قلم وميدان

ثقافة إدارية: التخطيط في المؤسسات الرشيقة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

انطلقنا في مقال سابق نحو مفهوم المؤسسات الرشيقة في محاولة لتأصيل المفهوم وإيضاح أسباب اللجوء لهذه المنهجية الجديدة في إعادة تشكيل المنظور الإداري للمؤسسات والخروج من الأشكال النمطية المتوارثة خلال قرن مضي من الزمن، وذلك من خلال تسليط الضوء على سمات العصر الحديث وأسلوب عمل المؤسسات في ظل ظروف الأسواق والتغيرات المتسارعة بشكل كبير.

وفى عصر الثورة المعرفية أصبحت كل المفاهيم القديمة قابلة لإعادة النظر والتشكيل، ولم يعد هناك ثوابت بالمعني الموروث في مجال إدارة المؤسسات الحديثة التي أطلقنا عليها المؤسسات الرشيقة.

وفي هذا المقال نحاول الخوض بشيء من التفصيل في طبيعة تكوين هذه المؤسسات والتعرف على محاور وأعمدة تأسيس هذه المنظمات وسماتها التي يجب العمل على توفيرها، ولتكن البداية من حيث أسلوب التخطيط في المؤسسات الرشيقة وطبيعته وأهم مفاهيمه ومحاوره.

من أين نبدأ؟

يبقى الهدف من إنشاء المؤسسات هو المبرر الرئيس في تأسيسها وإيجادها وإذا غاب المبرر أو لم يكن واضحاً فسوف تتحول المؤسسات إلى أجساد بلا أرواح، قائمة –فقط- لمجرد الوجود ليس أكثر. وكثير من المؤسسات مع مرور الزمن تختفي غاياتها وتغيب أهدافها ومع غياب مؤسسيها أو فنائهم تصبح المؤسسة، على كبر حجمها وضخامة هياكلها، كالطفل الضائع الذي لا يعرف وجهته ويسير في الحياة مشتت الذهن بلا هوية.

إن وجود رؤية حقيقية لأية مؤسسة هي البوصلة التي ترشد كل عناصر تلك المؤسسة والمنتمين إليها وتعطي الثقة لكل العناصر التي يدور حولها عمل المؤسسة.

وفى مجالات التخطيط الاستراتيجي بأنواعه المختلفة، سواء المبنية على النتائج أو المبنية على التحليل أو حتى أصحاب المدرسة التي تمزج النوعين، تظل الرؤية هي الغاية التي تقوم من أجلها المؤسسة وهي الحلم الذي يداعب خيال كل المنتمين للمؤسسة ولذا كانت وستظل رؤية المؤسسة هي نقطة البداية لأي خطط ومنطلق كل مسارات التعامل مع المستقبل.

من أين تولد الرؤية والرسالة؟

كان أصحاب رؤوس الأموال وأصحاب السلطة في المؤسسات في العصور السابقة هم من يكتبون الرؤى للمؤسسات، بل ويؤكدون الحلم والغاية بما يتلاءم مع مصالحهم أو مصالح من يمثلونهم.

في عصر المؤسسات الرشيقة باتت الرؤية تتولد من حاجات أصحاب المصالح واللاعبين المعنيين، ولم تعد المؤسسات هي تلك الكيانات التي تخدم مصلحة فئة واحدة وهم أصحاب رؤوس الأموال أو أهل السلطة، بل أصبحت رؤية المؤسسة معبرة بكل وضوح عن طموحات أصحاب الأثر والمصالح في المؤسسة (Stakeholders ) فهي التي تجيب على أسئلة جميع اللاعبين في المؤسسة؛ فتخبر الزبائن لماذا يتعاملون مع المؤسسة، وتخبر العاملين لماذا يعملون في المؤسسة، وتخبر المجتمع عن علاقته بالمؤسسة.. وهكذا أصبح مفهوم “أصحاب المصالح” هو الأساس الذي تنطلق منه المؤسسة في وضع رؤيتها وحلمها للمستقبل.

التركيز نحو الهدف

لماذا لا نأكل الحلوى أولا؟

حين أطلق الشيف جاك توريس (ملك الشيكولاتة) المتخصص في صناعة الحلويات نصيحته الشهيرة (كُل الحلوى أولا فإن الحياة قصيرة) فإنه كان يقصد الترويج لمنتجاته الجميلة، ولكنه بالفعل -ودون قصد منه- فتح مجالات جديدة أمام المدراء وأصحاب المؤسسات لنهج جديد في سبيل تحقيق الأهداف من أقصر طريق.

ولنسأل أنفسنا: لماذا نصر أن نجعل الأشياء الجميلة تأتي أخيراً؟ ولماذا نحمل أنفسنا عبء الأعمال غير المرغوبة للوصول إلى ما نريد؟ ولماذا أنا أضطر لإنهاء كامل طعامي حتى أحصل على الحلوى في النهاية؟!

إن هذه الطريقة تعني أنني أمارس على ذاتي نوعا من الضغط وأتحمل عبء إنهاء الوجبة بأكملها حتى أحصل على الحلوى في النهاية. وماذا سيحدث إذا تمردت على العادات والتقاليد وبدأت بأكل الحلوى؟

إن كانت الحلوى في حد ذاتها هدفا فلمَ لا نتجه نحو الهدف مباشرة؟ ولماذا نصعّب على أنفسنا الطريق نحو الهدف؟ وما هو الدافع من عمل أشياء لا نرغب فيها لمجرد الحصول على الجائزة؟

إن الجائزة ليست بعيدة ومنالها قريب ولا داعي لإجراءات وعمليات لا طائل من ورائها وإن كنا بالتأكيد نحتاج لبعضها أو لأدائها بشكل مختلف عما تعودنا عليه.

الأهداف في المؤسسات الرشيقة واضحة ومعلومة، ويجب الوصول إليها من أقصر الطرق دون تكلف أو إضاعة وقت، ويمكننا أن نصنع قيمة مضافة في أسرع وقت ممكن، وهذا -بلا شك- يخدم المؤسسة ويلبي طموح أصحاب المصالح ويساعد على تحويلهم إلى شركاء حقيقيين في المؤسسة.

وحينما يدعونا أحد الأصدقاء إلى تناول الغداء في أحد المطاعم، فإن صاحب المطعم يكون أمام عدة خيارات حتى يحقق لنا هدفنا ويقدم لنا الطعام الذي نشتهيه. ومع اختلاف رغباتنا وتنوع طلباتنا تكمن المعضلة عند صاحب المطعم، وهنا يكون أمام عدة خيارات هي:

الأول: أن يتعامل معنا كوحدات منفصلة؛ وبالتالي من يتم تجهيز وجبته يبدأ في الطعام، وهنا يمكن أن نجد أن أحدنا قد انتهى من طعامه، بينما هناك شخص آخر لم ينل نصيبه من الطعام، وهذا يسبب حرجا كبيرا لجميع الأطراف.

الخيار الثاني: أن ينتظر صاحب المطعم حتى ينتهي من إعداد جميع الوجبات ويقدمها لنا دفعة واحدة وعليه أن يتحمل فترة تململنا وانزعاجنا من تأخر الطعام، بل قد يتحمل ما هو أخطر من ذلك وهو انصرافنا من المطعم قبل إحضاره الطعام لطول فترة الانتظار.

أما ثالث هذه الخيارات هو التعامل بذكاء مع الموقف ويقوم صاحب المطعم بتقديم أجزاء الوجبات المشتركة للجميع؛ فمثلا يبدأ بتقديم المرقة للجميع دفعة واحدة ثم يليها المقبلات والخبز الساخن، وبذلك لا نشعر بالملل بينما يقوم الطاهي بإعداد الأطباق الرئيسة ونكون نحن مستمتعين بالمقبلات والمرقة، ثم يفاجئنا بتقديم الأطباق الرئيسة، كلٌ حسب طلبه، فلا نشعر بالملل بل قد نشكره على حسن أدائه وكأنه يكافئنا بالطبق الرئيس فنشعر بالرضا التام.

هكذا هي الأهداف في مؤسساتنا الرشيقة؛ لا يجب أن نحبس النتائج حتى النهاية، ففي ذلك خطر شديد لأن أصحاب المصالح لن ينتظروا كثيرا، وعلى الإدارة الواعية في المؤسسات الرشيقة أن ينتبهوا لحاجات أصحاب المصالح ويحاولوا تقديم المنتجات واحدا تلو الآخر حتى يصلوا إلى المنتج النهائي واكتمال تحقيق الهدف.

الخطط البديلة والرشاقة الإدارية

أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل أن تصنعه بنفسك (بيتر دراكر)

لعل أخطر نتائج تحليلات البيئة الخارجية بأنواعها هو رصد التهديدات التي يمكن أن تواجه المؤسسات في المستقبل وهي التي تتطلب من القائمين على تحليل البيئة إدراكا وتنبؤا مبنيا على الاستنتاج وفك وتركيب الشواهد والمظاهر والمقدمات للأحداث المستقبلية، وهنا تظهر أهمية الخطط البديلة التي تعطي الإدارة قدرة على المناورة والتعامل بمرونة مع التغيرات المتوقعة.

وتظهر مهارة المؤسسات في اختيار الاستراتيجية المناسبة للتعامل مع هذه التهديدات المتوقعة ومن هذه الاستراتيجيات:

  1. استراتيجية المواجهة قد تكون مواجهة التهديد خيرًا من محاولة تفاديه وخصوصا عندما تدرك المؤسسات أن مواجهة التهديد ستمنع تكراره في المستقبل بحال من الأحوال، وهنا تحشد المؤسسة طاقاتها وقدراتها وتتمكن من المواجهة مع حساب قدر الخسائر الناجم عن هذه المواجهة.
  2. استراتيجية التفادي: وحينها تدرك المؤسسة أن التهديد سيقع، لا محالة، وأنه يجب على الإدارة وضع ما يكفي من التدبير لتفادي أثره والابتعاد عن أضرار.
  3. استراتيجية المنع: وهنا تكون المؤسسة لديها القدرة الكافية للتدخل لمنع وقوع التهديد، وفى هذا الاتجاه تستخدم المؤسسة الخطط الوقائية ورصد مصادر التهديد ووأدها في بدايتها.
  4. استراتيجية التعايش: مع التيقن من وقوع التهديد وعدم القدرة على منعه أو تفاديه يكون خيار المؤسسة هو التعايش مع آثار هذا التهديد، لا سيما إذا كانت آثاره ضعيفة وغير مدمرة مع التعويل على القدرة على إعادة صياغة الأحداث في المستقبل وتطويع التهديد وإزالة آثاره.
  5. استراتيجية التحويل: وهنا تتجلي قدرة المؤسسة على إيجاد البدائل لتوزيع آثار التهديد وتحويلها نحو كيانات أخرى قد تتحمل هي آثار التهديد إما بمقابل أو بدون مقابل أو لأنها قادرة على مواجهته

وطالما أن الإدارة كانت لديها البدائل لمواجهة تغيرات المستقبل؛ فإنها تصبح أكثر قدرة ومرونة في التعامل مع الأحداث ويكون تعاملها مبنيا على أسس وخطط مسبقة وليس تحركاً عشوائياً أو مجرد رد فعل للأحداث إنها باختصار لعبة الشطرنج التي تتطلب النظر لأبعد ما يمكن وتحقيق البصيرة لدى قادة المؤسسات.

 العمل الذكي ليس صعباً

كما نعلم أن الفارق بين الفعالية والكفاءة كبير، وبينما نحن نحتاج إلى اتخاذ القرارات بفعالية صحيحة، فإننا أيضا نحتاج إلى التنفيذ بأفضل كفاءة ممكنة؛ فبينما تُعرف الفعالية بأنها اتخاذ القرار الصحيح لعمل الشيء الصحيح، فإن الكفاءة تعني التنفيذ بشكل صحيح. وهنا نحتاج أن نقف ملياً أمام آليات التنفيذ وأساليب العمل وتبسيط الإجراءات أثناء العمل (وهذا ما سنخصص له مقالا منفردا بإذن الله) ولكن ما نحاول هنا التنويه عنه هو أهمية اختيار أفضل السبل في التنفيذ، وعلى رأس هذه السبل الاستثمار الجيد للوقت وإدارة الزمن أثناء تنفيذ الخطط، وعدم إضاعة الأوقات للوصول للأهداف، والإنجازات الكبيرة لا تحتاج للوقت الطويل بينما تحتاج للعمل الذكي.

وإدارة الوقت هي أحد سمات المؤسسات الرشيقة التي تستفيد من كل دقيقة من وقتها، وتترجم هذا الزمن إلى إنجازات حقيقية. وهنا لا يكفينا فقط توزيع الأنشطة والمهام على الزمن ببعض الآليات المستخدمة في ذلك (خارطة جانت وغيرها) بل نهتم بالاستفادة من الزمن في إنجاز أكبر قدر ممكن من الأعمال.

ولعل تحديد مدة زمنية وتعيينها للانتهاء من الأعمال هو أحد أهم عوامل الإنجاز؛ حيث لا مجال للتراخي مع الزمن وإضاعة الأعمار في إنجازات لا تحتاج كل هذا الوقت.

ولعلنا حين نتعرض لموضوع تطوير أساليب العمل وتبسيط الإجراءات ندرك أهمية اختصار الأوقات ونتعلم كيف استطاعت مؤسسات ودول اختصار سنوات من عمرها في إنجاز مهام وتحقيق أهداف كان من المفترض أن تتحقق في سنوات بعيدة. ويتجلى ذلك عندما نعلم أن القوات الجوية الأمريكية استطاعت اختصار زمن إنتاج أحد أنواع الصواريخ من ستة أعوام إلى عامين فقط بفضل استخدام أسلوب بيرت في التنفيذ.

إن المؤسسات الرشيقة تعتبر الوقت هو الطريق الصحيح لاستخراج الكنز الموجود بداخلها، فإذا ضاع منها الطريق ضاعت الثروة.

وختاماً

يمكن أن نلخص ما سلف في مجموعة من النقاط المركزة كما يلي:

  1. رؤية المؤسسة ورسالتها هي البوصلة التي ترشد الجميع إلى الإنجاز.
  2. يجب أن تُعمق المؤسسات مفهوم أصحاب المصالح وتتعامل معه كمكون أصيل من مكوناتها.
  3. المؤسسات الرشيقة تقفز نحو أهدافها مباشرة دون الدخول في متاهات وأعمال غير مفيدة.
  4. تجزئة الأهداف إلى محطات إنجاز صغيرة تعطي شعورا بالإنجاز السريع بما يدعم المؤسسة.
  5. الاستعداد للمستقبل بالخطط البديلة يولد نوعاً من الرشاقة الإدارية وقدرة على المناورة.
  6. يجب أن تستعد المؤسسة باستراتيجية واضحة لمواجهة التهديدات المستقبلية.
  7. اختيار أساليب التنفيذ الذكية واختصار الوقت هو أحد أهم صفات المؤسسات الرشيقة.

المراجع

  1. كتاب دليل الإدارة الاستراتيجية وتوجه أصحاب المصلحة– إدوارد فريمان
  2. كتاب فن الإدارة – بيتر دراكر
  3. إدارة المشاريع الرشيقة – معهد المشاريع الاحترافية بأمريكا
  4. صفحة الشيف جاك توريس على موقع فيس بوك  ( *).

(* ) الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *