fbpx
فيروس كورونادراسات

جائحة كورونا وظاهرة العنف المنزلي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تقديم …معدلات العنف الأسري في أرقام

كان العنف المنزلي ولم يزل هو الوجه الخفي للإرهاب داخل المنازل والمساحات الخاصة، حيث تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن واحدة ضمن كل ثلاثة نساء في العالم قد تعرضت إلى العنف البدني/الجنسي من طرف أحد المقربين منها أو للعنف الجنسي من طرف متعدٍ خلال فترة حياتها، وتغلب وقائع العنف من طرف المقربين على تلك الظاهرة، بينما يزيد العنف ضد النساء في حالات الطوارئ، بمختلف أنواعها، بما فيها الطوارئ الصحية، وتتضاعف تبعات هذه الظاهرة ضد النساء المهجرات، واللاجئات، أو اللاتي تعشن في مناطق الصراع.

ورغم ندرة المعلومات – عامة وبحسب الدول – في هذا الصدد، إلا أن الوقائع المسجلة والمعلنة خلال أشهر انتشار الوباء في وسائل الإعلام في دول مختلفة كالصين والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وغيرها تشير لارتفاع معدلات العنف المنزلي بشكل ملحوظ. ففي فرنسا على سبيل المثال، أبلغت الشرطة عن ازدياد في عدد البلاغات المقدمة بخصوص العنف المنزلي بنحو 30 في المئة عن المعدل الوارد في العام السابق على الجائحة (2019)، كما ازدادت عدد الاستغاثات على الخط الساخن الخاص بحماية النساء والأطفال في إسبانيا بنحو 18 بالمئة، بينما رصدت السلطات ارتفاع عدد بلاغات العنف المنزلي في الولايات المتحدة خصوصًا في الأشهر الأولى من الوباء، حيث أوردت البلاغات منع الناجيات من الوصول للموارد المالية والصحية – كالمعقمات- وتهديدهن بالطرد من المنازل، وغيرها من الاعتداءات التي ازدادت تبعاتها مع تقلص فرص الهرب خارج المنزل والاستعانة بالأصدقاء ورفاق العمل أو اللجوء للآباء خوفًا من نقل الوباء إليهم أو للملاجئ خوفًا من التقاط العدوى هناك حال اكتظاظها. أيضًا، بحسب أحد التقارير، فقد بلغ عدد حالات العنف الأهلي المبلغ عنها في مدينة جينجزو Jingzhou في مقاطعة هوبي Hubei ثلاثة أضعاف وقائع  الشهر نفسه – فبراير – من العام السابق (2019)، خصوصًا مع ما يتناقله ناشطون عن تراجع قوات الشرطة عن حماية النساء، رغم إنشاء الدولة الأطر الحمائية للمرأة بما فيها إجراءات القبض على المتعدين والتدخل الإلزامي المبكر، ورغم الانتشار الواسع لجرائم العنف المنزلي في الصين[1].

ولم يختلف الحال كثيرًا في مصر عنه في سائر البلدان التي تضررت من الوباء، فقد أفاد استطلاع رأي للمركز المصري لحقوق المرأة- بالتعاون مع المجلس القومي للمرأة- أن 72 بالمئة من النساء قد انخفضت دخول أسرهن وأن الجائحة قد تسببت في مضاعفة المشاكل الأسرة، حيث اشتكت 33 من النساء من ازدياد المشاكل الأسرية و11 من عنف الأزواج، كما أفاد الاستطلاع أن النساء يمثلن 70 بالمئة من العاملات بالخطوط الأمامية في القطاع الصحي- في مجالات التمريض والنظافة وتجهيز الأطعمة على وجه التحديد- ما أدى لتغيير أنماط الحياة وازدياد معدلات العنف ” بشكل مروع” في الأسرة ومجال العمل على السواء، بحسب ما توصلت إليه نتائج الاستطلاع.  كما شهد المركز زيادة ملحوظة في بلاغات العنف المنزلي التي تلقاها خلال الأشهر الأولى من انتشار الجائحة (مارس- يوليو 2020) حيث وصلت نسبتها ل 43 بالمئة من إجمالي 1146 بلاغًا تسلمه المركز في الفترة المذكورة، ووصلت نسبة البلاغات التي قدمتها النساء لأكثر من 70 بالمئة ، كما أدى وقف أعمال السلطة القضائية وإغلاق محاكم الأسرة بكافة دوائرها لتعطيل تنفيذ الأحكام التي سبق أن حصلت عليها النساء في قضايا مثل الميراث والنفقة وسكن المطلقة وغيرها، ما أدى لمضاعفة العنف إزائهن خلال الجائحة.

وحيث يتضح من الاستعراض الأولي للبيانات والوقائع تنامي ما عرفته منظمة الأمم المتحدة بـ “وباء الظل” أو ال Shadow pandemic في مختلف دول العالم، تبحث الورقة تداعيات جائحة كورونا على ظاهرة العنف المنزلي عمومًا- وفي مصر على وجه التحديد، وكلفتها الاقتصادية والإنسانية المرتقبة، وصولاً لأبرز السياسات والتوصيات الدولية في هذا الصدد.

وبناء عليه، تبدأ الورقة بتحليل العوامل المؤهلة والمتسببة في تفاقم الظاهرة، وأنماطها الرئيسية، وإبراز أوجه تأثير الجائحة على تطور العنف كمًا ونوعًا وما يرتبط به من سياق اجتماعي وقانوني وعملي، ثم تنتقل لبيان أوجه التكلفة الاقتصادية والإنسانية للعنف المنزلي دوليًا وفي مصر، وتقديرات تأثير جائحة كورونا على ارتفاع تلك التكلفة، وأخيرًا تحليل أبرز الخطوات المتبعة في مصر والتوصيات الصادرة بشأن الظاهرة في ضوء تطوراتها الأخيرة.

وحيث تعتمد الورقة في مراجعها إلى أبرز التقارير المحلية والدولية الصادرة في السنوات القريبة، فإنها تسترشد بمنهج البناء الاجتماعي social constructionism  الذي يبحث تطور الظواهر الاجتماعية عبر الافتراضات المشتركة بشأن الواقع وكيفيات تشكلها بالأبنية والأطر السياسية والقانونية والاجتماعية، ويتيح تحليل “تفاهمات” وافتراضات مختلفة- وربما متناقضة- عن العالم الاجتماعي باعتبار النصوص- في الواقع المقروء والمنظور والمعيشي- وسائط مفتوحة للتفسيرات المتعددة التي تتساوى في معايير الصحة والصلاحية على وجه السواء، ولعله ضمن أقرب المناهج لبحث الظواهر المتشابكة والمتجددة التي تشمل افتراضات متباينة لأطرافها عن الواقع المعيشي بينما يتشكل لحظيَا في أرض الواقع.

عوامل ارتفاع معدلات العنف ضد المرأة في مصر

تعاني النساء في مصر من عدد من مظاهر الإقصاء الاجتماعي والثقافي والسياسي التي تضاعفت تبعاتها مع انتشار الجائحة والتي لا ترجع – في تاريخها إلى الأشهر القليلة الماضية- بل تمتد أسبابها لسنوات من تراجع السياسات العامة الموجهة تجاه الفجوة بين الجنسين واستمرار القيم والعادات المجتمعية- وجودًا ودرجة- التي تمنع تمكين المرأة اقتصاديًا وقانونيًا وتكرس موضعتها في الطرف الأضعف من العلاقات القائمة على الاستغلال. وفيما يلي بيان بعضٍ من أبرز العوامل الفاعلة في هذا الصدد:

المرأة في سوق العمل الرسمي

كان أحد آثار الحراك السياسي بين عامي 2011 و2014 أن تصدرت قضايا التغيير السياسي على حساب الخدمات العامة التي تقدمها الدولة – عبر أجهزتها المختلفة- للمواطنين، وكان من تبعات هذا أن قلت خدمات الصحة المقدمة للنساء سيما الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة وسياسات دعم النمو الاقتصادي وفرص العمل ومحاربة الفقر، كما تراجعت الجهود الداعمة للفصل بين فترات الإنجاب ما أدي لرفع متوسط الإنجاب للمرأة من معدلاته الثابتة على مدار الأعوام 1995-2005 إلى معدل مرتفع 3/3.5 للمرأة خلال عام 2014، وقد كان هذا بين العوامل التي أدت لتراجع المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة في المجال العام. ففي الفترة نفسها، أظهرت نتائج إحدى تقارير المركز المصري لبحوث الرأي العام (بصيرة) عام 2014 تراجع نصيب الزوجات من القوى المحلية العاملة لنحو 11 بالمئة مقارنة ب25 بالمئة للنساء غير المتزوجات، كما أظهر التقرير ان نحو 66 بالمئة من الزوجات خارج قوة العمل ، بينما 87 بالمئة من الحاصلات على درجات جامعية لا يعملن بسبب توجيههن الوقت للأسرة، وأظهر تقرير لاحق لـصندوق السكان التابع للأمم المتحدة عام 2016 أن الفجوة الاقتصادية والسياسية يبن الجنسين- عمومًا- في مصر قد وصلت إلى 0.441 مع تراجع مصر للمركز 135 عالميًا في معدلات مشاركة المرأة اقتصاديًا- في مجال العمل الرسمي على الأقل- ما يعني بقاء المفاضلة بين العمل والمنزل لدى قطاع عريض من النساء في مصر، واللاتي لا تسمح لهن الدراسة الجامعية للعمل في ظل المسؤوليات الأسرية.

ورغم أن هذا لا يفترض أن يشكل نقدًا للقطاع الأعم من النساء في مصر، كون المسؤوليات التربوية والأسرية هي الأولى للنساء في مصر كما في مختلف دول وثقافات العالم، إلا أنه كثيرًا ما يتزامن- في ظل معدلات الفقر المتسارعة- مع مزيد من العنف ضد النساء لتضاءل قدرتهن على الاستقلال الاقتصادي/المالي عن الأزواج، كما يتزامن مع تضاءل نصيب النساء من الوظائف والمناصب الهامة/الريادية/عالية التقنية، حيث يشير التقرير الصادر إلى أن نصيب النساء من تلكم الوظائف لا يجاوز 36 بالمئة مقارنة بـ64 بالمئة للذكور، ما يعني أن احتمالية حصول الذكور على تلك الوظائف – عالية المستوى- تصل لضعف احتماليتها بين النساء، وان احتمالية حصول الذكور على فرص العمل- عمومًا- تصل لنحو ثلاثة أضعاف احتمالية حصول النساء عليها – عمومًا أيضًا- وهي الفجوة التي انعكست على الفارق بين دخول النساء مقارنة بالذكور في الوظائف نفسها حيث وصلت دخول النساء- عمومًا- لـ 75 بالمئة من دخول الذكور في نفس الوظائف (ص 91)، ما جعل مصر في المركز رقم 104 عالميًا في المساواة بين الجنسين في الوظائف الريادية/عالية التقنية بحسب التقرير.

وتنعكس فجوة الدخول والفرص -وما يدل عليها من مؤشرات- على مدى قدرة الأمهات تحديدًا على الفرار بأبنائهن من العلاقات المضرة داخل المنزل. فبين جميع النساء العاملات بالأجر في مصر، 95.2 بالمئة منهن لا يملكن منازلهن الخاصة، و98.2 بالمئة لا يملكن أراض خاصة بهن، بينما تعمل 62 بالمئة منهن بأجور أدنى من الذكور، وحتى اللواتي يعملن بأجر- بجانب مسؤولياتهن الأسرية- فإن نسبة بين 60 إلى 80 بالمئة منهن لا يستطعن تحديد أوجه إنفاق دخولهن استقلالاً عن الأزواج، وتتراوح درجة “عدم الاستقلالية” بحسب مقارنة دخل الزوجة إلى الزوج، كما يوضحه التقرير السابق (ص 94)، وهو ما يعني- بعبارة أخرى- ضآلة فرص الزوجات العاملات في رسم وتحقيق “سيناريوهات النجاة” من العلاقات القائمة على العنف والاستغلال ضدهن، خاصة أنهن لا يتمكن بأي حال من إعالة/حماية الأبناء استقلالًا عن الأزواج.

جائحة كورونا وظاهرة العنف المنزلي -1

جدول 1 المقارنة بين دور الازواج والزوجات في تحديد اوجه إنفاق الدخول ودرجة تأثرها بالفجوة بين دخول الطرفين (تحليل وضع السكان، تقرير صادر عن صندوق السكان بالأمم المتحدة والمركز المصري لبحوث الرأي العام (بصيرة) 2016، ص 94)

الأطر القانونية المختصة بقوانين الأحوال الشخصية

لا تشمل الأطر القانونية في مصر تجريم مختلف مظاهر وأساليب العنف المنزلي، فبحسب تقرير “القانون والعدالة بين الجنسين” الصادر عن الأمم المتحدة عام 2018، لا يتناول قانون واضح في مصر جرائم العنف المنزلي إلا بأوصاف عامة تندرج تحت قانون العقوبات رقم 6/1998 وتخضع لتقدير السلطة القضائية إذا كانت الاعتداءات “أشد من القدر الملائم للتأديب بحسب ما يراه القاضي” وإذا كانت “الجروح ظاهرة” وكانت الزوجة قد قدمت شكوى وقتها في قسم الشرطة. وبالطبع- كما الحال في دول عديدة- لا يتوفر للضحايا تقديم الشكاوى لدى سلطة الضبط القضائي- كما الحال في تركيا والصين ودول عديدة- لتصدر دور “السلطة التقديرية” لمنفذي القانون في تسجيل الشكوى من عدمها بناء على تقديرهم لفداحة الاعتداء- من ناحية- ولخوف الضحايا من السلوك الانتقامي للمتعدين في حالة تسجيل الشكاوى في ظل تراجع القوانين والإجراءات الحمائية وعدم فاعليتها- إن وجدت- حتى تردع، أو تؤخر، أو تقلل من فداحة الانتقام.

يضاف لهذا اعتبار أخر في الإطار القانوني بمصر، وهو أن المادة 60 من نفس القانون المذكور تبيح للقاضي العفو عن الجناة/المتعدين إن ثبت في يقين المحكمة – وبحسب السلطة التقديرية للقاضي- أن الاعتداء قد تم بـ “نية تأديب الزوج لزوجته” وليس بنية الاعتداء/الضرر. ومن ثم يبقى الإشكال في منظومة القانون هو مفهوم العنف المنزلي ابتداءًا وأطر السلوك/التصرف المحددة له بصرف النظر عن “نوايا” المتعدين و”تبريرات” الاعتداء سواء صدرت تلك التبريرات عنهم، أو عن منفذي القانون، أو صانعي السياسات، أو القضاة في المحاكم الخاصة، أو مزودي خدمات الصحة والنجدة والرعاية حال استدعائهم. وفي هذا الصدد يشير مفهوم اليونيسيف لكافة أنماط “العنف الموجه من طرف الشركاء أو أفراد الأسرة” سواء كان العنف جسديًا، أو جنسيًا، أو نفسيًا، او اقتصاديًا، كما يشمل العنف الصادر من طرف أفراد “كانوا” على علائق وثيقة بالضحايا مثل الأزواج/الشركاء السابقين وهو الأمر الضروري اعتباره، حيث يتواتر سلوك العنف ضد الشركاء السابقين بعد نهاية علائقهم، وكثيرًا ما يتم تحويل “التواصل مع الأطفال” لسلاح موجه نحو استغلال الشركاء السابقين- الأمهات في غالب الأحوال.

وحيث حققت مصر وتونس خطوة أولى في السياق القانوني بتجريم العنف ضد المرأة عمومًا في النصوص الدستورية (دستور عام 2014) بينما سعت دول أخرى لإرساء البيئة التشريعية المواتية لوقف تلك الظاهرة، فإن الواقع العام أن العنف “المنزلي” غير مشمول في الأطر التي تجرم الاعتداء على المرأة، كما لا تتأهل منظومة الشرطة والقضاء والعدالة لمعالجة تلك القضايا بما يفضي لوقف مظاهر الاعتداء، وهو الأمر الذي أدى بمعدلات “قتل الزوجات” و”الطليقات” والعنف ضدهن في بعض الدول- كمصر وتركيا مثالاً-  لمستويات مروعة (1.5 مليون امرأة سنويًا و4,000 واقعة عنف يوميًا في مصر، و218 سيدة مقتولة  بيد زوجها، أو زوجها السابق، أو شريكها، أو شريكها السابق في تركيا في عام 2020 فقط ، بعد وصول رقم الضحايا لـ500 قتيلة في عام 2019). ولا شك أن غياب الأطر القانونية والسياسية الداعمة لوقف العنف المنزلي لا يقف في الفراغ، بل يتزامن مع العديد من أوجه “عدم العدالة” تجاه النساء في المجتمع وسوق العمل على السواء، كما سبق توضيحه.

الأطر الاجتماعية للعنف المنزلي

بالرغم من اعتقاد 59 بالمئة من المصريين أن العمل حق من حقوق المرأة -بحسب استطلاع للرأي أجراه المركز المصري لبحوث الرأي العام في السنة الماضية – 2019، فإن نسبة أولئك الذين يرون أن على المرأة ألا تعمل إن كان لديها أسرة وأولاد نسبة غير قليلة – 37 بالمئة- بينما 12 بالمئة يرون أنها يمكنها العمل فقط إن كانت بحاجة إلى المال. وبينما يفسر هذا – من ناحية- ضعف مشاركة المرأة المصرية في سوق العمل الرسمي (23 بالمئة)، بالإضافة لمفسرات أخرى كقلة منشآت رعاية الأطفال وغياب الربط بين التعليم وسوق العمل وقلة الوظائف المناسبة للمرأة، فإنه يعكس من جهة أخرى ثمار الخطاب الثقافي/الديني  المحافظ بخصوص أدوار المرأة وأولوياتها.

فلعقود مديدة، انتشر الرأي العام بخصوص دور المرأة منحصرًا في المنزل والأسرة وتربية الأبناء بصرف النظر عن المزايا التعليمية والعملية التي قد تقدمها للمجتمع. ومن الملاحظ أن هذا كان بارزًا في عقود السبعينيات والثمانينيات وصولاً لمطلع الألفية، حيث ظهر التحول التدريجي نحو النظرة “الوظيفية”- “المصلحية” لتعليم المرأة باعتباره أداة الفئات الوسطى والعليا في تحقيق مستوى أعلى من الدخول للأسرة والتعليم الخاص/الأجنبي للأبناء، خصوصًا مع التقلبات الاقتصادية القاسية التي خاضتها مصر منذ انقلاب 1952. والواقع أن نفس المنطق “المصلحي” هو الذي يفضي لفقر الأسر التي تعيلها النساء في الطبقات الدنيا والأفقر من المجتمع حيث يتلازم هذا – غالبًا- مع ضعف التحصيل العلمي للنساء ومن ثم توجه “المصلحة” الأسرية لا لدفعهن في سوق العمل الرسمي أو استدراك فجوات التعليم، بل للتركيز على ادائهن بأدوار الرعاية- خاصة رعاية الأطفال وكبار السن- بالإضافة للسعي لتحصيل الرزق، وهو ما يفسر ملاحظة أحد تقارير البنك الدولي عن معدلات الفقر التي تتقافز بدرجات أعلى بين الأسر التي تعيلها النساء مقارنة بتلك التي يعليها الذكور، أولًا لانصراف أدوار المرأة في ذلك المحيط للعمل غير الرسمي- بكافة ظروفه وشروطه المجحفة- بالإضافة لأدوار الرعاية والتربية، وثانيًا، لوقوع نحو 82 بالمئة من خدمات الرعاية على عاتق النساء حصرًا وازدياد نسب الأفراد المحتاجين إلى الرعاية في المجتمع العربي لـ 56 من كل مائة شخص بحلول عام 2015، وتوقع ارتفاع هذه النسبة إلى 60 من كل مائة شخص بحلول 2030 بحسب تقرير مشترك صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، ومنظمة المرأة العربية، ومنظمة الاسكوا ESCWA وجامعة الدول العربية في ديسمبر 2019 (ص 12).

وفي كل الأحوال، وسواء توجهت المصلحة لامتهان المرأة وظائف رسمية أو غير رسمية، فإنه لا يتم توزيع – أو إعادة توزيع- مهام الرعاية والعمل المنزلي بين الزوجين، بل تبقى مهام الرعاية والتربية وإدارة المنزل على كاهل المرأة إلى جانب العمل.

بعبارة أخرى، يتم النظر لمؤهلات المرأة التعليمية وقدراتها على العمل- الرسمي وغير الرسمي- باعتبارها مزايا تساعد المرأة على النجاح في حياتها الأسرية، خصوصًا في العناية بالأبناء وتوفير تعليم عالي الجودة لهم. ورغم أن هذا لا يرقى إلى “تمكين المرأة” بل لزيادة أعبائها، بإضافة أعباء كسب الرزق/توفير دخول أعلى لتعليم الأبناء إلى مهام الرعاية والتربية وإدارة المنزل، فإن الخطاب الإسلامي لم يزل يتناول دور المرأة حصرًا في منزلها باعتبارها “ملكة المنزل” ومقر وقارها وجمالها وحصنها- إلى آخره- بينما يتناول خطاب الواقع دورها باعتبارها شريكًا في- وأحيانًا المصدر الوحيد- للرزق، ويتعايش الخطابين في بيئة واحدة وسياق واحد دون غضاضة تُذكر إلا بارتفاع معدلات العنف – الجسدي والنفسي- ضد المرأة حين “تفشل” بحسب مقاييس أحد الخطابين او كلاهما.

والواقع أنه حتى إذا لم يكن الرأي العام للنساء في الطبقة الوسطى والعليا من المجتمع منحازًا لدورها في المنزل فقط، فإن الغالبية العظمى من النساء تراه المجال الأهم والأولى بالمجهود والتضحيات، حتى إن أفضى للتخلي عن وظائفهن المدفوعة الأجر – خاصة إذا تعارضت الأخيرة مع واجبات المنزل والأسرة ولم تكن الحاجة إليها كبيرة في حياتهن الخاصة[2]. وقد انعكس التوجه العام على أحكام محاكم الأسرة في قضايا الخلع والطلاق، حيث يتجه النمط العام من الأحكام للحفاظ على “وئام الأسرة” و “الاستقرار المجتمعي” بأي ثمن قد تدفعه المرأة للاستمرار في تلك العلائق، ومن ثم لم يكن غريبًا- في بيئة مماثلة- أن تشن الحكومة في الصين حملة شعبية لعودة النساء إلى المنزل وتشجيعهن على القيام بأدوار الرعاية والتربية أملاً في أن يساعد هذا السعي في رفع معدلات الإنجاب المتدنية بالصين. لكن الواقع أن تلك المعطيات السابق ذكرها هي قوام العلاقات الاستغلالية داخل المنازل، حيث يتم استغلال المرأة اقتصاديًا وماديًا – بتوظيف إمكاناتها العملية والعلمية ومؤهلات التعليم- بالإضافة إلى تحميلها أعباء الرعاية والتربية وإدارة المنزل، ورفض إعادة توزيعها بين الزوجين، ولا يخفى أن احتدام تلك النزاعات يشتد كلما اتسعت الفجوة بين دخول الطرفين وكلما عجزت الزوجة عن استكمال مهامها الموقعة عليها عرفًا أو عملاً.

وخلاصة القول أنه حيث تتشابك الأطر القانونية والمجتمعية واعتبارات الفقر وتدني نصيب النساء من سوق العمل والتعليم وازدياد الأعباء الواقعة عليهن، تزداد وتيرة ودرجات العنف المنزلي خاصة في ظل ضغوط العمل وكسب العيش وإدارة المنزل.

أنماط العنف المنزلي ضد المرأة 

تبدأ أول علامات العنف ضد المرأة في السعي لفرض التحكم والسيطرة من طرف المتعدي بعزل الضحايا- النساء والأطفال- عن أطر الحماية والأمان، وهي الممارسات التي تجد مبررها في ظل جائحة كورونا من خلال استراتيجيات المسافة social distancing والبقاء بالمنزل والعزل الذاتي، لكنها تستند كذلك – إلى إحساس المرأة – عمومًا- سيما في مصر، بعدم الأمان في المجال العام، فيشير التقرير الصادر عام 2019  بالتعاون بين هيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، ومنظمة المرأة العربية، ومنظمة الاسكوا ESCWA وجامعة الدول العربية أن نسبة كبيرة من النساء لا يستطعن ترك أولادهن في المنزل وحدهم ولا لمدة قصيرة، وآخريات لا يستطعن المبيت في المنزل وحدهن أو الذهاب في زيارات أسرية بمفردهن للشعور العام بعدم الأمان. و حيث يخول هذا للأزواج وضع قيود على حرية النساء في الحركة والتنقل، فإنه كثيرًا ما يتطور للتعبير عن مشاعر الغيرة والغضب العارم حين تتحدث الزوجات إلى رجال آخرين، حيث يشير التقرير السابق أن 73 بالمئة من النساء يتعرضن لهذا السلوك بصفة يومية خاصة في السنوات الأولى من الزواج، والغريب أيضًا، كما يلاحظ التقرير، أن هذا السلوك – الغيرة والغضب العارم من طرف الازواج- إنما يشتد إزاء النساء الحاصلات على التعليم العالي، ما يعني أن التعليم المتقدم- في حد ذاته- لا يمثل مزية إيجابية في حق المرأة على الدوام في مصر، بل إنه يحفز تقييد حريتهن في الحركة وإصرار الأزواج على متابعة حركتهن اليومية بنسبة أعلى من النساء ذوات الدخل والتعليم المنخفض.

وحيث يوفر هذا أرضية خصبة للخلافات اليومية بين الأزواج، فالواقع أنه كثيرًا ما يتطور إلى عنف جسدي ضد المرأة، حيث يشير تقرير تحليل السكان 2016 إلى أن 25 بالمئة من النساء المتزوجات يتعرضن للعنف الجسدي مرة على الأقل من طرف أزواجهن، وتشمل الوقائع الصفع (22 بالمئة)، الدفع بقوة (17 بالمئة)، لي الأذرع (12 بالمئة)، كما تشمل سلوكيات أشد عنفًا وإيذاءًا وإن كانت بنسبٍ أقل.

وبينما يشير التقرير السابق إلى قلة وقائع العنف الجنسي ضد الزوجات- 4 بالمئة فقط من المبحوثات تعرضن له- فإن استطلاع حديث للرأي في سبتمبر الجاري– 2020[3]  قد أظهر أنماط أوسع للعنف الجنسي في المساحات الخاصة، حيث يفيد 95 بالمئة من المبحوثين -وغالبيتهم العظمى من النساء- تعرضهم للتحرش الجنسي، و45 بالمئة للاعتداء الجنسي ، وأن 50 بالمئة حددوا درجة قرابة المتحرش/المعتدي بـ “قريب جدا” و “قريب”، ما يعني قيام أحد أفراد الأسرة/الأقارب بالتحرش/الاعتداء داخل المنازل، وتتسق شدة وكثافة الوقائع المسجلة بهذا الاستطلاع مع حقيقة أن 234 مليون امرأة وفتاة (في الفترة العمرية بين 15 و49 عامًا) قد تعرضن للعنف الجسدي والجنسي في المنازل خلال ال12 شهرًا السابقة بحسب منظمة المرأة التابعة للأمم المتحدة.

من جهة أخرى، يشير تقرير تحليل السكان إلى أن 19 بالمئة من النساء يتعرضن للعنف النفسي من طرف الأزواج، حيث أفادت 19 بالمئة من المبحوثات تعرضهن له من طرف الأزواج، ونحو 13 بالمئة أفدن التعرض له حديثًا وغالبهن من مستويات تعليم ودخول منخفضة، كما أشارت غالبية المبحوثات لأنماط مختلفة من العنف النفسي مثل الإهانة والتوبيخ اللذين سجلا 16 بالمئة من الأنماط، كما أشارت 11 بالمئة من المبحوثات تعرضهن لعبارات مهينة، و5 بالمئة ذكرن تعرضهن للاستغلال النفسي والضرب أمام الأقارب والأصدقاء بقصد الإهانة.

كيف تؤدي جائحة كورونا لازدياد معدلات العنف المنزلي

تطورت جائحة كورونا 19 سريعًا إلى وباء عالمي من نوع آخر- وهو العنف المنزلي الموجه من طرف المقربين سيما الأزواج وأولياء الأمور تجاه النساء والأطفال، فحيث تم تطبيق إجراءات الإغلاق العام في نحو 40 دولة، رصدت الأمم المتحدة تسجيل عديد من الدول – مثل كندا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا والمملكة المتحدة وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية معدلات مرتفعة لاستغاثات النجدة من ضحايا العنف المنزلي وطلبهم لتوفير خدمات الملاجئ، كما ازداد عدد البلاغات المسجلة عبر الخطوط الساخنة في سنغافورة وقبرص بنحو 30 بالمئة،  ووصلت نسبة ضحايا اعتداءات العنف المنزلي المتزايدة عددًا ودرجةً لـ 40 بالمئة بين العاملات في الصفوف الأولى في استراليا (مقاطعة جنوب ويلز).

وترجع معدلات العنف المتسارعة إلى عدد من أهم تداعيات الوباء على الصعيد الاجتماعي- الاقتصادي، رصدتها منظمة المرأة التابعة للأمم المتحدة، منها (أ) إجراءات الإغلاق العام وما صاحبها من ازدياد معدلات التوتر في ظل مخاوف فقدان الوظائف أو تبعاته، وغياب الشبكات الحمائية الاجتماعية، ونقص خدمات الدعم الاجتماعي والقانوني والأمني والصحي للنساء، (ب) إجراءات التباعد الاجتماعي التي زادت احتمالية ممارسة العنف ضد الأضعف في الأسرة خاصة بالنسبة للنساء المنخرطين في علاقات استغلالية وأبنائهن في ظل اضطرار أفراد الأسرة للبقاء جميعًا بالمنزل، وتوجيه مزيد من الوقت لتواصل وثيق ومطول في ظل حرمان الضحايا من الوصول لوسائل الاتصال وطلب المساعدة، بالتزامن مع صعوبات اقتصادية جارفة وفقدان للوظائف وخوف من المستقبل، (ج) ابتعاد/انعزال الضحايا عن الأطر الداعمة كالأسرة والأقارب والأصدقاء في ظل الجائحة، (د) زيادة أعباء الرعاية والتربية وإدارة المنزل في ظل غلق المدارس والعمل من المنزل/ (هـ) اضطراب المعائش والقدرة على الكسب خاصة بالنسبة للنساء اللواتي يعملن في القطاع غير الرسمي ما أدى لنقص الوصول للخدمات الأساسية وزيادة احتماليات العنف والتوتر داخل الأسر واستغلال المرأة اقتصاديًا وماليًا مع شح الموارد وتضاعف أعباء المعيشة، (و) إساءة استغلال المتعدين للقيود الموضوعة على حرية تنقل وحركة الأفراد أثناء انتشار الوباء، بتحجيم وصول الضحايا للموارد الصحية اللازمة كالمعقمات ومواد النظافة والمساعدة النفسية كالدعم الأسري من خلال الشبكات الرسمية وغير الرسمية، (ي) استغلال المتعدين للخوف العام من الوباء بإثارة الشائعات حول الحالة الصحية للضحايا لمزيد من العزل عن أطر الحماية والإمعان في ممارسات العنف.

ولا يخفي أن تلك العوامل إنما اشتدت وتضاعفت تبعاتها مع تراجع الأطر القانونية والقضائية المخصصة لحماية المرأة وضحايا العنف المنزلي عمومًا، مثل خطوط الاتصال الساخنة والمساعدات القانونية، وتوفير الملاجئ ومراكز إدارة الأزمات الأسرية وغيرها من الآليات التي كانت تحجم أو تردع أو تقلل معدلات العنف، حتى وإن كانت معدلات اللجوء إليها دون المستوى المطلوب[4]. أيضًا، من الأسباب التي أفضت لمضاعفة التبعات على الصحة النفسية والجسدية للنساء والأطفال تراجع تمويل تلك الآليات في ظل توجه المنظومة الصحية – عمومًا- من حيث الموارد المالية والبشرية والتنظيمية، للصفوف الأولى في مواجهة الوباء. وحتى في حال استمرارها، فإن التواصل الهاتفي/الالكتروني مع مستشاري الدعم والحماية كثيرًا ما يفضي لسلوك انتقامي من طرف المتعد ومن ثم مضاعفة العنف والضرر النفسي والبدني على الضحايا، ما يعني ضرورة تطوير آليات تلك الأنظمة لتواكب ظروف العنف المنزلي خلال الجائحة. في الوقت نفسه، أدت إجراءات الإفراج عن المسجونين في القضايا المدنية والجنائية- خاصة المسنين وذوي الأمراض المزمنة من السجناء والمحبوسين احتياطيًا على ذمة التحقيق – إلى ارتفاع مخاوف عودة المتعدين للانتقام من ضحاياهن، وتحذير الأمين العام للأمم المتحدة من الإفراج عن السجناء المتورطين في أي من جرائم العنف ضد المرأة.

تغيير الواقع أم تغيير أدوار المرأة….نظرة في تكاليف العنف المنزلي

لا شك أن الكلفة التقديرية للعنف المنزلي التي تصل لـ 1.5 تريليون دولار عالميًا، و2.17 مليار جنيه مصري سنويًا ستزداد بشكل ملحوظ خلال العام المقبل خاصة مع تراجع الأطر القانونية والتنفيذية المجرمة للعنف المنزلي في مصر واستمرار نزيف فقدان الوظائف وانخفاض الأجور ونقص الموارد. حيث يكلف العنف ضد المرأة في مصر أطفال 113,000 أسرة نحو 900 ألف يوم دراسي في العام الواحد، يتغيب فيهم الأطفال بسبب العنف المنزلي، كما يعرض أطفال 300 ألف أسرة للكوابيس ليلاً بسبب العنف من طرف الأزواج، وتكلف الملاجئ والإسكان البديل لضحايا العنف المنزلي مصر 585 مليون جنيهًا سنويًا، بينما تضطر أكثر من مليون زوجة سنويًا لمغادرة سكن الزوجية بسبب اعتداءات الأزواج، ويسبب العنف المنزلي زيادة معدلات الإجهاض بنحو 3.5 بالمئة ويعرض 200 ألف امرأة لمشكلات صحية مرتبطة بالحمل سنويًا- بحسب تقرير صادر عام 2015 عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء بالاشتراك مع المجلس القومي للمرأة وصندوق الأمم المتحدة للسكان.

أيضًا، بحسب التقرير، تعاني 7.888 مليون امرأة من كافة أشكال العنف سنويًا- خاصة من طرف الأزواج والخاطبين في دوائرها القريبة وكذلك الأغراب في المجال العام، بينما تتعرض 2.288 مليون امرأة سنويًا لمشكلات نفسية ترتبط بالعنف، و5.6 مليون امرأة لعنف الأزواج/الخاطبين سنويًا. ومع هذا، لا يتعدى عدد النساء اللاتي يلجأن للبلاغات الشرطية أكثر من 75 ألف امرأة، وعدد اللواتي يطلبن الدعم المجتمعي لا يتعدى 7 آلاف حالة سنويًا.

أيضًا، تتعرض 2.4 مليون امرأة لإصابات بسبب العنف المنزلي من طرف الأزواج/الخاطبين، وتصل تكلفة الإصابات الجسدية المباشرة وما تبعها – من انتقال السكن ونقل الأطفال وغيره- إلى 2.7 مليار جنيه سنويًا، دون احتساب التكلفة غير المباشرة للعنف – مثل توقف النساء عن العمل وزيادة نفقاتهن ونفقات الأطفال الصحية والمعيشية، الى آخره. وبوجه عام، يشير التقرير إلى أن مصر تخسر سنويًا 500 ألف من أيام العمل اللاتي يفترض ان تؤديها الزوجات إذا لم يتعرضن للعنف في المنازل، وتبلغ حجم الخسائر في الاقتصاد المصري نحو 6.15 مليار جنيه- بإضافة التكاليف غير المباشرة للعنف وبافتراض ان مستوى الإصابات ثابت عبر كافة الوقائع (وهو الأمر الذي لا يمكن افتراضه إلا على الوجه المثالي).

وبينما تفيد جهات حقوقية ودولية بـ “روشتة” مكافحة العنف ضد المرأة، فإن الحقيقة أن تغييرًا جذريًا في المسلمات الاجتماعية والثقافية المرتبطة بدور وعمل المرأة- خاصة في محيط الأسرة والعمل- ضروري لوقف موجات العنف التي تتسارع مع كل كارثة وجائحة، فالمتاح – عقلاً- أنه  (1) إما أن تستهدف السياسات العامة تمكين المرأة تمكينًا حقيقيًا وعادلاً بما يتيح “فرص” استقلالها ماديًا واجتماعيًا حال تعرضها للعنف، ومن ثم معالجة العوامل التي تفضي لهشاشتها أمام الأطراف الأقوى- بدءًا من الآباء للأزواج لأرباب العمل- كفرض القوانين التي تلزم أرباب العمل بمساواة الأجور وفرص العمل في كافة مستوياتها، أو/و توفير  الدولة لوسائط وآليات فاعلة وكافية لرعاية الأطفال والمسنين، و/أو تقديم خدمات الضمان الاجتماعي بشكل فعال ولائق للأسر التي تعولها النساء، إلى آخره من السياسات، وإما (2) أن يسلم صانعي القرار والمجتمع- على السواء- بأن مسؤولية المرأة إنما تنحصر في أدوار الرعاية والتربية وإدارة المنزل، ومن ثم تقع مسؤولية كفالتها وأبنائها- معيشيًا- وضمان أمانها الجسدي والنفسي على الآباء/الأزواج أولًا، وعلى الدولة حال تقصير/فشل الأفراد “المسؤولين” في المحيط الخاص، مع محاسبتهم على ذلك، وفي هذه الحالة، تتوجه الإمكانات العلمية والمهارات التي تكتسبها النساء من التحصيل الدراسي – بمختلف درجاته- إلى العمل الأهلي والخيري حصرًا ويكون استثمار الدولة في هذه الإمكانات استثمارًا غير هادف للربح- أي لا يرتبط بمخرجات اقتصادية من قبيل بضائع أو خدمات تقدمها القوى العاملة من النساء أو تستهدف إضافة مادية للناتج المحلي القومي، كما لا يرتبط استثمار الأسر في هذا الصدد بزيادة الدخول المتوقعة مستقبلاً بزج المرأة إلى سوق العمل، ويبقى على كلا الوجهين، أن يفرض صانعو القرار الآليات القانونية والتنفيذية الفعالة لحماية النساء والأطفال في مراحل مبكرة من الاعتداء.

وحتى بافتراض أن توجهت السياسات العامة لتغيير أدوار المرأة في مجال العمل وحصرها على مجالي الأسرة وتربية الأطفال، وهو الأمر المستبعد بسبب الكلفة الاقتصادية العالية فضلاً عن التوجه العام دوليًا لتمكين المرأة في المجال العام وحرص مصر على تغذية صورتها الدولية باعتبارها من الدول الداعمة لتمكين المرأة، فإن الواقع أن كلفة العنف ضد المرأة في مجال التعليم والمجال العام عالية جدا، كذلك، وبنحو ينافس كلفة العنف المنزلي ضد الزوجات. حيث يشير التقرير -أعلاه- إلى أن كلفة تغيير طرق وآلية المواصلات – بسبب العنف الجنسي في المجال العام- أكثر من 548 مليون جنيه سنويًا، ولا يختلف الحال كثيرًا في مجال التعليم، حيث تتعرض أكثر من 16 ألف فتاة ( تبلغ 18 عامًا فأكثر) للتحرش الجنسي في مؤسسات التعليم، وتعاني مليون و700 ألف امرأة من التحرش في وسائل النقل العام، بينما تتعرض مليوني ونصف امرأة لمختلف أشكال التحرش الجنسي في الشارع في العام الماضي، ما يعني أن كلفة العنف ضد المرأة في المجال العام في مصر قد وصلت لنحو 571 مليون جنيه مصريًا في عام 2014.

وفي الوقت الذي يتوقع أن تكلف فيه جائحة كورونا اقتصاد العالم بنحو 5.8 إلى 8.8 تريليون دولار، فإن العنف ضد النساء والفتيات فقط يكلف الاقتصاد العالمي نحو 1.5 تريليون دولار سنويًا، ومن ثم فإن الأقرب إلى الواقع- ولصالح الأسرة والمجتمع- أن تستثمر الأنظمة الحاكمة – سيما في مصر- في وقف العنف ضد المرأة عمومًا، والعنف المنزلي بوجه خاص.

توصيات الدراسة

نظرًا لارتفاع الكلفة الإنسانية والاقتصادية للعنف المنزلي في دول تكافح للعودة إلى “الأداء الطبيعي” وإنقاذ اقصادياتها وأنظمة الأمان الوظيفي والمجتمعي بها، فقد قدمت منظمة الصحة العالمية في الآونة الأخيرة عددًا من التوصيات التي يتوجه بعضها للحلول الذاتية والشخصية، وأخرى للحلول المؤسسية والعامة.

فمن جهة، يشير الخبراء لإجراءات ذاتية لخفض التوتر في المساحات الخاصة والأهلية، منها تقليل التعرض لأخبار الإصابات بالوباء، وطلب الدعم من الأسرة والمقربين والمحيطين، وتنظيم مواعيد النوم والتريض، وتطبيق أنشطة الاسترخاء ومقاومة التوتر لتفريغ طاقات الغضب والإحباط، والانخراط في الأنشطة التي تساعد في مواجهة وإدارة الأزمات.

ونظرًا لأن الحلول الشخصية والذاتية لا تكفي في هذا الصدد، فإن الأدوار المنوطة بالفاعلين والمساهمين في هذه الظاهرة تشمل:

  • ضرورة تأهيل الجهات المسؤولة عن الضبط القضائي والتحقيق والمحاكمة بشأن أنماط ودوافع العنف ضد المرأة في السياق الخاص وتشكيل الإدارات الخاصة بالتعامل مع تلك الوقائع، والحد من ممارسة العنف ضد النساء في المجال العام والإعلامي تحديدًا، وإنشاء تشكيلات شرطية من النساء لحماية الضحايا وأطفالهن، وإنشاء خطوط ساخنة للتبليغ عن الاعتداءات، إلى آخره من الأطر القانونية والإجراءات التنفيذية
  • توفير الحكومات العامة والمحلية لخطط الدعم والأمان الذاتي حالة اشتداد الاعتداءات.
  • توعية وإعلام أفراد المجتمع بالانتهاكات الجارية وأعمال العنف ضد النساء والأطفال داخل المنازل.
  • توفير المؤسسات الإغاثية للدعم والأمان للمرأة والطفل المعرضين للاستغلال والعنف المنزلي أثناء انتشار الوباء. 
  • تقديم ممارسي الصحة الدعم والمساعدة والعلاج الصحي الأولي، وتوفير المنظمات الصحية سبل وخدمات الدعم المحلي – الخطوط الساخنة والملاجئ ومراكز أزمات الاغتصاب وتقديم المشورة، وكذلك مواعيد عملها وطرق التوصل إليها ومدى إمكانية الحصول على تلك الخدمات عن بعد.
  • توفير الحكومات وصانعي القرار للسبل والأطر الخاصة بحماية ضحايا العنف المنزلي وتوفير المخصصات المالية اللازمة وتأمين إمكانية الوصول لتلك السبل/الأطر الداعمة مع الالتزام بمعايير التباعد الاجتماعي.
  • ضرورة دعم النساء العاملات في القطاع الصحي وأبنائهم من خلال خدمات الرعاية والتعليم والحوافز غير المرتبطة بالإنجاز، وبدلات التنقل، وغيرها من السبل.

ايضًا، لا ينبغي إهمال خطوط الدعم الأولى التي تسهم في تخفيف تبعات وقائع العنف، كالاستماع لروايات الضحايا دون الحكم عليهم، والاستعلام عن الاحتياجات والمشاكل التي تواجههم، والتأكد من روايات الناجين ومشاعرهم، وتوصيلهم بسبل الأمن والدعم المؤسسي. ورغم اتخاذ خطوات عدة في هذا المجال، فالواقع أن كثيرًا من تلك الآليات قد تعطل أمام التحديات التي فرضتها الجائحة.  في مصر على سبيل المثال، شن المركز المصري لحقوق المرأة حملة الكترونية بعنوان “كورونا مش مبرر للعنف” ، لكنها لم تسهم كثيرًا في مساعدة الضحايا اللواتي اضطررن للجوء إلى المساعدة القانونية أثناء ذروة الوباء، حيث يشير محامون أن توقف وتأجيل جلسات المحاكم لا يفيد الضحايا اللائي يحتجن لتقديم بلاغات شرطية أولاً ثم إجراء كشف طبي ثم حجز موعد لجلسات الاستماع أو التقاضي في محاكم الأسرة التي بدورها لا تفي بالدور المنوط بها أثناء الجائحة- ولا حتى قبلها لتكدس الوقائع والقضايا وضعف كفاءة إجراءات التقاضي-، وفي حالة لم تستطع الضحايا تحمل نفقات رفع الدعوى أمام المدعي العام، وفي حالة تقدمن بشكوى للمجلس القومي للمرأة عبر الخط الساخن 15115 ومكتب شكاوى المرأة، فالواقع أن إجراءات البلاغ والخطوات المتبعة لتلك الآليات لا تزيد كفاءة عن آلية التقاضي. ومن ثم، يبقي العبء الأكبر على صانعي القرار والسياسات مضاعفة الجهود لدعم إجراءات وآليات حماية المرأة من العنف المنزلي خصوصًا، والعنف بوجه عام في أطر العمل والتعليم والمجال العام، والتركيز على معالجة العوامل التي تزيد هشاشة المرأة في علاقاتها الأسرية، واستهداف خفض تكاليف العنف المنزلي على الاقتصاد المحلي والمجتمع.


الهامش

[1] بحسب استطلاع صدر عام 2016، فقد تعرضت نحو 30 بالمئة من المتزوجات في الصين إلى أحد أنماط العنف المنزلي.

[2] أنظر ص 99 من تقرير “تحليل وضع السكان في مصر” الصادر من طرف صندوق السكان التابع للأمم المتحدة والمركز المصري لاستطلاعات الرأي العام (بصيرة) عام 2016.

[3] شارك بالاستطلاع 1042 فردًا أغلبهم من النساء في المراحل العمرية 19-25 عامًا، راجع النتائج الأساسية على الرابط

[4] يسجل بيان حديث لمنظمة المرأة التابعة للأمم المتحدة أن نحو 40 بالمئة فقط من النساء المتعرضات للعنف المنزلي يسعون للمساعدة أو للتبليغ عن الجرائم، وأقل من 10 بالمئة يلجئن إلى الشرطة، ما يعني أنه حتى في حالات الاعتداء الفادح، لا تتمكن تلك النسبة الضئيلة من الضحايا من الوصول لخدمات النجدة والمساعدة الرسمية نظرًا لتقلص فرص وصولهن للهواتف ووسائل الاتصال وتراجع الخدمات الشرطية والتنفيذ القضائي والخدمات الاجتماعية. انظر منظمة المرأة التابعة للأمم المتحدة بتاريخ 6 إبريل 2020 على الرابط

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close