fbpx
عسكري

حركة تنقلات الضباط يونيو 2020: الأسباب والتداعيات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

حركة تنقلات الضباط يونيو 2020: الأسباب والتداعيات

مقدمة

في ورقه سابقة بعنوان “القوى المناوئة للسيسي وسياسات إدارة الفرص” تحدثنا عن أن الإجراءات التي اتخذها السيسي في شهر ديسمبر 2019م، والتي ذكرنا تفاصيلها في ورقة أخرى بعنوان “ عنان وحركة ديسمبر: الأسباب والتداعيات” بعد حالة الحراك التي شهدها الشارع المصري في سبتمبر 2019م، والتي حاولت الأطراف المناوئة للسيسي داخل المؤسسات السيادية استغلالها بعد “صناعتها” لتحقيق بعض أهدافها، كانت هناك عملية “مراوغة” من قبل السيسي حتى تهدأ موجة الحراك، وأنه بالفعل عاد مرة أخري لنفس فلسفته واستراتيجيته في الحكم التي كان يسير عليها منذ اللحظة الأولى لتوليه منصب “رئيس الجمهورية” في مايو 2014م، بالتخلص من كل خصومه ومناوئيه المحتملين.

أولاً: استراتيجية السيسي

استراتيجية السيسي في الحكم عملت على تحويل منظومة الحكم من حكم المؤسسة العسكرية الى حكم الفرد العسكري “الحاكم الديكتاتور” المهيمن والمسيطر على كافة المؤسسات والأجهزة، هذا بخلاف الاستراتيجية التي كان يسير عليها حسني مبارك والسادات وعبد الناصر، ولذلك قام السيسي بإخراج جميع قيادات المجلس العسكري التي شاركته في إزاحة التجربة الديمقراطية في 03 يوليو 2013م، باستثناء اثنين فقط وهما رئيس الأركان الحالي محمد فريد حجازي، الذي كان يتولى منصب أمين عام وزارة الدفاع أثناء أحداث 03 يوليو 2013م، واللواء أركان حرب ممدوح شاهين، مساعد وزير الدفاع للشئون الدستورية والقانونية، حتى يتحكم السيسي في رسم مسار المؤسسة العسكرية وقيادتها والسيطرة عليها بشكل منفرد.

بالإضافة الي ذلك قام السيسي بالتنكيل بالقيادات العسكرية الأقدم منه، والتي لها رصيد وشعبيه داخل المؤسسة العسكرية، والتي كانت تشاركه الرؤيا بوجوب إنهاء التجربة الديمقراطية وإعادة الحكم العسكري مرة أخري، ولكن كانت لا ترحب بالسيسي ليكون هو الحاكم العسكري الذي سيخلف مبارك، وحاولت أن تنافسه في انتخابات 2014، وانتخابات 2018، وعلى رأس تلك القيادات التي نكّل بها السيسي، الفريق سامي عنان والفريق أحمد شفيق.

حتى ينفرد السيسي بالحكم أيضاً ولمعرفته بطبيعة وإمكانيات وقدرات جهاز المخابرات العامة، ذلك الجهاز المؤثر داخل مصر، والذي كان من أهم أذرع الرئيس حسني مبارك في الحكم، وكانت له حينئذ صلاحيات تفوق جهاز المخابرات الحربية بكثير، فقام السيسي بتفكيكه وتركيبه حتى يكون موالياَ لنظامه بشكل تام، ولا يهدد حكمه في أي فترة من الفترات. فمنذ كان السيسي مديراً للمخابرات الحربية في يناير 2011م، وقف على خطورة جهاز المخابرات العامة وقدرته على التأثير على أي نظام لا يشاركه نفس الأهداف والاستراتيجيات؛ ولأن استراتيجية حكم السيسي لا تسمح بإن يكون هناك جهاز بهذا الشكل، فقد عمل على تفكيكه مبكراً.

أطاح السيسي باللواء محمد رأفت شحاته، مدير جهاز المخابرات العامة أثناء فترة حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، بعد 03 يوليو مباشرة وعين بدلاً منه اللواء محمد فريد تهامي “الأب الروحي للسيسي” كما يشاع داخل الجيش، وأطاح بالعشرات من وكلاء الجهاز وقتها من المحسوبين على إدارة عمر سليمان، الذي كان على خلاف دائم مع السيسي وقت إدارته لجهاز المخابرات الحربية.

ثم أخرج السيسي اللواء التهامي في ديسمبر 2014م، وعين بدلاً منه اللواء خالد فوزي؛ وكما نقلت مصادر فسبب خروج اللواء التهامي من إدارة جهاز المخابرات العامة، هو خلاف “شخصي”  بين اللواء عباس كامل واللواء التهامي؛ ولطبيعة الدور الذي كان يلعبه اللواء عباس كامل مع السيسي منذ كان مديراً لمكتبه وقت تولي السيسي منصب مدير المخابرات الحربية، ثم مديراً لمكتبه بعد تعيينه وزيراً للدفاع في أغسطس 2012م من قبل الرئيس الراحل محمد مرسي، ثم مديراً لمكتبه بعد توليه رئاسة الجمهورية في مايو 2014م؛ فقام السيسي بإخراج اللواء التهامي حتى لا يخسر ذراعة الأيمن “كاتم أسراره”، عباس كامل.

أقال السيسي في فترة إدارة اللواء خالد فوزي العشرات من وكلاء الجهاز حتى يستمر في تفكيك الجهاز وإعادة تركيبه مره أخرى وكان يقوم بنقل بعض المحسوبين على نظامه من المخابرات الحربية الى جهاز المخابرات العامة حتى يتولوا مراكز الوكلاء الذين أطيح بهم ولكي يديروا ملفاتهم بدلاً منهم. وصل الأمر بعد ذلك بالإطاحة باللواء خالد فوزي نفسه في يناير 2018م، بسبب خلافات بين قيادات جهاز المخابرات العامة برئاسة اللواء خالد فوزي والسيسي في إدارة بعض الملفات، وعلى رأس تلك الملفات ملف التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير. وكما نقلت مصادر، فقيادات جهاز المخابرات العامة قبل انتخابات الرئاسة التي جرت عام 2018م، كانت لا ترحب بفكرة انتخاب السيسي لفترة رئاسية ثانية، وعملت على التنسيق مع الفريق سامي عنان والفريق احمد شفيق، لينافسوا السيسي على منصب الرئاسة. منذ يناير 2018م، قام السيسي بتعيين ذراعه الأيمن اللواء عباس كامل مديراً لجهاز المخابرات العامة وعين نائباً له اللواء ناصر فهمي، والذي كان يخدم في الجهاز منذ كان يديره اللواء عمر سليمان، ولكن اللواء “ناصر” كان وما زال بدون صلاحيات فعلية، فكان تعيينه بصورة شكليه فقط، لأن اللواء عباس كامل من خارج الجهاز  وأصبح رئيساً له، وفى تلك المؤسسات ينظر لتلك الأمور بشكل سلبي؛ ولكى يخرج السيسي من هذا المأزق عين نائباً له أحد اللواءات من داخل الجهاز، ولكن كان الجهاز يدار فعلياً من قبل اللواء عباس كامل والعميد محمود السيسي نجل عبد الفتاح السيسي.[1]

ثانياً محاولات ولكن:

القيادات التي نكل بها السيسي من داخل الأجهزة السيادية، كانت تراقب الوضع بشكل عام من بعد 03 يوليو 2013م، وكانت تحاول أن تشتبك أو تصنع حالة حراك لإحداث تغيير، أو على الأقل تحقق أجزاء من أهدافها لكي تعود وتشارك في منظومة الحكم مرة أخرى، وكانت تلك المحاولات بالشكل الآتي:

1-محاولة منافسة السيسي فى انتخابات 2014م، عن طريق ترشح الفريق سامي عنان رئيس الأركان السابق للرئاسة ولكن تم الضغط على الفريق عنان وتراجع عن موقفه، وحصل السيسي على موافقة المجلس العسكري بأعضائه “الحاليين والمستدعيين” للترشح للرئاسة.

2-إخراج تسريبات للسيسي ومجموعة القيادات التي يرتكز عليها فى إدارة الدولة “استراتيجية كشف الفساد”، بهدف إحداث حالة من السخط الشعبي على تلك المجموعة، لكنها لم تُستغل بشكل صحيح من قبل المعارضة المدنية.

3- رفض التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير والاشتباك مع حالة رفض الشارع وعبر الفريق عنان والفريق شفيق والفريق حتاتة رأيهم الرافض على صفحاتهم الشخصية وتمسكوا بأن الجزر مصرية، وكتب أحدهم وقال “من يفرط في الأرض عليه أن يثبت مصريته”، ولكن السيسي نجح في السيطرة على حراك الشارع وأصبح الرفض عن التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير منحصر فقط على السوشيال ميديا.

4-محاولة استغلال ثورة الغلابة في نوفمبر 2016م، ولكن نجح السيسي فى السيطرة على الشارع وأخرج فى حركة ديسمبر 2016م، التي أجراها داخل الجيش 12 قائد من المجلس العسكري، على رأسهم الفريق أسامة عسكر “الذي أعاده مرة أخري في حركة ديسمبر 2019م” واللواء أحمد وصفي قائد الجيش الثاني الأسبق، والفريق أسامة منير ربيع قائد القوات البحرية الأسبق، والفريق عبد المنعم التراس قائد قوات الدفاع الجوي الأسبق.[2]

5-محاولة منافسة السيسي فى انتخابات الرئاسة 2018م، كما ذكرنا سابقاً ولكن نكل السيسي بكل القيادات التي نوت الترشح وعلى رأسهم الفريق عنان والفريق شفيق، بالإضافة الى اللواء خالد فوزي الذي أطيح به بناء على حالة التنسيق التي تمت وقتها.

6-استغلال “صناعة” حراك 20 سبتمبر 2019 وهي كانت المحاولة الأخطر والأقرب، ولكن دخلت تلك الأطراف فى حالة تفاوض مع السيسي بوساطة من المشير حسين طنطاوي وتم الوصول لصيغة اتفاق جديدة لبدء مرحلة جديدة لحكم السيسي، ربما كان ذلك سبب فشل الحراك يوم 25 يناير 2020م. “لمعرفة تفاصيل أكثر عن محاولات التغيير التي حاولت القيام بها الأطراف المناوئة للسيسي الاطلاع على  تلك الدراسة: عسكر مصر وثورة يناير: السياسات والتحولات”

ثالثاً: ما بعد 20 سبتمبر:

 السيسي بعد 20 سبتمبر 2019م، أيقن أن الخطر الحقيقي عليه هو من داخل الأجهزة السيادية وانتهج سياسة جديدة لتهدئة الأوضاع فأعاد بعض قيادات الصف القديم مرة أخرى فى حركة ديسمبر 2019م، كإيحاء بأن  منظومة الحكم عادت إلى حكم المؤسسة، وأفرج عن الفريق عنان الذي يعتبر الأب الروحي للمعارضين العسكريين، وأعاد هيكلة جهاز المخابرات العامة، ولذلك أستبعد “موقتاً” نجله محمود حتى تهدأ حالة العداء بين الجهاز ونظام السيسي التي اكتسبها خلال السنوات الماضية ونقل له بعض الملفات التي كانت تديرها المخابرات الحربية، ولكن السيسي انقلب على هذا الاتفاق خلال الفترات الماضية.

وفى الورقة التي أشرنا لها في البداية ” القوى المناوئة للسيسي وسياسات إدارة الفرص” ذكرنا أن تلك الأطراف المناوئة للسيسي تيقنت بأن ما فعله السيسي في ديسمبر 2019م، هي عمليه “خداع استراتيجي” وبناء على هذا عادت تلك الأطراف لما كانت عليه قبل 20 سبتمبر 2019م، “خندق المواجهة” خلال الفترات الماضية، واستغلت وضع الدولة المتأزم خلال الفترة الحالية، بسبب أزمتي تعامل الدولة مع أزمة كورونا، وفشل النظام المصري في إدارة ملف سد النهضة.

  وكان مؤشر حالة الصراع الجديد هذا، بناء على ما كشفناه سابقاً، هو تسريب الوثائق العسكرية بشكل مكثف من داخل المؤسسة العسكرية، التي خرجت تحديداً خلال شهري فبراير ومارس 2020م، والتي كشفت عن مظاهر عدم تعامل نظام السيسي بشفافية تجاه أزمة جائحة كورونا، وكشفت تلك الوثائق عن معاناة وعجز الدولة في مواجهتها لتلك الأزمة، التي ربما سيكون لها تداعيات مستقبليه على الأوضاع في مصر سياسياً، اقتصادياً، مجتمعياً، صحياً.

وقد توقعنا في دراساتنا السابقة، وخاصة الدراسة الأخيرة المنشورة في إبريل 2020م، استمرار هذه المواجهات مع تطور الأوضاع العامة في البلاد، خاصة في ضوء الأزمات الحالية والمتوقعة التي تواجهها مصر، خاصة أزمة الكورونا وأزمة سد النهضة والازمة الاقتصادية، وتوقعنا أن السيسي سيستمر في سياسته لإقصاء الأطراف المناوئة للتخلص من هذه “المخاطر” على نظامه. فهل تؤكد التطورات الأخيرة هذا الأمر؟

رابعاً: التطورات الأخيرة:

خلال الأيام القليلة الماضية، ظهرت مؤشرات وإجراءات، تؤكد أن السيسي ماضٍ على نفس نهجه وفلسفته “الحاكم الديكتاتور”، وأنه سيتسمر في إبعاد كل الدوائر والأطراف التي تتعارض مع إداراته واستراتيجيته، وتؤكد تلك الإجراءات أن ما فعله السيسي في ديسمبر 2019م كانت محاولة “خداع”، وسرعان ما انقلب عليها، وسنتناول تلك الأحداث خلال السطور القادمة:

1-حركة تنقلات يونيو 2020:

اعتمد السيسي خلال شهر يونيو 2020م، حركة التنقلات الدورية التي تجرى داخل المؤسسة العسكرية كل ستة أشهر، وجاءت الحركة في وقتها الطبيعي، نعم، ولكن ما تم في تلك الحركة يدل ويؤكد، على أن ما فعله السيسي فى حركة ديسمبر2019 كان عملية “مراوغة محكمة” حتى تهدأ موجة 20 سبتمبر، وأنه ماضٍ فى سياسته القديمة، وكما نُقلت لنا الحركة حصرياً من مصادر خاصة، فقد كانت كالتالي:

1-إقالة اللواء عماد الغزالي من منصب أمين عام وزارة الدفاع وتعيينه مساعداً لوزير الدفاع، وتعيين اللواء أ. ح. أشرف فارس بدلاً منه أمينا عاما لوزارة الدفاع.

2-تعيين اللواء أ. ح. أشرف زاهر مديراً للكلية الحربية بدلاً من اللواء أ. ح. أشرف فارس الذي تم تعيينه أميناً عاماً لوزارة الدفاع.

3-تعيين اللواء أ. ح. نبيل حسب الله قائداً للجيش الثاني الميداني بدلاً من اللواء أ. ح. رفيق رأفت عرفات.

4 -إقالة اللواء ا. ح. يحيي طه الحميلي من منصب رئيس هيئة التدريب وتعيين اللواء ا. ح. رفيق رأفت عرفات بدلاً منه.

5- تعيين اللواء أ. ح. خالد شوقي قائداً للمنطقة المركزية العسكرية بدلاً من اللواء أ. ح. نبيل السيد حسب الله الذي عُين قائداً للجيش الثاني الميداني.

6-تعيين اللواء أ. ح. إيهاب فكري رئيساً لأركان المنطقة المركزية بدلاً من اللواء أ. ح. أحمد صفي.

7-تعيين اللواء أ. ح. خالد لبيب قائداً للمنطقة الجنوبية العسكرية بدلاً من اللواء أ. ح. أشرف الحصري.

8-نقل اللواء أ. ح. صلاح سرايا قائد المنطقة الغربية العسكرية من منصبة وتعيينه نائباً لرئيس جهاز الخدمة الوطنية وتعيين اللواء أ. ح. شريف معوض بدلاً منه قائداً للمنطقة الغربية العسكرية.

9-إقالة اللواء أ. ح. فهمي هيكل وتعيين اللواء أ. ح. ياسر الإسريجي بدلاً منه قائداً المنطقة الشمالية.

10-تعيين اللواء أ. ح. طارق الظاهر بدلاً من اللواء أ. ح. خالد بيومي مديراً لإدارة المشاة

11- خروج اللواء أ. ح. خالد توفيق رئيس هيئة البحوث العسكرية من منصبة لظروف صحية وتعيين بدلاً منه اللواء أ. ح. أيمن نعيم.

12-تعيين اللواء أ. ح. أشرف فريد مساعداً لوزير الدفاع.

عند قراءة أسماء القيادات التي شملتها حركة يونيو 2020م، نجد أن أبرز ما جاء في الحركة، هو خروج اللواء أ. ح. عماد الغزالي من منصبه “الهام” أمين عام وزارة الدفاع “أمين سر المجلس العسكري” وتعيين اللواء أ. ح. أشرف فارس مدير الكلية الحربية “المقرب من السيسي” بدلاً منه، فماذا عن اللواء عماد الغزالي؟

اللواء أ. ح. عماد الغزالي كان يتولى قيادة المنطقة المركزية العسكرية أثناء تظاهرات يوم 20 سبتمبر 2019م، وكان له موقف رافض لانتشار الجيش في الشوارع والميادين أثناء تلك التظاهرات، وكان رأيه أن الجيش لا ينبغي أن ينزل للشوارع ويواجه المتظاهرين مرة أخري، وهذا الموقف أثر بالسلب على قوات الشرطة وجعل قوات الشرطة تخشى من مواجهة المتظاهرين بالعنف، وبناء على هذا تشجع المتظاهرون وزادت أعدادهم ووصلوا الي ميدان التحرير. وجدير بالذكر أن اللواء عماد الغزالي يحظى بقبول كبير داخل صفوف الجيش المصري.

 السيسي في عملية “المراوغة” التي قام بها في حركة ديسمبر 2019م، قام بنقل اللواء عماد الغزالي من المنصب الحيوي قائد المنطقة المركزية، إلى أمين عام وزارة الدفاع “أمين سر المجلس العسكري”، وهذه تُعتبر ترقية للواء “الغزالي”، فأمين عام وزارة الدفاع منصب أعلى من قائد المنطقة المركزية، وأشيع في تلك الأثناء داخل المؤسسة العسكرية، أن السيسي قام بترقية اللواء “الغزالي” وعينه أمين عام على حساب اللواء محمد عبد اللاه “المقرب” من السيسي.

 ولكن حركة يونيو2020م، بقراءتها وتحليلها يتضح أن ما فعله السيسي مع اللواء “الغزالي” في ديسمبر 2019م، كانت خطوة لإبعاده من قيادة المنطقة المركزية العسكرية، التي يقع نطاق عملها وانتشارها العاصمة الكبرى، والتي تتواجد فيها معظم مؤسسات النظام والقصور الرئاسية “القاهرة، الجيزة، القليوبية”، وهذا بناء على موقف اللواء “الغزالي” من عدم “قمع” مظاهرات 20 سبتمبر، ولكن عمل السيسي أن يظهر الأمر على أنه حاله ترقية “للغزالي” ولكنها في حقيقة الأمر كانت خطوة من خطوات التخلص من اللواء الغزالي نهائياً، وبالفعل في حركة يونيو تخلص السيسي مع اللواء الغزالي، بعد ستة أشهر فقط من تعيينه أمينا عاما لوزارة الدفاع.

عند قراءة حركة يونيو 2020م، أيضاً يلاحظ إقالة اللواء أ. ح. يحيي طه الحميلي من منصب رئيس هيئة التدريب، وتعيين اللواء رفيق رأفت بدلاً منه، واللواء الحميلي، كما نقلت مصادر خاصة، كان على خلاف دائم مع السيسي في عدة ملفات، وعلى رأسها ملف مكافحة “التمرد” في شمال سيناء، وكان من ضمن القيادات التي أطاح بها السيسي في ديسمبر 2016م، بعد أحداث ما سميت “ثورة الغلابة” في نوفمبر 2016م.

فقبيل أحداث ما سميت بـ “ثورة الغلابة” يوم 11 نوفمبر 2016م، وتحديداً في 05 أكتوبر 2016م[3]، اجتمع السيسي اجتماعا معلناً مع أعضاء المجلس العسكري المكون من 26 قائد[4]، لمناقشة أوضاع الدولة بشكل عام ومنها دعوات تظاهرات 11 نوفمبر 2016م،  وشهد هذا الاجتماع خلافا بين السيسي ومجموعة من قيادات داخل المجلس العسكري، وحمّلت تلك القيادات السيسي أسباب تلك الدعوات، التي تخرج من قطاع واسع من الشعب، وليس فقط من حركات “الإسلام السياسي” كما كانت الدعوات قبل 11 نوفمبر 2016م، وأوضحوا في أثناء ذلك الاجتماع أن الدولة تدار بشكل خاطئ وخصوصاً في الناحية الاقتصادية، وحمّلوه سبب فشل إدارة العمليات في سيناء، وطالبوا بتعديل مسار وسياسات إدارة الدولة. وبعد مرور أحداث ما سميت “بثورة الغلابة”، أقال السيسي 12 قائدا من داخل المجلس العسكري وكان من ضمنهم اللواء طه الحميلي، فضلاً عن الفريق أسامة عسكر، والذي أعاده السيسي مرة أخري في منصب رئيس هيئة العمليات في حركة “الخداع” ديسمبر 2019.

في 2019م، قام السيسي بإعادة اللواء الحميلي مرة أخري، وعينه في منصب قائد الجبهة الموحدة في سيناء[5]، وهذا من باب “التهدئة والاحتواء”، لإظهار الأمر على أن “الحميلي” التي كان له أراء معارضة لسياسات مواجهة “التمرد” في سيناء، عاد ليقود هو العمليات في سيناء، ولكن سرعان ما قام السيسي بنقلة لرئاسة هيئة التدريب، وفى حركة يونيو 2020م، عاد اللواء أ. ح. يحيي طه الحميلي مرة أخري للتقاعد، وهذا أيضاً من المؤشرات الواضحة التي تدل على أن السيسي، عاد إلى ما قبل 20 سبتمبر، ويعمل على التخلص من الإجراءات التي اتخذها “مضطراً” حتي تهداً وتمضي موجة حراك 20 سبتمبر.

2-عنان تحت الإقامة الجبرية:

من ضمن الخطوات السريعة التي اتخذها السيسي بعد حراك 20 سبتمبر، حتى تهدأ الأوضاع، هي الإفراج عن الفريق سامي عنان، الذي ظل في السجن الحربي لمدة قاربت العامين، بسبب إعلان نيته الترشح لانتخابات الرئاسة التي أجريت في مارس 2018م لمنافسة عبد الفتاح السيسي على كرسي الرئاسة، ووجه القضاء العسكري لعنان بعد إعلان نيته للترشح عدة تهم منها تهمة تزوير استمارة الرقم القومي، والتي ورد فيها أنه فريق سابق بالقوات المسلحة ولم يذكر أنه “مستدعى”، وكذلك تهمة مخالفة الانضباط العسكري.

الفريق عنان، كما وصفه بعض “العسكريين”، هو الأب الروحي للطرف المعارض للسيسي داخل الجيش، ولذلك عمل السيسي على الإفراج عنه سريعاً، بعد أحداث 20 سبتمبر، وكانت هناك تعهدات بعدم التضييق على الفريق عنان بعد الإفراج عنه، ولكن كما نقلت مصادر مقربه من عائلة الفريق “عنان” أنه يقبع تحت الإقامة الجبرية المشددة بمنزله، ولا يستطيع التحرك بحرية، فالذي اختلف فقط في وضع الفريق سامي عنان منذ ديسمبر 2019م، الى الآن  أن “عنان” نقل مقر اعتقاله من السجن الحربي إلى منزله دون إعطائه أي حق في الحركة والتنقل والتواصل، وهناك تهديدات شبه مكررة للفريق “عنان” بعدم الاقتراب مرة أخرى من الحياة السياسية.

ختاماً:

حركة يونيو التي اعتمدها السيسي تؤكد ما ذكرناه في شهر أبريل الماضي، بأن السيسي راوغ الأطراف المعارضة له داخل المؤسسات السيادية في ما فعله فى ديسمبر2019 م، حتى تنتهي موجه حراك 20 سبتمبر، وتشير الى أن السيسي ماضٍ فى سياسته القديمة، وبناء على هذا فنحن بصدد مواجهة جديدة بين السيسي ومناوئيه فى الفترات القادمة. المواجهات المقبلة من وجهة نظري ستكون مختلفة تماماً عن المواجهات التي تمت من قبل بين الجانبين وأي حراك قادم مهما كان شكله ستشتبك معه بالأساس تلك الأطراف ولن تتوقف في منتصف الطريق كما فعلت في يناير 2020 لأنها لن تدخل في حالة تفاوض مرة أخري مع السيسي بعد ان تعلموا الدرس.

هدف رحيل السيسي لم يكن هو الهدف الأول عند المناوئين للسيسي في مواجهة 20 سبتمبر 2019، ولكن من وجهة نظري تلك المعادلة تغيرت وسيكون هدف رحيل السيسي في مقدمات أهدافهم في المواجهات القادمة، ليقين ذلك الطرف بأن المعركة أصبحت “معركة صفرية” وان الاستسلام معناه التنكيل بهم بشكل أكبر.

أشير الى أن الأطراف المناوئة للسيسي لا خلاف لديها على أن الحكم الأمثل من وجهة نظرهم يكون حكماً عسكرياً، الخلاف فقط حول طبيعة الحاكم العسكري الحالي وسوء إدارته لبعض الملفات، مع قناعات راسخة لديهم أن مصر لا يصلح لها غير الحاكم العسكري، والذي يمكن في أفضل أحواله أن يستعيد دولة مبارك.

خلال المرحلة المقبلة، من المرجح أن نظام السيسي، سيواجه أزمتين، قد تزيد من الغضب الشعبي عليه بشكل كبير، وبالتالي يمكن أن تستغلها الأطراف المناوئة للسيسي:

1-احتمالية أن يذهب الوضع الاقتصادي المصري الي الأسوأ خلال الفترات المقبلة، ومن أهم أسباب هذا التدهور الآثار التي ستترتب على الأزمة الحالية التي يشهدها العالم بسبب فيروس كورونا، وتدهور الوضع الاقتصادي الذي سيزيد من حالة الضجر الشعبي على السيسي ونظامه، خاصة في ظل الإدارة السيئة للتعامل مع الوباء والفشل في احتوائه، وقد يستغلها الطرف المناوئ للسيسي.

2-احتمالات حدوث حالة غضب شعبي كبيرة نتيجة أزمة “سد النهضة” خاصة عندما تبدأ أثيوبيا في ملأ الخزان خلف السد، ونظام السيسي أثبت عدم قدرته على إدارة ذلك الملف بشكل صحيح يحفظ لمصر حقوقها المائية، ويحد من آثاره “الخطيرة” التي ستلحق بالمصريين، فالمفاوضات التي تمت بين الجانبين المصري والأثيوبي بمختلف أشكالها ثنائية كانت أو بحضور وسطاء، أظهرت “فشل” الجانب المصري في فرض شروطه أو حتى أخذ ملاحظاته في الاعتبار عند تنفيذ المشروع، في مرحلتي التشييد وملء السد، وربما ذلك الملف أيضاً يسبب حالة سخط شعبي بشكل كبير، قد تحاول استغلالها الأطراف المناوئة للسيسي خلال الفترات المقبلة.

وفى الختام أود أن أشير إلى أن التدافع الدائر “أو حتى مجرد المناوشات” داخل المؤسسات السيادية هي بين طرفين لكل منهما قوى وإمكانيات، وأن الثورة الحقيقية، أو حالة الحراك الشعبي، ليست لها قوى وإمكانيات تمكنها أن تكون طرفاً ثالثاً للدخول في مثل ذلك الحراك. ولكن يجب أن تشتبك القوى الثورية الحقيقية، التي تريد تحولاً ديمقراطياً حقيقياً داخل الدولة المصرية، مع الحالات التي من الممكن حدوثها في الفترات المقبلة “المشابهة لحالة 20 سبتمبر 2019م” بغرض تحقيق أهداف تكتيكية مرحلية من خلال ذلك الصراع في حالة نجاح الطرف المناوئ للسيسي داخل المؤسسات السيادية في حسم ذلك الصراع؛ ومن أهم تلك الأهداف المرحلية خروج المعتقلين وخروج السيسي من المشهد، كخطوة أولي من خطوات التغيير والتحول الديمقراطي في مصر استكمالاً لأهداف ثورة يناير، وإعادة الاصطفاف مرة أخري والتقاط الأنفاس، فمن وجهة نظري فإن الظرف الراهن يحتم تطبيق استراتيجية “وضع الأهداف بناء على الإمكانيات والقدرات”

إنفوجراف حركة تنقلات يونيو 2020م


الهامش

[1] مصر: ما وراء إقالة رئيس المخابرات، محمود جمال، المعهد المصري للدراسات، الرابط

[2] مصر: إقالة رئيس الأركان ـ الأبعاد والتفسيرات، محمود جمال، المعهد المصري للدراسات، الرابط

[3] الرئيس المصري يجتمع بالمجلس العسكري ويستعرض جهود مكافحة الإرهاب، الشرق الأوسط، تاريخ النشر 05 أكتوبر 2016م، تاريخ الدخول 17 يونيو 2020م، الرابط

[4] المجلس العسكري المصري مارس 2020، محمود جمال المعهد المصري للدراسات، الرابط

[5] حوار| قائد قوات شرق القناة لمكافحة الإرهاب: العملية الشاملة فرضت سيادة الدولة على كل شبر، بوابة الأخبار، الرابط

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. تقرير جيد جدا وواقعي
    ولكن لماا توقف المشهد العسكري ؟ والمرصد العبري برضوا ؟! لعل المانع خير ان شاء الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close