fbpx
الشرق الأوسطتحليلات

حدود الدور الإسرائيلي في سيناء

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تُبدي إسرائيل متابعة حثيثة للتطورات الأمنية المتلاحقة في سيناء، لاسيما العمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش المصري ضد المجموعات المسلحة منذ شباط/ فبراير 2018، التي تستهدف مواجهة عناصر مسلحة في شمال ووسط سيناء عبر تدخل جوي وبحري وبري وشرطي. وفيما ترى إسرائيل زيادة المخاطر التي تشكلها هذه المجموعات، عبر تهديدها للمستوطنات الإسرائيلية المتاخمة للحدود المصرية، فإن ذلك يجعل التقييم الإسرائيلي لما تشهده شبه الجزيرة شأناً إسرائيليا بامتياز.يمكن الحديث عن الدور الإسرائيلي في سيناء باعتبارها خاصرتها الجنوبية الضعيفة، وغياب السيطرة الأمنية والعسكرية المصرية، وإمكانية انزلاق التدهور الأمني داخل حدود إسرائيل، حيث تظهر المتابعة الإسرائيلية لأوضاع سيناء، جملة أسباب تدفع إسرائيل للاضطلاع بدور مركزي فيها، يمكن سردها على النحو التالي:

1ـ مصر حليفة إستراتيجية ومهمة لما يعتبره بنيامين نتنياهو الحلف المعتدل، في محاولة لاستيعاب النفوذ الإيراني المتنامي في الشرق الأوسط بهدف إضعافه. وتجري المخابرات الإسرائيلية اتصالات إقليمية، معظمها سرية، لكنها واضحة، مع عدد من الدول العربية، ومنها الأردن والإمارات والسعودية والبحرين والسودان وغيرها، لمساعدة مصر في هذه المهمة السيناوية.

وهناك رغبة إسرائيلية بالحفاظ على الهدوء الأمني على طول الحدود الجنوبية مع مصر، وإقامة علاقات حسن جوار، بجانب التصور الإسرائيلي عن حماس وقطاع غزة، فإسرائيل تزعم أن مسلحي سيناء يقيمون اتصالات وثيقة مع حماس والمنظمات السلفية بغزة، وهرّبوا لهم أسلحة عبر الأنفاق ووسائل قتالية. فضلا عن توجه إسرائيلي بإقامة قنوات اتصال مع الجنرال الليبي خليفة حفتر لتبادل معلومات أمنية في سبيل وقف تدفق الأسلحة من ليبيا للسودان وصولا لسيناء وغزة.

2ـ الإقرار بالتدخل العسكري المباشر غير المباشر في سيناء: وكان آخرها إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في ديسمبر خلال مؤتمر السفراء الإسرائيليين بمقر وزارة الخارجية الإسرائيلية، عن جهود أمنية وعسكرية تبذلها إسرائيل لمنع تواجد وبقاء تنظيم الدولة الإسلامية وحلفائه في سيناء، دون إعطاء مزيد من التفاصيل، لكن الرجل تحدث عما يمكن وصفه “سرا مكشوفا، وليس جديدا”.

تعتقد إسرائيل أن المجموعات المسلحة التي تم القضاء عليها في سوريا والعراق، تحاول العثور على موطئ قدم لهما في مصر، وإسرائيل تمنع ذلك بطريقتها، حتى أن إسرائيل تبالغ في جهودها في سيناء بالقول إنه لولا وجودها لأقام تنظيم الدولة دولة له بصحراء سيناء، كفيلة بأن تشكل تهديدا على كل المنطقة.

3ـ تُعطي إسرائيل لنفسها حق إعطاء التقييم الأمني والعسكري لما يقوم به الجيش والأجهزة الأمنية المصرية في سيناء، وآخرها صدور تقدير موقف أمني إسرائيلي في نوفمبر عن خيبة أمل كبيرة من أداء الجيش والمخابرات المصريين بسيناء؛ لأنهما لم ينجحا حتى الآن في استئصال قوات تنظيم الدولة في شبه الجزيرة، رغم المساعدات الإسرائيلية المقدمة لمصر، مع تقديرات استخبارية إسرائيلية بأن عدد الجهاديين هناك بلغ ألفي مقاتل.

تشكو أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية من عدم قدرة الجيش المصري في إيقاع الهزيمة بتنظيم الدولة، وتواجه صعوبات لتحقيق ذلك، رغم ما تحظى به من مساعدات هائلة من نظيراتها الغربية وإسرائيل، لكن السلطات المصرية لم تنجح بعد في إنجاز مهمتها، رغم الوعود التي أصدرتها أنها ستتمكن حتى أواخر 2018 من القضاء على شأفة الجماعات المسلحة في سيناء، لكن ذلك لم يحدث، رغم العمليات العسكرية المتواصلة شمال سيناء في مناطق رفح والشيخ زويد والعريش.

مع العلم أن عدد العمليات المسلحة التي نفذتها المجموعات المسلحة بسيناء تراجع الصيف الماضي، واقترب توقع المخابرات الإسرائيلية من التحقق، بعد أن سلمت قوات الجنرال الليبي خليفة حفتر للسلطات المصرية هشام العشماوي أحد أخطر المطلوبين، المسئول عن عدد كبير من الهجمات الدامية.

في استعراض إسرائيل لخارطة التهديدات المحيطة بها، ما زال تنظيم الدولة يشكل تحديا للجيش المصري، رغم شنه عمليات عسكرية ضده منذ 2011 حتى اليوم، دون أن يطيح به، مما يزيد من عدم الثقة بإمكانية نجاح مصر بالقضاء عليه، مع وجود تهيئة رسمية للرأي العام المصري بعدم قدرة الجيش على طي صفحة التنظيم في شبه الجزيرة، كونها مهمة مستحيلة.

4ـ تراقب إسرائيل عن كثب ما يحصل على حدودها المصرية، وتقدم المساعدات للجيش المصري في المجالين الأمني والاستخباري، وأعطت موافقتها على إدخال المزيد من القوات العسكرية المصرية لسيناء بكميات كبيرة، بما يتعارض مع اتفاق السلام بينهما، انطلاقا من قناعتها بأن اجتثاث هذا التنظيم من سيناء يحقق لإسرائيل مصالح أمنية حيوية.

ويرى الإسرائيليون أن نظام السيسي لم يوفر البضاعة اللازمة منه في سيناء لتحقيق الهدوء الأمني، رغم ما أبداه الجيش من قسوة بالغة مع المسلحين، بتحسين قدراته الأمنية، وجمع المعلومات، وتجنيد عملاء لهم داخل تلك المجموعات المسلحة، وموافقة إسرائيل على إدخال قوات عسكرية كبيرة لسيناء، لأن اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل كامب ديفيد 1979 يشترط توفر موافقة إسرائيلية على نشر قوات مسلحة مصرية.

كما تراجعت القيود الإسرائيلية المفروضة على القوات المصرية بسيناء، الخاصة بأعداد الجنود والدبابات والوسائل القتالية وناقلات الجند والطائرات، وقد تجندت بجانب المخابرات المصرية أجهزة الأمن الأمريكية بجهازي CIAوNSA، والفرنسية، والبريطانية MI6، والألمانية BND، والمخابرات الإسرائيلية، خاصة الاستخبارات العسكرية “أمان”، والأمن العام “الشاباك”، والموساد، ووحدة 8200، بجانب سلاح الجو الإسرائيلي وطائراته المسيرة دون طيار.

وتعتقد إسرائيل أن ما يحصل اليوم بسيناء هي العملية العسكرية الأكبر للجيش المصري منذ حرب 1973، حيث أدخل خمسة أضعاف القوات المسموح بإدخالها وفق اتفاق كامب ديفيد مع إسرائيل، ويبدو أن الأخيرة أعطته الضوء الأخضر، فالعملية تخدم المصالح الأمنية الإسرائيلية، في ظل أن التنسيق الأمني بين القاهرة وتل أبيب وصل ذروته بهذه الآونة.

5ـ تتجه بعض التقديرات الإسرائيلية أن تطورات العملية العسكرية المصرية بسيناء، وتبعاتها المتوقعة على الأوضاع السياسية الحاصلة، قد ترتبط بصفقة القرن الأمريكية، بالتزامن مع قراءة إسرائيلية حول أهداف السيسي من عملية سيناء، بحيث يصطاد عدة عصافير بحجر واحد، أهمها: تقوية حضوره السياسي كزعيم قادر على مواجهة المجموعات المسلحة، وتحريض وسائل الإعلام المحلية والرأي العام المصري ضد خصومه السياسيين، والحصول على مساعدات عسكرية أوروبية أمريكية، رغم انتقاده بسبب انتهاكات لحقوق الإنسان، وتنظيف سيناء تحضيرا لتطبيق صفقة القرن، بحيث يوافق السيسي على منح أجزاء من سيناء لقطاع غزة لتوطين عشرات آلاف اللاجئين الفلسطينيين لإقامة دولة مستقلة.

ورغم نفي الحكومة المصرية لفكرة توطين الفلسطينيين بسيناء، لكن العديد من المصريين والفلسطينيين لا يثقون بهذا النفي.

6ـ ترى إسرائيل أن تمكن الجيش المصري من القضاء على بؤر المسلحين في سيناء، مشكوك فيه، فأعدادهم تزايدت، وصورتهم النمطية تغيرت بسيناء، ولم يعودوا أولئك المرتدين للجلابيات البدوية التقليدية، ويستقلون جيبات وأسلحة شخصية، اليوم هم مقاتلون بكل معنى الكلمة، يرتدون أزياء عسكرية، ومزودون بأجهزة اتصال، يظهرون على هيئة مجموعات عسكرية منظمة مدربة، وينفذون عمليات قتالية كالجيوش النظامية، بما في ذلك إطلاق قذائف هاون، ومدفعية، وإطلاق صواريخ ضد الدبابات.

خاتمة

تُوقن إسرائيل، ومع تسلم القائد الجديد لجيشها، أن جبهة سيناء، لا تقل خطورة عن نظيراتها في قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا، وربما إيران، الأمر الذي يتطلب توفير المزيد من القدرات والإمكانيات اللازمة لإحباط أي تهديدات تأتي من هذه الجبهة الرخوة [1].


[1] الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Close