fbpx
قلم وميدان

ثقافة إدارية: عصر المؤسسات الرشيقة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

في ظل عالم متحرك ومتغير بوتيرة لم يسبق لها مثل ومع ما يعرف بالثورة المعرفية باتت المؤسسات والشركات في تحدِ حقيقي لمجرد الحفاظ على مكانتها في الاسواق فضلا عن قدرتها على المنافسة الجادة والشرسة مع المؤسسات الأخرى. وكم من صناعة اندثرت وشركات غابت في طي الاحداث ومؤسسات كبرى انهارت وتراجعت لذيل التصنيفات العالمية في صناعتها وتخصصاتها كل ذلك ليس الا نتيجة طبيعية لعدم القدرة على مجاراة التطورات والانتقال من مربع إلى آخر بنفس السرعة التي يسير بها عالم الصناعة والخدمات.

ولا يخفي على أحد حجم التغيرات التي أصبحنا نعيشها كل يوم والتي باتت فيها جميع الأوراق مختلطة بعضها البعض وباتت المؤسسات والشركات مطالبة بتحليل أكثر عمقا للبيئة الخارجية ومتابعة ما يدور حولها من أحداث وتطورات سواء سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو حتى رياضية.

ولذلك لم تعد المؤسسات في ظل هذه التغيرات قادرة على السير مع حركة العصر بشكلها التقليدي وأدائها المعتاد ونمطها الإداري الساكن ولم تعد تلك الجيوش من الموظفين ولا اطنان الأوراق المدون عليها اللوائح والاجراءات ولا تلك المباني الضخمة الشاهقة ولا مكاتب المديرين الفارهة هي مقومات مواجهة هذا السيل الجارف من التغيرات والتطورات بل ان شئنا قلنا هذه الثورات التي تقلب كل شيء حولنا رأساً على عقب وأصبحنا فعلا في أمس الحاجة لإطلاق هذه الروح الإدارية الجديدة وتعميق طريقة تفكير إدارية اكثر تطورا ومرونة ومن هذا المنطلق كان مصطلح المؤسسات الرشيقة.

فى عام 2001 عندما اجتمع مجموعة من خبراء صناعة البرمجيات لمحاولة أيجاد طريقة للتعامل مع مشاريع البرمجيات بأسلوب أكثر تطورا وتماشيا مع روح الصناعة وتوصلوا الى مفهوم إدارة المشاريع الرشيقة انطلقوا لوضع هذه المنهجية الإدارية في إدارة مشاريعهم ووضعوا لها أربعة قواعد أسسوا عليها هذه المنهجية وقد انبثق عن هذه القواعد أثني عشر مبدئاً إداريا يلخصها الشكلين التاليين:

شكل رقم (1)
شكل رقم (1)
شكل رقم (2)
شكل رقم (2)

وقد كان من الواضح أن الهدف من إيجاد منهجية جديدة لإدارة المشروعات وخصوصا مشروعات صناعة البرمجيات هو التغلب على مشكلات إدارية تعيق تحقيق الاهداف بالشكل المطلوب والمرضي لأصحاب الاثر والنفوذ في المشاريع وفق ما كان متبعاً في إدارة المشاريع التقليدية.

ورغم هذه المبادرات التي انطلقت منذ ما يقرب العقدين من الزمن إلا أنها ظلت تدور في فلك المشاريع والأعمال المؤقتة التي لها نقطة بداية ونقطة نهاية ولم تمتد الى تأصيل المنهجية بشكل مؤسسي وطرح الفكرة في المجال الكلى للإدارة أو بمعنى ادق لم تنتقل الفكرة من إطار المشاريع الى دائرة المنتجات

وسوف تظل الفجوة بين إدارة مشروع يتم انشائه من العدم وبين إدارة عمليات الانتاج المستمر ستظل هذه الفجوة تتسع وتنمو في ظل انغلاق الفكر المؤسسي للكيانات والمؤسسات وتمحوره حول التقاليد القديمة ومدارس الإدارة التقليدية.

ومن هذا المنطلق كانت هذه المحاولة نحو أمكانية الخروج بالفكر الإداري المؤسسي من اطاره النمطي التقليدي المعهود الى إطار أكثر رشاقة ومرونة وقدرة على المناورة والتغير تحت مصطلح المؤسسات الرشيقة ولعل المصطلح يعتبر فريدا وغير متداول في ادبيات الإدارة ولكنه أصبح أكثر حضورا والحاحا نحو محاولة جادة لإيجاد بيئة إدارية جديدة وخلاقة تستوعب الافكار الحديثة والمبدعة في الإدارة.

في يناير 2018 قدمت شركة ماكاينزى الشهيرة والمتخصصة في الابحاث الإدارية دراسة حول مواصفات المؤسسات الرشيقة وذلك بالتعاون مع أكثر من 50 مؤسسة علمية تضم خبراء ومتخصصين من جميع المجالات الإدارية وكان الهدف من هذه الدراسة هو الوصول لمعايير ومواصفات المؤسسات الرشيقة ومحاولة وضع أسس لتكوين هذه المؤسسات.

وقد انطلقت هذه الدراسة من إعادة تعريف المؤسسات من البداية ووضع تصور ذهني مغاير للشركات والمؤسسات لهذا التصور المعهود خلال القرن الماضي.

ينظر فريدريك تايلور ورفاقه وتلامذته من بعده للمؤسسات على أنها عبارة عن ماكينات تدور وفق نظام وتوقيتات وآليات محددة من الإدارة وقد نجح بالفعل هذا التصور في الانطلاق في بدايات الثورة الصناعية وازدهرت المؤسسات بفضل هذه النظرة المحددة الواقعية فيما عرف بنظرية الإدارة العلمية والتي تفرض على كل مكونات المؤسسات الانضباط والعمل وفق اللوائح والالتزام بالتخصص الدقيق ومراعاة احتياجات العاملين وتنمية مبدأ الحوافز وتأكيد استخدام الإدارة العلمية بدلا من العشوائية والتخمين ولعل من ابرز نتاج هذه المدرسة بعض الشركات العظيمة التي مثلت فروعا لهذه المدرسة الإدارية ومن اشهرهم شركة فورد والتي اعطت نموذجا فريدا في كيفية الاعتماد على البشر والآلات وكتابة لغة جديدة تجعل الانسجام بين الانسان والالة واضحا ومنتجا وقد استطاعت هذه الشركات تحقيق طفرات في الانتاج ومعدلات الاداء للبشر والآلات على حد سواء وقد سار تلاميذ فريدريك تايلور على هذا النهج لسنوات طويلة  فيما يمثل قرن الإدارة الحديثة من عام 1911-2011 م.

ومع مرور الوقت هبت عاصفة جديدة قوية اقتلعت معها جميع المبادئ الراسخة في الإدارة وذلك  مع ظهور ثورة صناعية جديدة ولكنها هذه المرة لم تعتمد على الآلات قدر اعتمادها على العنصر البشرى والجهد العقلي والمعرفي فكانت الثورة المعرفية والتي اجتاحت أمامها معظم التقاليد الإدارية القديمة والتي كانت قد ترسخت وتجذرت بفعل الثورة الصناعية وما صاحبها من صخب وازاحت الثورة المعرفية الستار عن مارد جديد في عالم الإدارة لا يعترف بالثوابت قدر اعترافه بالمتغيرات ولا يقف كثيرا امام الوثائق قدر وقوفه أمام المنتج ولا يلتزم بالتنظيمات والهياكل قدر التزامه بسهولة التواصل وتدفق المعلومات إنه تعريف جديد للمؤسسات ومنظور آخر للشركات فباتت الإدارة الرشيقة تنظر للمؤسسات على أنها خلية حية وليست ماكينة صماء هذه الخلية الحية التي تتميز بسرعة الحركة والنمو والانشقاق والتكاثر لا تقف كثيرا عند المستويات الإدارية وحدود الاجراءات ولكنها تنطلق بكل مرونة وانسيابية معلنة عن نفسها من خلال المنتجات والانجازات واصبحت أكثر تعبيرا عن نفسها من خلال  مستوى الانجاز وليس قدر الجهد المبذول.

والشكل التالي يوضح المفهوم الجديد للمؤسسات مقابل المفهوم القديم وفق دراسة شركة ماكنزي

شكل رقم (3) تعريف مفهوم المؤسسات الحديثة
شكل رقم (3) تعريف مفهوم المؤسسات الحديثة

وقد استقرت هذه الدراسة حول تحديد خمسة مبادئ اساسية تقوم عليها المؤسسات الرشيقة وهى كما يلي

  1. الاستراتيجية (بوصلة المؤسسات ونجمة الشمال التي تدور حولها كل النجوم)
  2. الهيكل التنظيمي (شبكة لتمكين فريق العمل)
  3. العمليات والاجراءات (قرارات سريعة ودوائر للتعلم)
  4. فريق العمل (تفاعلي وتربطه عواطف وروابط قوية)
  5. التكنولوجيا (الجيل الجديد يدعم التكنولوجيا) (* )..

المراجع:

  1. موقع المعهد الأمريكي لإدارة المشاريع
  2. موقع شركة ماكينزى للاستشارات الإدارية
  3. كتاب مبادئ الإدارة العلمية فريدريك تايلور 1911
  4. كتاب فلسفتي في الصناعة هنرى فورد 1929

* الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. مقال مفتاح ودراسه تستحق التدبر ولعل فيها الخير للدول والمؤسسات الكبرى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close