستان تحت ستار المساعدات الإنسانية. لكن سرعان ما تسارع التدفق في عام 1993 عندما أمرت الحكومة الباكستانية بإغلاق معسكرات التدريب وتهديد الأجانب المتبقين بالترحيل 9.

سارع الشيخ أبو عبد العزيز “بارباروس”، وهو على علاقة بأسامة بن لادن وقاتل في أفغانستان ووصل إلى البوسنة في أبريل 1992، بتأسيس كتيبة المجاهدين وبدأ في نقل المقاتلين من بيشاور إلى البوسنة.  وكما كان في أفغانستان، موَّلت الجمعيات الخيرية الإسلامية انتقال المقاتلين الأجانب إلى البوسنة، وحاولت تمويه الخط الفاصل بين المساعدات الإنسانية والعسكرية للحصول على الدعم بطريقة مقبولة اجتماعيا.

جلب المقاتلون المهاجرون من أفغانستان شبكات التمويل والمصداقية والخبرة العسكرية إلى ساحة الصراع في البوسنة. وأنشأ المدربون الذين جاءوا إلى البوسنة من مخيمات بيشاور منشآت تدريب دينية-عسكرية للجنود البوسنيين والمقاتلين الذين لا يتمتعون بالكثير من الخبرة القتالية أو التعليم الديني. وهكذا، بدأ المسلمون البوسنيون يتعرفون على العالم الإسلامي الأكبر بينما كانوا يبنون تجربتهم القتالية10 . وأدى تدفق المقاتلين الأجانب إلى تحويل الصراع من نزاع قومي إلى جهاد عابر للحدود الوطنية. وبالإضافة إلى قدامى المحاربين في أفغانستان، اجتذب الصراع في البوسنة مجندين جدد؛ حيث دفع التطهير العرقي الذي ارتكبه الجيش الصربي الشباب غير المدربين إلى النظر إلى البوسنة- بحسب الصحفي كريس هيدجز – “كدولة مسلمة، يجب أن يدافع عنها المسلمون”11 ، فضلا عن تأييد رجال الدين المؤثرين من مصر والسعودية واليمن الجهاد في البوسنة12 .

لا يوجد اتفاق على أعداد المقاتلين الأجانب الذين سافروا إلى البوسنة بين عامي 1992 و1995، حيث تتراوح الأرقام من 500 إلى 5000 مع وجود عدد كبير من التقديرات في نطاق ألف إلى ألفين13 ، قدموا من معظم الدول العربية وكذلك من أوروبا والولايات المتحدة 14. وبدأ المقاتلون الأجانب تصوير وتوزيع مقاطع الفيديو واستخدام وسائل الإعلام على نطاق أوسع كأداة للتجنيد. وكان استخدام وسائل الإعلام لبث رسائل عاطفية وتوثيقية في الوقت ذاته يمثل تطورًا هاما في جهود الدعاية الجهادية العالمية.

أنهت اتفاقات دايتون للسلام التي وقعت في ديسمبر 1995 فعليًا دور المقاتلين الأجانب في البوسنة؛ حيث نصت على ضرورة انسحاب جميع القوى الأجنبية من البلاد في غضون 30 يومًا 15. وعلى الرغم من الارتياح النسبي في صفوف المدنيين المسلمين في البوسنة لأن الحرب أخيرًا وضعت أوزارها، فإن العديد من المقاتلين الأجانب كانوا مستاءين 16، وسرعان ما انتقلوا من البلقان إلى شمال القوقاز مع بروز فرصة أخرى للقتال من أجل قضيتهم.

من الجدير بالذكر أنه منذ عام 2012، سافر قرابة 220-330 مقاتلا من البوسنة إلى مناطق النزاع في العراق وسوريا. ومن بين ما يقرب من 50 شخصًا عادوا من العراق وسوريا، أدين 12 بتهمة تتعلق بالإرهاب17 .

الشيشان: 1994

في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي، شهدت منطقة القوقاز، مثل البلقان، اضطرابات سياسية نتيجة مطالبة مجموعات قومية بالحكم الذاتي. ومع انتهاء الصراع في البلقان، تصاعد الصراع العرقي والديني بين الشيشان وروسيا. وعقب فشل المحاولات المتكررة للتوصل إلى اتفاق بين روسيا والشيشان، نقلت موسكو قواتها إلى الحدود الشيشانية في أكتوبر عام 1992. ووسط حالة عدم الاستقرار، انتقل الشيخ علي فتحي الشيشاني، وهو أردني-شيشاني وأحد مخضرمي الحرب السوفييتية-الأفغانية، إلى الشيشان في عام 1993، حيث أصبح مسؤولا إلى حد كبير عن تعبئة المقاتلين الأجانب إلى الجمهورية.

وُضِعَت المقاومة الشيشانية التاريخية للروس في إطار الجهاد العالمي18 ، وأعلن مفتي الشيشان أحمد قديروف أن المسلمين جميعًا مسؤولون عن شن حرب مقدسة ضد روسيا، وبدأ القائد الشيشاني، شامل باساييف، العمل مع المقاتلين القادمين من الخارج.

تعامَل القائد العربي الذي قاد القتال في الشيشان والمعروف باسم “خطَّاب”، أثناء عمله في البداية تحت قيادة باساييف، مع الأعراف والتقاليد المحلية باحترام، وهو النهج الذي مَكَّنه- إلى جانب رعاية باساييف- من إرساء المصداقية والقبول بين الشيشانيين المحليين19 . وكان فهم خطَّاب لقوة الإعلام في التوظيف الجهادي مهمًا أيضًا لنجاحه، حيث كان يؤمن بأن وسائل الإعلام أكثر أهمية في العصر الحديث من البنادق والمسدسات. وبالفعل وجَّه بتصوير جميع العمليات وتوزيعها، بل وشارك شخصيًا في هذه التسجيلات؛ مما يجعله أحد رواد وسائل الإعلام والدعاية الجهادية، محاكيًا لدور عزام في أفغانستان.

إجمالا، قاتل قرابة 80 من عرب الشرق الأوسط ضد الروس خلال حرب 1994-1996، إلى جانب بعض الأفارقة والأتراك، وهي المجموعات الثلاث الأساسية المكونة للوحدات الأجنبية التي لا تزال تحارب اليوم20 . وعلى عكس أفغانستان، وبدرجة أقل البوسنة، لم تجذب الشيشان آلاف المتطوعين الأجانب؛ نظرا لصعوبة السفر التي منعت أعدادًا أكبر، بمن فيهم شخصيات مثل بن لادن ونائبه أيمن الظواهري، من الانضمام إلى الصراع. وحين حاول الظواهري السفر إلى الشيشان في عام 1997، أوقفته قوات الأمن الروسية، وسجنته لمدة ستة أشهر في داغستان 21، لكن في عام 2001 دعا إلى تدفق آلاف المسلمين المجاهدين من أنحاء العالم إلى الشيشان. وبفضل الخبرة السابقة في أفغانستان والبوسنة، كان المقاتلين الذين وصلوا إلى الشيشان بين عامي 1994 و1996 عرضة أكثر لخوض تجربة مكثفة في ميدان المعركة مقارنة بالمقاتلين الأجانب في الصراعات السابقة.

شارك أكثر من نصف المقاتلين الأجانب العرب الذين قاتلوا في الشيشان في حروب أفغانستان أو طاجيكستان أو البوسنة22 . واجتذبت الحرب الشيشانية الأولى ما بين 200 و300 مقاتل ظلوا موجودين في الشيشان بعد تراجع الأعمال العدائية23 . وخلال الحرب الشيشانية الثانية، ارتفع عدد المقاتلين الأجانب إلى 700 قبل أن ينخفض ​​بشكل حاد. وقد تحدَّدت أدوار المقاتلين ودوافعهم إلى حد كبير تبعًا لبلدانهم الأصلية: صنع الجزائريون المتفجرات وعمل المغاربة على تسهيل العمليات في حين كان الأتراك والأردنيون قادة ميدانيون وجنود مشاة24 . وعلى الرغم من أن مقاتلي الشرق الأوسط كانوا يشكلون الجزء الأكبر من القوة، إلا أن أعدادًا صغيرة من شمال إفريقيا وتركيا وآسيا الوسطى شاركوا في القتال25 .

أصبح السفر إلى الشيشان أسهل مع دوران رحى الصراع، مما أدى بدوره إلى تبسيط تدفق التمويل من المنظمات الإسلامية والممولين العرب، وتسهيل الانتقال من الشتات الشيشاني الكبير، خاصة في الأردن. وعلى الرغم من أن الحرب الروسية-الشيشانية كانت إلى حد كبير معركة قومية ضد الشيشان، إلا أن الإطار الإسلامي العابر للحدود نما بفضل جهود الشيخ فتحي والأمير خطاب26 . هذا الشعور الجديد بالهوية الدينية بين الشيشانين بعد نهاية الحرب الأولى في الشيشان عام 1996 لعبت لاحقًا دورا في تشكيل الهيكل السياسي للجمهورية المستقلة بحكم الأمر الواقع.

استنتاجات

على نقيض التجربة الأفغانية خلال الثمانينيات- حين دخل العديد من العرب الأفغان في صراع مباشر مع المقاتلين المحليين وكان تأثيرهم العسكري هامشيًا- نجح مجندو تنظيم الدولة في شغل عدد من المناصب العسكرية والمدنية في العراق وسوريا. ومع ذلك، على الرغم من التكيفات والتطورات المستمرة للحركة الجهادية العابرة للقوميات، فإن أوجه التشابه الأساسية ما زالت قائمة، واستعراض تجارب الصراعات في البوسنة والشيشان وأفغانستان والعراق يكشف أنماطًا مشتركة:

1. تبدأ الصراعات التي تجذب أعدادًا كبيرة من المقاتلين الأجانب عموما بأزمة إنسانية أو حرب أهلية يرتكب فيها المعتدي فظائع ضد السكان المسلمين.

2. تجذب الكارثة الإنسانية المتطوعين الذين يرون أن المسلمين المتدينين ملتزمون بالدفاع عن إخوانهم المسلمين ضد غير المسلمين؛ سواء كانوا شيعة أو حكومات غربية أو أنظمة محلية ظالمة.

3. يكافح هؤلاء المقاتلون في البداية لاكتساب المصداقية في ساحة المعركة لكن مع مرور الوقت يكتسبون قبولا حاسمًا بفضل النجاح العسكري والدعم الخارجي والتحالفات مع المنظمات المحلية.

4. بوجود المتطوعين الأجانب، يكتسي الصراع بصبغةٍ عالمية وغالبا ما تُشحذ طبيعته الطائفية. كما يؤثر الاهتمام الدولي على الحقائق التشغيلية على الأرض، وقيم المنظمات التي ينضم إليها الأجانب، ويسهم في نقل الصراع من الساحة الوطنية إلى المستوى العابر للحدود.

ليست إذن ظاهرة المقاتلين الأجانب في العراق وسوريا ما بعد الربيع العربي ظاهرة جديدة؛ فقبل الربيع العربي، سافر حشد متنوع من المقاتلين الأجانب إلى أفغانستان والبوسنة والشيشان، ولم يسهموا فقط في تفاقم تلك الصراعات، بل بنوا أيضًا علاقات وراكموا مهارات سينقلونها إلى الحملات القادمة27 . إلا أن استثنائية السياق والحجم والنطاق الذي تتسم به الحالة الجهادية الراهنة تُنذِر بتحديات أعمق قد يشكلها الجهاديون العائدون من ساحات القتال بخبرات أكبر وشبكة علاقات أكثر اتساعًا وتكتيكات اعترف المراقبون الغربيون باستحالة القضاء عليها. هذا لا يعني أن التاريخ يعيد نفسه، بل أن القادم قد يكون أكثر تعقيدًا وخطورة من الماضي؛ استنادًا إلى الخبرات والتطور الناتج عن التدافع المستمر.

إحصائيات حذرة.. وما خفي أعظم

ترجع التباينات الكبيرة في أعداد المقاتلين الأجانب إلى تعقيد إحصاء وتتبع تدفقهم إلى سوريا والعراق وليبيا وغيرها من المناطق الملتهبة حول العالم؛ فلا تستطيع وكالات الاستخبارات وإنفاذ القانون، والأمم المتحدة، والكيانات الأخرى التي تراقب المقاتلين الأجانب، تقديم معلومات دقيقة حول ما كان يُعتَقد أنه 38500 مقاتل من 120 دولة بحلول الوقت الذي بدأت فيه تدفقات المقاتلين الأجانب في التباطؤ خلال عام 201628 .

تقول الإحصائيات مفتوحة المصدر إن قرابة 20 – 30 في المائة من المقاتلين الأجانب غادروا العراق وسوريا، وتخلُص الدراسات الغربية التي تراقب الحالة الجهادية على مدى سنوات إلى أن قرابة 11 في المائة من المقاتلين الأجانب أصبحوا يشكلون تهديدات أمنية نشطة بعد الهجرة من مناطق القتال خلال الفترة ما بين عامَيْ1990 و2010 29.

في ضوء هذين المعطيين، وإذا عاد المقاتلون المهاجرون إلى العنف بمعدلات تتفق مع الموجات السابقة من الهجرة؛ فقد يكون هناك ما يصل إلى 1100 من المقاتلين المتمرسين الذين يسعون إلى شن مزيد من الهجمات بعدما غادروا العراق وسوريا، على أقل تقدير، وما خفي من إحصائيات هو بالتأكيد أعظم.

جاء غالبية هؤلاء المقاتلين من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، خاصة تونس والسعودية، وينتمي الباقون إلى بقاع أخرى حول العالم، بما في ذلك الجمهوريات السوفييتية السابقة والأميركتين وأستراليا؛ ما يعني أن الحالة الجهادية أصبحت- بفضل الحروب المتلاحقة والعائدين المحتملين- تغطي الكرة الأرضية بأسرها تقريبًا.

بحلول أغسطس 2018، كان إجمالي عدد المقاتلين الأجانب الذين لا يزالون ناشطين في سوريا والعراق يبلغ 30 ألف شخص، ينتمون لدول مختلفة حول العالم، بحسب إحصائيات الأمم المتحدة، أي حوالي خمسة أضعاف ما كان يعتقد سابقًا، وهو ما يتناقض مع المعلومات الاستخباراتية الأمريكية التي وضعت عدد المسلحين تحت سقف 600030 . بالإضافة 53781 شخصًا من 146 دولة سجلت السلطات التركية أسماءهم للاشتباه في محاولتهم الانضمام إلى صفوف تنظيم الدولة في سوريا والعراق.

يوضح الرسم التالي جنسيات الأجانب الذين انضموا إلى تنظيم الدولة (اللون الغامق) والعائدين إلى بلدانهم (اللون الفاتح):

يبلغ عدد المواطنين أو المقيمين الذين عادوا إلى بلادهم من مناطق القتال 5600 على الأقل، ينتمون لـ 33 دولة31 . إذا وُضع في الاعتبار أن الحكومات عادة ما تلتزم الحذر بشأن الإفصاح عن الإحصائيات الدقيقة لمواطنيها الذين ذهبوا إلى ساحات القتال أو العائدين منها، وأضيفت الأعداد التي لا تزال مجهولة لدى السلطات (الذاهبون والعائدون والمتنقلون ذهابا وإيابا)؛ يتضح حجم التحدي الذي تواجهه المؤسسات الأمنية ووكالات إنفاذ القانون حول العالم.

في فبراير 2017، قال الرئيس فلاديمير بوتين إن 10٪ من مقاتلي روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق الذين يقدر عددهم بـ 9000 شخص عادوا إلى بلادهم. وهناك عدد غير معروف من المقاتلين الناطقين بالروسية قد يلجأ كثيرون منهم إلى ملاذات تضم حشدًا من الناطقين بالروسية في اسطنبول وأوكرانيا وأوروبا وحتى مصر32 . وكانت الحكومة التونسية قد عدّلت من عدد التونسيين الذين يُعتَقَد أنهم انضموا إلى تنظيم الدولة، من 6000 في عام 2015 إلى 2920؛ ما يعني أن روسيا هي موطن معظم المقاتلين الأجانب.

تقدر حكومة داغستان عدد مواطنيها العائدين من سوريا أو العراق بـ 108 شخصًا منذ عام 2014، وتضع 86 شخصًا قيد التحقيق الجنائي. وقال المسؤولون الشيشانيون في ديسمبر 2017 إن 93 امرأة وطفل عادوا إلى روسيا من مناطق الصراع، لكن من غير الواضح ما إذا كان هؤلاء مواطنين شيشانيين أو مقيمين في الشيشان. ولا توجد إحصائيات دقيقة لعدد الذكور العائدين، لكنها تتراوح بين 40 – 50، مع ترجيح عودة المزيد عبر تركيا وبلدان جنوب القوقاز .

تقدر السلطات القيرغيزية عدد المواطنين الذين سافروا للانضمام إلى الجماعات المسلحة في سوريا والعراق بنحو 600 شخص، من بينهم نساء وأطفال، قُتل بعضهم هناك. ومثل حكومات آسيا الوسطى الأخرى، خاصة حكومات أوزبكستان وطاجيكستان، تشعر قيرغيزستان بالقلق إزاء الناجين، وأين سيذهبون بمجرد أن يقرروا ترك القتال في الشرق الأوسط. لا توجد إحصائيات دقيقة للعائدين، لكن في أقل من 12 شهرًا شنت السلطات ما لا يقل عن 28 عملية أمنية أسفرت عن اعتقال مشتبه بهم تقول قرغيزستان إنهم على صلة بالجماعات المسلحة في سوريا والعراق. والسجون تضم أكثر من 300 شخص “أدينوا بالتطرف والإرهاب”، والقائمة تتمدد باطراد. كما جاء مواطنون من بلدان غير معروفة في رابطة الدول المستقلة إلى قيرغيزستان لتجنيد أشخاص للذهاب إلى سوريا والعراق، وفقا لجريدة كي جي إن بي القيرغيزية 34.

بحلول يوليو 2017، عاد قرابة 30% من الأوروبيين الذين يقدر عددهم بـ 5000 شخص في سوريا والعراق إلى أوطانهم. وفي بعض الحالات، مثل: الدنمارك والسويد والمملكة المتحدة، كانت نسبة العائدين تقارب النصف35 . وكان نصيب بريطانيا من المسافرين إلى مناطق القتال 800 شخص36 ، عاد منهم 425 بالفعل، وقتل 130 على الأقل، بحسب تقديرات مجموعة صوفان37 .

لكن بالتدقيق في إحصائية وزارة الخارجية البريطانية، نجد أنها تتحدث عن حوالي 850 شخصا “يشكلون خطورة على الأمن القومي” سافروا إلى سوريا والعراق منذ بدء النزاع، ما يشير ربما إلى أن عدد المسافرين أكبر لكن ربما لا تتوافر معلومات حقيقية عنهم تجعلهم يرتقون لمستوى “الخطر”38 ، فضلا عن المجموعة المتنامية التي يبلغ عددها 20 ألف فرد على الأقل شملتهم تحقيقات أجهزة الاستخبارات البريطانية سابقًا حول الإرهاب، بحسب تصريحات رئيس MI5 آندرو باركر.

وفقًا لأجهزة الاستخبارات الفرنسية، يبلغ عدد المواطنين الفرنسيين الذين يقاتلون في العراق وسوريا 690 شخصًا، من بينهم 295 امرأة، و28 قاصرًا دون سن الـ 15. كما وُلِد قرابة 400 طفل لعائلات جهادية فرنسية في العراق وسوريا أو اصطحبهم آباؤهم إلى هذه البلدان، عاد منهم 398 مواطنا فرنسيا حتى شهر سبتمبر 2017، خضعوا جميعًا للتحقيق الرسمي، من بينهم 260 قيد الاحتجاز تمهيدًا للمحاكمة، 138 يخضعون لمتابعة قضائية39 . إلى جانب ذلك، تراقب فرنسا 12000 شخصًا بحثًا عن علامات “تطرف ذات طبيعة إرهابية”40 .

تقدر وكالات الاستخبارات الكندية عدد العائدين من مناطق الصراع حول العالم بـ 60 شخص، من بينهم عدد قليل من سوريا والعراق، وهناك 180-190 شخصًا آخرين لم يعودوا ولا يتوقع أن يخاطروا بترك ملاذاتهم. وإن كان مكتب وزير السلامة العامة في كندا، رالف جودال، ينصح بعدم المبالغة في تقدير أعداد العائدين.

وتشير التقديرات السويدية إلى أن 300 مواطن سويدي سافروا للانضمام إلى الجماعات الجهادية منذ عام 2012، حوالي 80٪ منهم مرتبطون بـ تنظيم الدولة، إلى جانب أقلية معتبرة مرتبطة بـجبهة النصرة، وسافر بعضهم جيئة وذهابا بين منطاق الصراع والسويد41 .

كذلك ارتفع عدد “المقاتلين الجهاديين المدربين” الذين يحاولون العودة إلى الصين بشكل كبير خلال العام الماضي، ما دفع مستشارو الحكومة الصينية إلى التحذير من مغبة هذا الأمر، خاصة في منطقة شينجيانج. ورغم صعوبة تقييم التهديد في ظل غياب إحصائيات دقيقة، إلا أن عدد المشتبه في كونهم من الجهاديين الذين اعتقلوا على الحدود الصينية في عام 2017 كان أكثر من عشرة أضعاف عدد العام السابق، بحسب جي تشيا رئيس المعاهد الصينية للعلاقات الدولية المعاصرة (CICIR )، وهو ما يعكس جدية التهديد المحدق بالصين42 .

وقد أعلنت وزيرة خارجية أستراليا جولي بيشوب أن عدد مواطنيها الذين ذهبوا إلى سوريا والعراق أو عادوا من هناك يبلغ 150 شخصًا، قتل 20 منهم بحسب المدعي العام جورج براندس، بينما يقدر مراسل ABC عدد الأستراليين الذين يقاتلون في الشرق الأوسط بـ 70 شخصًا، عاد منهم 20 إلى ديارهم43 . واشتراك الأستراليين في الصراعات الأجنبية ليس ظاهرة جديدة؛ حيث قاتلوا على جانبي الحرب الأهلية الإسبانية في ثلاثينيات القرن العشرين، وتطوعوا في حرب إسرائيل عام 1948، وبشكل أكثر تناغماً في أفغانستان أثناء الاحتلال السوفيتي في ثمانينيات القرن العشرين.

ومن المغرب، سافر ما يزيد عن 1600 رجل إلى العراق أو سوريا منذ عام 2012 للانضمام إلى تنظيم الدولة، إلى جانب عدد مساوٍ تقريبا من النساء والأطفال، وفقا للأرقام التي جمعتها مجموعة صوفان.

أبرز الدول التي صدّرت مقاتلين إلى سوريا أو العراق:

– روسيا: 3416

– السعودية: 3244

– الأردن: 3000

– تونس: 2926

– فرنسا: 1910

عدد العائدين إلى الدول الأكثر تصديرًا للمقاتلين:

– روسيا: 400

– السعودية: 760

– الأردن: 250

– تونس: 800

– فرنسا: 302

 

التوزيع الجغرافي للمقاتلين الأجانب:

جمهوريات الاتحاد السوفييتي: 8717

جنوب وجنوب شرق آسيا: 1568

الشرق الأوسط: 7054

البلقان: 845

أوروبا الغربية: 5778

أمريكا الشمالية: 444

المغرب: 5356

يفصِّل الجدول السابق أربع إحصائيات موزعة جغرافيًا:

(1) عدد المقاتلين الأجانب الذين سافروا إلى سوريا أو العراق

(2) عدد الموقوفين أو المُرَحَّلين أو الممنوعين من الدخول أو المُدرَجين على قائمة المراقبة في تركيا

(3) عدد الأشخاص الذين لا يزالون يخوضون القتال في مناطق الصراع

(4) عدد العائدين.

التحدي التالي: مَن؟ وإلى أين؟ وماذا بعد؟

رغم أن الإحصائيات التي ترصد أعداد المقاتلين الأجانب الفعليين أو المحتملي توضح حجم المشكلة، إلا أنها لا تساعد في معالجة التحدي التالي: تحديد هوية العائدين، واكتشاف أين ذهبوا بعد مغادرة مناطق الصراع، وتقييم المخاطر التي يشكلونها، وتحديد أفضل السبل للتعامل معهم.

وإن كانت البيانات التي توفرت بعد سقوط المراكز الإدارية التابعة لتنظيم الدولة، مثل الموصل في يوليو 2017 وتلعفر في أغسطس 2017 والرقة في أكتوبر 2017، ساعدت في الكشف عن هويات العديد من المقاتلين الأجانب، وأدت بالفعل إلى تعطيل الخلايات ذات الصلة في بلدان أخرى.

ولأن تنظيم الدولة- مثل القاعدة- يحتفظ بسجلات دقيقة للأعضاء، والأوامر الإدارية وتفاصيل الانتشار، يُبذَل جهد دولي كبير لجمع وتشارك هذه المعلومات، خاصة تفاصيل وجنسية المقاتلين. فبحلول سبتمبر 2017، جمع الإنتربول أسماء حوالي 19 ألف شخص تأكد انضمامهم لتنظيم الدولة، إلى جانب معلومات أكثر تفصيلا عن العائدين، تقع في خمس أقسام، كل منها يوضح مستوى مختلف من المخاطر:

(1) الأشخاص الذين غادروا مبكرًا أو بعد فترة قصيرة فقط ولم يندمجوا بشكل خاص مع تنظيم الدولة

(2) الأشخاص الذين ظلوا لفترة أطول، لكنهم لم يوافقوا على كل ما يقوم به تنظيم الدولة

(3) الأشخاص الذين لم يكن لديهم اعتراض على دورهم أو تكتيكات تنظيم الدولة واستراتيجيته، لكنهم قرروا الانتقال في نهاية المطاف

(4) الأشخاص الذين كانوا ملتزمين تماما بالانتماء لتنظيم الدولة لكن الظروف- مثل خسارة الأراضي أو الاعتقال والترحيل إلى الوطن- أجبرتهم على المغادرة

(5) الأشخاص الذين ابتعثهم تنظيم الدولة إلى الخارج للقتال من أجل “الخلافة” في مكان آخر.

النساء والأطفال

هناك مجموعة فرعية من العائدين يصعب قياسها وتقييمها ومعالجتها مكونة من النساء والأطفال الذين انضموا إلى تنظيم الدولة ثم عادوا إلى ديارهم أو أُسِروا وينتظرون الترحيل. وليس الإحصاء الدقيق نهاية المطاف، بل ثمة حاجة ملحة إلى إجراء المزيد من الأبحاث لتقييم درجة التزامهم بالولاء للتنظيم واهتمامهم بأن يصبحوا أعضاء نشطين بدلا من البقاء في مربع الأنصار السلبيين.

على سبيل المثال، في سبتمبر 2016، قبضت السلطات الفرنسية على ثلاث نساء، إحداهن امرأة تقوم بتجنيد أخريات لصالح تنظيم الدولة، بتهمة زرع سيارة مفخخة قرب كاتدرائية نوتردام في باريس، وكان الهجوم بتوجيه من أعضاء تنظيم الدولة في سوريا44 . وأحبطت السلطات المغربية مجموعة مشابهة من عشر نساء في أكتوبر 201645 . وفي سبتمبر من العام ذاته، تبنى تنظيم الدولة46 هجومًا شنته ثلاث نساء على مركز للشرطة في كينيا47 .

ورصد تقرير أعدته مؤسسة التراث 48 في أغسطس 2017 قفزة ملحوظة في إشراك النساء في الهجمات التي استهدفت أوروبا خلال العامين السابقين: خلال الأشهر الخمسة حتى مايو 2017، شاركت النساء في 23% من المؤامرات التي استهدفت أوروبا، وهي النسبة ذاتها في العام السابق، لكنها زيادة ملحوظة مقارنة بعامي 2014 و 2015 حيث كانت النسبة 13 في المائة وخمسة في المائة على التوالي.

وإذ تنتقد كاتارينا فون نوب تركيز الجمهور العالمي على السياق “الانتحاري” حين يتناولون دور المرأة في الحالة الجهادية، فهي ترى أن دور المؤيد الأيديولوجي والمسهِّل التشغيليّ أكثر أهمية للحفاظ على القدرات التشغيلية والدوافع الأيديولوجية للمنظمة المسلحة، وهي ما تسميها الباحثة “النسخة الأنثوية من الأيديولوجية الجهادية”، لافتة إلى أن هذا الدور ليس حكرًا على تنظيم الدولة بل بدأ قبل ذلك بكثير49 .

غالبًا ما يذكر أتباع الجماعات المسلحة المتنوعة أن استخدام النساء يجب أن يكون الخيار الأخير في حالة “حالات الطوارئ”، بما في ذلك عدم وجود مقاتلين ذكور. لذلك ليس مستغربًا أن يدفع الوضع الحالي لتنظيم الدولة، الذي فقد قوته في أجزاء كثيرة من سوريا والعراق، إلى الدعوة لمشاركة نسوية أكبر في الهجمات العنيفة50 .

أطفال أوروبا الغربية في صفوف تنظيم الدولة

– فرنسا: 460– ألمانيا: 56– السويد: 45
– بلجيكا: 118– المملكة المتحدة: 50– النمسا: 40
– نيوزيلندا: 90

رصد التقرير نسبة مماثلة من المؤامرات التي ضمّت أطفالًا؛ إذ يعتبر تنظيم الدولة أي شخص يتجاوز الـ 15 من العمر بالغًا، لكن الأطفال في عمر التسع سنوات تدربوا أيضًا على استخدام السلاح والقتل.

ما بين عامي 2014 و2016، يُعتَقَد أن تنظيم الدولة جنَّد ودرّب أكثر من ألفَيْ طفل تناهز أعمارهم 9 و15 عاما تحت مسمى “أشبال الخلافة”51 . وفي تقرير بتاريخ أغسطس 2016، نقلت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق ومفوضية حقوق الإنسان عن شاهد عيان أن تنظيم الدولة يدرب أطفالًا أيزيديين وشيشانيين لا تتجاوز أعمارهم 12 سنة على استخدام الأسلحة52 ، وأظهرت المقاطع المصورة التي بثها التنظيم أطفالا لا يبدو أنهم تجاوزوا الخامسة يعدمون سجناء.

وفي بداية عام 2016، رصد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة اختطاف ما بين 800 و900 طفل في الموصل وحدها، وإخضاع أكثر من عشرة للتدريب العسكري وتلقين الصغار عقيدة التنظيم53 .

وفي يونيو 2017، أفاد تقرير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أن تنظيم الدولة جند أكثر من ألف طفل لتدريبهم عسكريًا على مهام من بينها العمليات الانتحارية54 . وبين أبريل 2011 ويوليو 2017، نشرت جماعة بوكو حرام- داعش في غرب إفريقيا- 434 مفجرًا موزعة على 247 هدفًا مختلفًا في 238 هجوما انتحاريًا. كان ما لا يقل عن 56% من هؤلاء المفجرين من النساء، و81 على الأقل من الأطفال أو المراهقين55 .

يُظهِر الجدول التالي عدد النساء والأطفال في تنظيم الدولة:

مصائر متنوعة: عائدون ومهاجرون

تتنوع سياسات التعامل مع المقاتلين الأجانب وعائلاتهم في ظل عدم الاتفاق دوليًا على طريقة موحدة للتعامل مع العائدين، وفيما يلي قائمة بأبرز المصائر التي تنتظرهم:

القتل

تجنُّبًا للصداع؛ اقترح وزير الدولة البريطاني لشؤون التنمية الدولية، روري ستيوارت، قتل أي شخص يغادر بلاده للقتال مع تنظيم الدولة “في كل الحالات تقريبًا”. هذا التصريح لم يكن تغريدًا خارج السرب الرسميّ، بل أعلنت الحكومة أنه يتسق مع الموقف الذي أعلنه وزير الدفاع البريطاني السير مايكل فالون.

ليس من قبيل الصدفة على الأرجح أن يأتي هذا التصريح بُعَيْد إعلان المبعوث الأمريكي الأعلى للتحالف الدولي الذي يقاتل تنظيم الدولة، بريت ماكجورك، في شهر أكتوبر ذاته أن مهمته هي “ضمان مقتل كل مقاتل أجنبي بالتنظيم في سوريا”، وتأكيد الهدف ذاته على لسان وزير الدفاع مايكل فالون قائلا إن أي شخص يختار مغادرة المملكة المتحدة للقتال من أجل الدولة الإسلامية يواجه خطر التعرض للقتل56 .

وكذا كان الموقف الفرنسي الأكثر صراحة قبيل معركة الرقة، حين قالت وزيرة الدفاع الفرنسية، فلورانس بارلي: “ما نريده، هو الوصول إلى نهاية هذه المعركة، وبالتأكيد كلما سقط إرهابيون في هذه المعارك، كان ذلك أفضل بكثير لنا”57 .

هذا ليس مجرد تهديد، بل قدمت القوات الفرنسية الخاصة بالفعل إلى القوات العراقية قائمة اغتيال تضم 30 من “الأهداف عالية القيمة”، حسبما كشفته صحيفة وول ستريت جورنال58 ، ولم ينكره المتحدث باسم حكومة الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون،  بل وأكده الرئيس السابق فرانسوا هولاند. ويقدر الصحفي فينسنت نوزيل- الذي ألف كتابا حول الموضوع- أن القوات الفرنسية قتلت حوالي 40 مواطنا خلال فترة ولاية هولاند التي استمرت خمس سنوات59 .

وبحسب إحصائيات وزارة الخارجية البريطانية قتل  15٪ من البريطانيين البالغ عددهم 850 في سوريا والعراق، فيما لم يعد إلى المملكة المتحدة سوى أقل بقليل من النصف60 . وتفاخر قائد قيادة العمليات الخاصة الأمريكية، الجنرال ريموند توماس، في منتدى أسبن للأمن “قتلنا، حسب التقديرات المتحفظة، من 60 إلى 70 ألفًا”.

لكن ألم يسبق لمثل هذه الإحصائيات أن ضللت الجيش الأمريكي سابقًا في فيتنام؟ كم عدد المقاتلين الذين نجوا؟ أين هم؟ ما هو التهديد الذي يشكلونه؟61

لكن بغض النظر عن الجوانب الأخلاقية المرتبطة بهذا النهج، فإن “الجهادي الميت”62 يثير مشاكل أقل بكثير للسلطات مقارنة بمن تقبض عليهم. فإن نجا الجهادي من القتل في ساحة القتال، فإن الفرصة لا تزال سانحة لقتله في الوطن تحت لافتة “تصفية خلية إرهابية” أو الإعدام بعد التعذيب لانتزاع اعترافات كاذبة حسبما وثقت مجموعة الأزمات الدولية مستشهدة بتجربة الشيشان63 .

المحاكمة

البديل الذي اقترحه إلوود للتعامل مع هذا العدد من المقاتلين هو بلورة موقف دولي متفق عليه لإرسال الجهاديين من أي جنسية إلى محكمة لاهاي؛ ليواجهوا نتيجة أفعالهم “بشفافية ونزاهة”64 .

هذا الرأي يؤيده الصحفي الفرنسي نيكولا هينان، رغم احتجازه ورفاقه لمدة 10 أشهر  في قبضة تنظيم الدولة؛ “لأن الانتقام سيؤدي فقط إلى المزيد من العنف”. قائلا لوكالة أسوشيتد برس: “إن ما أبحث عنه هو العدالة وجوانتانامو هو إنكار للعدالة”، وإن كان هدف هينان الرئيس هو عدم منحهم الفرصة ليصبحوا شهداء65 .

يؤيد هذا الرأي النائب المحافظ في البرلمان البريطاني أندرو روزنديل قائلا: “يجب التعامل مع جميع الأشخاص الذين ذهبوا للانضمام إلى تنظيم الدولة من خلال نظام العدالة الجنائية ما لم يكن هناك سبب وجيه لعدم القيام بذلك”.

لكن هناك المشاكل القانونية المرتبطة بالأسرى في ساحة المعركة في العراق أو سوريا. أي نظام قضائي ينبغي أن يمثل أمامه للمحاكمة؟ وعلى أي جرائم؟ في العراق، على سبيل المثال، يمكن أن يواجه المتهم عقوبة الإعدام، بينما تعارض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي رسميا تطبيق هذه العقوبة. هل ينبغي تسليمهم للمحاكمة في بلدانهم الأصلية- الأمر الذي يتطلب معاهدة لتسليم المجرمين؟ وما هي الأدلة التي ستقدم للمحكمة المحلية ومن سيجمعها؟ للتغلب على هذه المعضلة، ثمة مطالبات بتحديث قوانين الإرهاب لتتيح تقديم المقاتلين الأجانب العائدين من صفوف تنظيم الدولة إلى العدالة في الغرب66 .

علاوة على ذلك، يكافح القضاة والمدعون العامون بالفعل للتعامل مع عبء العمل المتزايد المتعلق بالتطرف في جميع أنحاء أوروبا، وهكذا سيجدون أنفسهم أمام طوفان لا قبل لهم به من القضايا الجديدة.  ويشكو رئيس جهاز المخابرات البريطانية الداخلية MI5 آندرو باركر من أن مؤسسته الأمنية مشغولة بمهام غير مسبوقة (500 عملية لمتابعة 3000 شخص) وسيزيد العائدون من هذه الضغوط67 .

السجن

كثير من الحكومات يُجَرّم السفر للانضمام إلى تنظيم الدولة، لكن جمع الأدلة عادة ما يكون صعبًا، والسجن لا يفعل شيئًا سوى تأجيل المشكلة، وفي الوقت ذاته يهدد بمزيد من التطرف الشخصي أو تطرُّف رفقاء السجن الآخرين.

تنقسم سلطات السجون حول مزايا عزل السجناء الذين أدينوا بالإرهاب عن عامة السجناء:

النهج الأول؛ يخشى أن يؤثر السجين المتطرف على رفقائه بدلا من تخليه هو عن التطرف بتأثيرهم هم عليه. ويعتمد هذا على عدد هائل من المتغيرات لا يمكن القطع في شأنها بسهولة.  في الوقت ذاته، إذا جُمِع المتطرفون معا فمن المرجح أن تتصلب رؤاهم أكثر وتزداد روابطهم قوة.

والنهج الثاني يوصف عادة بأنه محاولة لإعادة التأهيل والاندماج، رغم أن تقرير مجموعة صوفان يلفت- معترضًا ضمنيًا إلى هذا النهج- إلى أن معظم العائدين لم يندمجوا حتى مع النزلاء الآخرين في المقام الأول68 . ويقول أندريه سيبريجتس، وهو محامٍ هولندي يمثل الجهاديين: “لا أعتقد أنني أعرف أي شخص أصبح أقل تشددًا في السجن”69 .

لمَّا أصدر الرئيس دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا يبقي سجن جوانتانامو مفتوحا؛ ثارت تكهنات حول احتمالية إرسال هؤلاء العائدين إلى المعتقل سيء السمعة، رغم أن وزير الدفاع البريطاني توبياس إلوود يعترف بأن هذه التجربة لم تنجح في كبح جماح “التمرد الجهادي العالمي” الذي لا يزال يتمدد حتى اليوم، وتحذير الخبراء بأن هذا المعتقل كان “أداة تجنيد للمجموعات المتطرفة”70 .

تبلغ العقوبة القصوى في بريطانيا على تهمة الانضمام إلى تنظيم الدولة، دون ارتكاب أي جريمة أخرى، السجن لمدة 10 سنوات. لكن أكثر من نصف البريطانيين (51٪) ممن شملهم استطلاع سكاي داتا يعتقدون أن هذه الفترة ليست طويلة بما يكفي، بينما يرى 28٪ أنها عقوبة مناسبة، واعتبر 11٪ أن هذه العقوبة قاسية للغاية، في حين لم يَحِر 9٪ جوابًا71 . وبمجرد إدانتهم، سسيشكل الجهاديون خطرًا أمنيًا جديدًا داخل السجن يتمثل في احتمالية جذب السجناء الآخرين إلى أفكارهم، وهي بالفعل مشكلة في مختلف السجون عبر أوروبا.

العفو

يقترح ماكس هيل، المراجع المستقل المكلف بمراجعة تشريعات قوانين الإرهاب في المملكة المتحدة، إعفاء البريطانيين الذين انضموا لصفوف تنظيم الدولة بـ”سذاجة” من الملاحقة القضائية إذا عادوا إلى البلاد72 . وهذا الرأي يضع في الاعتبار أشخاصًا مثل شاباز سليمان الذي قُبِضَ عليه العام الماضي في سوريا أثناء محاولة الهروب من تنظيم الدولة، ويؤكد إنه أمضى معظم سنواته الثلاث في الأراضي التنظيم وهو يلعب PlayStation ويركب دراجته، واصفا انضمامه إلى المجموعة بأنه “سذاجة”.

غير أن هذا النهج (العفو) متساهل في نظر البعض، لذلك رفضه 70% من المشاركين في استطلاع “سكاي داتا”، في مقابل 21% فقط من المؤيدين، بينما ظل 9% مترددين 73. ويرى جيمس فورسيث من مجلة سبكتاتور أنه من السذاجة- على أقل تقدير- المطالبة بإعفاء السذج من المحاكمة74 . لكن توقيع عقوبات قاسية على العائدين غير المؤذين نسبيا له جانب سلبيّ، إذ يخاطر باستعداء المسلمين الآخرين أو على الأقل دفعهم إلى عدم التعاون مع السلطات، وهو ما يحرم برامج المكافحة من ركيزة أساسية هي الدعم المجتمعي.

وكما كان الحال في الماضي، قد لا تتوقف السلطات عند استهداف العائدين، بل تلاحق أيضًا عائلاتهم أو أصدقائهم أو شركائهم، الأمر الذي قد يؤدي إلى تشديد كراهية النظام بين دائرة أوسع من الناس. يقول هانز بونتي، عمدة فيلفورد، إن علاقات حكومته الوثيقة مع المجتمع الإسلامي تساعد في منع الجهاديين العائدين من الانخراط في أعمال العنف مرة أخرى75 . وبدون هذا الدعم المجتمعي لن يكون بإمكانه القضاء علي التهديد الذي خلقه تنظيم الدولة نظرا لنجاحه على نحو غير مسبوق في هز مفاهيم راسخة مثل الحدود غير القابلة للتغيير والسيادة الوطنية التي يقوم عليها النظام العالمي.

الترحيل

إعادة المسلحين إلى بلادهم ليحاكموا هناك هو المسار المنطقي الذي طرحته نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الأمن الدولي، كاثرين ويلبارجر، التي ترى أن “الهدف الرئيسي هو إبقاء المقاتلين خارج ساحة المعركة وغير قادرين على السفر إلى مدن أخرى”76 . غير أن المسار القانوني شاق، ومعظم الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، لن تكون راغبة في استعادة المعتقلين إلا إذا كانت لديها أدلة لمحاكمتهم، وغالبًا ما يصعب جمعها في مثل هذه المعارك، فضلا عن استبعاد مثول هؤلاء العائدين إلى محاكمات عادلة في أوطانهم. كذلك يرفض كثيرون السماح لهم بالعودة إلى أوطانهم، “ما يجعلهم يفقدون أي أمل في استئناف حياتهم الاعتيادية مرة أخرى، ومن ثم يعزز هذا من حنقهم على المجتمعات التي حرمتهم من هذه الفرصة، وهكذا تستمر عجلة التطرف في الدوران، ويستميتون في إلحاق أكبر قدر ممكن من الأذى بمن تطالهم أيديهم من البشر”77 .

كما أن أكثر البلدان لم تتحسّب لهذه العودة؛ لأنّ لا أحد كان يعتقد بسرعة ربما نهاية الحرب في خلال سنة أو سنتين على أقصى تقدير، وبالتالي لم يكن هناك تخطيط للتعامل مع هذا الملف، ملف العائدين، بحسب الدكتور في علم الاجتماع والمختص في الجماعات الإرهابية، علية العلاني.

التأهيل

يرى ديفيد أوتو ، مستشار مكافحة الإرهاب في شركة جلوبال ريسك، أن برنامج “فك الارتباط > نزع التطرف > إعادة التأهيل > إعادة الدمج” يمكنه أن “يهزم الإرهاب”. ويضيف في مقال نشرته مجلة نيوزويك: “صُمِّمَت هذه البرامج ونفذت بفعالية، ولديها القدرة على إنهاء الإرهاب وتحويل المقاتلين الجهاديين العائدين إلى مصدر معلومات قيِّم قد يؤدي إلى استئصال شأفة تنظيم الدولة نهائيًا”78 . بينما يرد آخرون بالقول: لكن هؤلاء أشخاص “متصلبون ومُرعِبون ومتورطون في كل أنواع الفظائع، كيف يمكن إعادة تأهيلهم؟ بل كيف تمنحهم الدولة سكنًا أو تدفع إيجارهم إذا لزم الأمر- مثلما هو مطروح في بريطانيا- وكأنها تكافئهم على ما فعلوه”79 ؟؛ هكذا يجادل آخرون.

وللحكم على جدوى هذه الطريقة، لعله يكون من المفيد استطلاع رأي أحد خبرائها مثل لورن داوسون؛ أستاذ في علم الاجتماع والدراسات القانونية بجامعة واترلو، وعضو فريق من الباحثين الأكاديميين الذين أجروا مقابلات منتظمة مع عشرات المقاتلين الأجانب في العراق وسوريا عبر وسائل الإعلام الاجتماعية، في محاولة لصياغة صورة لدوافعهم وخلفياتهم، كما أنه على دراية تامة بالبرامج التي طبقتها أوروبا لمنع التطرف بين الشباب في المقام الأول، وهي مقاربات كُيِّفَت للتعامل مع مقاتلي تنظيم الدولة السابقين بعد عودتهم من مناطق النزاع، فضلا عن إلمامه بالدروس التي يمكن تعلمها من التجربتين البريطانية والدنماركية حيث حجم المشكلة أكبر بكثير:

– من المستحيل تقريبًا العثور على أدلة قوية وكافية لمقاضاة العائدين، لذلك فإن ملاحقتهم قضائيًا مضيعة للوقت وله تداعيات سيساية سلبية وهو ما لا ترغب أي حكومة في تجربته.

– هذا يجعل البديل الوحيد هو الجلوس وإجراء محادثة مطولة معهم وإدراجهم في برامج مكافحة التطرف العنيف. لكن يجب أن يكون ذلك تطوعيًا، وإلا فلن ينجح. وسيكون هناك حافز قوي حين يجد العائد نفسه أمام خيارين: إما الملاحقة القانونية التي قد تنتهي بالسجن أو الخضوع للبرنامج.

كيفية عمل البرنامج:

– حشد مجموعة خبراء من خلفيات متنوعة (العمل الاجتماعي والنشاط المجتمعي والأخصائي التربوي والمعالج المهني والزعماء الدينيين وأي شخص يعتقد أنه ذو صلة)، وتزويدهم بكل المعلومات المتاحة عن الشخص.

– إجراء تقييم: ما هو وضع الشخص؟ حسنًا، لن يتمكن من إعادة الاندماج في مجتمعنا لأنه لم ينهي دراسته الثانوية. على الفور، نبدأ في العثور على طريقة لإكمال متطلباته التعليمية. سوف يحتاج إلى بعض الدعم للقيام بذلك.

– تقديم المشورة العائلية، وحل المشاكل الأسرية إذا كانت العلاقات متوترة بين الشخص وعائلته، وإعادة دمجه في المجتمع بهذه الطريقة. في هذه المرحلة، يجب عليهم التواصل مع الشرطة بانتظام. سيكونون خاضعين للمتابعة وليس للمراقبة المكلفة جدا.

– تقول الحكومة الدنماركية إنها تعاملت الآن مع عشرات من هؤلاء الأفراد، وأنه لا توجد حالة واحدة حتى الآن خضعت لهذا البرنامج ثم ذهبت وارتكبت عملا إرهابيا. لكن هذا لا يعني أنه لا يمكن أن يحدث80 .

تقييم جدوى برامج إعادة التأهيل:

بيد أن تقرير مركز صوفان يرى أن مثل هذه البرامج يصعب تصميمها وإدارتها، وغالبية الجهود المبكرة إما تعثرت أو توقفت. حتى المحاولات الأخيرة، مثل تلك التي شهدتها فرنسا في عام 2017، فشلت. هذه البرامج تستهلك موارد هائلة (كبدت فرنسا 100 مليون يورو في ثلاث سنوات81 )، وقد تثير انتقادات نتيجة معاملة الإرهابيين بطريقة أفضل بكثير من المجرمين الآخرين الأقل خطورة، خاصة إذا طبقت خارج السجون82 .

وهناك إشكالية أخرى تتعلق بتقييم تخلي الشخص عن أفكاره “المتطرفة”، خاصة فيما يتعلق بالنساء حيث يرى الغرب أن مجرد تمسك المرأة بنقابها يعتبر دليلا كافيًا على أنها لا تزال تعتنق أفكار داعش83 ، وأنها بالتالي تشكل خطرًا على الأمن القومي في البلد الذي يؤويها.

غير أن مرصد دار الإفتاء المصرية يشدد على ضرورة الاستفادة من “العناصر العائدة والفارة من صفوف “داعش” بهدف تحصين الشباب المسلم في الدول الإسلامية والغربية ضد دعاية التنظيم على شبكات الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، وعرض تلك التجارب أمام الرأي العام، وتحليلها ومعرفة أسباب ودوافع الانضمام وعواقبه التي يجنيها من وقع في شِراك التنظيم؛ وذلك لقطع الطريق أمام كل من تدفعه حماسته وضعف معرفته الدينية للحاق بأحد التنظيمات الإرهابية84 .

مصائر اختياريّة

في تقريرها السنوي لعام 2017 حول الإرهاب، قالت وكالة يوروبول إن عدد المقاتلين العائدين كان من المتوقع أن يرتفع مع انهيار تنظيم الدولة، لكن العدد انخفض بشكل ملحوظ خلال العامين السابقين85 .

معظم الدراسات المتاحة حول فعالية طرق التعامل لا ترتبط مباشرة بالعائدين من صفوف داعش في سوريا والعراق، بل من أفغانستان والشيشان والبوسنة والصومال وغيرها من بقاع العالم الملتهبة، وهي تُظهِر أن:

– الثلث يموت في أرض المعركة.

– الثلث لا يعود أبدًا إلى وطنه، ويفضل العيش في بلد ذي أغلبية مسلمة.

– الثلث يعود إلى الوطن.

الذين لم يعودوا/يُعادوا، قُتِل عدد كبير منهم أو سجنوا في مناطق الصراع، وبقيتهم يختارون من بين ثلاث مسارات رئيسية، بحسب رفعت سيّد أحمد، مؤلف دراسة “الدواعش العائدون أو الخطر القادم الذي لم يستعد له أحد”:

(1) البقاء في صفوف التنظيم أو خلاياه الصغيرة في العراق وفي سوريا أو حتى فلوله التي تحاول البقاء على قيد الحياة حتى حين.

(2) الانتقال إلى مناطق القتال الأخرى كأفغانستان وليبيا، والانضمام إما إلى فروع التنظيم هناك، أو الالتحاق بمجموعات جديدة.

على مدى 17 عاما، أعلن ثلاثة رؤساء أمريكيين متتابعين أمام الرأي العام أن أفغانستان يجب ألا توفر مرة أخرى “ملاذا آمنا” للجماعات الإرهابية التي تسعى إلى إلحاق الأذى بالولايات المتحدة ومصالحها. لكن وزارة الدفاع ومسؤولي الاستخبارات يقولون الآن أن ما حذر منه الرؤساء بالضبط قد يكون على وشك الحدوث. ناهيك عن أن تنظيم القاعدة يشكل تهديدا واضحًا في تلك الأنحاء، كما اعترف أحد كبار الضباط الأمريكيين أمام أعضاء مجلس الشيوخ أوائل مارس 86 2018.

(3) العودة إلى الوطن أو السفر إلى بلدان ثالثة، إما عبر التهريب أو بتغيير البيانات، وهو الخيار المتاح أكثر للجيل الجديد الذين لا توجد قاعدة بيانات تفصيلية عنهم لدى السلطات، ويقدر عددهم بالآلاف.

هل حان الوقت لإجراء محادثات مع تنظيمي القاعدة والدولة؟

هناك مسار آخر، على غرابته لا يخلو من جرأةٍ سياسية وخصوبة خيال، طرحته أستاذة العلوم السياسية في جامعة ستانفورد مارثا كرينشو، وهو: الانخراط في مفاوضات بين القوى الدولية من جهة وتنظيمي القاعدة والدولة من جهة أخرى.

ترى الباحثة أن الهزيمة العسكرية التي مُنِيَ بها تنظيم الدولة في العراق وسوريا لا تعني نهاية التهديد الجهاديّ، وأبرز الأدلة على ذلك تعهد التنظيم بمواصلة الكفاح ودعوته إلى شن هجمات في الغرب.

كما يستفيد تنظيم القاعدة من أي فراغ ينجم عن تراجع تنظيم الدولة، باعتباره المنافس الأبرز في الشرق الأوسط. ومع استمرار معظم المشاكل الأساسية التي أدت إلى صعود المنظمات الجهادية، لا توجد إجابة بسيطة للتعامل مع مثل هذا التهديد المعقد والمتقلب87 ، وهنا يبرز دور الحلول غير التقليدية.

تحديات مركبة

يقول توماس هيجهامر، الباحث المتخصص في التاريخ الجهادي: المقاتلون الأجانب في صفوف تنظيم الدولة يساعدون نوعًا ما في تطرف الصراع وجعله أكثر وحشية. بل ربما يجعلون النزاع أكثر استعصاءً؛ لأن المقاتلين الأجانب عادة ما يكونون أكثر صلابة عقائديًا من المتمردين السوريين التقليديين”88 .

لكن المحلليْن السابقيْن في وكالة الاستخبارات المركزية، فيل مود وأندرو ليبمان، يجادلان بأن “الشباب المنضمين إلى تنظيم الدولة اليوم، بما في ذلك العديد من الآلاف الذين تدفقوا إلى سوريا، ليس لديهم سوى القليل من الفهم أو الالتزام بالأيديولوجية التي ينضمون إليها”.

من أجل ذلك، ركزت الدراسات الغربية الحديثة على محاولة فهم كيفية سفر المقاتلين إلى العراق وسوريا، فسلطت الضوء على ظاهرتين مألوفتين بين المهاجرين، تشبهان ظروف صعود أعضاء تنظيم القاعدة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

العامل الأول المماثل، أن المقاتلين تلقوا مساعدة من شبكة موجودة مسبقا من “النشطاء عبر الوطنيين” أو الأشخاص الذين يسهلون لهم الانتقال أو الأصدقاء الذين سبق وأن قاموا بالرحلة، وهي الروابط التي غالبا ما تفرز تبعية في الانتماء، وربما تغيير الولاء في مرحلة مبكرة أو لاحقة. ولاحظ المتخصص في شؤون الإرهاب دانييل بيمان أنه على الرغم من الأيديولوجية الصارمة، فإن تنظيم الدولة نفسه غالبا ما أخضع  أيديولوجيته لأهدافه الاستراتيجية، كما أن أيديولوجية التنظيم الغامضة جعلتها أكثر مرونة.

أما العامل الثاني المماثل، كما يلاحظ عالم مكافحة الإرهاب توماس هيجهامر، فهو أن حكومات الدول المضيفة غالبًا ما تكون غير راغبة أو غير قادرة على منع المقاتلين الأجانب من السفر في المقام الأول. وحين فرضت بعض الدول قيودًا على السفر إلى العراق وسوريا، استجابة لضغوط الولايات المتحدة وجهودها الدولية مثل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2178، كانت النتيجة أسوأ، حيث شجع قادة تنظيم الدولة أولئك الراغبين على السفر لكنهم غير قادرين على شن هجمات حيثما أمكن89 .

وبالنظر إلى وجود النساء والأطفال، وضرورة التعاون المجتمعي، خاصة المجتمعات المسلمة في الدول الغربية؛ يتضح أن المشكلة الذي يفرضها العائدون مُركّبة:

تهديد أمني: يُنظَر للعائدين على أنهم يشكلون تهديدًا أمنيًا، نظرا للخبرة التي اكتسبوها من تجربتهم القتالية في مناطق النزاع، مما يثير الخوف من أنهم قد ينقلون التهديد الإرهابي إلى دولهم من خلال بث التطرف وجمع الأموال وتسهيل الهجمات.

مشكلة أسرية: مسألة العائدين لا تتعلق فقط بالأفراد، بل بالعائلات التي اصطحبوها معهم إلى مناطق النزاع في العديد من الحالات أو تلك التي أقاموها هناك. الدور الذي تلعبه “زوجات الجهاديين” أصبح أكثر بروزا مؤخرًا. ومن المرجح أن يعود الزوجات والأطفال على المدى القصير، لكن أعدادهم لا تزال غير واضحة. والتعامل مع هذه الشريحة يفرز تحديات صعبة للغاية على عدة مستويات. بدءًا من تحديد الهوية وصولا ربما إلى إعادة هؤلاء الأطفال إلى الدول لديهم ارتباطات بها.

علاوة على ذلك، خضع بعض هؤلاء الأطفال (9 سنوات فما فوق) لتدريب عسكري في مناطق النزاع، مما يثير أسئلة حول التأثيرات المترتبة على عودتهم إلى الوطن، و”التهديد” الذي يمكن أن يشكله ذلك، والاستجابة الاجتماعية/الجنائية المحتملة.

ثالثًا، ترتبط مسألة العائدين بمجموعة واسعة من السياسات المتعلقة بمنع التطرف (لمعالجة الدوافع التي تجعل بعض الأشخاص يسافرون إلى مناطق للانضمام إلى مجموعة مسلحة) وتبادل المعلومات بين الدول المعنية والاستجابة القانونية وفك الارتباط/نزع التطرف وإعادة التأهيل داخل وخارج السجون90 . وقد يكون للتدابير المضادة تأثيرات طويلة المدى على التماسك المجتمعي واندماج الأقليات والحقوق المدنية الأوسع والمخاوف المتعلقة بالحريات حول العالم.

هذه المخاوف يمكن تلخيصها في السؤال التالي: “ما هو الوقت الذي يستغرقه الجهادي العائد حتى يشن هجومه الأول؟”؛ إذ تشير البيانات إلى أن غالبية محاولات الهجوم تحدث في غضون عام واحد ، مع فترة تأخير لا تتعدى أربعة أشهر فقط. ويبدو أن السجن لا يفعل أي شيء لتأخير الهجوم. هذا يجعل المؤسسات الحكومية والمدنية الغربية تركز على تكثيف جهود الأمن وإعادة الدمج خلال الشهور الخمسة الأولى من العودة، مما يقلل احتمالية الهجوم إلى حد كبير91 .

ويتضح التهديد أكثر من نتائج الدراسة التي توصف بأنها الأكثر شمولا للمقاتلين الغربيين العائدين؛ إذ يخلص توماس هيجهامر من مؤسسة الأبحاث الدفاعية النرويجية إلى أن واحد من كل تسعة جهاديين عائدين عادوا مرة أخرى إلى أعمال العنف الداخلي في الغرب، وأن قرابة 46 في المائة من المؤامرات التي شملتها قاعدة بيانات هيجهامر تضمنت واحدا على الأقل من المحاربين القدامى، فضلا عن أن هؤلاء المقاتلين المخضرمين يجعلون الهجمات أكثر فتكًا وفعالية. 29 في المائة من المؤامرات التي شملت أحد قدامى المحاربين أنجزت حتى النهاية، مقارنة بـ 18 في المائة فقط من المؤامرات التي لم يشاركوا فيها. و16 في المائة من الهجمات التي شارك فيها قدامى المحاربين أسفرت عن ضحايا مقارنة بـ 7 في المائة فقط من الهجمات التي لم يشاركوا فيها92 .

لكن أهم تحول سلوكي محتمل- من وجهة نظر الولايات المتحدة- هو لجوء تنظيم الدولة إلى الملاذات الآمنة المتبقية لتشغيل هذا العدد غير المسبوق من المقاتلين الأجانب، الذين بإمكانهم، إلى جانب الأنصار الجدد، تدشين فروع جديدة، أو زيادة حدة المظالم الاجتماعية-الاقتصادية المحلية القائمة، أو تسهيل الهجمات في البلدان التي تضم مصالح استراتيجية للولايات المتحدة.

ومن غير المرجح ألا تتبخر الأسئلة المتعلقة بالهوية وانعدام الثقة واسعة النطاق تجاه المؤسسات الحكومية والسياسة العامة، ومثلها ظاهرة المقاتلين الأجانب والعائدين، سواء انضموا إلى بقايا هذه المجموعة أو الجماعات الأخرى التي تخرج من جلبابها93 .

خاتمة

أصبحت قضية الجهاديين العائدين من ساحات القتال، والاستجابة الدولية للتهديدات المحتملة، شاغلا أمنيًا بارزًا منذ بدء العقد الحالي، وهو ما ظهرت أثاره على كل شيء بدءًا من سياسات اللاجئين الذي يتولى دونالد ترامب كِبرَها وحتى السماح لمقاتلي تنظيم الدولة بمغادرة مناطق النزاع على قيد الحياة، تحت شعار: الجهادي الجيد هو الجهادي الميت.

لكن وضع كل هذه الأعداد تحت عنوان “المقاتلين الأجانب” هو تصنيفٌ يفتقر إلى الدقة؛ لأن بعضهم ليس مقاتلا فعليًا بل ينشط في مجال التمويل أو إنتاج الدعاية أو حتى الإغاثة، وبعضهم سافر لأسباب أقل تعقيدًا، والبعض الآخر- خاصة من النساء والأطفال- وجد نفسه عالقًا على خط النار.

لكن ربما يكون هذا التصنيف غير الدقيق مقصودًا؛ ربما لتبرير الإجراءات المتطرفة التي ترى بعض الدول أنها ضرورية لمواجهة هذا التهديد، سواء في ساحات الصراع بالقتل الفوري أو في الوطن بالتغييب داخل السجون للأبد، أو ربما لتصعيد نوبات القلق الشعبي التي يمكن تحت ستارها تمرير القرارات الاستثنائية وتحويل الانتباه عن فشل السياسات المتبعة.

كما أن التعامل مع جميع العائدين/المُعادين بطريقة واحدة خطأ شائع ومتكرر، وقد يؤدي إلى نتائج عكسية بزيادة مستوى السخط في أوساط الشباب أو استعداء الشريحة الأوسع من المجتمع المسلم، وعلى أقل تقدير يجعل برامج معالجة التطرف عمياء في التشخيص وبالتالي العلاج.

كما يواجه المجتمع الدولي حشدًا من الأسئلة الأخلاقية والقانونية والعملية المتعلقة بالتزاماتها وقدراتها على التعامل مع المقاتلين الأجانب الذين لا يزالون بالخارج أو الذين عادوا بالفعل إلى الوطن. فضلا عن صعوبة تقييم البرامج التي تطبقها هذه الدول حاليًا لمعالجة التطرف؛ مما يؤدي إلى عدم اليقين فيما يتعلق بكفاءة الممارسات القائمة.

ولأن الأمور لا تسير دائمًا كما هو مخطط لها، ثمة سيناريوهات/تحديات معقدة وأخرى غير متوقعة تلوح في الأفق: إمكانية تغيير الولاءات بعد هزيمة التنظيم تجعل التهديد لا نهائيًا – مخاطر احتجاز المقاتلين المخضرمين أو منع المقاتلين المحتملين من السفر – التعامل مع شريحة غير تقليدية مكونة من النساء والأطفال – حمل المجتمعات المسلمة على التعاون مع السلطات في ظل العدوانية التي لا تخلو منها عمليات جمع المعلومات وإنفاذ القانون – ناهيك عن المخاوف المتعلقة بالحريات المدنية الأوسع حول العالم (94 ).


الهامش

1 Lawfare (March 30, 2016) “Remarks by Lisa O. Monaco at the Intelligence Studies Project at the University of Texas-Austin,”.

2 MARIA GALPERIN DONNELLY WITH THOMAS M. SANDERSON AND ZACK FELLMAN, CASE STUDIES IN HISTORY- AFGHANISTAN, BOSNIA, CHECHNYA, Center for Strategic & International Studies.

BY MARIA GALPERIN DONNELLY WITH THOMAS M. SANDERSON A

3 Moore, Cerwyn and Tumelty, Paul (April 11, 2008) “Foreign Fighters and the Case of Chechnya: A Critical Assessment,” Studies in Conflict & Terrorism.

4 Hegghammer, Thomas (Winter 2010) “The Rise of Muslim Foreign Fighters: Islam and the Globalization of Jihad,” International Security 35, no. 3.

5 TAYLOR, ALAN (AUG. 4, 2014) The Soviet War in Afghanistan, 1979 – 1989, The Atlantic.

6 Zarate, Juan (2013) Treasury’s War: The Unleashing of a New Era of Financial Warfare, New York: Public Affairs, 2013), 67–69).

7 Williams, “On the Trail of the ‘Lions of Islam” 219.

8 CNN (1997) “The Balkan Crisis: A Brief History”.

9 Urban, Mark (July 2, 2015) “Bosnia: The Cradle of Modern Jihadism?,” BBC News.

10 Hedges, “Foreign Islamic Fighters in Bosnia Pose a Potential Threat for G.I.’s.”

11 Hedges, Chris (December 3, 1995) “Foreign Islamic Fighters in Bosnia Pose a Potential Threat for G.I.’s,” New York Times.

12 Hegghammer, Thomas (2010)  Jihad in Saudi Arabia, Cambridge: Cambridge University Press; Pargeter, Alison (2008) The New Frontiers of Jihad: Radical Islam in Europe, Philadelphia: University of Pennsylvania Press.

13 Hegghammer, “The Rise of Muslim Foreign Fighters,” 61.

14  International Security, Rise of Muslim Foreign Fighters.

15 State Department (November 21, 1995) Dayton Peace Accords.

16 Urban, “Bosnia: The Cradle of Modern Jihadism?”

17 Counter Extremism Project, Bosnia & Herzegovina: Extremism & Counter-Extremism.

18 W. Schaefer, Robert (2011) The Insurgency in Chechnya and the North Caucasus: From Gazavat to Jihad, Santa Barbara, CA: Praeger Security International, 56.

19 Moore and Tumelty, “Foreign Fighters and the Case of Chechnya,” 416.

20 Tumelty, Paul (January 31, 2006) The Rise and Fall of Foreign Fighters in Chechnya, The Jamestown Foundation.

21 Vidino, Lorenzo, “How Chechnya Became a Breeding Ground for Terror,” Middle East Quarterly 12, no 3 (Summer 2005): 57–66.

22 Batal al Shishani, Murad (August 15, 2005) “Abu Mus’ab Al-Suri and the Third Generation of Salafi-Jihadists,” Terrorism Monitor 3, no. 16.

23 Hegghammer, “The Rise of Muslim Foreign Fighters,” 61.

24 Zaitsev, Vadim (March 21, 2011) “Наемники В Чечне” [Mercenaries in Chechnya], Журнал “Огонёк,”.

25 Moore and Tumelty, “Foreign Fighters and the Case of Chechnya,” 418.

26 Carlotta Gall, The Wrong Enemy (Boston, MA: Houghton Mifflin Harcourt, 2014), xiii.

27 MARIA GALPERIN DONNELLY WITH THOMAS M. SANDERSON AND ZACK FELLMAN, What we learned, Center for Strategic & International Studies.

28 Lawfare (March 30, 2016), “Remarks by Lisa O. Monaco at the Intelligence Studies Project at the University of Texas-Austin”.

29 ZACK FELLMAN WITH THOMAS M. SANDERSON AND MARIA GALPERIN DONNELLY, FOREIGN FIGHTER FALLOUT- THEIR STRATEGIC IMPACT, Center for Strategic & International Studies.

30 McKernan, Bethan (August 18, 2018) Up to 30,000 Isis fighters remain in Iraq and Syria, says UN, The Independent.

31 BBC (Oct. 24, 2017) IS foreign fighters: 5,600 have returned home – report.

32 Oliker, Olga and B. Markusen, Maxwell (Dec. 29, 2017) Russian-Speaking Foreign Fighters in Iraq and Syria, Center for Strategic and International Studies (CSIS).

33 Arutunyan, Anna (Mar. 26, 2018) ISIS Returnees Bring Both Hope and Fear to Chechnya, Crisis Group.

34 Pannier, Bruce (May 25, 2018) Are Central Asia’s Militants Already Coming Home From The Middle East?,  Radio Free Europe/Radio Liberty.

35 France 24 (Nov. 11, 2017) In numbers: French jihadist fighters and their families in Iraq and Syria.

36 The Week (Feb. 12, 2018) Isis dilemma: should 800 UK jihadists return home for trial?

37 Dearden, Lizzie (Oct. 24, 2017) More than 400 British Isis jihadis have already returned to UK, report warns, The Independent.

38 Sky Data poll: Britons back prosecuting returning jihadists (Nov. 2, 2017).

39 France 24 (Nov. 11, 2017) In numbers: French jihadist fighters and their families in Iraq and Syria.

40 Williamson, Lucy (Feb. 28, 2018) How France hopes to help radicals escape jihadist net, BBC.

41 Marklund, Staffan (August 17, 2018) Sweden’s Refusal to Prosecute Returning ISIS and Al Qaeda Foreign Fighters, Global Research.

42 Wu, Wendy (Jan. 8, 2018) Rising tide of jihadists stopped trying to return to China, Chinese advisers say, South China Morning Post.

43 Australian Institute of International Affairs, G’Day Jihad: The Threat Posed by Australians in Syria and Iraq.

44 Chrisafis, Angelique (Sep. 9, 2016) Cell of French women guided by Isis behind failed Notre Dame attack, The Guardian.

45 Reuter (OCTOBER 3, 2016) Morocco says arrests 10 suspected female Islamic State militants.

46 Reuter (SEPTEMBER 15, 2016) Kenyan police find note suggesting Islamic State link to Mombasa attack.

47 CBSNews (September 11, 2016) Three women who attacked police station killed in Kenya.

48 Simcox, Robin (August 1, 2017) European Islamist Plots and Attacks Since 2014—and How the U.S. Can Help Prevent Them, The Heritage Foundation.

49 Von Knop, Katharina (22 Mar 2007) The Female Jihad: Al Qaeda’s Women,

Studies in Conflict & Terrorism Journal.

50 Nisa, Eva and F. Saenong, Faried (June 26, 2018) Female suicide bombers: how terrorist propaganda radicalises Indonesian women, The Conversation.

51 The Economist (June 17, 2017) What to do with Islamic State’s child soldiers.

52 Kvakhadze, Aleksandre (February 26, 2018) Ending Islamic State: Dealing With Women and Children Returnees in the North Caucasus, The Jamestown Foundation.

53 Humanium (November 30, 2016) ISIS and child soldiers : what future for the Islamic State?.

54 The Euro-Mediterranean Human Rights Monitor (Jun 12,2017) Children exploited by all factions in Iraq.

55 BARRETT, RICHARD (OCTOBER 2017) BEYOND THE CALIPHATE: Foreign Fighters and the Threat of Returnees, The Soufan center.

56 بي بي سي عربي (أكتوبر 27، 2017) وزير بريطاني: مسلحو تنظيم الدولة الإسلامية البريطانيون يجب قتلهم.

57 روسيا اليوم (أكتوبر 15، 2017) وزيرة الدفاع الفرنسية: كلما زاد مقتل الإرهابيين في الرقة كان أفضل.

58 El-Ghobashy, Tamer and Abi-Habib, Maria and Faucon, Benoit (May 29, 2017) France’s Special Forces Hunt French Militants Fighting for Islamic State, The Wall Street Journal.

59 The Local (Oct. 18, 2017) Wanted dead, not alive: France’s approach to French jihadists.

60   Sky Data poll: Britons back prosecuting returning jihadists (Nov. 2, 2017).

61 Wright, Robin (October 23, 2017) ISIS Jihadis Have Returned Home by the Thousands, The New Yorker.

62 The Journal (Oct. 21, 2017) ‘If jihadists die, it’s for the best’ – France doesn’t want its citizens who became Isis fighters coming home.

63 Arutunyan, Anna (Mar. 26, 2018) ISIS Returnees Bring Both Hope and Fear to Chechnya, Crisis Group.

64 Hamilton, Fiona and Haynes, Deborah (Feb. 9, 2018) ‘Beatles’ jihadists should be sent to the Hague, says defence minister, The Times.

65 Dearden, Lizzie (February 19, 2018) Former Isis hostage of ‘The Beatles’ doesn’t want them to have ‘satisfaction’ of death penalty, The Independent.

66 Malik, Nikita (Oct. 10, 2018) What Can We Do About Foreign Fighters Returning From Islamic State?, Forbes.

67 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات (أكتوبر 27، 2017) مخاطر محدقة بأمن بريطانيا من الداخل، اكثر من المقاتلين العائدين من سوريا والعراق.

68 BARRETT, RICHARD (OCTOBER 2017) BEYOND THE CALIPHATE: Foreign Fighters and the Threat of Returnees, The Soufan center.

69 The Economist (Dec. 19, 2017) How Belgium copes with returning Islamic State fighters.

70 The Week (Feb. 12, 2017) Isis dilemma: should 800 UK jihadists return home for trial?

71 Sky Data poll: Britons back prosecuting returning jihadists (Nov. 2, 2017).

72 McCann, Kate (Oct. 22, 2017) ‘The only way’ of dealing with British Islamic State fighters is to kill them in almost every case, minister says, The Telegraph.

73 Sky Data poll: Britons back prosecuting returning jihadists (Nov. 2, 2017).

74 Forsyth, James (Nov. 4, 2017) What to do about the returning jihadis, The Spectator.

75 The Economist (Dec. 19, 2017) How Belgium copes with returning Islamic State fighters.

76  Voice of America (Feb. 11, 2018) US Wants Foreign Fighters in Syria to Face Justice at Home.

77 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات (مارس 23، 2018) المقاتلين الأجانب ما بين الاحتواء والحظر فى أوطانهم.

78  OTTO, DAVID (Aug. 12, 2017) KILLING BRITISH ISIS FIGHTERS RETURNING TO THE UK WILL NOT END TERRORISM, IT WILL FUEL IT, Newsweek.

79 Telegraph (Oct. 29, 2017) Extremists and returning jihadists ‘offered council house bribes to reintegrate’.

80 Geddes, John (Nov. 24, 2017) What should Canada do about returning jihadists?, Maclean’s magazine.

81  Williamson, Lucy (Feb. 28, 2018) How France hopes to help radicals escape jihadist net, BBC.

82 BARRETT, RICHARD (OCTOBER 2017) BEYOND THE CALIPHATE: Foreign Fighters and the Threat of Returnees, The Soufan center.

83 Mekhennet, Souad and Warrick, Joby (November 27, 2017) ISIS brides returning home and raising the next generation of jihadist martyrs, National Post.

84 دار الإفتاء المصرية (سبتمبر 8، 2017) مرصد الإفتاء يصدر دراسة جديدة بعنوان “المقاتلون العائدون من داعش .. المعضلة والفرصة البديلة”.

85 European union terrorism situation and trend report (2017).

86 Cooper, Helene (March 12, 2018) U.S. Braces for Return of Terrorist Safe Havens to Afghanistan, The New York Times.

87 CRENSHAW, MARTHA (SEPTEMBER 19, 2018) Time for Peace Talks With ISIS and Al Qaeda?, Foreign Policy.

88 STERNJ.M. BERGERJESSICA  (March 8, 2015) ISIS and the Foreign-Fighter Phenomenon, The Atlantic.

89 ZACK FELLMAN WITH THOMAS M. SANDERSON AND MARIA GALPERIN DONNELLY, FOREIGN FIGHTER FALLOUT- THEIR STRATEGIC IMPACT, Center for Strategic & International Studies.

90 Scherrer, Amandine (May 2018) Study: The return of foreign fighters to EU soil- Ex-post evaluation, EPRS | European Parliamentary Research Service.

91 Malet, David & Hayes, Rachel (Jul 27, 2018) Foreign Fighter Returnees: An Indefinite Threat?,

Terrorism and Political Violence Journal.

92  Australian Institute of International Affairs, G’Day Jihad: The Threat Posed by Australians in Syria and Iraq.

93 BARRETT, RICHARD (OCTOBER 2017) BEYOND THE CALIPHATE: Foreign Fighters and the Threat of Returnees, The Soufan center.

94 الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

الجهاديون العائدون: الجذور والواقع والمستقبل
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *