fbpx
اوروبا وامريكاترجمات

جو بايدن: لماذا على أمريكا أن تقود من جديد؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

نشرت مجلة فورين أفيرز الأمريكية في عدد مارس/إبريل مقالاً لجوزيف ر. بايدن (الابن)، مرشح الحزب الديمقراطي في انتخابات 2020 للرئاسة الأمريكية ضد الرئيس الحالي دونالد ترامب، ونائب الرئيس الأمريكي السابق (من 2009 إلى 2017) في إدارة الرئيس باراك أوباما، تحت عنوان: “لماذا على أمريكا أن تقود من جديد؟”، والذي يستعرض فيه ملامح السياسة الخارجية التي يعتزم انتهاجها في حال وصوله إلى البيت الأبيض كرئيس للولايات المتحدة، والذي يقول فيه:

تضاءلت مصداقية ونفوذ الولايات المتحدة في العالم بكل المقاييس تقريباً منذ أن ترك الرئيس باراك أوباما، وأنا كذلك، البيت الأبيض، في 20 يناير 2017. لقد ازدرى الرئيس دونالد ترامب حلفاء الولايات المتحدة وشركاءها، ونال منهم، وفي بعض الحالات تخلى عنهم. كما انقلب على خبرائنا في المخابرات ودبلوماسيينا وقواتنا؛ وجرّأ خصومنا وبدد نفوذنا في مواجهة تحديات الأمن القومي من كوريا الشمالية إلى إيران، ومن سوريا إلى أفغانستان إلى فنزويلا، مع عدم وجود ما يدعو إلى ذلك أبداً. كما شنّ حروباً تجارية طائشة ضد أصدقاء الولايات المتحدة وأعدائها على حد سواء، مما أضر بالطبقة الوسطى الأمريكية. وتخلى ترامب أيضاً عن قيادة الولايات المتحدة الأمريكية للعالم في حشد الدول من أجل العمل الجماعي لمواجهة التهديدات الجديدة، وخاصة تلك التي ينفرد بها هذا القرن من الزمان. والأنكى من ذلك، أنه ابتعد كثيراً عن القيم الديمقراطية التي تمنح القوة لأمتنا وتوحدنا كشعب.

وفي الوقت نفسه، فإن التحديات العالمية التي تواجه الولايات المتحدة – من التغيرات المناخية والهجرة الجماعية إلى الاختلال التكنولوجي والأمراض المعدية – أصبحت أكثر تعقيداً وأكثر إلحاحاً، في حين قوّض التقدم المتسارع للاستبداد والنزعات القومية والتوجهات المعادية لليبرالية قدرتنا على مواجهة تلك التحديات بشكل جماعي. وتواجه الديمقراطيات – التي شلّتها الحزبية المفرطة، وطوّقها الفساد، وأثقلت كاهلها اللامساواة الشديدة – واقعاً أكثر صعوبة في قدرتها على تقديم الخدمات لشعوبها. لقد ضعفت الثقة في المؤسسات الديمقراطية، وتصاعد الخوف من الآخر. وبدأت عرى النظام الدولي الذي بنته الولايات المتحدة بعناية شديدة تتفكك شيئاً فشيئاً. بينما يميل ترامب والديماجوجيون في جميع أنحاء العالم إلى الركون لهذه القوى من أجل تحقيق مكاسب شخصية وسياسية.

سيكون على الرئيس الأمريكي القادم أن يخاطب العالم كما هو الواقع في يناير 2021، وسوف تكون مهمة لملمة الجراح واستجماع القوى من جديد مهمة هائلة. وسيتعين عليه أيضاً إنقاذ سمعتنا، وإعادة بناء الثقة في قيادتنا، وتعبئة أمتنا وحلفائنا لمواجهة التحديات الجديدة في أسرع وقت، حيث لن يكون هناك وقت يمكن أن نضيعه.

وإذا أصبحت أنا الرئيس القادم، فسأتخذ خطوات فورية لإحياء ديمقراطية الولايات المتحدة وتجديد تحالفاتها، وحماية المستقبل الاقتصادي للبلاد؛ وسأجعل أمريكا تقود العالم من جديد. هذه ليست لحظة خوف. هذا هو الوقت المناسب للاستفادة من القوة والجرأة التي دفعتنا إلى النصر في حربين عالميتين وأسقطت الستار الحديدي.

فأدى انتصار الديمقراطية والليبرالية على الفاشية والاستبداد إلى إقامة العالم الحر. لكن هذا التحدي لا يُعرّف ماضينا فقط، بل سيحدد مستقبلنا كذلك.

تجديد الديمقراطية في الداخل

أولاً وقبل كل شيء، يجب أن نصلح ديمقراطيتنا وننشطها من جديد، حتى في الوقت الذي نعزز فيه تحالف الديمقراطيات التي تقف معنا في جميع أنحاء العالم. إن قدرة الولايات المتحدة على أن تكون قوة تحفّز التقدم في ربوع العالم وتحشد الدول من أجل العمل الجماعي تبدأ من الداخل في المقام الأول. ولهذا السبب فسوف أعيد صياغة نظامنا التعليمي بحيث لا يتم تحديد فرصة الطفل في الحياة من خلال محل إقامته أو العرق الذي ينتمي إليه، وسأصلح نظام العدالة الجنائية للقضاء على الفوارق غير العادلة وكذلك القضاء على وباء السَجن الجماعي، واستعادة قانون حقوق التصويت لضمان أن يكون صوت الجميع مسموعاً، وإعادة الشفافية والمساءلة إلى حكومتنا.

لكن الديمقراطية ليست مجرد أساس للمجتمع الأمريكي، إنها أيضاً مصدر قوتنا. إنها تقوي وتعزز قيادتنا للعالم من أجل الحفاظ على سلامتنا. إنها المحرك الذي يشحذ إبداعنا ويدفع ازدهارنا الاقتصادي للأمام. إنها جوهر حقيقة من نحن وكيف نرى العالم – وكيف يرانا العالم. وهي التي تسمح لنا بتصحيح الذات ومواصلة السعي للوصول إلى تحقيق مُثُلنا العليا مع مرور الوقت.

ونحن كأمة أمريكية، علينا أن نثبت للعالم أن الولايات المتحدة مستعدة لتولي دفة القيادة مرة أخرى – ليس فقط من خلال نموذج قوتنا ولكن أيضاً من خلال قوة نموذجنا. ولتحقيق هذه الغاية، فبصفتي رئيساً للبلاد، سأتخذ خطوات حاسمة لتجديد قيمنا الأساسية مرة أخرى. وسأقوم على الفور بإلغاء السياسات القاسية وغير المعقولة التي فرضتها إدارة ترامب، مثل تلك التي تفصل الوالدين عن أطفالهم على حدودنا؛ ووضع حد لسياسات ترامب الهدامة والخاصة باللجوء؛ وإنهاء حظر السفر؛ وسأعطي أمراً بمراجعة الوضع المحمي المؤقت للسكان المعرضين للخطر؛ وسأحدد قبولنا السنوي للاجئين بـ 125,000 لاجئ، وسنسعى إلى زيادته بمرور الوقت، بما يتناسب مع مسؤوليتنا وقيمنا. وسأعيد التأكيد على الحظر المفروض على التعذيب، وسأعيد العمل طبق مستوى أعلى من الشفافية في العمليات العسكرية الأمريكية، بما في ذلك السياسات التي تم وضعها خلال إدارة أوباما-بايدن من أجل تقليل الخسائر في صفوف المدنيين. وسأعيد التأكيد على قيام كل أجهزة الحكومة بالعمل على تحقيق الارتقاء بوضع النساء والفتيات حول العالم. وسأحرص على أن يكون البيت الأبيض مرة أخرى هو المدافع العظيم – وليس المعتدي الرئيسي – على الركائز والمؤسسات الأساسية لقيمنا الديمقراطية، من احترام حرية الصحافة، إلى حماية وتأمين الحق المقدس في التصويت، إلى التمسك باستقلال القضاء. هذه التغييرات هي مجرد بداية أولية في إطار التزامنا بالوفاء بالقيم الديمقراطية داخل البلاد.

ونحن كأمة أمريكية، علينا أن نثبت للعالم أن الولايات المتحدة مستعدة لتولي دفة القيادة مرة أخرى.

سأحرص على إنفاذ قوانين الولايات المتحدة دون استهداف لمجتمعات معينة، أو انتهاك للإجراءات القانونية، أو تمزيق للعائلات، كما فعل ترامب. سأقوم بتأمين حدودنا مع ضمان كرامة المهاجرين ودعم حقهم القانوني في طلب اللجوء. لقد أصدرت خططاً تحدد الخطوط العريضة لهذه السياسات بالتفصيل وتصف كيف ستركز الولايات المتحدة على الأسباب الجذرية التي تدفع بالمهاجرين إلى حدودنا الجنوبية الغربية. وعندما كنت نائباً للرئيس أوباما، حصلت على دعم من الحزبين (الديمقراطي والجمهوري) لبرنامج مساعدات بقيمة 750 مليون دولار لدعم التزامات زعماء السلفادور وغواتيمالا وهندوراس لمواجهة الفساد والعنف والفقر المستشري هناك والذي يدفع الناس إلى مغادرة بلادهم. وعندها تحسن الوضع الأمني وبدأت تدفقات الهجرة في الانخفاض في دول مثل السلفادور. وكرئيس للولايات المتحدة، سأبني على تلك المبادرة من خلال استراتيجية إقليمية شاملة لمدة أربع سنوات بقيمة 4 مليارات دولار تتطلب من البلدان المساهمة بمواردها الخاصة وإجراء إصلاحات كبيرة وملموسة وقابلة للتحقق.

وسأتخذ أيضاً خطوات لمعالجة مشاكل التعامل الذاتي، وتضارب المصالح، والأموال السوداء، وفساد المناصب، تلك التي تخدم أجندات ضيقة أو خاصة أو أجنبية وتقوض ديمقراطيتنا. سيبدأ ذلك بالنضال من أجل إجراء تعديل دستوري لإلغاء الأموال الخاصة في الانتخابات الفيدرالية بشكل كامل. وبالإضافة إلى ذلك، سأقترح قانوناً لتعزيز الحظر المفروض على الرعايا الأجانب أو الحكومات التي تحاول التأثير على الانتخابات الفيدرالية أو الحكومية أو المحلية في الولايات المتحدة وتوجيه وكالة مستقلة جديدة – لجنة الأخلاقيات الفيدرالية – لضمان التنفيذ القوي والموحَّد لهذا الأمر وغيره من قوانين مكافحة الفساد. فإلى جانب إتاحة عمليات غسيل الأموال الأجنبية على نطاق واسع، فإن الافتقار إلى الشفافية في نظام تمويل الحملات لدينا يمثل ثغرة كبيرة؛ لذلك فنحن بحاجة إلى سد كل هذه الثغرات التي تفسد ديمقراطيتنا.

وبعد اتخاذ هذه الخطوات الأساسية لتعزيز الأساس الديمقراطي للولايات المتحدة وتحفيز العمل في جوانب أخرى، فسأدعو زملائي من القادة الديمقراطيين في جميع أنحاء العالم لإعادة تعزيز الديمقراطية وإعادتها من جديد إلى جدول الأعمال العالمي. فاليوم، تتعرض الديمقراطية لضغوط أكبر من أي وقت مضى منذ الثلاثينيات. فقد أفادت منظمة فريدوم هاوس أنه من بين 41 دولة كانت تُصنف على أنها “حرة” بشكل دائم من عام 1985 إلى 2005، سجلت 22 دولة منهم خلال السنوات الخمس الماضية انخفاضاً كبيراً في مستوى الحرية.

فمن هونج كونج إلى السودان، ومن تشيلي إلى لبنان، يذكرنا المواطنون مرة أخرى بتوقهم جميعاً إلى الحكم الرشيد وببُغض العالم للفساد المستشري في بعض البلدان. حيث يغذي الفساد، كجائحة خبيثة، القمع ويقوض كرامة الإنسان ويمد القادة الاستبداديين بأدوات قوية لبث الفرقة بين الديمقراطيات وإضعافها في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك، فعندما تتطلع الديمقراطيات في العالم إلى الولايات المتحدة للدفاع عن القيم التي توحد البلاد – لقيادة العالم الحر حقاً – يبدو وكأن ترامب ينتمي إلى الفريق الآخر، ويتبنى خطاب المستبدين بينما يُبدي الازدراء للديمقراطيين. ومن خلال ترؤسه لأكثر الإدارات فساداً في التاريخ الأمريكي الحديث، فقد منح الرخصة للحكام الفاسدين في كل مكان للمضي قدماً في فسادهم.

وفي السنة الأولى لي في منصبي كرئيس للولايات المتحدة ستنظم واشنطن وتستضيف قمة عالمية من أجل الديمقراطية لتجديد الروح والهدف المشترك لدول العالم الحر. وستجمع هذه القمة بين الديمقراطيات في العالم لتقوية مؤسساتنا الديمقراطية، ستواجه بكل صدق الدول التي تتراجع، وسيتم صياغة أجندة مشتركة. وبناءً على النموذج الناجح الذي تم تأسيسه خلال إدارة أوباما-بايدن مع قمة الأمن النووي، فإن الولايات المتحدة ستعطي الأولوية للنتائج من خلال تحفيز التزامات جديدة ومهمة للدولة في ثلاث مجالات: مكافحة الفساد، والدفاع ضد الاستبداد، وتعزيز حقوق الإنسان في دولهم وخارجها. والتزاماً من الولايات المتحدة لهذه القمة، سأصدر توجيهاً رئاسياً بالسياسات اللازمة لتحديد مكافحة الفساد كمصلحة أمنية وطنية أساسية ومسؤولية ديمقراطية، وسأقود الجهود الدولية لتحقيق الشفافية في النظام المالي العالمي، وملاحقة الملاذات الضريبية غير المشروعة، ومصادرة الأصول المسروقة، وجعل الأمر أكثر صعوبة على القادة الذين يسرقون من موظفيهم للاختباء خلف شركات واجهة مجهولة.

وستضم قمة الديمقراطية أيضاً منظمات المجتمع المدني من جميع أنحاء العالم التي تقف في الخطوط الأمامية للدفاع عن الديمقراطية. وسيُصدر أعضاء القمة دعوة للعمل من أجل القطاع الخاص، بما في ذلك شركات التكنولوجيا وعمالقة وسائل التواصل الاجتماعي، والتي يجب أن تعترف بمسؤولياتها واهتمامها الكبير في الحفاظ على المجتمعات الديمقراطية وحماية حرية التعبير. وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن تكون حرية التعبير بمثابة ترخيص لشركات التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي لتسهيل انتشار الأكاذيب الخبيثة. ويجب على هذه الشركات أن تعمل ما بوسعها لضمان ألا تعمل أدواتها ومنصاتها على تمكين دولة المراقبة، أو تقويض الخصوصية، أو تسهيل القمع سواء في الصين أو في أماكن أخرى، أو نشر الكراهية والمعلومات المضللة، أو تحفيز الناس على العنف، أو البقاء عرضة لسوء استخدام البعض لها.

السياسة الخارجية للفئة المتوسطة

ثانياً، ستمكن إدارتي الأمريكيين من النجاح في الاقتصاد العالمي – بتبني سياسة خارجية لصالح الطبقة الوسطى. وحتى نتمكن من الفوز بالمنافسة من أجل المستقبل ضد الصين أو أي قوة آخر، يجب على الولايات المتحدة أن تشحذ قدرتها الابتكارية وأن توحد القوة الاقتصادية للديمقراطيات في جميع أنحاء العالم لمواجهة الممارسات الاقتصادية التخريبية والحد من عدم المساواة.

وبما أن الأمن الاقتصادي يمثل الأمن القومي للبلاد، فإنه يجب أن تبدأ سياستنا التجارية من الداخل، من خلال تعزيز أكبر أصولنا – وهي الطبقة الوسطى – والتأكد من إمكانية مشاركة الجميع في تحقيق النجاح للبلاد، بغض النظر عن العرق أو الجنس أو محل الإقامة أو الدين أو الميول الجنسي أو الإعاقة. وسيتطلب ذلك استثمارات هائلة في بنيتنا التحتية – النطاق العريض والطرق السريعة والسكك الحديدية وشبكة الطاقة والمدن الذكية – وكذلك في التعليم. وعلينا أن نهيئ لكل طالب المهارات اللازمة للحصول على وظيفة جيدة في القرن الحادي والعشرين؛ والتأكد من حصول كل أمريكي على رعاية صحية جيدة وبأسعار معقولة؛ ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 دولاراً في الساعة؛ وقيادة ثورة الاقتصاد النظيف لخلق عشرة ملايين وظيفة جديدة جيدة – بما في ذلك الوظائف النقابية – في الولايات المتحدة.

سوف أجعل الاستثمار في مجال البحث والتطوير هو حجر الزاوية خلال فترة رئاستي، حتى تتمكن الولايات المتحدة من ريادة الابتكار في العالم. ليس هناك أي سبب يجعلنا نتخلف عن الصين أو أي دولة أخرى في مجال الطاقة النظيفة، أو الحوسبة الكمية، أو الذكاء الاصطناعي، أو تقنية الجيل الخامس، أو السكك الحديدية عالية السرعة، أو السباق للقضاء على السرطان. إن لدينا أعظم الجامعات البحثية في العالم؛ ولدينا رصيد قوي في سيادة القانون؛ والأهم من ذلك، لدينا عدد لا مثيل له من العمال والمبتكرين الذين لم يخذلوا بلادنا أبداً.

ستعمل السياسة الخارجية للطبقة الوسطى أيضاً على التأكد من عدم التلاعب بقواعد الاقتصاد الدولي ضد الولايات المتحدة – لأنه عندما تدخل الشركات الأمريكية في ساحة تنافس عادلة، فإنها قطعاً ستفوز. وأنا أؤمن بالتجارة العادلة؛ وحيث إن أكثر من 95 في المائة من سكان العالم يعيشون خارج حدودنا، فإننا نريد أن نحقق درجة عالية من الاستفادة من تلك الأسواق. نحن بحاجة إلى أن نكون قادرين على إنشاء الأفضل في الولايات المتحدة وبيع الأفضل في جميع أنحاء العالم. وهذا يعني إزالة الحواجز التجارية التي تعاقب الأمريكيين ومقاومة الانزلاق العالمي الخطير نحو الحمائية. وهذا ما حدث قبل قرن من الزمان، بعد الحرب العالمية الأولى – وأدى إلى تفاقم الكساد الكبير وساعد في اندلاع الحرب العالمية الثانية.

والخطأ الفادح الذي لا ينبغي فعله هو وضع رؤوسنا في الرمال والقول بأنه لا حاجة إلى عقد المزيد من الصفقات التجارية؛ حيث ستعقد دول العالم صفقات تجارية سواء مع الولايات المتحدة أو مع غيرها. ولكن السؤال هو: من يضع القواعد التي تحكم هذه التجارة؟ من الذي سيتأكد من أنهم يحمون العمال والبيئة والشفافية وأجور الطبقة الوسطى؟ في هذه الحالة، على الولايات المتحدة أن تقود كل هذا الجهد، وليس الصين.

وبصفتي رئيساً للولايات المتحدة، لن أبرم أي اتفاقيات تجارية جديدة حتى نستثمر في الأمريكيين ونُعِدّهم للنجاح في الاقتصاد العالمي. ولن أتفاوض على صفقات جديدة دون وجود قادة عماليين وبيئيين على الطاولة بشكل هادف ودون تضمين أحكام إنفاذ قوية لإلزام شركائنا بالصفقات التي يوقعونها.

تمثل الصين تحدياً من نوع خاص. لقد قضيت ساعات طويلة مع قادتها، وأنا أفهم ما نواجهه. فالصين تتبنى سياسة طويلة الأجل من خلال توسيع انتشارها العالمي، وتعزيز نموذجها السياسي الخاص، والاستثمار في تقنيات المستقبل. وفي غضون ذلك، صنّف ترامب الواردات التي تأتي من أقرب حلفاء الولايات المتحدة – من كندا إلى الاتحاد الأوروبي – على أنها تهديد للأمن القومي الأمريكي من أجل فرض تعريفات مُضِرّة ومتهورة. وعن طريق عزلنا عن النفوذ الاقتصادي لشركائنا، يكون ترامب قد أعاق قدرة بلادنا على مواجهة التهديد الاقتصادي الحقيقي.

تحتاج الولايات المتحدة بالتأكيد إلى أن تكون أكثر صرامة مع الصين. فإذا نجحت الصين في مسعاها، فإنها ستستمر في سرقة التكنولوجيا وحقوق الملكية الفكرية الخاصة بالولايات المتحدة والشركات الأمريكية. كما أنها ستستمر في استخدام تقديم الإعانات لمنح الشركات المملوكة للدولة ميزة غير عادلة – وتحفيزاً كبيراً للهيمنة على تقنيات وصناعات المستقبل.

والطريقة الأكثر فعالية لمواجهة هذا التحدي هي بناء جبهة موحدة من حلفاء وشركاء الولايات المتحدة لمواجهة السلوكيات التعسفية وانتهاكات حقوق الإنسان في الصين، حتى في الوقت الذي نسعى فيه للتعاون مع بكين في القضايا التي تتلاقى فيها مصالحنا، مثل تغير المناخ، وعدم انتشار الأسلحة النووية، والأمن الصحي العالمي. وبالنظر إلى حقيقة أن الولايات المتحدة تمثل بمفردها حوالي ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فعندما نتحد مع الديمقراطيات الحليفة، تتضاعف بذلك قوتنا؛ فالصين لا تستطيع أن تتحمل تجاهل أكثر من نصف الاقتصاد العالمي. وهذا يمنحنا نفوذاً كبيراً لتشكيل قواعد الطريق في كل شيء من البيئة إلى العمل والتجارة والتكنولوجيا والشفافية، حتى تستمر في أن تكون انعكاساً للمصالح والقيم الديمقراطية.

العودة إلى رأس الطاولة

إن الأجندة السياسة الخارجية لجو بايدن ستضع الولايات المتحدة على رأس قيادة العالم مرة أخرى، في وضع يُمكّنها من العمل مع حلفائها وشركائها لحشد الجهود من أجل العمل الجماعي فيما يخص مواجهة التهديدات العالمية. فالعالم لا ينظم نفسه بشكل تلقائي. فعلى مدى 70 عاماً، لعبت الولايات المتحدة، في ظل وجود رؤساء ديمقراطيين وجمهوريين، دوراً رائداً في وضع قواعد العمل، وصياغة الاتفاقيات، وتنشيط المؤسسات التي توجه العلاقات بين الدول وتعزز الأمن الجماعي والازدهار – حتى جاء ترامب، فتغير كل ذلك. وإذا تركناه يواصل تخليه عن تلك المسؤولية، فسيحدث أحد أمرين: إما أن تحل قوة أخرى مكان الولايات المتحدة، ولكن بطريقة لا تعزز مصالحنا وقيمنا، أو لن تستطيع أي قوة أخرى القيام بذلك، وعندها ستعم الفوضى. وفي كلتا الحالتين، فإن الأمر ليس في صالح أمريكا.

القيادة الأمريكية ليست معصومة من الخطأ، فقد ارتكبنا الكثير من العثرات والأخطاء. وفي كثير من الأحيان، كنا نعتمد فقط على قوة جيشنا بدلاً من الاعتماد على مجموعة كاملة من نقاط القوة لدينا. ويذكرنا سجل السياسة الخارجية الكارثي لدونالد ترامب كل يوم بمخاطر اتباع نهج غير متوازن وغير متماسك، نهج يؤدي إلى تشويه الدور الذي يمكن أن تلعبه الدبلوماسية.

لن أتردد أبداً في اتخاذ ما يلزم عند الضرورة من أجل حماية الشعب الأمريكي، بما في ذلك استخدام القوة. ومن بين جميع المهام التي يجب أن يتولاها رئيس الولايات المتحدة، ليس هناك ما هو أكثر أهمية من الدور الذي يقوم به كقائد عام للجيش الأمريكي. فالولايات المتحدة تمتلك أقوى جيش في العالم، وبصفتي رئيساً لهذه البلاد، سأحرص على بقائها على هذا النحو من القوة، مع القيام بالاستثمارات اللازمة لتجهيز قواتنا لتحديات هذا القرن، وليس القرن الماضي. ولكن يجب أن يكون استخدام القوة هو الملاذ الأخير وليس الخطوة الأولى. ويجب استخدامه فقط من أجل الدفاع عن المصالح الحيوية للولايات المتحدة، وخصوصاً عندما يكون الهدف واضحاً وقابلاً للتحقيق، وبموافقة مستنيرة من الشعب الأمريكي.

لقد حان الوقت لوضع حد للحروب التي لا تنتهي، والتي كلفت الولايات المتحدة دماءً وأموالاً لا توصف. وكما قلت منذ فترة طويلة، فإننا يجب أن نعيد الغالبية العظمى من قواتنا إلى أرض الوطن من الحروب في أفغانستان والشرق الأوسط وأن نحدد مهمتنا بدقة على أنها هزيمة تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية (أو داعش). وعلينا أيضاً إنهاء دعمنا للحرب التي تقودها السعودية في اليمن، حيث يجب أن نحافظ على تركيزنا على مكافحة الإرهاب في جميع أنحاء العالم كما في داخل الولايات المتحدة، لكن الاستمرار في صراعات لا يمكن حسم نتيجتها يستنزف قدرتنا على القيادة في قضايا أخرى تتطلب اهتمامنا، ويمنعنا من إعادة بناء الأدوات الأخرى للقوة الأمريكية.

وبالطبع فبإمكاننا أن نكون أقوياء وأذكياء في نفس الوقت. وهناك فرق كبير بين عمليات نشر عشرات الآلاف من القوات الأمريكية على نطاق واسع ومفتوح، والتي يجب أن تنتهي، واستخدام بضع مئات من جنود القوات الخاصة وأصول الاستخبارات لدعم الشركاء المحليين ضد عدو مشترك. هذه المهمات الصغيرة قابلة للاستمرار عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، طالما أنها تعزز المصلحة الوطنية.

ومع ذلك، يجب أن تكون الدبلوماسية هي الأداة الأولى من أدوات القوة الأمريكية. وأنا أشعر بالفخر لما حققته الدبلوماسية الأمريكية خلال إدارة أوباما-بايدن، من دفع الجهود العالمية لإدخال اتفاقية باريس للمناخ حيز التنفيذ، إلى قيادة الاستجابات الدولية لإنهاء تفشي فيروس إيبولا في غرب إفريقيا، إلى تأمين صفقة تاريخية متعددة الأطراف للحيلولة دون امتلاك إيران لأسلحة نووية. فالدبلوماسية ليست مجرد سلسلة من المصافحات والتقاط الصور. إنها تقوم ببناء العلاقات ورعايتها والعمل على تحديد مجالات الاهتمام المشترك أثناء إدارة نقاط الصراع. ولذلك فهي تتطلب الانضباط، لإدارة عملية متماسكة لصنع السياسات، وفريق من المهنيين المتمرسين وذوي الخبرة. وكرئيس للولايات المتحدة، سأرتقي بالدبلوماسية باعتبارها الأداة الرئيسية للسياسة الخارجية للولايات المتحدة. وسأعيد الاستثمار في السلك الدبلوماسي، الذي أفرغته هذه الإدارة (إدارة ترامب) من محتواه، وسأعيد الدبلوماسية الأمريكية إلى الوضع اللائق بها بحيث يديرها محترفون حقيقيون.

تتطلب الدبلوماسية أيضاً مصداقية، وقد حطم ترامب مصداقيتنا. وتُعتبر كلمة الأمة أثمن ما تمتلكه من أصول في تسيير سياستها الخارجية، وخاصة في أوقات الأزمات. ولكن ترامب دمر مصداقية كلمة الولايات المتحدة في العالم، وذلك من خلال الانسحاب من معاهدة بعد معاهدة، والتراجع عن سياسة تلو أخرى، والابتعاد عن مسؤوليات الولايات المتحدة، والكذب بشأن الأمور الكبيرة والصغيرة.

كما أنه أبعد الولايات المتحدة عن حلفائها من الدول الديمقراطية التي هي في أمس الحاجة إليهم. لقد كان توجهه في التعامل مع حلف الناتو صداميا، وعامله كأداة حماية تديرها الولايات المتحدة وحدها. نعم، يجب أن يقدم حلفاؤنا حصتهم العادلة في الإنفاق، ولهذا أنا فخور بالالتزامات التي تفاوضت عليها إدارة أوباما-بايدن لضمان قيام جميع أعضاء الناتو بزيادة إنفاقهم الدفاعي (وهي خطوة يدّعي ترامب الآن أن له الفضل فيها). لكن التحالف يتجاوز دفع الأموال، حيث إن التزام الولايات المتحدة واجب مقدس وليس صفقة يتم إبرامها. فالناتو يظل في صميم الأمن القومي للولايات المتحدة، وهو بمثابة الحصن للنموذج الديمقراطي الليبرالي – وهو تحالف للقيم، مما يجعله أكثر ديمومة وموثوقية وقوة من الشراكات التي يتم إقامتها عن طريق الإكراه أو المال.

وكرئيس للولايات المتحدة، سأقوم بأكثر من مجرد استعادة شراكاتنا التاريخية. سأقود الجهود لإعادة تصورهم للعالم الذي نواجهه اليوم. يخشى الكرملين من بقاء حلف شمال الأطلسي قوياً، وهو التحالف السياسي العسكري الأكثر فعالية في التاريخ الحديث. ولذلك فمن أجل مواجهة أي عدوان روسي، علينا الحرص على أن تظل القدرات العسكرية للتحالف مهولة وفي جاهزية تامة، مع توسيع قدرته أيضاً على مواجهة التهديدات غير التقليدية، مثل الفساد المُسلح والمعلومات المضللة والسرقة الإلكترونية. يجب أن نفرض على روسيا عقوبات حقيقية بسبب انتهاكاتها للمعايير الدولية والوقوف إلى جانب المجتمع المدني الروسي، الذي وقف بشجاعة مراراً وتكراراً ضد النظام الاستبدادي الفاسد للرئيس فلاديمير بوتين.

إن العمل التعاوني مع الدول الأخرى التي تشاركنا قيمنا وأهدافنا لا يجعل الولايات المتحدة دولة حمقاء؛ وإنما يجعلنا أكثر أماناً ونجاحاً، حيث نقوم بتعزيز قوتنا وتوسيع نطاق وجودنا في جميع أنحاء العالم ونعظم نفوذنا مع مشاركة المسؤوليات العالمية مع الشركاء الراغبين في التعاون. نحن بحاجة إلى تعزيز قدراتنا الجماعية مع الأصدقاء الديمقراطيين خارج أمريكا الشمالية وأوروبا من خلال إعادة الاستثمار في تحالفاتنا المبنية على المعاهدات المبرمة مع أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية، وتعميق الشراكات من الهند إلى إندونيسيا لتعزيز القيم المشتركة في منطقة ستحدد مستقبل الولايات المتحدة. ونحن بحاجة إلى الحفاظ على التزامنا الصارم بأمن إسرائيل. ونحتاج كذلك إلى بذل المزيد من الجهد لدمج أصدقائنا في أمريكا اللاتينية وأفريقيا في الشبكة الأوسع للديمقراطيات واغتنام فرص التعاون في تلك المناطق.

ومن أجل استعادة ثقة العالم، فسيكون علينا أن نثبت أن الولايات المتحدة تقول ما تعنيه وتعني ما تقوله. هذا مهم بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بالتحديات التي ستحدد مصير عصرنا: التغير المناخي، والتهديد المتجدد بالحرب النووية، والتكنولوجيا التخريبية.

يجب على الولايات المتحدة أن تقود العالم لمواجهة التهديد الوجودي الذي نواجهه – في تغير المناخ. وإذا لم نقم بذلك بشكل صحيح، فلن تكون هناك جدوى من فعل أي شيء آخر. سوف أقوم باستثمارات ضخمة وعاجلة في الداخل بحيث تضع الولايات المتحدة على المسار الصحيح لضمان الحصول على اقتصاد طاقة نظيفة خالٍ من الانبعاثات تماماً بحلول عام 2050. وبنفس القدر من الأهمية، فإنه لأن الولايات المتحدة تنتج 15 بالمائة فقط من الانبعاثات على مستوى العالم، فسأحقق أقصى استفادة من اقتصادنا ومسئوليتنا الأخلاقية لدفع العالم إلى العمل الجاد. وسأعاود الانضمام إلى اتفاقية باريس للمناخ في اليوم الأول لإدارة بايدن، ثم أعقد قمة لانبعاثات الكربون الرئيسية في العالم، وأقوم بحشد الدول لرفع سقف طموحاتها ودفع التقدم للأمام أكثر وأسرع. وسوف نضع التزامات واجبة التنفيذ من شأنها أن تقلل من الانبعاثات في الشحن والطيران على مستوى العالم، وسوف نتبع تدابير قوية للتأكد من أن الدول الأخرى لا تستطيع تقويض الولايات المتحدة اقتصادياً بينما نفي نحن بالتزاماتنا. ويتضمن ذلك الحرص بكل إصرار على أن توقف الصين – أكبر مصدر انبعاث للكربون في العالم – دعم صادرات الفحم ونقل مصادر التلوث إلى بلدان أخرى عن طريق تمويل مشاريع طاقة للوقود الأحفوري القذر بمليارات الدولارات من خلال مبادرة الحزام والطريق التي تتبناها.

وفيما يتعلق بضمان عدم الانتشار النووي وتحقيق الأمن ضد مخاطره، فلا يمكن أن يكون للولايات المتحدة صوت ذو مصداقية بينما تتخلى هي عن الاتفاقات التي تفاوضت عليها. فقد جعل ترامب احتمال الانتشار النووي، ودخول دول العالم من جديد في سباقات التسلح النووي، وحتى استخدام الأسلحة النووية – جعله أكثر ترجيحاً، من إيران إلى كوريا الشمالية، ومن روسيا إلى المملكة العربية السعودية. وكرئيس للولايات المتحدة، سأجدد التزامنا بالحد من التسلح في عهد جديد. حيث كان الاتفاق النووي الإيراني التاريخي الذي تفاوضت عليه إدارة أوباما-بايدن قد منع إيران من الحصول على سلاح نووي. ومع ذلك، فب بتهور شديد انسحب ترامب من الاتفاق، مما دفع إيران إلى إعادة تشغيل برنامجها النووي وأصبحت أكثر استفزازاً، مما زاد من خطر اندلاع حرب كارثية أخرى في المنطقة. ليس لدي أي شكوك تجاه ما يقوم به النظام الإيراني، الذي انخرط في سلوك مزعزع للاستقرار في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وقام بقمع المتظاهرين بوحشية في الداخل، واعتقل الأمريكيين ظلماً هناك. لكن، بينما هناك طريقة ذكية لمواجهة التهديد الذي تشكله إيران لمصالحنا، وطريقة أخرى لهزيمة الذات، فإن ترامب اختار الطريقة الأخيرة. وبينما أزاح مقتل قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني مؤخراً، خطراً كبيراً، لكنه أثار أيضاً احتمالية تصاعد دائرة العنف في المنطقة، ودفع طهران للتخلي عن الحدود النووية التي تم وضعها بموجب الاتفاق النووي. يجب على طهران أن تعود إلى الامتثال الصارم ببنود الاتفاق النووي. وإذا فعلت ذلك، فسأعاود الانضمام إلى الاتفاق من جديد وأستخدم التزامنا المتجدد بالدبلوماسية للعمل مع حلفائنا لتقوية الاتفاق وتوسيعه، مع التصدي بشكل أكثر فعالية لأنشطة إيران الأخرى المزعزعة للاستقرار.

أما بالنسبة لكوريا الشمالية، فسوف أقوم بتمكين مفاوضينا من القيام بمهامهم وأبدأ حملة مستدامة ومنسقة مع حلفائنا وغيرهم، بما في ذلك الصين، لتعزيز هدفنا المشترك المتمثل في نزع السلاح النووي من كوريا الشمالية. وسأسعى أيضاً إلى تمديد معاهدة ستارت الجديدة، وهي ركيزة للاستقرار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وروسيا، وأستخدم ذلك كأساس لترتيبات جديدة للحد من الأسلحة بشكل عام. وسأتخذ خطوات أخرى لإظهار التزامنا بتقليص دور الأسلحة النووية. وكما قلت في عام 2017، فإنني أعتقد أن الهدف الوحيد من الترسانة النووية الأمريكية يجب أن يكون من أجل ردع – وإذا لزم الأمر، الرد على – أي هجوم نووي. وكرئيس للولايات المتحدة، سأعمل على إدخال هذا التوجه حيز التنفيذ، بالتشاور مع الجيش الأمريكي وحلفاء الولايات المتحدة.

وعندما يتعلق الأمر بتقنيات المستقبل، مثل تقنية الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي، فإن الدول الأخرى تكرس الموارد الوطنية للسيطرة على تنميتها وتحديد كيفية استخدامها. وعلى الولايات المتحدة أن تبذل المزيد من الجهد لضمان استخدام هذه التقنيات في زيادة تعزيز الديمقراطية والازدهار المشترك، وليس للحد من الحرية والفرص في الداخل والخارج. وعلى سبيل المثال، ستنضم إدارة بايدن مع الحلفاء الديمقراطيين للولايات المتحدة لتطوير شبكات الجيل الخامس الآمنة التي يقودها القطاع الخاص والتي لا تستثني أي مجتمع، سواءً كان ريفي بسيطاً أو منخفض الدخل، من ذلك. ونظراً لأن التقنيات الجديدة تعيد تشكيل اقتصادنا ومجتمعنا، فإنه يجب علينا التأكد من أن محركات التقدم هذه ملتزمة تماماً بالقوانين والأخلاق، كما فعلنا في نقاط التحول التكنولوجية السابقة في التاريخ، وتجنب التدني نحو القاع، حيث تقوم الصين وروسيا بكتابة قواعد عصر التكنولوجيا الرقمية. لقد حان الوقت لأن تقود الولايات المتحدة العالم في صياغة مستقبل تكنولوجي يمكّن المجتمعات الديمقراطية من النجاح والازدهار على نطاق واسع.

هذه أهداف طموحة، ولا يمكن تحقيق أي منها بدون قيادة الولايات المتحدة للعالم في ذلك – إلى جانب الديمقراطيات الشقيقة. فنحن نواجه خصوماً، في الداخل والخارج، يأملون في أن يتمكنوا من استغلال الانقسامات في مجتمعنا، وتقويض ديمقراطيتنا، وتفكيك تحالفاتنا، وتحقيق عودة نظام دولي تكون القوة فقط هي التي تحدد الصواب. إن الرد على مثل هذا التهديد هو إتاحة المزيد من الانفتاح، وليس تقليله أو الحد منه: المزيد من الصداقات، والمزيد من التعاون، والمزيد من التحالفات، والمزيد من الديمقراطية.

جاهز للقيادة

يريد بوتين أن يقول لنفسه، ولأي شخص آخر يمكنه أن يخدعه ويجعله يصدّقه، أن فكرة الليبرالية “عفا عليها الزمن”. لكنه يفعل ذلك فقط لأنه يخاف من قوتها. ولا يمكن لأي جيش على وجه الأرض أن يضاهي الطريقة التي تنتقل بها فكرة الحرية التي تسري بانسيابية شديدة من شخص لآخر سريان التيار الكهربائي، وتقفز عبر الحدود، وتتجاوز اللغات والثقافات، وتحول فئات من المواطنين العاديين إلى نشطاء ومنظمين ووكلاء تغيير.

يجب علينا مرة أخرى أن نُسخّر تلك القوة وأن نحشد العالم الحر لمواجهة التحديات التي تواجه عالم اليوم. وفي ذلك، يقع على عاتق الولايات المتحدة أن تقود الطريق من جديد، حيث لا توجد أي دولة أخرى تمتلك هذه القدرة. لا توجد أي أمة أخرى أُسست على هذه الفكرة. علينا أن ندافع عن الحرية والديمقراطية، وأن نستعيد مصداقيتنا، وأن ننظر بتفاؤل وعزم لا يلين تجاه مستقبلنا.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close