fbpx
دراسات

توجهات السياسة الخارجية لهيلاري كلينتون

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تمهيد (1):

نجحت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، في الحصول على عدد الأصوات اللازمة للفوز بالترشح للانتخابات الرئاسية الأمريكية المقررة نوفمبر 2016 عن الحزب الديموقراطي وتكون بذلك أول مرشحة إمرأة تخوض سباق الرئاسة الأمريكية على رأس أحد الحزبين الرئيسين في الولايات المتحدة الأمريكية.2 وهذا يدعم من إحتمالية وصولها البيت الأبيض في انتخابات نوفمبر القادمة. ومن هنا نسعى للوقوف على الملامح والتوجهات الأساسية للسياسة الخارجية لهيلاري كلينتون حال فوزها في الانتخابات القادمة، وموقع الشرق الأوسط وقضاياه من هذه السياسات:

أولاً: السمات العامة للسياسة الخارجية عند هيلاري كلينتون:

تتبنى كلينتون مفهوم “الديموقراطية الليبرالية” كخلفية أساسية لسياستها الخارجية. فهي تؤمن بالعالمية“internationalist” كمنظور للسياسة الخارجية وأنه لا يمكن فصل الولايات المتحدة عن العالم المحيط أي أن للولايات المتحدة دور فعال وقوي في إدارة المشهد الدولي. ولكن هذا التوجه تحكمه مجموعة من السمات:

1ـ أهمية مفهوم “التعاون” كإطار حاكم للتحركات على الساحة الدولية.

2ـ أن التحرك الدولي يجب أن يكون متعدد الاطراف “Multilateral” وليس أحاديًا، فأي فعل على الساحة الدولية يجب أن تتشارك فيه الولايات المتحدة مع الفواعل الدولية والحلفاء ولا تقحم نفسها بشكل منفرد لأن التحديات الدولية لا يمكن أن تتعامل معها دولة واحدة بل يمكن مواجهتها دوليًا بشكل أكثر فاعلية.

3ـ أن تجعل الولايات المتحدة أحد أولوياتها تقوية الحلفاء ودعمهم بل السعي لتقوية شبكة الحلفاء الأمريكية بضم حلفاء جدد وتقوية الروابط مع مجموعة الحلفاء الراهنة والعمل على الاتفاق على أجندة مشتركة وتهديدات مشتركة.

4ـ ضرورة الاعتماد على مفهوم “القوة الذكية3 “smart powerفي توظيف مصادر القوة الأمريكية. بمعنى أنه لابد من الوصول إلى صيغة متوازنة تجمع مصادر القوة المختلفة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والقانونية والثقافية والعسكرية. فهي تشير في أكثر من سياق إلي أهمية المزج بين مصادر القوة في إطار ما يعرف بالقوة الذكية. والقوة الذكية هي بشكل عام تشير إلى الاستخدام الأمثل لمصادر القوة المتاحة وقدرة الفاعل الدولي على مزج عناصر القوة الصلبة والقوة الناعمة بطريقة تضمن تدعيم تحقيق الأهداف بكفاءة وفعالية. وترى أن الدبلوماسية السياسية أحد أهم الأدوات التي يمكن إستخدامها على الساحة الدولية وتعطيها الأولوية قبل اللجوء لأي من أدوات القوة الصلبة التي يمكن توظيفها. وأن عنصري الدبلوماسية والتنمية بحاجة إلى مزيد من التركيز عليهم في المرحلة القادمة كترس من تروس السياسة الخارجية الامريكية.

5ـ ترى كلينتون أن القوة العسكرية ضرورية ولازمة في السياسة الخارجية الأمريكية فهي تلعب دور القوة الرادعة أحيانا بالاعتماد على الصورة الذهنية للقوة العسكرية الأمريكية في الردع والاحتواء، وتلعب دور القوة الفاعلة التي يتم توجيهها لهزيمة والقضاء على الاعتداءات التي تتعرض لها امريكا. وتهدف القوة العسكرية الأمريكية إلى حماية الولايات المتحدة وقيمها الأساسية، والحفاظ على أمنها الداخلي لذا فهي يجب أن تكون الأحدث والأكثر تطورًا. فالقوة العسكرية يتم تناولها عند الحديث عن حظر إيران من تطوير سلاحها النووي، أو محاربة الإرهاب وتنظيم الدولة الإسلامية، أو مواجهة وردع الاعتداءات الروسية، أو في دعم الأمن الإلكتروني “cybersecurity” وأمن المعلومات في مواجهة الصين.5

ثانياً: كلينتون ومبادرة “الكفاءة السياسية”:

أطلقت كلينتون مبادرة عرفت باسم الكفاءة أو القدرة السياسية على إدارة الدولة في القرن الواحد والعشرين أو أصول الحكم في القرن الواحد والعشرين “21st century statecraft”6 وهي تشير إلى استكمال أدوات السياسة الخارجية التقليدية بأدوات ووسائل جديدة مبتكرة والتي بدورها تثري وتزيد فاعلية الشبكات والتكنولوجيا والقطاعات الديموجرافية المتشابكة حول العالم. وتخاطب أجندتها قوى جديدة قادرة على إحداث تغييرات واسعة الانتشار، ومعرقلة ويصعب التنبؤ بها. وهي بذلك تلقي الضوء على تغيرات عميقة الأثر من شأنها اختراق السياسة الخارجية والتأثير عليها فتوسع مجال عملها، وتستبدل أدواتها بأخرى جديدة، بل وتغير من قيمها. لذا فهي تعتمد على إعادة هيكلة أجندة الولايات المتحدة الدبلوماسية والتنموية من أجل التعامل مع التحديات التقليدية بطرق ووسائل جديدة.

وتستهدف هذه الأجندة ميادين أساسية هي:

1ـ طرق الدبلوماسية “Methods of Diplomacy”

بدلا من الاعتماد على الدبلوماسية بين الدول “state to state” تستهدف كلينتون تعزيز الدبلوماسية من الدول للشعوب “state to people” ومن الشعوب للدول “people to state” ومن الشعوب للشعوب “people to people”. وهي بذلك تشير إلى أن المكون الأهم في وسائل الإعلام الحديثة بالنسبة للدبلوماسيين هو ليس القدرة على التحدث إلى جماهير جديدة -بالرغم من أهميته- ولكن القدرة على الاستماع إلي جماهير جديدة وفهم أفكارها وقيمها بشكل أفضل. فدور وسائل الإعلام الجديدة تطور من حالة العدم إلى حالة التأثير والفاعلية في وقتنا الحالي(7).

2ـ التوجيه في برامج التنمية “approach to development programs”

توجيه بعض من مشروعات التنمية لتطوير القدرة على التواصل وتحقيق حرية الدخول على الإنترنت “free access”. والانتقال لما هو أبعد من ذلك بإلقاء الضوء على التحديثات في برامج التواصل وشبكات الإنترنت لتحسين ودعم مستوي وكفاءة التعليم والصحة وغيرها من القضايا وبرامج السياسات التقليدية. أي الاعتماد على وسائل جديدة متمثلة في تقوية التواصل والمشاركة الشعبية وتمكينها من أجل الوصول لحلول جديدة للتحديات التقليدية. وأحد هذه المشروعات كان على هيئة مساعدة ودعم للحكومة الليبية بتوفير مساعدة دبلوماسية وتقنية لتوفير تغطية لشبكات الإنترنت في شرق ليبيا. وبذلك تم تنسيق التواصل مع الحكومة الجديدة وتوفير الدعم الفني والاستراتيجي لتهدئة الأوضاع عقب الصراع.

3ـ التركيز علي سياسات عمل جديدة:

تعطي تلك الأجندة أولوية لقضايا سياسة الإنترنت العالمي “international internet policy” بهدف إيجاد حالة من الحوكمة للتنسيق بين المؤسسات الحكومية والخاصة لدعم حرية استخدام الإنترنت، وقضايا حقوق الإنسان، وتطبيق الحوكمة التي تضمن ممارسات شفافة للحكومات وتحقيق الأمن الإلكتروني كأهم أهدافها. لكن حجر الزاوية لأهداف هذه الأجندة هو تحقيق حرية الإنترنت من خلال ثلاث نقاط: حقوق الإنسان في الحوار والصحافة والتجمع في الفضاء الإلكتروني، فتح الأسواق أمام البضائع والخدمات الإلكترونية وتقوية الابتكار والاستثمار والفرص الاقتصادية، وحرية التواصل وتعزيز الدخول على الاتصالات التكنولوجية. وتسعى الأجندة إلى الوصول إلى نموذج متعدد الأطراف أومن أصحاب المصلحة في حوكمة الإنترنت لتقليل التهديد الذي قد تفرضه المالح القومية وذلك من شأنه تحسين الممارسات الحكومية والشفافية والمساءلة.

4ـ التغيير المؤسسي “العمل بالسفارات والمكاتب الأمريكية”:

يستهدف هذا البند محاولة تطبيق الأجندة من خلال تحويلها إلى شكل مؤسسي أي تأسيسها داخل فريق العمل الخاص بالولايات المتحدة الأمريكية وتعزيز الابتكار والتكامل بين عمل المؤسسة وأهداف الأجندة من خلال التدريب واستهداف تجنيد وضم عدد من الأفراد المتميزين.

فهيلاري كلينتون تُبلور مذهب السياسة الخارجيةلديها “Clinton’s Foreign Policy Doctrine” في ثلاثة محاور أساسية. أولها، تجديد وتحديث نظام يقوم على قواعد “rules-based order”. وثانيها، التعبئة من أجل فعل مشترك وبذل الجهود لبناء علاقات والبحث عن شركاء جدد ليشاركوا في السياسة الخارجية ويتحملوا عبء هذه المشاركة. وثالثها، تحقيق التوازن في السياسة الخارجية ما بين الدفاع والدبلوماسية والتنمية وتزويد الدبلوماسيين الأمريكيين بأدوات جديدة.9

وذكرت هيلاري في أحد خطاباتها: “في مواجهة التحديات المختلفة أمامنا خياران، إما خيار أمريكا الخائفة التي تتجنب خوض التحديات أو أمريكا القوية الواثقة من إمكانياتها وقدراتها ولابد على الولايات المتحدة أن تتبع الخيار الثاني”. وهي بذلك تعلن اختلاف توجهها عن منافسها الجمهوري ترامب الذي يفضل عدم الدخول وتوريط الولايات المتحدة في الأمور الخارجية التي لا تتعلق بمصلحة أمريكا مباشرة. وهذا يجب أن يتم بمجموعة من المحددات هي: تكوين حلفاء أقوياء، الوضوح في التعامل مع المنافسين، الالتزام القوي بالقيم الأمريكية والقيادة بالهدف أي الجمع بين المبادئ والبراجماتية، ضروروة الانتشار وعدم ذلك يعني إحداث فراغ إما أن تنتج عنه فوضى أو تسارع دول أخري لملئه. 10

ثالثاً: توجهات كلينتون ودوائر السياسة الأمريكية:

انطلاقا من توجهها العام يمكن إدراك الكثير من توجهاتها في العديد من القضايا فهي تري أن التشابك مع الفواعل الدولية أساس لعلاقاتها الخارجية بشكل عام، وأحيانا تكون بغرض السعي لتكوين شراكات جديدة أو التنسيق مع المنافسين بالاعتماد على الدبلوماسية الأمريكية، وفي إطار التوجهات العامة يمكن الوقوف على بعض التوجهات الخاصة حيال عدد من الدوائر الأساسية للسياسة الخارجية الأمريكية، ومن ذلك:

1ـ التوجه نحو آسيا “Pivot to Asia”:

كانت هيلاري كلينتون أثناء توليها منصب وزير الخارجية في إدارة أوباما الداعم الرئيسي للتوجه نحو آسيا وتوطيد العلاقات معها بشكل استراتيجي حتى أن أولى زياراتها كوزيرة للخارجية أثناء إدارة أوباما الأولي كانت نحو آسيا. وتقوم استراتيجية “التوجه نحو آسيا” على الالتزام المستمر بتوظيف الدبلوماسية المنتشرة أو الموظفة بشكل استباقي “forward deployed” وذلك ليس بالاقتصار على إرسال الدبلوماسيين وحدهم ولكن المسؤولين في مختلف الاختصاصات التي سبق الإشارة إليها كإطار لعمل الدبلوماسية الأمريكية بهدف مواكبة التغيرات السريعة والمثيرة في منطقة دول آسيا.

وتستند هذه الإستراتيجية لمجموعة من البنود الرئيسة، منها: تقوية التحالفات الأمنية والعسكرية الثنائية، وتعميق العلاقات للعمل مع الدول الاقتصادية الصاعدة، والارتباط بالمؤسسات الإقليمية متعددة الأطراف، والتوسع في التجارة والاستثمار، وتعزيز التواجد العسكري ذو الانتشار الواسع، وتعزيز حقوق الإنسان والحريات.

وهذه الإستراتيجية تستهدف عدداً من دول آسيا والباسيفيك، مثل اليابان وكوريا الجنوبية واستراليا والفلبين وتايلاند كنقاط الارتكاز لها في توجه الولايات المتحدة نحو تدعيم علاقاتها مع آسيا. وتسعى الولايات المتحدة لتجاوز هذا الحد والوصول إلى نطاق أوسع من الدول الآسيوية لتشمل الصين والهند وسنغافورة وماليزيا ونيوزلندا وفيتنام ومنغوليا وبروناي وجزر محيط الباسفيك (المحيط الهادي).11

2ـ توجهات كلينتون نحو الصين وكوريا الشمالية:

تتبلور العلاقات مع الصين في إطار استراتيجية التوجه نحو آسيا التي تدفع إلى تعزيزها وتوطيدها والعمل على مواكبة العلاقات للتطورات والتغييرات المتعاقبة. فالصين تُعد أهم القوي الصاعدة في النطاق الآسيوي وتوليها الولايات المتحدة اهتماماً متزايدًا في شتي النواحي على رأسها الجانب الاقتصادي والعسكري أو الأمن الإلكتروني والعلاقات الدبلوماسية والمؤسساتية. وكان من أهم ما أنجزته كلينتون في هذا السياق هي المحادثات رفيعة المستوى في إطار ما عرف ببرنامج “الحوار الاستراتيجي والاقتصادي” “Strategic and Economic Dialogue” وهو ما يُوضح التوجه نحو التأكيد على الحوار وتعزيز التعاون بين البلدين بعيدًا عن الخيط الناظم للعلاقات سابقًا في إطار توازن القوى؛ أي أنه بدلًا من العمل في إطار نظام دولي متعدد الأطراف “Multi-polar” التحرك في نظام دولي متعدد الشركاء “Multi-partner”. ويقوم الحوار على دعائم أساسية هي التنمية، وإعادة إحياء الاقتصاد، وتغير المناخ والطاقة النظيفة، والفقر والأوبئة العالمية، والتحدي الأمني والعسكري ولاسيما فيما يتعلق بكوريا الشمالية ثم إيران.

ومن هنا يمكن القول أن كلينتون تتبني توجه التقارب مع الصين بشكل واضح معتمدة على الوصول إلى أرضية مشتركة من المصالح والتحديات والسعي لتفاهم أفضل بين البلدين قائم على الحوار والتواصل لتحديد الأولويات الرئيسية التي يُمكن التعاون فيها انتهاءً بالوصول لخطة عمل يمكن من خلالها تنسيق الجهود المشتركة. فازدهار الصين من جانب وازدهار الولايات المتحدة على الجانب الآخر لا يمكن التعامل معها على أنه تهديد للطرفين ولكنه أفضل لكل منهما أي أن كلا الطرفين يمكن الاستفادة من التعاون أكثر من النزاع.12

وعلى الصعيد العسكري، تدعم كلينتون تعزيز الشفافية بين المؤسستتين العسكريتين والتي تعطي مزيد من الثقة في طموحات الصين من توسعها العسكري وذلك بالدخول في محادثات عسكرية ـ عسكرية من قبل مسؤولين عسكريين ومدنيين من الجانبين لتطوير الحوار والعلاقات فيما يتعلق بالقوات البحرية والأمن الإلكتروني. أما على الصعيد الاقتصادي، فإن الحوار يسعي لتعزيز المنفعة الاقتصادية للطرفين بحيث تستفيد الولايات المتحدة من حجم الأسواق الصينية لمنتجاتها والقدرة على خلق فرص عمل في الداخل الأمريكي وذلك بتخفيف السياسات الوقائية الصينية في مقابل قدرة الصين على شراء المعدات عالية التكنولوجيا والاستثمار في داخل الولايات المتحدة.13

وفيما يتعلق بكوريا الشمالية فإن كلينتون تشير إلى ضرورة العمل مع الأمم والمتحدة ومجلس الأمن لرفع العقوبات عليها والحد من توسعاتها النووية إلى جانب العمل مع الصين والاستفادة من جهودها في ذلك. واستخدام استراتيجية التوجه نحو آسيا للتعامل مع مثل هذه التحديات في توحيد الجهود والضغط على كوريا الشمالية. وتقوية نظام الدفاعات الصاروخية بالتعاون مع الحلفاء في منطقة المحيط الهادي.

3ـ توجهات كلينتون نحو أوروبا:

تؤكد كلينتون على محورية العلاقات مع الحلفاء الأوروبيين للاستراتيجية الأمريكية وضرورة توطيدها في إطار مزيد من التعاون منتقدة بذلك التوجهات التي أعلنها ترامب تجاه دول الاتحاد الأوروبي وأعضاء الناتو. فهي تُثمن العلاقات مع الناتو وترفض فكرة  تقليص هذه العلاقات بل تري أهمية تقوية دول أوروبا إلى جانب مساعدتها في تحقيق أمن الطاقة وتقليل اعتمادها على الغاز الروسي مُتسقة بذلك مع ما أشارت له استراتيجية الولايات المتحدة للأمن القومي 2015. فالعلاقات مع أوروبا يجب البناء عليها والعمل على تقوية العلاقات الأوروبية وبناء غيرها.

4ـ توجهات كلينتون نحو روسيا:

في توجهات كلينتون نحو روسيا يمكن الوقوف على السياسة التي أعلنتها كلينتون أثناء عملها بإدارة أوباما والتي عرفت بإعادة تشكيل أو رسم العلاقات مع روسيا “Russia reset” بهدف تحقيق المصالح القومية الأمريكية مع روسيا. وهو توجه يعتمد على ثلاثة عناصر وفقا لما ذكرته كلينتون في كتابها خيارات صعبة “ Hard Choices” هي: إيجاد المساحات المشتركة التي تتلاقي فيها المصالح الأمريكية الروسية لتحقيق مزيد من التعاون، والحزم في حالة اختلاف المصالح، والعمل على خلق قنوات التواصل مع الشعب الروسي. وبالرغم مما حققته هذه السياسة من إنجازات لكن كلينتون ذكرت أنها تحبذ مساراً أكثر صلابة في العلاقات مع روسيا بما فيها دعم أوكرانيا ماديا.14

وبالإضافة لما سبق ذكره من الرغبة في تقوية الحلفاء الأوروبيين وتحقيق أمن الطاقة وتقليل اعتمادهم على الغاز الروسي وكذلك دعم الناتو كتحالف عسكري فإن كلينتون ترى ضرورة ردع واحتواء الاعتداء الروسي وتوسعاته. فهي تعارض بشدة التصور الروسي للهيمنة الذي يتبناه بوتن للتوسع في منطقة الجوار ودعت إلى فرض عقوبات وإجراءات حازمة على روسيا بصدد ممارساتها فيما يتعلق بغزو أوكرانيا ودعم بشار في سوريا. أما فيما يتعلق بالعلاقات بين روسيا وتركيا في إطار إسقاط الطائرة الروسية من قبل تركيا فإن كلينتون تدعم تركيا في هذا الصدد وتري أنه تعدي وتجاوز من روسيا على أحد دول الناتو وأن تكرار هذا سيورطها في أمور أشد تأزمًا.

5ـ توجهات كلينتون نحو التجارة العالمية:

تري كلينتون أهمية التوسع في التجارة العالمية من منظورها الليبرالي الديموقراطي الذي يُثمن من حرية التجارة العالمية وأثرها على الاقتصاد. ولكنها مع ذلك تتشكك في اتفاقيات دولية كالشراكة عبر المحيط الهادي“TTP” التي ترى أنها قد تؤثر بالسلب على الداخل الأمريكي حيث أنه لم يمكن الجزم بالنتائج التي قد تصل إليها فبالرغم من دعمها رسميًا إلا أنها ليست كاملة من وجهة نظرها. كما أنها كانت ترى إعادة التفاوض بشأن اتفاقية النافتا مرة أخري. وهذا لا يتعارض مع تأييدها للاتفاقيات الثنائية التجارية والاقتصادية.

6ـ كلينتون وقضايا الشرق الأوسط:

تضع كلينتون الشرق الأوسط ضمن أحد أهم محاور سياستها الخارجية بما فيه من تحديات وإشكاليات تواجه العالم الدولي بشكل عام، وترى كلينتون أن الولايات المتحدة يجب أن تمارس دور القائد أو المرشد الذي يحشد الحلفاء ويوحد الجهود والاستراتيجيات التي تعمل على حلحلة الوضع المتفاقم في الشرق الأوسط:

(أ) مكافحة الإرهاب وتنظيم داعش:

من أهم القضايا التي جاءت على أولويات كلينتون وتناولتها في عدة سياقات وأفرد لها “Council on Foreign relations” أحد الجلسات الهامة للحديث عن الأمن القومي الأمريكي، تنظيم الدولة الإسلامية.15وتتبنى كلينتون استراتيجية لمكافحة الإرهاب تعتمد على مبدأ القوة الذكية كأساس لها بحيث تكون استراتيجية شاملة تتعامل مع جميع الجوانب والأصعدة التي يمكن العمل من خلالها بما يشمل مصادر القوة الذكية المختلفة. أي تكريس دعائم القوة الأمريكية في مواجهة الإرهاب بالاعتماد على مرتكزين: تعزيز القوة العسكرية والجهود الدبلوماسية. وترى كلينتون الحرب على الإرهاب من منظور متعدد الأطراف بمعنى أنها حرب عالمية تتشارك فيها جميع الأطراف وتقودها أمريكا. وتقوم على ثلاثة أهداف رئيسية لكل منها آليات لتحقيقها:

الهدف الأول: هزيمة تنظيم الدولة في سوريا والعراق وفي أنحاء الشرق الأوسط بشكل عام، وذلك بالاعتماد على: شن حملة تحالف جوي فعال بالاستعانة بمزيد من طائرات الحلفاء وتكثيف الضربات ذات الأهداف المحددة بدقة، ورفع الجهود المخابراتية في المنطقة بالتعاون مع الحلفاء في المنطقة والمؤسسات المخابراتية لتحقيق الاختراق اللازم كما كان الحال مع القاعدة، ودعم التوغل الجوي بقوات برية على الأرض لكونها أكثر فاعلية، ولكن دون توريط القوات الأمريكية بل من خلال تدريب وتسليح ودعم القوات المحلية والإقليمية.

ففي سوريا يمكن العمل مع القوات السنية أو قوات المعارضة بجانب القوات الكردية لمحاربة قوات داعش أما في العراق فيجب الجمع بين جهود الجيش العراقي والقوات السنية والأكراد بالإضافة إلى توظيف القوات الخاصة الأمريكية لنقل هذا الدعم والتدريب، ومساعدة قوات المعارضة السورية على السيطرة على منطقة الحدود مع تركيا بما يشمل خروج هذه الأراضي من سيطرة داعش إلي المعارضة، والتنسيق مع الشركاء العرب والأتراك في المنطقة للتعاون مع الولايات المتحدة وتحمل نصيبها من عبء مواجهة داعش في المنطقة وذلك في التنسيق المخابراتي والدعم الاقتصادي.

فالأردن علي سبيل المثال يجب أن تشارك بمزيد من الجهود. وتركيا يجب أن تحول جهودها العسكرية الموجهة نحو محاربة الأكراد – وهم يحاربون تنظيم الدولة – إلى محاربة داعش، ودفع الشركاء العرب لمزيد من استثمار جهودهم العسكرية ضد تنظيم الدولة بدلا من انشغالهم بقضايا أخرى كقضية النفوذ الإيراني والوصول بهم إلى عدم الفصل بين تحدي داعش وإيران.

الهدف الثاني: إعاقة وتفكيك البنية التحتية لشبكات الإرهاب الدولي على الأرض وعبر الإنترنت: أي قطع المسارات التي تسهل تدفق الإمدادات البشرية والتمويل والأسلحة والدعايا والتي تمثل القوة الرئيسية للتنظيم وتساعده على تنفيذ عملياته وتوسعاته الإرهابية، وذلك من خلال: التنسيق والتشارك في المعلومات حول المقاتليين المتوجهين لسوريا من الأراضي الأوروبية والأمريكية، والضغط على تركيا لإحكام حدودها والتي يمر من خلالها أغلب هؤلاء المقاتلين إلى سوريا، واستهداف النقاط التي قد يكون لها تأثير قوي في إضعاف تلك الشبكة كمحاولة التوصل للمسؤولين عن عمليات تسهيل انتقال المحاربين ومستندات سفرهم، وقيام مجلس الأمن بفرض العقوبات المتعلقة بالإرهاب ومنع تمويل الإرهابيين.

وكذلك الضغط على السعودية وقطر وغيرها لمنع مواطنيها من تقديم الدعم والتمويل للمنظمات المتطرفة بالإضافة إلى المدارس والمساجد التي تنشر الفكر التطرفي بين الشباب، والسعي لتحجيم الفضاء الإلكتروني للتنظيمات الإرهابية والسيطرة على غرف المحادثات والمواقع التي تسهل التواصل بين الجهاديين وأتباعهم والذي يمكن التعاون فيها مع الشركات الخاصة بالانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، وبناء شبكة لمكافحة الإرهاب أقوي وأكثر فاعلية من شبكات الإرهاب الدولي بحيث تتمكن من تعقبهم وتحجيم توسعاتهم.

الهدف الثالث: تقوية الدفاعات الأمريكية في الداخل ومساعدة الشركاء في رد التهديدات الداخلية والخارجية، وذلك من خلال: العمل مع دول أوروبا لتعزيز التنسيق المخابراتي لمكافحة الإرهاب والمرونة في التنسيق بين حدودها في حالة الطوارئ، وتحقيق التوازن في إشكالية الأمن والخصوصية، وذلك بالسعي للتنسيق بين القطاع الخاص والعام للتوصل لحلول تحافظ على الأمن مع الحفاظ على الخصوصية في نفس الوقت، والتوصل لحل بشأن اللاجئيين السوريين الوافدين للولايات المتحدة ودول أوروبا ما بين إشكالية التمسك بمبادئنا وقيمنا الإنسانية في التعامل مع اللاجئين وتحقيق الأمن ومنع الإرهاب والذي يمكن التعامل معه بما طرحته حول “no-fly zones” في سوريا ومحاولة التدقيق في الوافدين لمحاولة تقليل الخطر المحتمل، والتنسيق مع المؤسسات الدولية كالناتو والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية وكذلك الدول الشركاء في تعظيم الجهود الدبلوماسية وعدم التخلي عنها.

(ب) كلينتون القضية السورية:

تتعاطي هيلاري كلينتون مع القضية السورية بالتوازي مع قضية داعش في خطبها السياسية وحملتها الدعائية بشكل ملحوظ. كلينتون كانت من أولى الداعمين في إدارة أوباما للتدخل في سوريا تدخلا جويا في بداية اندلاع الصراع وسعت لتحجيم الأسد ولاسيما استخدامه للأسلحة الكيماوية. ولكن مع تصاعد قوة تنظيم الدولة الإسلامية فإن الأمور أصبحت أكثر تعقيدًا واختلفت أولويات العمل من وجهه نظرها.

وترى كلينتون ضرورة العمل على التوازي في القضاء على داعش ومكافحة الإرهاب وحل الأزمة السورية وأنهما أزمتان مترابطتان من حيث النشأة وتباعا يجب أن يكون الحل. وتؤمن أنه على التوازي مع هذه الجهود يجب السعي لحلحلة الأزمة السورية حتى تستقر الأوضاع في المنطقة وبالتالي يضعف تأثير داعش لأن من وجهة نظرها أن داعش ونفوذها وتمددها هو نتاج للوضع في سوريا والعراق وحالة الفراغ السياسي في نظام كل منهما.

لذلك تعلن كلينتون_بالتوازي مع سبق_ آلية للتعامل مع الوضع في سوريا16: يجب السعي إلى حل سياسي للأزمة السورية يمهد الطريق لحكومة وقيادة جديدة، وتشجيع السوريين على المشاركة في الحرب على داعش وتدريبهم لاستخدامهم كبديل للقوات البرية في القضاء على التنظيمات الإرهابية في الداخل، وتتبني فكرة إنشاء مناطق محظورة الطيران “no-fly zones” بحيث تكون ملاذاً للسوريين من الحرب يمكن اللجوء إليها لتخفيف عبء اللاجئين إلى أوروبا. ولكن هذه المناطق تشير إلى أنها تكون جزئية وبالأخص في شمال سوريا على الحدود التركية السورية كما أنها يجب أن تكون بمجهود جمعي متعدد الأطراف فتأمين المجال الجوي في تلك المنطقة لن يقع على عاتق الولايات المتحدة وحدها. وعند تناول الموقف الروسي من تلك المناطق فإن كلينتون ترى أنه على روسيا أن تدعم مثل هذا التوجه وتساعد فيه ولا تعرقله.

وبالتركيز على تأمين منطقة شمال سوريا فإن كلينتون تتعرض بهذا إلى طرح فكرة تأمين حدود تركيا مع سوريا من الهجمات المتكررة وبالتالي الحصول على دعم تركيا في مكافحة تنظيم الدولة في سوريا، وتضع كلينتون أولوية محاربة داعش قبل أولوية محاربة الأسد ؛ فخطورة وجود تنظيم الدولة تمثل أهمية وأولوية في سياستها الخارجية.

وترى التدخل الروسي الذي عارضته في بداية الأمر أنه تغير مساره الآن من محاربة فصائل المعارضة السورية إلى توجيه هجماته على تنظيم داعش وهذا يفيد في تحقيق الهدف العام في الوقت الحالي. كما يجب استخدام روسيا في الوساطة مع نظام الأسد والضغط عليه وأن أي وضع يجب ان يكون نتاج حل سياسي وزيادة الجهود الدبلوماسية مع روسيا لحلحلة الازمة.

وفي هذا السياق انتقدت كلينتون الدور السعودي في عدة سياقات، حيث ترى أن هذا الدور يمكن توظيفه في إطار أن السعودية تتحمل مجموعة من المسئوليات المختلفة وعلى رأسها وقف التمويل للجماعات الإرهابية والذي يقدمه مواطنوها للتنظيمات المتطرفة، بجانب تصديرها للوهابية ونشر الأئمة الذين ينشرون الفكر المتطرف الوهابي. كما أن انهماكها في عملياتها العسكرية في اليمن في الحرب الشيعية يستنفذ طاقتها ويشغلها عن الوضع المتأزم في سوريا التي لا يجب فصلها عن أولوياتها حيث أن سقوط سوريا وفتح الباب أمام إيران للتوغل في العراق وسوريا سيكون له نفس الخطر الذي تخشاه السعودية من النفوذ الإيراني.

(ج) كلينتون والموقف من إيران:

كانت هيلاري كلينتون أحد أهم الفاعلين في توقيع الاتفاق النووي مع إيران وقبلها كانت من المدافعين عن تشديد العقوبات على إيران حتى تتخلي عن برنامج تسليحها النووي. وبعد الانتقادات والتخوفات التي ثارت بعد توقيع الاتفاق حول احتمالية سعي إيران لتملك القوة النووية والتهرب من الاتفاق، وأوضحت كلينتون “إن الاتفاق الذي تم التوصل إليه هو كان أفضل الحلول المتاحة وإلا فإن البديل هو أن تحصل إيران على سلاح نووي وعدم استمرار الأطراف الدولية المختلفة في فرض العقوبات أو ربما الدخول في حرب مع إيران. ففي حالة عدم وجود التفاق فإن إيران تستطيع امتلاك سلاح نووي خلال شهرين، بينما في وجود الاتفاق فإن هذه المدة ستطول لمدة سنة وهو ما يعطي فرصة كافية للتحرك في هذا الصدد كما أن الاتفاق يعطي حق التفتيش الذي لا يمكن الحصول عليه في عدم وجود الاتفاق. لكن ما يجب الانتباه إليه هو ضرورة السعي لتنفيذ الاتفاقية ومنع أي تجاوزات من الجانب الإيراني وتوقيع العقوبات في حالة الخروج عن الاتفاقية أو حتى اللجوء لعمل عسكري إذا تطلب الأمر”.17

وتتبنى كلينتون توجه عدم الثقة والتحقق أو التثبت “distrust and verify” حسب قولها أي أن توقيع الاتفاق لا يعني الثقة في إيران ولكن لابد من أخذ الحذر والتبين بشكل متواصل لتدعيم الاتفاق وضمان تنفيذه. وعلى الولايات المتحدة في هذا الإطار أن تضع ثلاثة سيناريوهات نصب أعينها: أن تحاول إيران الخداع والتملص من الاتفاقية، أو أن تنتظر إيران حتى انتهاء الفترة المحددة _15 سنة_ ثم تعاود العمل مرة أخري في برنامجها النووي، أو أن تسعى إيران لزعزعة الاستقرار في المنطقة ودعم التنظيمات الإرهابية كحزب الله وحماس (من وجهة نظرها بالطبع) ودعم عدم الاستقرار في اليمن وسوريا ولبنان.

وهنا تطرح هيلاري خلال مجموعة من الخطوات التي من شأنها رفع تكلفة إيران في الخروج عن الاتفاق أو الإخلال بشروطه وذلك عن طريق18:

  • ترسيخ التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل وضمان تفوقها العسكري النوعي.
  • التأكيد على أن الخليج العربي منطقة ذات مصلحة أمريكية حيوية ولاسيما من خلال التواجد العسكري القوي في المنطقة بالأخص القوات الجوية والبحرية والإبقاء على مضيق حضرموت مفتوحاً، وزيادة التعاون الأمني مع الحلفاء في دول الخليج بما يشمل تبادل المعلومات المخابراتية والدعم العسكري والدفاعات الصاروخية التي تضمن قدرتها على رد أي إعتداء إيراني.
  • بناء تحالف لمواجهة وكلاء إيران في المنطقة، وتعزيز فرض القواعد التي تمنع انتقال الأسلحة والتمويل لحزب الله والضغط على الشركاء لتأكيد التعامل مع حزب الله كمنظمة إرهابية. وكذلك منع انتقال الأسلحة لحماس والضغط على تركيا وقطر لوقف تمويلهم لها وكذلك التنسيق مع الشركاء في المنطقة لمنع الطائرات والسفن التابعة للحرس الثوري الإيراني من اختراق مجالاتهم والعبور من خلالهم لليمن وسوريا. وربما يصل الأمر إلي فرض العقوبات على الحرس الثوري الإيراني لدعمه للإرهاب وزعزعة الاستقرار في المنطقة.
  • الوقوف ضد انتهاكات إيران في الداخل المتمثلة في اعتقال السياسيين ومصادرة حرية التعبير.
  • وضع سياسة العمل مع إيران في إطار إستراتيجية أوسع وأشمل للمنطقة تدعم الاستقرار وتواجه الإرهاب، فيجب العمل على جميع النواحي بما فيها طموحاتها النووية ودعمها للإرهاب وكراهيتها لإسرائيل وحتى انتهاكاتها بحق مواطنيها والأخذ في الاعتبار مصادرها العسكرية والاقتصادية والتعمامل معها بمهارة وحرص ويقظة.

(د) كلينتون والموقف من تركيا:

تأخذ تركيا موضعًا مهماً في السياسة الخارجية عند هيلاري كلينتون ولاسيما في تعاملها مع قضايا الشرق الأوسط فتتعامل معها كأحد الحلفاء التي يمكن الاستفادة منها والبناء عليها في التعامل مع أزمات الشرق الأوسط. ففي أكثر من سياق تتناول كلينتون تركيا مرة فيما يتعلق بمحاربة تنظيم الدولة الذي تفترض أن لتركيا دور كبير فيه بالأخص مخابراتيًا وبتوجيه آلة الحرب التركية إلى تنظيم الدولة بدلًا من الأكراد في جنوب تركيا، والمرة الثانية فيما يتعلق بسوريا ودور تركيا الدبلوماسي وكذلك فرض مناطق حظر طيران على حدودها الجنوبية مع سوريا.

ولعل هذا الاقتراح الذي تقترحه كلينتون وتحديد منطقة شمال سوريا على الحدود التركية يتواكب مع طلب الحكومة التركية التي أصرت عليه طويلًا لتوفير منطقة آمنة على الحدود في شمال سوريا. فهذا يعزز من موقف تركيا في الأزمة القائمة ولعل كلينتون تتبناه لسببين لدعم تركيا في قضية اللاجئين وتقديم ما يساعدها على التعامل مع ملف اللاجئين والسبب الثاني نتيجة عنه وهو حماية أوروبا من تدفق اللاجئين إليها والأهم وضع منطقة الحدود تلك تحت السيطرة مما يمنع تدفق المقاتلين والسلاح والتمويل من وإلى تنظيم الدولة بما يلقي بظلاله على أوروبا. بالإضافة إلى ذلك تُدافع كلينتون عن الموقف التركي إزاء إسقاط الطائرة الروسية التي اخترقت المجال الجوي التركي معلنة أن تركيا أحد أعضاء الناتو وأي انتهاك بصددها يعد انتهاك بحق حلف الناتو وربما يتوجب عليه رد فعل من الناتو. فروسيا عليها ان تتجنب استفزاز الدول بما تقوم به من اختراقات.

(هـ) كلينتون والموقف من إسرائيل:

تعلن كلينتون أن أمن إسرائيل لا يمكن التخلي عنه، فإسرائيل هي الحليف الأقرب للولايات المتحدة في الشرق الأوسط من ناحية، كما أنه على الولايات المتحدة التزام أدبي بحماية أمن إسرائيل من ناحية أخرى، وعلى ذلك فإن أي تحدي لأمنها هو تحدي لأمن الولايات المتحدة نفسها، فأمن إسرائيل غير قابل للتفاوض حوله. فمن وجهة نظر كلينتون هناك ثلاثة تهديدات تواجه إسرائيل: إعتداء إيران المستمر، وارتفاع موجه التطرف في محيط من عدم الاستقرار في المنطقة، والجهود المتنامية لمنع شرعنة دولة إسرائيل على الصعيد الدولي.

لذلك على الولايات المتحدة أن تحافظ على إسرائيل قوية قادرة على منع وردع أعدائها والحفاظ على أمنها القومي وذلك من خلال19: السعي لتوقيع مذكرة تفاهم عسكرية لمدة 10 سنوات تضمن احتياجات أمن إسرائيل، والوصول إلى إتفاق عسكري طويل المدى، والإبقاء على الالتزام الأمريكي بالتفوق العسكري النوعي للقوات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، وتقديم تكنولوجيا الأنظمة الدفاعية الاكثر تعقيدًا لإسرائيل لضمان قدرتها على ردع أعدائها وتزويدها بالدفاعات الصاروخية والدعم المخابراتي وكذلك بالطائرات المقاتلة الأكثر تعقيدًا ونظام أفضل للتنقيب عن الأنفاق لمنع تهريب الأسلحة وعمليات الاختطاف، ودعم إسرائيل في مواجهة تهديد تنظيم الدولة ولاسيما في سيناء الذي يمثل تهديدًأ مباشرًا لإسرائيل ويحاول التقارب مع حماس ـ على حد قولها ـ فداعش لا يمكن احتوائها بل يجب القضاء عليها.

وكذلك السعي للوصول لاتفاقية حل الدولتين، بحيث تشمل وجود دولة لليهود ودولة يحكم فيها الفلسطينيين أنفسهم. ودعم التفاوض المباشر ومنع فرض أي حلول من قبل الأطراف المختلفة بما فيها الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

وبجانب ما يتعلق بالأمن فلابد من الاهتمام بالجانب الثقافي بين البلدين، وتقوية العلاقات ما بين الشباب الأمريكي والإسرائيلي لضمان مستقبل العلاقات بين البلدين عندما يحمل الشباب الراية فيما بعد، والتخلص من الفكر المعادي للسامية الذي لا يمكن تقبله في أي مجتمع متحضر لا في أمريكا ولا في أوروبا ولاغيرها.20

(و) كلينتون والموقف من دول الربيع العربي:

تؤكد كلينتون في حديثها عن دول الربيع العربي بأن هناك مشاهد مختلفة للربيع العربي من حالة لأخرى. فالأوضاع في تونس وليبيا ومصر متباينة عن بعضها البعض لكل منها سماته وخواصه. فتونس لديها قانون مساواة المرأة والحركة الإسلامية بها ليست متطرفة  واستطاعت أن تمر بمرحلة انتقالية ناجحة حتى لو كانت غير مستقرة وبحاجة لمزيد من التقوية. وليبيا في بادئ الأمر كانت لديها انتخابات جيدة حيث انتجت مجموعة من العلمانيين الوسطيين ولكن الحكومة فشلت في تحقيق الأمن والوظائف الأساسية للدولة مما أدي إلى تحالف القبائل والثوار الذين يوحدهم فقط كراهية القذافي وليس غير ذلك كثيرًا لذلك فالجهود الآن تسعى لتعزيز الامن الداخلي مع وجود تلك المليشيات والمنظمات القبلية.

أما مصر فالوضع مختلف تماما فالثورة قامت بمجموعة من الشباب والذين تميزوا بالتنظيم وليس بالقدرة السياسية، فلم يكن لهم رغبة في الدخول في الأحزاب السياسية أو خوض الانتخابات. كما أن هناك قوتان تنظيميتان فقط في مصر هما المؤسسة العسكرية وجماعة الإخوان المسلمين، على حد وصفها، وبمنظور قد يكون متشائما أو واقعياً، فإن مصر ليس فيها مكون سياسي للثورة، فصعدت جماعة الإخوان للحكم ثم قامت انتفاضة بتنظيم وتنسيق المؤسسة العسكرية أطاحت بهم وجاءت بالمؤسسة العسكرية مرة أخري على رأس السلطة مما نتج عنه معارضة داخلية وموجات من التطرف.21

رابعاً: بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب:

تختلف هيلاري كلينتون في عدة نقاط عن توجهات ترامب في السياسة الخارجية وتشير في أحد أحاديثها إلى 3 نقاط أساسية في اختلافها مع سياسات ترامب22:

1ـ تقوية النظام داخليًا: وذلك بالتركيز على الاستثمار في البنى التحتية والتعليم والابتكار وأساسيات الاقتصاد القوي، وخفض معدلات عدم المساواة في الدخول، وإزالة العوائق أمام الأمريكيين التي تمنع تطورهم وكذلك التمييز في المجتمع.

2ـ التمسك بالحلفاء والحفاظ عليهم: فشبكات الحلفاء للولايات المتحدة الأمريكية تعتبر أحد أهم مميزاتها في النظام الدولي، فلا يمكن التخلي عنها أو حتى التقليل من شأنها فهذه هي الميزة التي تتفوق بها على القوي العظمى كالصين مثلا التي تملك قوة اقتصادية وعسكرية هائلة لكنها لا تملك شبكة الحلفاء والتي تحميها من الدخول في عزلة وتساعدها على توظيف قوتها وتوفر لها القوات المسلحة التي تحارب معها في الصراعات الدولية، والدبلوماسيون الذين يعملون جنبًا لجنب، وتوفر مناطق للقواعد العسكرية الأمريكية تمكنها من القدرة على سرعة الرد في حال الإعتداء، وتبادل الجهود المخابراتية التي تمكنها من تجنب التهديدات المحتملة قبل وقوعها.

فالموقف المتأزم مع كوريا الشمالية بما يتعلق ببرنامجها النووي، تلعب كوريا الجنوبية واليابان فيه دورًا هامًا بتوفير الولايات المتحدة للتكنولوجيا المتعلقة بنظام دفاع صاروخيوعلى الجانب الآخر فإن السفن اليابانية تساعد في التعاون العسكري.فالتخلي عن الحلفاء والخروج من المشهد في هذه الحال يعني تشجيع اليابان على السعي وراء امتلاك سلاح نووي يؤمنها ويردع أي إعتداء محتمل عليها.

وبذلك فإن كلينتون توجه إشارة ترفض فيها توجه ترامب نحو حلف الناتو ودول أوروبا أو استعدائها للمكسيك فيما يتعلق بالهجرة.

3ـ تبني الأدوات المختلفة للقوة الأمريكية والدبلوماسية والتنمية: وذلك للقدرة على مواكبة المشاكل والتوصل لحل لها قبل أن ينشأ عنها تهديدًا للولايات المتحدة. فالدبلوماسية هي الطريق الوحيد لمنع الدخول في نزاع وبالأخص لو كان مسلحًا. فالأزمة الإيرانية كان لها طريقان، الأول يتعلق بتدخل عسكري مباشر أو الاعتماد على العقوبات للضغط عليها للجلوس على طاولة المفاوضات.

وفي ذلك رفض لما أعلنه ترامب فيما يتعلق بإيران ورفضه للاتفاق النووي الذي تم توقيعه وعزمه على التخلص منه ذلك من ناحية، ومن الناحية الأخرى إشارة إلى رفض اعتماد ترامب الكبير على القوة العسكرية والاقتصادية دون مزجهم بأي مصادر أخرى ولاسيما الدبلوماسية كما في حالة تنظيم الدولة ومكافحة الإرهاب والأزمة السورية.23

وهناك فارق آخر _برأيي_ يمكن إضافته هو التوجه في السياسة الخارجية ما بين ترامب الذي يتبنى فكرة العزلة حتى ولو اختلف ذلك مع كثير مما أشار إليه والذي يظهر فيه تدخلًا سافرًا، وما بين كلينتون المتبنية للتوجه العالمي الذي يرى أن للولايات المتحدة دورًا كبيرًا يجب عليها أن تمارسه. فكلينتون تري أنه على الولايات المتحدة التدخل في الشرق الأوسط لدعم الديموقراطية بينما يرى ترامب أن التدخل يزيد الأمور سوءًا.

ولكن في المقابل لابد من الإشارة أن هناك اتفاق بينهما في كثير من الأهداف الرئيسية التي يسعي كل منهما لتحقيقها في سياساتهما الخارجية، ولكن الاختلاف يكمن في استراتيجية وآليات كل منهما لتحقيق هذه الأهداف. فكلامها يريد السيطرة على إيران ومحاربة “الإرهاب” والقضاء عليه وليس احتوائه وحماية أمن اسرائيل وتحجيم دور “الإسلام السياسي المتطرف”، مع اختلافهما في تصنيف المتطرف من المعتدل فالاختلاف بينهما يكاد يغيب عند ترامب بينما كلينتون لازالت تضع فاصلًا بينهما، ولكن تحقيق هذه الأهداف آلياته قد تكون مختلفة بشكل جليَ بينهما.24

خامساً: بين هيلاري كلينتون وأوباما:

في أحد الجلسات التي عقدها معهد بروكينجز مع كلينتون كانت أحد النقاط التي تم طرحها أن سياستها الخارجية متقاربة مع أوباما إلى حد كبير فأوضحت أن هناك اتفاق ولكن مع تعزيز تطبيقها إلى فعل ملموس على الأرض وزيادتها “intensification and acceleration” ويمكن القول أن هذا وصف يمكن الاعتماد عليه للوقوف على الاتفاق والاختلاف ما بين السياستين:

1ـ عوامل الثبات بين سياسة أوباما وكلينتون:

من المنطقي أن تكون بارزة فكلاهما ينتمي إلى نفس الخلفية الحزبية التي تحدد كثيراً من توجهاتهما بمعنى أن كل منهما يتبني الديمواقرطية الليبرالية لذا الاندماج مع النظام الدولي والعمل على التنسيق مع الحلفاء وتعظيم مبدأ التعاون ودور الدبلوماسية مشترك.

ومن اهم نقاط الاتفاق هو الموقف من حلفاء أوروبا والحفاظ على العلاقات الأوروبية بل والسعي لتقويتها وتقوية وحماية الحلفاء الأوروبيين بالأخص فيا يتعلق بأمن الطاقة التي أشارت إليها استراتيجية 2015 للأمن القومي في إدارة أوباما. كذلك العلاقات مع آسيا “Pivot to Asia” والصين وروسيا وإيران كلها امتداد لما تم البدء به في إدارة اوباما على وجه الخصوص، وما تم تبنيه أثناء توليها منصب وزارة الخارجية. وهناك أيضا تقارب في الموقف من السعودية التي يكاد يصح وصف إدارة أوباما أنها تخلت عنها، فالمملكة تنال العديد من الانتقادات من قبل هيلاري في عدة سياقات. وكذلك فإن التعامل مع الإسلام السياسي يتشابه إلى حد كبير فيما يتعلق بضمان حقوق المسلمين ورفض النسخة المتطرفة من الإسلام السياسي.

2ـ عوامل التغير:

تظهر في التفاصيل في الأغلب وليس في الرؤي العامة والتوجهات الاستراتيجية. ففيما يتعلق بمكافحة الإرهاب ومحاربة تنظيم داعش، نجد أنه بالرغم من الاتفاق على عدم توريط القوات الأمريكية بأي حال من الأحوال لكن الخطوات الأخرى التي قد يوافق عليها أوباما نظريًا لكنه يتردد في تنفيذها عمليًا في الأغلب هي يما يتعلق باستخدام السلاح الجوي والطائرات المقاتلة واعتماد تدريب المقاتليين المحليين.

وهنا كلينتون تبدو أكثر جرأة في تطبيق ذلك وهذا يبدو من توجهاتها أثناء توليها وزارة الخارجية حيث تبدو أكثر ميلًا لتنفيذ القرار وتفعيله من أوباما. وبخصوص الأزمة السورية فكلينتون عازمة على التدخل في الأزمة السورية على عدة أشكال منها الكثير مما تم طرحه في إدارة أوباما ولكنه لم يتم تنفيذه أو تأخر كثيرًا في اتخاذ قرار تنفيذه.

سادساً: أثر وصول كلينتون للسلطة على الشرق الأوسط:

1- ميزان القوى في الشرق الأوسط:

بالنظر لتوجهات ترامب في المنطقة فإن معادلة القوي ربما تتشابه كثيرًا مع ما هو قائم بالفعل فيما يتعلق بثنائية إيران والخليج أو السعودية على الأخص، فكلينتون تدعم الاتفاق النووي الذي يدعم من تقاربها مع إيران حتى وإن كانت في جو من الحيطة والحذر، والتعامل مع السعودية سيشوبه الجفاء في طبيعة العلاقات، فكلينتون تنتقد السعودية وتطالبها بأن تتحمل مسئولياتها في منع الإرهاب الذي تتهمها بإشتراك مواطنيها في تمويله ومنع نشر فكرها الوهابي الذي وصفته بالنسخة المتشددة من الإسلام قبل الخوض في الحديث عن  مزيد من التنسيق في القضايا الشائكة في الشرق الأوسط.

لذا يمكن القول أن الاختلاف في هذه النقطة سيكون طفيفاً وفيه حذر من إيران واستعداد للتعامل مع السعودية. أما العلاقات مع تركيا فتبدو أنها ستكون جيدة وهذا ما يمكن استنباطه من حديث كلينتون التي تسعى لدعم تركيا كأحد أعضاء الناتو واستخدامها كأحد نقاط الإرتكاز في المنطقة ولاسيما في التعامل مع أشد القضايا حساسية في الشرق الأوسط كتنظيم الدولة والأزمة السورية والعلاقات مع إسرائيل. وكما هو معتاد من السياسة الخارجية الامريكية أن يبقي الوضع الإسرائيلي كما هو بالميزات التي يتمتع بها.

2- تنظيم الدولة “داعش”:

تحظي أولوية مكافحة الإرهاب والقضاء على تنظيم داعش باهتمام كبير في توجهات كلينتون ومن المتوقع ان يتم السعي نحو تحالف أمريكي أوروبي تركي عربي وربما إسرائيلي للقضاء على داعش والتنسيق مع روسيا ليس من المستبعد، ومن المفترض أن تكون وظائف هذا التحالف مخابراتية عسكرية اقتصادية يتم فيها التبادل المخابراتي بجانب التنسيق العسكري الذي يُقسم المهام بين الأطراف على النحو التالي بحيث تتولي الولايات المتحدة وأوروبا التغطية الجوية مع تنسيق عربي تركي لتدريب المقاتلين المحليين وتزويدهم بالسلاح والتدخل العسكري أحياناً، ولكن في الأغلب فإن هذا التدخل بقوات عربية سيكون التركيز عليه بدرجة أقل من التركيز على دعم من هم متواجدين على الساحة بالفعل سواء بالدعم أو التدريب لكن هذا التوجه سيكون المهيمن على المشهد في سوريا والعراق بالأساس أما البقاع الأخري التي تتمد فيه روافد تنظيم الدولة ربما يختلف فيها السيناريوهات قليلًا حتى وإن اتفق الهدف.

3ـ الأزمة الليبية:

ستعمل إدارة كلينتون، إذا وصلت للبيت الأبيض، على التواصل والتنسيق مع الحكومة الاممية القائمة في ليبيا وربما ستسعى لتدخل جوي بناء على طلب من الحكومة الأممية ولكن التدخل الجوي سيكون متعدد الأطراف بالعمل مع دول أوروبا أو حلف الناتو على الأخص. أما التدخل البري فبجانب الاعتماد على المقاتليين المحليين كما تبنت ذلك فإن الوضع في ليبيا قد يكون بحاجة لدعم عربي وهنا أغلب الظن أن الأنظار ستوجه إلى مصر للمساعدة في القضاء على تنظيم الدولة في الداخل الليبي بسبب الحالة التي تعانيها الحكومة والجيش الليبي.

4ـ سيناء:

أشارت إليها كلينتون في ظل حديثها عن تنظيم داعش بها والذي يمثل خطورة شديدة على أمن إسرائيل، وتعتبرها أحد أهم البؤر الداعشية التي يجب التعامل معها وحددت أن التعامل يجب يكون بالهزيمة والقضاء وليس بالردع والاحتواء. ولكن التعامل في هذه الحالة سيكون بالتنسيق مع الحكومة والجيش المصري باعتباره القوة الوحيدة القادرة على مواجهة تنظيم الدولة على أرض سيناء، وبدلًا من دعم وتدريب المقاتلين سيكون الدعم موجهًا للجيش المصري ولكن احتمالية التدخل العسكري بالسلاح الجوي بشكل مكثف تبقى واردة إن اضطرت لذلك أو في حالة فقد الجيش المصري السيطرة عليها.

5- الأزمة السورية:

يبدو أن الأزمة السورية سيتم تنحيتها لتكون بعد أولوية القضاء على داعش. ولكن المرجح أنها ستشهد عدد من المساعي لحلحلة الأزمة ولكن في مستوى عمل أقل بالتركيز على الجهود الدبلوماسية والإغاثية بالأخص المتعلقة باللاجئين كأولوية في الشأن السوري. اما الحديث عن بقاء الأسد من عدمه فلم يعد أولوية وإنما يتم التعامل معه من خلال الجهود الدبلوماسية ومحاولات التوصل لحل سياسي. لذا يمكن القول أن الأمور في سوريا ستبقي على ما هى عليه، إلا إذا أصبح الوضع في سوريا عائقًا أمام التخلص من تنظيم الدولة حينها ستتحول الأزمة السورية إلى ضرورة يجب التعامل معها والوصول إلي حل فيها ليس به شروط مسبقة وربما سيكون حينها مقبول بأي حل سياسي ينهي الأزمة والضغط على المعارضة للقبول به.

6- الإسلام السياسي:

تتعامل كلينتون مع الإسلام السياسي بشكل براجماتي وهي تفرق بين توجهات الإسلام السياسي المختلفة أي أنها تنظر إلى حركة النهضة في تونس بمنظور مختلف عن جماعة الإخوان المسلمين في مصر وتنظر لكليهما بمنظور مختلف عن حماس وحزب الله والقاعدة وتنظيم الدولة وغيرها من التنظيمات الجهادية. فهي تفرق بين فصائل الإسلام السياسي وتتعامل مع كل منها بشكل مغاير عن الأخرى. ففي حين تصف الحركة في تونس أنها معتدلة وتحبذ التنسيق معها، تنتقد جماعة الإخوان المسلمين في مصر، ولكن دون تجاهل حيث ترى ضرورة الاستمرار في متابعتها ومحاولة احتوائها إن صح التعبير، وتتعامل مع حزب الله وحماس على أنهما منظمتان إرهابيتان يجب تقويضهما والحد من نفوذهما، ولكن لا تتعامل معهما بالحدة التي توليها على الأقل في الوقت الحالي مع تنظيم الدولة. ولكنها تحافظ في خطابها على حقوق المسلمين ورفض التمييز ضدهم، أي أنها تمتلك القدرة على تحقيق التوازن واستهداف الأخطر فالأقل خطرًا دون تهييج الرأي العام الإسلامي داخل أمريكا وخارجها، لذا من المتوقع أن يكون التعامل مع تيارات الإسلام السياسي متعدد المستويات والآليات.

7-التغيير وثورات الربيع العربي:

تحبذ كلينتون التغييرات التي تأتي بالشخصيات أو التيارات المقبولة، فالتغييرات في تونس جاءت بحكومة علمانية وسطية وأفرزت حركة إسلامية تصفها بالمعتدلة، لذا فهي ترحب بها، ولكنها تتخوف من الوضع في ليبيا ومصر باعتباره لم ينتج عنه ما يدعو للتفاؤل، فالوضع في ليبيا شديد الاضطراب، وترى ضرورة تقويته وتعزيزه ودعمه. لذا فتوجه كلينتون نحو قبول التغيير أو تشجيعه في الشرق الأوسط أغلب الأمر سيكون مقبولًا إذا كان مع النموذج الديموقراطي التي تسعى هي لنشره بالفعل، ولكن إذا حاد عن ذلك فلن يصبح مؤيدًا من قبلها.

وفي كل الأحوال فإن كلينتون ستسعى إلى دعم الاستقرار في المنطقة بشكل عام وبما يؤمن مصالحها ويضمن أمن إسرائيل بشكل خاص وما يبعد عن هذا الإطار لن ينال أولوية بالقدر الكافي. فاستقرار مصر بالنسبة لها أولوية استراتيجية، ولكن من باب تحقيق أمن إسرائيل المهدد بالوضع المضطرب في سيناء، وبما أن القوة العسكرية كلها متمركزة في يد القوات المسلحة المصرية لذا يبقي أفضل خيار لها في مصر المؤسسة العسكرية والنظام الذي يحارب “الجهاديين” في سيناء، وأي تغيير في الوقت الحالي لن يمثل ملمحًا إيجابيًا على مصالحها. ولكن يمكن السعي لدعم النظام وتخفيف أعبائه ومحاولة إضفاء لمحة ديموقراطية عليه لتخفيف الاحتقان الداخلي لا أكثر من هذا.

أما الحال في ليبيا فإنه يمثل مصالح مباشرة من حيث احتياطي النفط الليبي الذي بدأ يتسرب لأيدي تنظيم الدولة كما أن فرصة سقوط ليبيا في أيدي داعش ستعطيه قوة جديدة لا يمكن الاستهانة بها. بالإضافة إلى النتائج السلبية التي تنتجها الأزمة في ليبيا فيما يتعلق بمراقبة الحدود الشمالية التي قد تتسب في العديد من المشكلات التي يتم إرسالها إلى أوروبا.

أما سوريا التي طغي خطر تنظيم الدولة على أزمتها فإنه يتم التعامل معها بشكل أقل اهتماما بكثير من ذي قبل حتى أن فكرة رحيل الأسد التي تمسكت بها الولايات المتحدة لم تصبح من المطالب الرئيسية في الوقت الحالي.

وبالانتقال للوضع في اليمن لا تبدي كلينتون اهتماما بها بقدر مماثل للأوضاع في غيرها من الدول، لأن المصالح الأمريكية في تلك البقعة ليست كغيرها، كما أنها تكتفي مرحلياً بتدخل حلفائها كالإمارات والتنسيق معها، بالرغم من أنه لا يمكن إنكار أن موضع اليمن من خليج العقبة ومضيق باب المندب لا يمكن تجاهله. لكن الأوقع أن كلينتون تريد ترتيب ألويات التعامل وتوزيع الادوار في الشرق الاوسط بشكل متعدد الاطراف.

8- التدخل العسكري في الشرق الأوسط:

كلينتون ربما لا تحبذ التدخل العسكري المباشر في الشرق الاوسط فهي تُفضل التدخل النوعي وتتشابه في هذا التوجه مع توجه الديمقراطيين بشكل عام. ولكن الفارق بين كلينتون وتوجهات الديموقراطيين بشكل عام أنها تميل إلى توظيف جميع مصادر القوة الأمريكية بما فيها القوة العسكرية. لذا لن تتعرض كلينتون للتدخل البري او إنزال قوات أمريكية للقيام بمهام عسكرية في المنطقة ولكنها ستعتمد على الضربات الجوية إذا ما أرادت التدخل المباشر، فهي ترفض توريط القوات الأمريكية في مناطق صراع تستهلك أرواح جنودهم فيها. وستعتمد على المقاتليين المحليين في بقاع الصراع المختلفة في تدريبهم وتمويلهم وتسليحهم أو إرسال قوات خاصة لمساعدتهم في تحقيق الأهداف الأمريكية في المنطقة.

وعلى الجانب الآخر ستستثمر علاقاتها مع دول الحلفاء التي تملك قوة عسكرية للتعويض عنها في أداء المهام الأمريكية في المنطقة، مثل تركيا وقواتها المسلحة في محاربة داعش، ودول الخليج في الدعم المادي والاقتصادي، والقوات المسلحة المصرية للتعامل مع الوضع المتأزم في سيناء، وربما تستعين بها في ليبيا إذا لزم الأمر، وأصبح الدعم الجوي لا يؤتي ثمار ولابد من تدخل بري فستكون مصر هي المنوطة بهذه المهمة.

واستناداً لتلك التوجهات وغيرها، يمكن القول أن إيران وتركيا من أكبر المنتفعين من سياسة كلينتون مقارنة بما هو محتمل من توجهات ترامب، والسعودية والإمارات هما الأكثر إستفادة من فوز ترامب، لكن مجئ كلينتون قد يكون أفضل من الوضع الحالي مع إدارة أوباما. بالنسبة لمصر فكلينتون ربما تتعامل بشكل أعمق من ترامب للتعامل مع الوضع في سيناء مع العلم أن ترامب سيسعى بدوره للتنسيق مع مصر لأن شأن سيناء يقع في أهم أولويات الولايات المتحدة.

بالنسبة للجماعات الجهادية فترامب بالرغم من أنه يملك لهجة حادة بخصوصها إلا أنه في حقيقة الأمر يقوم بترويج دعاية لها ووصوله للبيت الأبيض يعني مزيد من التعامل العنيف وبالتالي مزيد من ازدهار التوجهات العنفية في الشرق الأوسط، وهو بالفعل ما تريده الجماعات الداعمة لذلك، حيث ترى في ترامب فرصة جيدة لتساعدها على الانتشار والتوغل بشكل أعمق.

على العكس فإن الذكاء الذي تتعامل به كلينتون يعمل على إضعاف تلك التنظيمات من جذورها واستهداف نقاط قوتها الاساسية بشكل دقيق وبالتالي تكون استراتيجية كلينتون أكثر فاعلية وتأثيرًا. أما بالنسبة لمستقبل الإسلام السياسي فالوضع متقارب والاختلاف طفيف بينهما ليس من ناحية التصور ولكن من ناحية الآليات فكل منهما يولي الجماعات الإسلامية قدراً من الاهتمام يتناسب مع حجمها حتى وإن كان ترامب اكثر تشددًا في الخطاب، لكن من منطق التنفيذ فإن التركيز سيكون على أولوية توجيه الضربات للتنظيمات الجهادية كداعش والنصرة وحزب الله وحماس على الترتيب.

الخلاصات:

في ضوء خطابات كلينتون وكتاباتها المتعددة، يمكن الوقوف على بعض الملامح المميزة لهيلاري:

1ـ تتميز خطاباتها وكتاباتها بالتحديد والدقة، فهي تضع الاستراتيجية وتشرح أهدافها في بادئ الأمر ومن ثم توضح توجهاتها العامة، ثم تنتقل إلى الآلية والتطبيق بنقاط تفصيلية أحيانا. وكثيرًا ما تكون استراتيجيتها تحتوي على شقين شق يُغطي الجانب قصير المدى، وآخر طويل المدى والأهم من ذلك أنها تكاد في كل استراتيجيتها تتبنى مفهوم القوة الذكية فتمزج في آلياتها بين مصادر القوة المختلفة بداية من الدبلوماسية مرورًا بالمخابراتية وصولًا للعسكرية دون إخلال أو تفريط.

2ـ أنها صاحبة تاريخ طويل من العمل السياسي والبقاء في دوائر صنع القرار لسنوات طويلة أثقلت مهاراتها وأعطتها حنكة وخبرة تشعر بها في الكثير من خياراتها الاستراتيجية. تعرف فيما تتحدث وأين تصمت، تتسم بالتركيز الشديد، وتملك الكثير مما لم يتم الإفصاح عنه.

3ـ أنها متعددة الخبرات، ويكنمها توحيد الصفوف، فكلينتون كانت في بداية نشاطها السياسي من الجمهوريين وانتمت بالفعل للحزب الجمهوري، ونتيجة لذلك فإنه بالنظر لتوجهات كلينتون ومقارنتها بمنافسها الحالي ترامب ومنافسها السابق أوباما يمكن القول أنها تقع في المنتصف بينهما في توجهاتها في السياسة الخارجية وتمزج بين العديد من النقاط التي تميز كل منهما.

فهي تمتلك حنكة وتروي الديمواقرطيين في التعامل مع النظام الدولي والتفكير في كل فعل للولايات المتحدة، وما يمكن أن ينتج عنه حتى فيما يتعلق بالصورة الذهنية للولايات المتحدة؛ كما أن لديها القدرة على اتخاذ القرارات الحاسمة، والتي في الأغلب تكون ذات طابع عسكري، فهي لا تتردد كأوباما في اتخاذ قرارات التدخل العسكري، حيث كانت ترى وهي تتولي الخارجية ضرورة تدريب المعارضة السورية وتسليحها.

4ـ تميل كلينتون لتوظيف الجهود المخابراتية بشكل عالٍ حيث أنها تهتم بالتنسيق والتبادل المخابراتي في التعامل مع معظم الأزمات التي تواجهها، كالتعامل مع تنظيم الدولة والأزمة في سوريا وكوريا الشمالية وغيرها. أي أنها تعظم من الدور المخابراتي وتلقي الكثير على عاتقه لتجنب اللجوء للقوة العسكرية قدر المستطاع، وإن كان هذا لا يتنافي مع أن لديها ميول عسكرية ولكن بطرقة ذكية توظفها حين لا يصبح هناك بديل عنها، فطالما هناك وسيلة أخرى للتعامل، يتم تأجيل التعامل العسكري حتى استنفاذ الفرص أما إذا نفذت فالبديل العسكري يبقي دائماً مطروحاً.

————————————–

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

(2) “Clinton secures enough delegates to become first woman to top a major-party ticket”, Washington Post, 6th June 2016, URL, Date of access: 7th June 2016.

(3) يعرف ارنست ويلسون القوة الذكية على أنها قدرة الفاعل الدولي على مزج عناصر القوة الصلبة والقوة الناعمة بطريقة تضمن تدعيم تحقيق الأهداف الفاعل بكفاءة وفعالية. ويحدد هذا التعريف مجموعة من الشروط الإضافية التي يجب توافرها لتحقيق القوة الذكية:

  • الهدف من ممارسة القوة فالقوة لا يمكن أن تكون ذكية دون أن يعرف ممارسوها الهدف من استخدامها والشعوب والمناطق المستهدفة من هذه القوة.
  • الإدراك والفهم الذاتي للأهداف بالاتساق مع القدرات والإمكانيات المتاحة فلا يمكن للقوة الذكية أن تعتمد على الأهداف دون تحديد عنصري الإرادة والقدرة على تحقيقها.
  • السياق الإقليمي والدولي الذي سيتم في نطاقه تحقيق الأهداف.
  • الأدوات التي سيتم استخدامها بالاضافة إلى وقت وكيفية توظيفها منفصلة أو مع غيرها.

فالفاعل بحاجة إلى إدراك مخزون الدولة من الأدوات والإمكانات ونقاط القوة ونقاط الضعف  القيود على مقدرات القوة. فالقوة الذكية ليس فقط امتلاك المصادر الناعمة والصلبة والمزج بينهما بل القدرة على تحديد وقت استخدامها وأي نوعي القوة يفضل استخدامه في الموقف والقدرة على تحديد متى يتم الدمج بينهما وكيف يتم الدمج. فالاتجاه المركب لتفسير القوة من خلال القوة الذكية يعنى التعامل مع عناصر القوة الناعمة والصلبة ليس على أساس كونهم منفصلين بل على التعامل معهم ككل والتعامل مع التداخل القائم بينهما. لمزيد من التفاصيل عن مفهوم القوة الذكية يمكن الاطلاع على: يمنى سليمان ، “القوة الذكية ـ المفهوم والأبعاد: دراسة تأصيلية” ، المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية ، 12 يناير 2016 ، الرابط.

(4) James M. Lindsay, “Campaign 2016: Former Secretary of State Hillary Clinton, Democratic Presidential Candidate”, Council on Foreign Relations, 13th April 2015, URL, Date of access: 3rd June 2016.

(5) “Hillary Clinton on Defense”, Campaign 2016 (The Candidates and the World), Council on Foreign Relations, URL, Date of access: 24 May 2016.

(6) “21st century statecraft”, U.S Department of state official website, URL, Date of access: 1st June 2016.

(7) لعل المثال الاقرب هو جلسة السؤال والجواب مع المدونين المصريين في ربيع 2011 في أعقاب الثورة المصرية على أحد مواقع التواصل الإجتماعي العربية والتي شارك فيها ما يقارب 6500 شاب مصري بتقديم اسئلة مما وسع من مجال التواصل والمشاركة مع الشعوب.

(8)لمزيد من التفاصيل الاطلاع على المصدر السابق.

(9) Richard N. Hass, Conversation with “Hillary Rodham Clinton on Strategic Interests, Values, and Hard Choices”, Council on Foreign Relations, 12th June 2014, URL, date of access: 1st June 2016.

(10) “Hilary Clintonfull Speech on foreign policy”, Youtube, 2nd June 2016, URL, Date of access: 6th June 2016

(11) Hillary Clinton, “America’s Pacific Century”, Foreign Policy, 11th Oct 2011, URL, date of access: 3rd June 2016.

لمزيد من التفاصيل حول العلاقات الأمريكية مع الدول الآسيوية يمكن الإطلاع على الرابط السابق.

(12) Hillary Clinton, “Remarks at Plenary Session of the U.S.-China Strategic and Economic Dialogue”, U.S Department of state website, 27 July 2009, URL, date of access: 3 June 2016.

لمزيد من التفاصيل عن الاستراتجية يمكن الاطلاع على الرابط السابق.

(13) Hillary Clinton, “America’s Pacific Century”, Foreign Policy, 11th Oct 2011, URL, date of access: 3rd June 2016.

(14) James M. Lindsay, “Campaign 2016: Former Secretary of State Hillary Clinton, Democratic Presidential Candidate”, Council on Foreign Relations, 13th April 2015, URL, Date of access: 3rd June 2016

(15)Fareed Zakaria, Conversation with “Hillary Clinton on National Security and the Islamic State”, Council on Foreign Relations, 19 Nov 2015, URL, date of access: 3 June 2016.

(16)Ibid.

(17) Hillary Clinton, “Hillary Clinton addresses the nuclear deal with Iran”, The Brookings Institution, 9 Sep 2015, URL, date of access: 4 June 2016.

(18) Ibid.

(19) Ryan Teague Beckwith, “Read Hillary Clinton’s Speech to AIPAC”, TIME,21 Mar 2016, URL, date of access: 16 June 2016.

(20) Ibid.

(21) Richard N. Hass, Conversation with “Hillary Rodham Clinton on Strategic Interests, Values, and Hard Choices”, Council on Foreign Relations, 12th June 2014, URL, date of access: 1st June 2016

(22) “Hilary Clinton full Speech on foreign policy”, Youtube, 2nd June 2016, URL, Date of access: 6th June 2016

(23) Ibid.

(24) لمزيد من التفاصيل حول سياسة ترامب: يمنى سليمان، “توجهات السياسة الخارجية عند دونالد ترامب”، المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية ، 21 مايو 2016 ، الرابط.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close