fbpx
اوروبا وامريكاترجمات

توجهات إدارة بايدن: السياسة الخارجية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقدمة

هذه السلسلة تضم مقالات رأي وتحليلات كان بعض أعضاء فريق الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن قد قاموا بنشرها على منصات صحفية أمريكية بارزة على فترات متفاوتة وحول قضايا متعددة. وقد قام المعهد المصري بترجمة هذه المقالات والتحليلات بشكل حصري، لإتاحتها للباحثين والسياسيين الذين يرغبون في التعرف على ملامح توجهات وطريقة تفكير أعضاء فريق إدارة الرئيس الأمريكي الجديد من خلال بعض ما كتبوه في فترات سابقة. حيث نتناول اليوم مقالاً نشره ويليام بيرنز عام 2020 عن السياسة الخارجية الأمريكية.

من هو ويليام بيرنز؟

ويليام بيرنز هو دبلوماسي مخضرم عمل رئيساً لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، وهي أقدم مؤسسة فكرية للشؤون الدولية في الولايات المتحدة. تقاعد السفير بيرنز من السلك الدبلوماسي الأمريكي في عام 2014 بعد مسيرة دبلوماسية دامت 33 عاماً. وهو حاصل على أعلى رتبة في السلك الدبلوماسي، سفير محترف، وثاني دبلوماسي محترف في التاريخ يشغل منصب نائب وزير الخارجية. السفير بيرنز مؤلف الكتاب الأكثر مبيعاً، القناة الخلفية: مذكرات الدبلوماسية الأمريكية وحالة تجديدها (راندوم هاوس، 2019). حيث حصل الكتاب على جائزة دوغلاس ديلون للكتاب من الأكاديمية الأمريكية للدبلوماسية. يتحدث السفير بيرنز الروسية والعربية والفرنسية. وتلقى بيرنز أعلى ثلاث جوائز للتميز في الخدمة ونال أعلى الأوسمة التي تمنحها وزارة الدفاع، البنتاغون، وأجهزة الاستخبارات الأمريكية للمدنيين. كما حصل أيضاً على ثلاث جوائز للخدمة الرئاسية المتميزة وعدد من جوائز وزارة الخارجية.. ومن هنا جاء مقال اليوم عن السياسة الخارجية الأمريكية.

ففي 14 يوليو 2020 كتب ويليام بيرنز مقالاً بعنوان “الولايات المتحدة تحتاج إلى سياسة خارجية جديدة: حان الوقت لتجاوز الجدل بين الخفض والاستعادة، وتخيل إعادة ابتكار دور للولايات المتحدة في العالم يكون أكثر عمقاً” يعرض فيه إمكانية إعادة ابتكار دور للولايات المتحدة في العالم يكون أكثر عمقاً من خلال سياستها الخارجية. وناقش احتمالين في ضوء تغير الجغرافيا السياسية الدولية بعد جائحة كورونا. الاحتمال الأول أن العالم يشهد اللحظات الأخيرة من التفوق الأمريكي، وهو ما يعادل “لحظة السويس” بالنسبة لبريطانيا عام 1956 (العدوان الثلاثي على مصر). أما الاحتمال الثاني فهو أن الولايات المتحدة، المحرك الرئيس للنظام الدولي ما بعد الحرب الباردة، قد أصابها العجْز بشكل مؤقت بسبب وجود دونالد ترامب في سدة الحكم؛ وأنه مع تغيير القيادة ستستعيد أمريكا مكانتها بسرعة.

وقد جاء اختيار وليام بيرنز، مديراً لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية في إدارة الرئيس بايدن، ليفتح المجال أمام إمكانية تطبيق توجهاته فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الجديدة للولايات المتحدة، ومن هنا تأتي أهمية ترجمة هذا المقال للوقوف على توجهات إدارة بايدن، فيما يتعلق بهذه السياسة.

وفيما يلي ترجمة نص المقال:

من المُغري استخلاص استنتاجات عامة حول الشكل الذي ستبدو عليه الجغرافيا السياسية في العالم بعد جائحة كورونا. وبينما يجادل البعض بأننا نشهد اللحظات الأخيرة من التفوق الأمريكي، وهو ما يعادل “لحظة السويس” بالنسبة لبريطانيا في عام 1956 (العدوان الثلاثي على مصر)؛ يجادل آخرون بأن أمريكا، المحرك الرئيسي للنظام الدولي ما بعد الحرب الباردة، أصبحت عاجزة بشكل مؤقت، في ظل وجود رئيس مخمور (ترامب) على عجلة القيادة؛ وبالتالي فغداً يستطيع قائد أكثر رصانة استعادة القيادة الأمريكية على وجه السرعة.

فهناك الكثير الذي لا نعرفه حتى الآن عن فيروس كورونا، أو عن الكيفية التي سيعيد بها تشكيل المشهد الدولي. ولكن مع ذلك، فما نعرفه هو أننا انجرفنا إلى واحدة من تلك الفترات الانتقالية النادرة، في الوقت الذي تبقى فيه “الهيمنة الأمريكية” في مرآة الرؤية الخلفية، بينما يلوح في الأفق بشكل خافت نظام أكثر فوضوية. تشبه هذه اللحظة – في هشاشتها وديناميتها الجيوسياسية والتكنولوجية – حقبة ما قبل الحرب العالمية الأولى، والتي أدت إلى نشوب اثنين من التشنجات العسكرية العالمية قبل أن تلحق إدارة الحكم أخيراً بحجم التحديات التي تواجهها. وحتى تدخل الولايات المتحدة في هذا التحول المعقد اليوم، ستحتاج إلى تجاوز الجدل بين تقليص النفقات والاستعادة، وتخيل إعادة ابتكار دور للولايات المتحدة في العالم يكون أكثر عمقاً.

يحيط بنا من كل جانب الحطام الذي لا زالت تخلّفه الجائحة – حيث مات أكثر من نصف مليون شخص حول العالم، وتضاعف عدد الجياع في العالم، ويدخل العالم في أشد أزمة اقتصادية منذ الكساد العظيم. ولكن حتى قبل ظهور فيروس كورونا بوقت طويل، كان النظام الدولي الليبرالي الذي أسّسته وتقوده الولايات المتحدة، أقل ليبرالية وأقل تنظيماً وأقل اتساقاً مع القيم الأميركية. وقد أدت الجائحة إلى تسريع هذا الاتجاه ومفاقمة الظروف التي كانت بالفعل موجودة من قبل.

ومع ترنح الولايات المتحدة وحلفائها وتشتت انتباههم وانقسامهم بسبب جائحة كورونا، تصاعد طموح الصين في أن تصبح اللاعب المهيمن في آسيا، مع رغبتها كذلك في إعادة تشكيل المؤسسات والقواعد الدولية لتناسب قوتها وتفضيلاتها. لقد أدى الوباء أيضاً إلى تضخيم مخاوف القيادة الصينية، مما زاد من مخاوفها بشأن الركود الاقتصادي والاستياء الاجتماعي لدى الشعب. والنتيجة التي ترتبت على ذلك كانت مزيداً من القمع محلياً مع مؤشرات أكثر إثارة للقلق من دبلوماسية “المحارب الذئب”، (دبلوماسية عدوانية يُتهم الدبلوماسيون الصينيون بتبنيه في القرن الحادي والعشرين، تحت إدارة الزعيم الصيني شي جين بينغ).

ومع تناغمه الدائم مع ضعف الآخرين، فإن فلاديمير بوتين يتجاهل ضعف روسيا. لقد أدى انهيار سوق النفط وسوء إدارة بوتين لجائحة كورونا إلى جعل الاقتصاد الروسي أحادي البعد وجعل النظام السياسي الراكد أكثر هشاشة. ولكن لا يزال بوتين، الذي يمثل مصارعاً قوياً، يرى الكثير من الفرص لتعطيل وإرباك الدول المنافسة، وهو نوع من التكتيكات التي يمكن أن تساعد قوة روسيا الآفلة على الحفاظ على مكانتها. ومع ذلك، فإن هامش الخطأ المتاح له آخذ في التقلص.

أما أوروبا فهي عالقة بين الصين الحازمة، وروسيا المتراجعة، وأمريكا الشاردة غريبة الأطوار (تحت إدارة ترامب)، في طل الانهيارات السياسية الخاصة بها – ولا شيء أكثر إرباكاً من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ويزداد الانجراف في التحالف عبر المحيط الأطلسي سوءاً، في الوقت الذي تنتظر فيه الولايات المتحدة من أوروبا فعلاً أكثر من القول، وتخشى فيه أوروبا أن تصبح مجرد المرعى الذي تدهسه القوة العظمى بأقدامها.

كما أدت جائحة كوفيد-19 إلى تفاقم الفوضى والاختلال الوظيفي في الشرق الأوسط. فالمتشددون في كل من طهران وواشنطن يقفون على أعتاب تصعيد خطير للاشتباك. وتدور الحروب بالوكالة في كل من اليمن وليبيا. ولا تزال سوريا تُشكل ركاماً دموياً، ويهدد ضم إسرائيل الوشيك للضفة الغربية بدفن حل الدولتين.

ومع وصول موجة جائحة كورونا إلى ذروتها في البلدان النامية، فإن أكثر مجتمعات العالم هشاشة ستصبح أكثر عرضة للخطر. وبينما تواجه أمريكا اللاتينية الآن أكبر تدهور اقتصادي في تاريخ المنطقة، تواجه إفريقيا، بمدنها المتنامية، والانعدام المروع للأمن الغذائي والمائي والصحي، مخاطر أكبر من أي جزء آخر في العالم.

كل هذه التحديات وحالات عدم اليقين تزداد تعقيداً بسبب الاضطرابات التكنولوجية المستمرة والمنافسة الإيديولوجية والاقتصادية.

لقد فاقت وتيرة التغيير قدرة القادة الفاشلين المنغلقين على الداخل في تشكيل قواعد الطريق. حيث تنتشر المعلومات الكاذبة بنفس الوتيرة التي تنتشر بها الحقيقة؛ وتنتقل الأمراض المعدية بمعدل أسرع من العلاج. ويستخدم القادة المستبدون الآن نفس التقنيات التي كانت تتيح الكثير من الإمكانات البشرية – يستخدمونها من أجل حبس مواطنيهم ومراقبتهم وقمعهم.

ومع الانتصارات السابقة للعولمة على مدى طويل، تكافح المجتمعات الآن في ظل اتساع نطاق عدم المساواة والدوافع التجارية. وظلت الديمقراطية في حالة تراجع لأكثر من عقد من الزمان، وتآكَل التوافق بين المواطنين والحكومات بشكل كبير. وبدأت المؤسسات الدولية بالفعل في الانهيار – فهي مشلولة بسبب البيروقراطية المفرطة، والاستثمار القليل للغاية، والتنافس الشديد بين القوى الكبرى. ويلوح في الأفق فوق كل ذلك الخطر المحدق للتغير المناخي، حيث يختنق كوكبنا تدريجياً نتيجة انبعاثات الكربون.

وتصرخ هذه اللحظة للقيادة من أجل المساعدة في تكريس الشعور بالنظام في العالم – فهناك حاجة إلى قائد ينظِّم الأمور ويساعد العالم في تجاوز هذه الفوضى المعقدة من التحديات، وتحقيق الاستقرار في المنافسة الجيوسياسية، وضمان بعض الحماية ولو بشكل متواضع للسلع الضرورية على الأقل على مستوى العالم.

لكننا نعيش الآن في أسوأ تقاطع بين الإنسان واللحظة في التاريخ الأمريكي. فشعار “أمريكا أولاً” يعني حقاً “ترامب أولاً”، “أمريكا وحدها”، و”الأميركيون بمفردهم”.

إن مستقبل الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الجائحة ليس محدداً. ما زال عندنا انتخابات، ولا يزال يتعين علينا اتخاذ بعض الخيارات المصيرية. إن الوضع الآن أكثر تعقيداً من ذلك التي واجهناه في نهاية الحرب الباردة، عندما أدى شعورنا بالتفوق الأمريكي الذي لا يُنازع إلى التهوين من شأن أخطائنا والاستمرار في أوهامنا. لكن خيارات اليوم أكثر أهمية مما كانت عليه قبل 30 عاماً.

حيث يجب على الولايات المتحدة أن تختار من بين ثلاثة مناهج استراتيجية واسعة: تقليص النفقات والتراجع، واستعادة المكانة، وإعادة ابتكار دور جديد بين هذا وذاك. وكل واحدة من هذه الثلاثة تطمح إلى تحقيق مصالحنا وحماية قيمنا؛ ولكنها تختلف في تقييم أولويات أمريكيا ونفوذها والتهديدات التي تواجهها. قد يكون من السهل رسم صورة كاريكاتورية لكل من هذه الاستراتيجيات – ولكن الحقيقة أن كلاً منها يستحق منا نظرة صادقة.

خفض النفقات

ليس من الصعب بمكان إقناع العديد من الأمريكيين – الذين يكافحون من أجل مواجهة التكاليف الإنسانية والاقتصادية لجائحة كورونا، والذين يتألمون من الجروح المفتوحة جرّاء انقساماتنا العرقية، ويتشككون في قوة الفكرة الأمريكية أو موعودها – بالتوقف عن كل أدوارنا الوطنية والانكماش في الداخل. كما أنه ليس من الصعب جعل الأمر يبدو وكأن التوافق بين الحزبين في السياسة الخارجية هو ما شوّه “لحظة الأحادية القطبية” للولايات المتحدة ما بعد الحرب الباردة – تاركاً الولايات المتحدة مستغرقة في الخارج وغير مستثمرة في الداخل.

ويجادل مؤيدو التراجع وتقليص النفقات بأنه على مدى فترة طويلة جداً، كان الأصدقاء والأعداء على حد سواء سعداء بقيام الولايات المتحدة بضمان الأمن العالمي بينما كانوا هم يجنون الفوائد. فبإمكان أوروبا أن تنفق أقل على الدفاع وأكثر على شبكات الأمان الاجتماعي. ويمكن للصين التركيز على التحديث الاقتصادي، بينما تحافظ أمريكا على السلام في العالم.

قد تكون الولايات المتحدة هي الأولى بين دول غير متكافئة القوة في الوقت الحالي، لكن القول بأن قادة أمريكا يمكنهم إحياء حقبة الهيمنة الأمريكية التي لا ينازعها فيها أحد، أو منع صعود الصين، أو أن علاقاتنا الدبلوماسية وأدواتنا ستعيد الأمور إلى مرحلة ما قبل ترامب أو إلى مرحلة ما قبل جائحة كورونا، هي مجرد سراب.

ويتم تشويه خفض النفقات بسهولة من خلال تصويره على أن الأمر ليس إلا نوع من الانعزالية المعادية للمهاجرين أو حالة من التراجع المرضي. وغالباً ما يتم تصويره على أنه دعوة بانونية (نسبة إلى ستيفن بانون) للتخلص من الشعور بالمصلحة الذاتية المستنيرة، والانكفاء في نهاية الأمر على “الذات” فقط دون مبالاة بالمصلحة. ولكن جوهر القضية أقل تطرفاً من ذلك بكثير. فالأمر يتعلق بتضييق مفهومنا للمصالح الحيوية، وتقليل الانتشار العسكري العالمي بشكل حاد، والتخلص من التحالفات التي عفا عليها الزمن، وكبح حماسنا التبشيري لبناء الديمقراطية في الخارج. ويعني التخفيض نبذنا المتغطرس للقومية والسيادة، وفهم أن القوى الأخرى ستستمر في السعي وراء مجالات النفوذ والدفاع عنها. وهذا يعني الاعتراف بأن الولايات المتحدة يمكنها إدارة التهديدات والخصوم بشكل أكثر فاعلية مما يمكنها من هزيمتهم.

ويكمن الخطر الرئيسي بخصوص تقليص النفقات في المبالغة فيه أو في تنفيذه بسرعة كبيرة. إن أي محاولة لفصل الولايات المتحدة عن العالم سينتج عنها جوانب سلبية معقدة. ومحاولة الرئيس باراك أوباما تغيير شروط الانخراط الأمريكي في الشرق الأوسط يقدم إشارة هامة للحذر بهذا الخصوص. حيث وقفت سياسته الطويلة المدروسة قبالة سياسات قصيرة غير متزامنة في المنطقة، مما تسبب في اضطرابات كبيرة وأثار الشكوك حول القوة الأمريكية.

وهناك أسئلة هيكلية أكبر من ذلك أيضاً. فحتى لو قبلت الولايات المتحدة بتراجعها النسبي وقلصت طموحاتها الخارجية، فأين الحليف الصاعد الذي يمكن لأمريكا أن تسلمه الراية، كما فعل البريطانيون مع الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية؟ وعلى الرغم من صلابة بعض تحالفاتنا، ما مدى ثقة القادة الأمريكيين في قدرتهم على تشكيل مصيرنا بشكل أفضل بدونهم؟ ألا يوجد هناك خطر من أن تصبح الولايات المتحدة جزيرة قوة في عالم غير مرحب بالجزر – في ظل هيمنة الصين تدريجياً على مساحة اليابسة لأوراسيا، وحقيقة أن روسيا شريك ضعيف، وأن أوروبا مجرد ملحق منعزل؟

وهل ستظل أمريكا التي تتراجع في أدوات القوة الخشنة قادرة على لعب الدور التنظيمي في قضايا مثل تغير المناخ، وعدم انتشار الأسلحة النووية، والتجارة العالمية، والتي لا يمكن لأي دولة أخرى أن تلعبها الآن؟

استعادة المكانة

يمكن إثبات أن التردد والارتياب الأمريكي، وليس الغطرسة، هو الخطيئة الأصلية. فبكل بساطة، حققت قيادة الولايات المتحدة للعالم حقبة من السلام والازدهار غير المسبوقين. وعندما نتخلى عن هذه القيادة يكون ذلك على حسابنا. يؤيد من يدْعون إلى التراجع وخفض النفقات وجهة نظر الدبلوماسي جورج كينان القائلة بأنه كلما أسرعت الولايات المتحدة في التخلص من الإيثار الأبوي وأصبحت مجرد دولة كبيرة أخرى، كان ذلك أفضل حالاً. بينما يعتقد أنصار استعادة أمريكا لمكانتها أن إجبار أمريكا على القيام بمثل هذا الدور، في عالم يسير على غير هدى، سيكون خطأ فادحاً.

ويجادلون بأنه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، فشلت الولايات المتحدة في الاستفادة الكاملة من أسبقيتها. وساعد القادة الأمريكيون بسذاجة في صعود منافسينا في المستقبل، معتقدين أنهم سيكونون راضين عن مقعد على طاولتنا، بدلاً من إزاحتنا عن رأسها. أبطأت الولايات المتحدة في توسيع حلف الناتو لتهدئة المخاوف الروسية، لترى روسيا بعد ذلك أكثر انتقاماً من أي وقت مضى وهي تقف على قدميها؛ ورحبت بالصين في منظمة التجارة العالمية باعتبارها “صاحب مصلحة مسؤول”، لكنها فشلت في مساءلتها عندما استمرت في تصرفها بطريقة غير مسؤولة وكسرها للقواعد، مما أدى إلى قصم ظهر الطبقة الوسطى الأمريكية.

ويجادل أنصار الاستعادة أن أمريكا لا تعاني بشكل أكبر عندما تفعل الكثير، ولكنها تعاني عندما تحاول فعل القليل. وهم يعتقدون أن قادة الولايات المتحدة كانوا يخشون من الانزلاق غير المؤكَّد عند التدخل في الخارج أكثر بكثير من خشيتهم من موجات مؤكَّدة من المأساة الإنسانية التي يمكن أن تتدفق في غياب الفعل الأمريكي. إنهم يرون “القيادة من الخلف” على أنها تناقض لفظي ويعتقدون أن الولايات المتحدة فشلت في تقدير مدى اعتماد الديمقراطيات الناشئة على أمريكا، وكيف يمكن للحكام السلطويين تحدي النموذج الديمقراطي.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قد لا تتمتع الآن بهيمنة لا تُنازع، إلا أن تباينات القوة لا تزال تميل بشكل كبير لصالحنا. وعلى الرغم من جراحنا الذاتية، فلا يزال لدينا أقوى جيش في العالم، وأكثر اقتصاد نفوذاً، ونظام تحالف أكثر توسعاً، وأقوى قوة ناعمة في العالم.

يشعر أنصار الاستعادة بالقلق من خطر ردة الفعل المبالغ فيها على التراجع النسبي الأمريكي. فالصراع مع الصين ليس حرباً باردة أخرى يجب تجنبها، لكن الصراع مع الصين يكون من أجل القتال بثقة والفوز به. يجب أن ترفض الولايات المتحدة أي عودة إلى عالم من مناطق نفوذ مغلقة – وأن تكون متيقظة لصعود الاستبداد التكنولوجي، وأن تقاوم ذلك بشدة من خلال تحالف جديد من الديمقراطيات. وعلى الرغم من أننا قد نحتاج إلى إعادة التوازن إلى أدوات سياستنا الخارجية وتجنب تجاوزات حقبة ما بعد 11 سبتمبر، إلا أن مخاطر خفض ميزانياتنا الدفاعية ووضعنا العسكري العالمي تفوق المنافع من وراء ذلك.

ويرى نقاد هذا التوجه أن اسكتش “مزيد من الأجراس” الذي يعرضه برنامج “ليلة السبت على الهواء” يجسد وجهة نظر أنصار الاستعادة – وفي حقيقة الأمر ليس هذ هو التحليل القياسي للسياسة الخارجية. ولإعادة صياغة الكلمات الخالدة للمنتج بروس ديكنسون، فإن: العالم يعاني من الحمى، والوصفة الوحيدة هي المزيد من القيادة الأمريكية، على الرغم من تنافرنا وانغلاقنا على أنفسنا في بعض الأحيان، وعلى الرغم من أنه قد يكون تصرفنا بغرور قد أنهك شركاءنا.

ومع ذلك، فإن هذا العلاج الموعود يترك العديد من الأسئلة دون إجابة. هل لدى الشعب الأمريكي الجرأة والموارد في الوقت الحالي من أجل خوض صراع كوني مع الاستبداد أو المنافسة غير المحدودة مع الصين؟ وهل الأهداف المتطرفة التي يتم طرحها أحياناً في هذا النقاش ضرورية أو قابلة للتحقيق؟ وما مدى استعداد حلفائنا ومدى استطاعتهم الانضمام إلينا في القضايا المشتركة؟ هل سيسرّع الموقف الدولي الأكثر حزما أو سيؤخّر إعادة تجديد الطبقة الوسطى الأمريكية؟ هل التحفظ وضبط النفس دعوة إلى الفوضى أم أفضل دفاع ضدها؟

إعادة الابتكار

هناك دور بديل يتوسط بين التراجع والاستعادة (أي إعادة ابتكار دور جديد للقيام به).

نحن نعيش في واقع جديد: لم يعد بإمكان أمريكا أن تُملي الأحداث كما كنا نعتقد أحياناً أننا قادرون ذلك. لقد ألحقت إدارة ترامب أضراراً بالغة بالقيم والصورة والنفوذ الأمريكي أكثر من أي ضرر آخر رأيته في حياتي. فأمتنا منقسمة بسبب التوترات السياسية والعرقية والاقتصادية أكثر مما كانت عليه منذ أجيال. ولكن على الرغم من ذلك، وبافتراض أننا لا نستمر في تعميق الهوة على أنفسنا في الداخل والخارج، فإننا لا نزال في وضع أفضل من أي قوة كبرى أخرى في حشد التحالفات واجتياز المنحدرات الجيوسياسية للقرن الحادي والعشرين.

فلا يمكننا تحمل مجرد محاولة تجميل متواضعة لاستراتيجية ضرورية لاستعادة المكانة، أو بدلاً من ذلك، تبني بريق خطابي أكثر جرأة للترويج لتقليص النفقات والتراجع. بل يجب علينا إعادة ابتكار هدف وممارسة القوة الأمريكية تبعاً لذلك، وإيجاد توازن بين طموحنا وحدودنا.

أولاً وقبل كل شيء، يجب أن تدعم السياسة الخارجية الأمريكية التجديد داخلياً. حيث يجب أن تبدأ السياسة الخارجية الذكية من الداخل، من خلال ديمقراطية ومجتمع واقتصاد قوي. ولكن يجب أن يؤدي ذلك أيضاً – إلى وظائف أكثر وأفضل، وأمن أكبر، وبيئة أفضل، ومجتمع أكثر شمولية وعدالة ومرونة.

يجب أن تكون رفاهية الطبقة الوسطى الأمريكية هي المحرك الذي يقود سياستنا الخارجية. لقد تأخرنا كثيراً في إجراء تصحيح تاريخي للمسار في الداخل. نحن بحاجة إلى الضغط من أجل نمو اقتصادي أكثر شمولاً – نمو يضيّق الفجوات في الدخل والصحة. ويجب أن تُعزز أفعالنا في الخارج هذا الهدف، لا أن تعرقله. ومن الضروري إعطاء الأولوية لاحتياجات العمال الأمريكيين على أرباح الشركات الأمريكية. يجب على القادة القيام بعمل أفضل مما يحدث بكثير لضمان أن تعكس صفقات التجارة والاستثمار تلك الضرورات.

لكن هذا لا يعني إدارة ظهورنا للتجارة أو التكامل الاقتصادي العالمي. ستتطلب سلاسل التوريد في بعض القطاعات التي لها تأثير على الأمن القومي التنويع والتكرار لجعلها أكثر ثباتاً، ولكن يجب على صانعي السياسات ألا يعطلوا سلاسل التوريد العالمية التي تفيد المستهلكين الأمريكيين وتغذي الأسواق الناشئة. قد يضم النهج الاقتصادي المحسَّن عناصر من السياسة الصناعية، مع تركيز المزيد من الدعم الحكومي على العلوم والتكنولوجيا والتعليم والبحث. ويجب استكمال ذلك بإصلاح نظام الهجرة المتصدع.

تتضمن الأولوية الرئيسية الثانية لسياسة خارجية تم إعادة ابتكارها تحديات عالمية كبرى – تغير المناخ، وانعدام الأمن الصحي العالمي، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، والثورة التكنولوجية. كل هذه المشاكل تؤثر بشكل مباشر على صحة وأمن وازدهار الأمريكيين. ولا يمكن للولايات المتحدة أن تحل أياً منها بمفردها. كل هذا يتطلب تعاونا دوليا، على الرغم من احتدام التنافس الاستراتيجي في العالم.

ويتطلب ذلك أيضاً تعددية جديدة – مجموعة من التحالفات مع الدول ذات التفكير المتماثل، والتي لا تزال الولايات المتحدة في وضع أفضل من أي دولة أخرى لحشدها؛ نهجاً صارماً لإصلاح المؤسسات الدولية؛ والدبلوماسية النشطة. ومثلما ساعدت قواعدنا العسكرية الأمامية في التعامل مع التهديدات الأمنية خلال الحرب الباردة، فإنه يمكن للدبلوماسية الوقائية أن تساعد في حماية مجتمعنا من الصدمات التي لا مفر منها، وتعزيز مرونته.

والأولوية الحيوية الثالثة والتي تُعتبر التحدي الجيوسياسي الأكبر لنا وهي: إدارة المنافسة مع الصين. ففي العقود الأخيرة، قادنا التفكير غير المنضبط إلى افتراض الكثير بشأن فوائد التعامل مع الصين. واليوم، هناك تفكير غير منضبط من نوع مختلف يجعلنا نفترض الكثير حول جدوى الانفصال والاحتواء – وحول حتمية المواجهة. ولا يزال نهجنا، كما كان في ذروة الحرب الباردة، هو المبالغة في التهديد، والإفراط في إثبات حسن نية الصقور، مع الإفراط في عسكرة هذا النهج، وتقليل الحيز السياسي والدبلوماسي المطلوب لإدارة منافسة القوى العظمى.

إن منع صعود الصين هو أمر يفوق قدرة أمريكا، واقتصاداتنا في غاية التشابك بحيث لا يمكن فصلها. ومع ذلك، فيمكن للولايات المتحدة تشكيل الإطار الذي يمكن أن تصعد فيه الصين، مستفيدة من شبكة الحلفاء والشركاء في منطقة المحيطين الهندي والهادئ – من اليابان وكوريا الجنوبية إلى الهند الصاعدة – الذين يشعرون بالقلق تجاه صعود الصين. وسيتطلب ذلك العمل معهم – وإشراك القيادة الصينية بشكل مباشر – لوضع حدود التنافس مع بكين، وتحديد شروط التعايش، ومنع المنافسة من أن تصبح تصادماً، والحفاظ على مساحة للتعاون في التحديات العالمية.

وكل شيء يعتمد على تطوير إستراتيجية تعزز هذه الأولويات الثلاثة المترابطة – بدلاً من العمل ضدها. ومن الواضح أن الصين ليست التحدي الجيوسياسي الوحيد لأمريكا، ولكنها التحدي الأهم إلى حد بعيد. ولا يمكننا تجاهل المناطق الأخرى التي لدينا فيها مصالح دائمة: فتظل أوروبا شريكاً مهماً، وأمريكا الشمالية قاعدة وطننا الاستراتيجية الطبيعية، على الرغم من الإنجاز الدبلوماسي النادر للإدارة الحالية المتمثل في إبعاد الكنديين عنّا. كما لا يمكننا تجاهل الأزمات التي لا مفر منها في الداخل والخارج والتي غالباً ما تعرقل أفضل الاستراتيجيات عن مسارها.

سيتعين على الإدارة المقبلة وهي مسلّحة بالشعور الواضح بالأولويات أن تعيد بناء التحالفات والشراكات الأمريكية واتخاذ بعض الخيارات الصعبة – وكذلك المتأخرة – بخصوص أدوات أمريكا وشروط المشاركة في جميع أنحاء العالم. وسيتعين عليها أيضاً التحلي بالانضباط الذي غالباً ما استعصى على الولايات المتحدة أثناء هيمنتها المتراخية بعد الحرب الباردة.

وحتى إذا تم التخلص من شعار “أمريكا أولاً” من جديد، فإنه لا يزال لدينا أرواح شريرة علينا طردها والتخلص منها أيضاً، وهي – غطرستنا، واستبدادنا، وعدم انضباطنا، وعدم تسامحنا، وعدم اهتمامنا بصحتنا بالداخل، وهوسنا بالأدوات العسكرية وتجاهلنا للدبلوماسية. ولكن لا يزال لدينا أيضاً فرصة لاستدعاء أكثر سماتنا الوطنية الاستثنائية وهي: قدرتنا على إصلاح الذات. وستظل لدينا فرصة لتشكيل مستقبلنا

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close