دراسات

حماس والحركة السلفية في قطاع غزة: الواقع والآفاق

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقـدمـة

من الأسئلة التي تتكرر كثيراً في الآونة الأخيرة: هل السلفية الجهادية المسلحة التي تميل إلى العنف والمعروفة الآن باسم داعش موجودة في قطاع غزة؟ في الحقيقة هناك العديد من المؤشرات التى تدل على وجود الجماعة السلفية الجهادية في قطاع غزة، وهم في الغالب جماعة تشكلت من مجموعة أشخاص ينتمون إلى مجموعات عسكرية متعددة أغلبها جاء من الجماعات السلفية ولجان المقاومة الشعبية وبعض عناصر حركة حماس، والذين تخلوا عنها نتيجة لبعض المواقف التى اتخذتها الحركة أهمها المشاركة فى الانتخابات التشريعية عام 2006م، ومنهم من عاد إلى غزة بعد اشتراكه بالقتال في سوريا والتي يصلها مقاتلوا غزة عن طريق تركيا مستغلين عدم معرفة الجهات الأمنية المصرية أو التركية لهويتهم أو انتمائهم.

ونظرا لأن السلفية الجهادية حديثة عهد بفلسطين، فهي تتركز بشكل كامل تقريبا في قطاع غزة فلا يكاد يكون لها وجود تقريبا في الضفة الغربية. ولكن وبعد تدهور الأوضاع في الوطن العربي وسيطرة داعش على الكثير من المناطق، بدأت حركة حماس وبصفتها الحاكمة في قطاع غزة بالتحرك ضد مؤيدي داعش في غزة بعد أن قاموا بتنفيذ عدة تفجيرات تستهدف مراكز ثقافية دولية، من خلال استهدافهم بأكثر من حملة اعتقالات، خاصة بحق قادتهم الذين يعتقد أنهم بايعوا داعش.

وعلى الرغم من أن فلسطين هى أرض الجهاد فلم تتعرض دولة الاحتلال لأي هجمة منظمة من قبل السلفيين الجهاديين، بل الملاحظ بأن الجماعات السلفية المسلحة القليلة المتواجدة فى قطاع غزة لم يكن لها دوراً فعالاً تقريبا فى الحروب التى شهدها قطاع غزة فى الأعوام 2008 – 2012-2014، مما جعل الباحثين والمهتمين بهذا الشأن يثيرون العديدة من التساؤلات.

إلا أن الأشد غرابة أن الجماعات السلفية المسلحة فى القطاع تحاول التحرك فى أعمال عسكرية فى أوقات الهدن التى تعقد بين فترة وأخرى بين المقاومة الفلسطينية ودولة الاحتلال. لتشكل عبئا إضافيا على حكم حركة حماس في غزة المتصدع أصلا نتيجة الحصار المفروض على قطاع غزة منذ ثمانية سنوات.

ويبقى التفكير والشغل الشاغل لكل المهتمين بالشأن الفلسطيني عموما وبشأن الحركات الاسلامية على وجه الخصوص، إلى أين تذهب الأمور؟ وهل ستكون الحركات السلفية بديلا عن الحركات الإسلامية المعتدلة؟ ولمصلحة من؟ وما هو موقف دولة الاحتلال من ذلك؟

أولاً: مشكلة الدراسة:

تكمن مشكلة الدراسة فى تنامي القوة السلفية الجهادية فى منطقة الشرق الأوسط، في ظل تزايد الأسئلة عن أسباب ظهورها وطبيعة أدائها، والذي جاء مقرونا مع ثورات الربيع العربي، وفي ظل تنامي دور حركة الاخوان المسلمين فى هذه الثورات، وكذلك في ظل وجود إحدى أفرع الإخوان المسلمين (حركة حماس) المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي؛ فقد بدأت أصوات تتعالى من السلفية الجهادية بتكفير حركة حماس بل ومحاولة المساس بأرواح وممتلكات تعود للحركة. لذا فقد رأى الباحث ضرورة البحث والتحليل في مدى تاثير السلفية الجهادية فى غزة على حركة حماس ومستقبل قطاع غزة، في ظل تواجد صهيوني يسخَّر كل الإمكانيات ويستغل كل الظروف لصالحه.

ثانياً-تساؤلات الدراسة:

تنطلق الدراسة من سؤال أساسى، مفاده ما طبيعة العلاقة بين الحركة السلفية الجهادية في غزة وحركة حماس الفلسطينية ومستقبلها؟

ثالثاً-فرضيات الدراسة:

  • سلوك الحركة السلفية في قطاع غزة يشكل ازمة سياسية لحركة حماس الحاكمة للقطاع.
  • استشراف مستقبل العلاقة بين الحركة السلفية وحركة حماس في قطاع غزة يساعد حركة حماس علي احتواء الحركة السلفية في القطاع.

رابعاً-منهج الدراسة:

اعتمدت الدراسة على المَنَاهِجِ التالية:

1ـ المنهج التاريخي التحليلي المقارن:

اعتمد الباحث على المنهج التاريخي لانه يعتقد بان رسم السياسات والعلاقات الدولية يجب ان تمر من خلال معرفة العلاقات التاريخية السابقة بين الطرفين. ولكن (يعيب) هذا المنهج ان الروايات التاريخية غير دقيقة وبها اخطاء بالاضافة إلى حدوث تغيرات جوهرية. فالمنهج يقصد به الطريق أو الأسلوب أما المقارنة فتعني تلك العملية التي يتم من خلالها إبراز أو تحديد أوجه الاختلاف وأوجه الائتلاف بين شيئين متماثلين أو أكثر، وهذا يعني بدوره استحالة عقد مقارنة بين شيئين متناقضين تماما. واعتمد الباحث هذا المنهج بغرض تتبع الجذور التاريخية لنشأة كلًّ من حركة المقاومة الإسلامية – حماس، والحركات السلفية في فلسطين، ورصد بعض الأحداث التي وقعت فيما بينهما. وكذلك المقارنة بين الجماعتين خصوصا وان هناك العديد من يدمج بينهم نتيجة لتشابه بعض الادوار فيما بينهم1 .

2ـ نظرية إدارة الأزمة

للأزمات بأنواعها المختلفة أدوار كبيرة في تحديد تأريخ ومصير الشعوب والمجتمعات. وفي حقيقة الأمر؛ فإن قراءة التاريخ تثبت أن الأممَ والمجتمعاتِ التي اعتمدت على سياسة فعالة في التعامل مع الأزمات، كانت أكثر قدرة على الاستمرار من الأمم والمجتمعات التي كانت تلجأ إلى الأساليب غير الرشيدة في التعامل مع أزماتها. وقد تظهر الأزمة كنتيجة لغياب السياسة أو الخطط أو عدم الرشد في اتخاذ القرارات أو لأسباب أخرى عديدة قد تخرج عن سيطرة الإدارة، كما أن الأزمة ربما تكون نتيجة لخلل ما في إنجاز الوظائف الإدارية (تخطيط وتنظيم وتوجيه ورقابة واتخاذ قرارات) أو قصور في إدارة البيئة الكلية للمنظمة2 .

خامساً: حدود الدراسة:

الحدود المكانية: قطاع غزة.

الحدود الموضوعية: مستقبل العلاقة بين السلفية الجهادية وحركة المقاومة الاسلامية حماس وتأثيرها على قطاع غزة والقضية الفلسطينية.

سادساً: تقسيمات الدراسة:

الفصل الاول: حركة حماس والسلفية في فلسطين: الجذور والنشأة.

الفصل الثاني: علاقة الحركة السلفية بحركة المقاومة الإسلامية حماس.

المبحث الأول: نقاط الاتفاق والاختلاف.

المبحث الثاني: أسباب تصاعد الأزمة.

الفصل الثالث: مستقبل العلاقة بين الحركات السلفية وحركة حماس دراسة استشرافية .

السيناريو الأول: الهدنة بين حماس وإسرائيل

السيناريو الثانى: التفاهم بين حماس والسلفيين.

السيناريو الثالث: التصعيد العسكري ضد حماس.

الفصل الأول

حركة حماس والسلفية فى فلسطين: الجذور والنشاة

تحمل علاقة حركة المقاومة الإسلامية فى فلسطين حماس كإحدى فروع جماعة الإخوان المسلمين العالمية بالتيارات السلفية الفلسطينية فى ثناياها غموضا يعود إلى الأسس الفكرية لكليهما، وظروف نشأة وهوية ومرجعية كل منهما وعلاقتهما بالمحيط والبيئة القريبة والبعيدة، حيث لا يمكن اغفال تلك المراجعات المهمة لكليهما3 ، لذا سنتناول موجزاً مختصراً لجذور ونشاة كلاً من حركة المقاومة الاسلامية فى فلسطين حماس والحركات السلفية فى فلسطين.

أولاً: حركة المقاومة الاسلامية (حماس):

تأسست حركة المقاومة الإسلامية حماس في ديسمبر/كانون الأول عام 1987م، بهدف إنشاء دولة فلسطينية أساسها الإسلام، وذلك بعد أن عقد اجتماع فى منزل الشيخ احمد ياسين وبحضور كلَّ من عبد العزيز الرنتيسي وإبراهيم المقادمة ومحمد شمعة وقد ترأس هذه الحركة الشيخ أحمد ياسين من ديسمبر 1987م 4حتى اغتياله في 22 مارس/آذار عام 2004م، حيث ترأس الحركة من بعده عبد العزيز الرنتيسي الذي اغتيل أيضاً بعد أقل من شهرٍ من اغتيال ياسين، ثم ترأس خالد مشعل الحركة منذ عام 2004 م وحتي اليوم.

جذور الحركة قبل تأسيسها فهى، انطلقت كمجموعة من الإخوان المسلمين فى البداية كمؤسسات خيرية ودينية منذ فترة الستينات ولغاية الثمانينات، كالعيادات الطبية والمدراس الخاصة، ومؤسسات إغاثية ترعى الأسر المحتاجة، علما أن هذه المؤسسات ما زالت تعمل حتى الآن إلى جانب دور حركة حماس كحكومة ومقاومة5 .

تنقسم حركة حماس إلى ثلاثة محاور:

أولا: المحور الديني:

ترتكز هوية حماس الأيديولوجية وطرحها السياسي والفكري على النقاط التالية:

  •  إنها حركة جهادية شعبية إسلامية تستند في فكرها ووسائلها وسياساتها ومواقفها إلى تعاليم الإسلام وتراثه الفقهي.
  •  تؤمن بتوسيع دائرة الصراع ضد المشروع الصهيوني إلى الإطارين العربي والإسلامي، وأن تحرير فلسطين لن يتم إلا بتضافر جهود المسلمين جميعاً، وأن الإسلام هو المؤهل الوحيد لتفجير طاقات الأمة وتحرير الأرض المقدسة.
  • تؤمن بأن قضية فلسطين قضية إسلامية أساساً، وأنها أمانة في عنق كل مسلم. وأن تحريرها فرض عين على كل مسلم حيثما كان.
  • تؤمن بأن المعركة مع العدو اليهودي الصهيوني معركة وجود وليس معركة حدود. وأنها معركة تتوارثها الأجيال، وأنها صورة من صور الصراع بين الحقِّ والباطل.
  • تؤكد على أن شعب فلسطين هو رأس الحربة في مواجهة المشروع الصهيوني، وأنه لا بد من إعداده ودعمه بكافة الوسائل ليقوم بدوره المنشود.
  • ترى أن فلسطين أرض وقف إسلامي لأجيال المسلمين إلى يوم القيامة؛ ولا يصح التفريط أو التنازل عنها أو عن أي جزء منها.
  • تُقرُّ حماس التعددية الدينية، وترى أن المسيحيين شركاء في الوطن، ولهم من الحقوق والواجبات مثل غيرهم، وأنهم يجب أن يأخذوا نصيبهم كاملاً في مقاومة الاحتلال6 .

ثانياً: المحور السياسي:

تمتلك حركة حماس مكتباً سياسياً لقيادتها منذ تأسيسها ويرأس المكتب السياسي حاليا السيد خالد مشعل ونائبه السيد اسماعيل هنية، كما يوجد تمثيل سياسي آخر للحركة بعد ان شكلت حكومة ذات برنامح سياسي. نتيجة لمشاركتها في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية للمرة الأولى في 25 يناير/كانون الثاني في عام 2006م، تحت تسمية كتلة التغيير والإصلاح، وفازت بأغلبية 76 مقعداً من أصل 132 مقعداً في المجلس التشريعي الفلسطيني، مقابل 43 مقعداً لحركة فتح الممثلة لمنظمة التحرير الفلسطينية.

وقد كان لمشاركة حركة حماس فى الانتخابات التشريعية ردود فعل ايجابية وسلبية داخليا وخارجيا خصوصا إذا علمنا أن هناك عناصر من الحركة قررت التخلي عنها واللجوء إلى التنظيمات السلفية المتشددة متهمين الحركة بالتنازل عن بعض مبادئها من أجل تحقيق مكاسب دينوية وعلى رأسهم أبو عبد الله السوري الخبير فى المتفجرات والذي كان ضمن الجناح العسكري لحركة حماس7 .

ثالثاً-المحور العسكري:

ويتمثل في كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس، وتبلغ ميزانية حركة حماس وجناحها العسكرى كتائب الشهيد عز الدين القسام، السنوية نحو 70 مليون دولار، ومصدر تمويلها يأتي من المؤسسات الخيرية الإسلامية في الغرب والمتبرعين في الشرق الأوسط بالإضافة إلى إيران قبل اندلاع الثورة السورية 8.

ونتيجة لموقف الحركة المعارض بشكلٍ كامل لاتفاقية السلام التي عقدتها منظمة التحرير الفلسطينية مع دولة الاحتلال في أوسلو عام 1993م، تبنى الجناح العسكري التابع لحماس العديد من التفجيرات التي وقعت في قلب دولة الاحتلال واستطاعت ان تفرض نفسها كقوة معارضة فلسطينية حقيقية لاتفاق اوسلو9 .

وفى حزيران / يونيو عام 2007م، قرر الجناح العسكري لحركة حماس التخلص ممن أسماهم العقبات فى تأدية حكومة حماس لعملها كحكومة؛ متهمة إياهم بالخيانة وهم ممثلون بعناصر حركة فتح التابعين للقيادي محمد دحلان مما ترتب عليه انقسام فلسطيني فى النظام السياسي، متماشيا مع الانقسام الجغرافى بين الضفة الغربية وقطاع غزة10 .

إلا أنه وفى محاولة لإصلاح الأمور؛ تم الإعلان عن مصالحة بين حركتي فتح وحماس في 6 فبراير 2012م، وذلك بقيادة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، كجزء من عدة اتفاقيات أخرى سبقتها، ليتمم بعد ذلك بعقد اتفاق آخر يعرف باسم اتفاق الشاطئ عام 2014م، لكن أى من هذه الاتفاقيات التى وقعت لم تحقق أى تغير ملموس على الارض 11.

وقد طُبقت في 19 يوليو/حزيران عام 2008م، هدنة لوقف إطلاق النار مع دولة الاحتلال وبوساطة مصرية، وعدت حركة حماس فيها بوقف إطلاق الصواريخ على دولة الاحتلال، وفي المقابل وعدت دولة الاحتلال بإتاحة المجال للتبادل التجاري مع قطاع غزة. الهدنة أعلنت لمدة ستة أشهر، ومن ثم تواصل بعدها القتال بين الطرفين وقد بلغ ذروته عندما شنت دولة الاحتلال عدوانا شرسا على قطاع غزة، أواخر 2008م، واستمر حتى بدايات عام 2009م12 .

ثم جاء إفراج الحركة عن السجين الصهيوني جلعاد شاليط في 17 أكتوبر/تشرين أول عام 2011م، في اتفاقية لتبادل الأسرى مقابل إفراج سلطات دولة الاحتلال عن 1012سجيناً فلسطينياً.

ثم قيام دولة الاحتلال باغتيال قائد الجناح العسكري لكتائب القسام، أحمد الجعبري، في هجوم استهدفت خلاله الطائرات الإسرائيلية سيارته في 14 نوفمبر 2012م، وبدأت بعدها الصواريخ المنطلقة من قطاع غزة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، واستمرت الاشتباكات على إثرها لتسعة أيام، وانتهت الهجمات بعد أن لعبت دولة مصر فترة الرئيس محمد مرسي دوراً مهماً فى وقف العدوان عن غزة، علما بأن حركة حماس تمكنت في هذا العدوان من إطلاق صاروخ فجر-5 من قطاع غزة وتفجيره في مدينة القدس، في 16 نوفمبر 2012م، والذى اعتبر إنجازا لجناحها العسكري13 .

وخاضت حركة المقاومة الإسلامية حماس وإلى جانبها فصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى في صيف العام 2014، حربا عُدت الأقوى والاعنف فى المنطقة العربية، بعد أن شنت دولة الاحتلال هجوما كاسحا على قطاع غزة، نفذت خلاله أكثر من 6660 غارة وهجمة على قطاع غزة، والتى استمرت 51 يوماً، استشهد فيها ما يقارب 2500 شهيد وأكثر من 13000 اصابة14 .

حماس: الموقف والرؤية من الحركة السلفية

يقول د. أحمد يوسف فى كتابه حماس والحركة السلفية فى قطاع غزة: آفاق الرؤية والعمل المشترك إن حركة حماس تنطلق من منطلقات الإسلام المعتدل، وتؤمن بفكرة الوسطية في الدعوة والقتال، وهي حركة تحرر وطني ذات خلفية إسلامية، كما تقف على مسافةٍ واحدة من جميع التنظيمات الإسلامية، وهي ترى أن تحقيق الوحدة الإسلامية الشاملة هي الأُمنية التي لم تتحقق بعد، وتحاول أن تضم تحت جنباتها -من خلال التفاهم والقواسم المشتركة -كلَّ الإسلاميين الآخرين في الساحة الفلسطينية.

وأكد ان حماس لا ترى في التيار السلفي – كأنشطةٍ وأفكار- خطراً يهدِّد مصالحها؛ بل لديها مخاوفها من موجة العنف الدامي التي تجتاح الوطنَ العربي، وتحرص على توسيع قنوات التواصل مع مشايخ السلفية في داخل القطاع وخارجه، حيث تعطي الحركة مساحةً واسعةً للسلفية ودعاتها وجمعياتها بالتحرك في ساحة العمل الدعوي، والخيري، والعلمي، ولا تتصادم معهم في سجالات ومواجهات ومناظرات حول العمل الإسلامي، إنما الساحة متروكة لكلِّ وجوه العمل وأشكاله الدعوية والنضالية المختلفة، خصوصاً وأننا شعب تحت احتلال استيطاني بغيض، له طبيعة تختلف عن باقي شعوب العالم15 .

ثانيا: الحركة السلفية فى فلسطين

النشأة والتطور

بدأت الحركة السلفية فى فلسطين نشاطها فى بداية الثمانينات، وقد انحصر دورها فى العمل الدعوي والخيري، نائية بنفسها عن المعترك السياسي. إلا ان الحركة السلفية فى فلسطين تطورت بعد ذلك لتضم تيارات مختلفة، بينها المعتدل الوسطي، الذي يلتزم بالدعوة والعمل الخيري، والجهادي الذي يدعو إلى الجهاد والمقاومة المسلحة. وتعد السلفية الدعوية من أقدم انواع السلفية فى فلسطين، والتى تبدو حذرة جداً فيما يتعلق بمقاربة العمل السياسي او الانخراط فيه؛ والتى تنظر إلى الرئيس محمود عباس على أنه ولى الأمر وجبت طاعته حسب ما أمر الشرع16 .

ومن أهم المؤسسات السلفية الدعوية فى فلسطين:

  • المجلس العلمي للدعوة السلفية: برئاسة ياسين الأسطل، ومركزه مدينة غزة يهتم بتقديم الخدمات الاجتماعية.
  • جمعية القران والسنه: برئاسة الشيخ نبيل نعيمي، لها مؤسسات فى الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي ايضا تهتم بتقديم خدمات اجتماعية.
  • دار الكتاب والسنة: لها عدة فروع فى قطاع غزة أهمها فى محافظة خانيونس جنوب القطاع ويرأسها عبد المصرى، وتهتم فى انشاء المدارس والمكاتب الدينية اضافة إلى العديد من المخابز.
  • جمعية ابن باز الخيرية: برئاسة عمر الهمص، مقرها غزة، تهتم بتقديم خدمات خيرية للمحتاجين، وعلى الرغم بأنها ظاهريا مؤسسة سلفية دعوية، الا ان جهات فلسطينية عديدة، ومن بينها الاجهزة الامنية فى حكومة حماس، تعتبرها أقرب إلى السلفية الجهادية.

وقد كان لهذه المؤسسات دوراً هاماً فى إبراز وتمدد التيارات السلفية بشقيها الدعوي الذي لا يؤمن بالعنف؛ والجهادي الذي يؤمن بالجهاد طريقا لإعلان دولة الخلافة. وتعتبر أحزاب مثل أنصار السنة والتوحيد والجهاد وجيش الإسلام، إلى جانب جيش الأمة، أهم فصائل السلفية الجهادية في الأراضي الفلسطينية. وينظر المتابعون للشأن السياسي الفلسطيني إلى الجماعات السلفية الناشئة بشك، ويختلفون بشأن ما إذا كانت تزداد قوة أم لا، مؤكدين أنها لا تشكل حتى الآن البديل من الأحزاب والحركات الإسلامية مثل حماس والجهاد الإسلامي 17.

منطلقات السلفية فى فلسطين

تعتبر السلفية فى فلسطين كبقية التيارات السلفية المنتشرة فى العالم، فى تعريف نفسها فهى تؤكد بان مفهوم السلف يعني النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة والقرون الخيرة، أي أجيال الصحابة والتابعين وتابعي التابعين. ويشير قادة السلفية إلى أن الدعوة السلفية في فلسطين موجودة منذ جاء الصحابة إلى هنا، لأنهم جاءوا بالدعوة إلى فلسطين، إلا أن المجموعات السلفية الحديثة ظهرت في بداية ثمانينيات القرن الماضي في قطاع غزة على أيدي عدد من الطلبة والمدرسين الذين تلقوا تعليمهم في السعودية ودول الخليج، وعندما عادوا إلى غزة اختاروا مواصلة الدعوة التي حملوها من علماء كبار هناك.

كما لا تعتبر الجماعات السلفية نفسها جزءا من النظام السياسي الفلسطيني، بل جزءا من منظومة دينية أكبر تشمل العالم الإسلامي وتتباهى بالعلاقة مع الجهاد العالمي والقاعدة. وتنكر الحركة السلفية في الأراضي الفلسطينية كونها حزاباً أو قوى سياسية أو مجتمعية، مؤكدة أنها تمثل منهج من التزم به، فهو سلفي أكان معهم في تجمعاتهم أو لم يكن.

ويقدر عناصر الحركة السلفية الموجودون في الأراضي الفلسطينية بالآلاف، إلا ان قيادات الحركة السلفية تقول بأنه تتم محاربتهم من عدة جهات أولها الاحتلال والحكومات في الضفة الغربية وقطاع غزة من خلال الاعتقالات والتعذيب وكذلك من التيارات العلمانية واليسارية التى تسعي إلى تشويه مفهوم كلمة سلفي فى ذهن العامة من خلال ندوات ومقالات تحريضية. وبقي نشاط السلفيين في غزة ضعيفا في بداية عملهم، إلا أنهم ازدادوا واتسع عملهم مع عودة السلطة الوطنية عام 1994م، التي أعطت التراخيص لبعض الجمعيات التي أقاموها لنشر الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالوسائل السلمية18 .

الأسباب التى ساعدت على ظهور السلفية الجهادية فى غزة:

1ـ مشاركة حماس فى الانتخابات التشريعية، وسعيها للانخراط فى المنظومة السياسية الفلسطينية، بما فى ذلك منظمة التحرير، ما اعتبر برأى السلفيين اتباعا من حماس لوسائل علمانية، وتبنياً للأسلوب الديمقراطي فى الوصول للسلطة، وهو ما يتعارض مع الأسس الشرعية والفكرية التى تستند اليها السلفية الجهادية.

2ـ التهدئة التى سادت قطاع غزة بشكل شبه متواصل – مع فترات تصعيد متقطعة – منذ وصول حماس إلى السلطة فى يناير 2006م، وهو ما وصفه السلفيون الجهاديون فى سياق تخلي حماس عن خيار المقاومة، وتكرارها لتجربة حركة فتح، وتقاعسها عن واجب الجهاد فى مواجهة الممارسات الاسرائيلية، وتحديدا الاستيطانية والتهويدية فى القدس بشكل خاص والضفة الغربية بشكل عام.

3ـ يتعلق بالانقسام الفلسطيني باعتباره أحد أسباب نمو الحركات السلفية الجهادية، خاصة أن البعض وضعه في سياق الصراع على السلطة، والذي أدى إلى تفشي التطرف في صفوف فئة من الشباب شعرت بالغبن والظلم وهو ما يفسر وجود أعضاء سابقين من حماس وفتح في صفوف الجماعات السلفية الجهادية المختلفة.

4ـ يتمثل بصعود تنظيم القاعدة في السنوات العشر الماضية وانتشار أفكاره ولو بشكل متفاوت في العالم العربي، وميل شريحة -ولو محدودة-من الشباب لأسلوب القاعدة بوصفه النموذج المناسب لمواجهة الهيمنة الأميركية والغربية الإسرائيلية على المنطقة19 .

ويعود تأخر وصول السلفية الجهادية إلى فلسطين، إلى عدة أسباب منها ما امتازت به الحركة الوطنية الفلسطينية تاريخياً من فاعلية وحضور لثراء تجربتها، ولإمساكها بكثير من مفاصل القوة داخل المجتمع. إضافة لقوة الحركة الإسلامية الفلسطينية وتجذرها داخل المجتمع؛ وهو ما كان له أثره الملحوظ في الحد من امتداد السلفية الجهادية، فقد تمكنت من استيعاب الطاقات الشبابية المتدينة التواقة إلى العمل المقاوم، وخصوصاً في إبان الانتفاضتين، كما نجحت في إدارة حوار جاد مع الإسلاميين الشباب ممّن تأثروا بنوازع سلفية جهادية، وقد تمت أغلبية النقاشات في المساجد والسجون والجامعات.

كما كان للاحتلال الإسرائيلي دورُ في تأخر وصول السلفية الجهادية إلى فلسطين بحكم سيطرته المحكمة على الحدود وإجراءاته القمعية بحق الفلسطينيين، وعرقلته إقامة دولة فلسطينية مستقلة قد يشكل نظامها السياسي وأداء مؤسساتها فرصة لانتشار أفكار السلفية الجهادية.

إضافة إلى تقارب الموقف لدي الفصائل الفلسطينية المختلفة -الوطنية والاسلامية -من الحركات السلفية الجهادية، وذلك من خلال منع تمكين هذه الحركات السلفية الجهادية من التمدد والانتشار وهذا يفسر أداء حكومة فتح فى الضفة واداء حكومة حماس بغزة ضد السلفيين الجهاديين، من خلال اعتقال أي ناشط عسكري تابع للسلفية الجهادية يتم اكتشافة سواء بقطاع غزة او الضفة الغريية20 .

التشكيلات الرئيسية للسلفية الجهادية في قطاع غزة:

1ـ جيش الإسلام:

تعود جذوره إلى أواخر سنة 2005م، بعد الانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة مباشرة. حين بادرت مجموعة من لجان المقاومة الشعبية إلى تشكيله. وقد صدر بيانه التأسيسي بتاريخ 8/ 5/ 2006م، وسطع اسم جيش الاسلام على إثر مشاركته في عملية اختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط على تخوم غزة، وقام جيش الاسلام بتسليم شاليط للجناح العسكري لحركة حماس؛ بسبب عدم مقدرتهم في الاحتفاظ به.

وقد أعلن تنظيم جيش الاسلام موالاته لتنظيم القاعدة؛ وقد تزعّمه الضابط السابق في جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني ممتاز دغمش والذي ربطته علاقة بأحمد مظلوم الملقب بخطّاب المقدسي، وقد تمكن التنظيم من حشد عدد من الأتباع قُدّر من قبل بعض المصادر ما بين 200 إلى 300 عنصر21 .

وقد قام تنظيم جيش الإسلام بتنفيذ بعض الهجمات على المؤسسات الإعلامية الغربية العاملة فى قطاع غزة، مثل احتجاز صحفيَّين تابعين لوكالة فوكس نيوز الأميركية لأسبوعين تقريباً، مطالباً بإطلاق سراح سجناء مسلمين من السجون الامريكية وتكرر الامر بعد خطف الصحفي العامل فى بي بي سي، ألن جونستون، في آذار/ مارس 2007م، وطالب التنظيم بإطلاق سراح أبو قتادة الفلسطيني، ويُعتقد أنه نفّذ هجمات أُخرى على مقارّ جمعية الشبان المسيحية والمدرسة الأميركية في غزة، وكذلك هجمات ضد بعض قيادات حركة حماس وبالتحديد العاملين فى جهاز الامن الداخلي، وقد أسفرت هذه الهجمات عن مقتل عدد من أفراد كتائب القسام22 .

ويُتهم جيش الإسلام بأنه استمر في استهداف مؤسسات أجنبية في القطاع منها الهجوم على قافلة أجنبية كالاعتداء على قافلة للصليب الأحمر الدولي في شباط/ فبراير 2010م، ونسج علاقات مع جهاديين من مصر 23.

وقد تراجعت مكانة تنظيم جيش الإسلام بعد قيام الحكومة في غزة بمحاصرة عائلة دغمش في جنوب مدينة غزة في تموز / يوليو 2007م، والاشتباك مع عناصر من جيش الإسلام ومصادرة أسلحتهم، وقد أصدر التنظيم منذ ذلك التاريخ تصريحات تنفي علاقتهم بالقاعدة.

علما ان هذا التنظيم قد ظهر إلى العلن وبدأ المواطن العادي البسيط يشعر به في أواخر سنة 2008 م، بعد ان أعتبر الشيخ العلامة عبد اللطيف موسى الأب الروحي للتنظيم ومفتيه، ومعه خالد بنات أميره ومسؤوله العسكري. وقد نشط التنظيم في مدينتَي خان يونس ورفح تحديدا، وقُدّر عدد عناصره ب 200 -300عنصر تقريباً، يضاف إليهم عدد من الاجانب.

وقد بدأ التنظيم باختبار قدراته عبر هجمات ضد الاحتلال، ثم توترت علاقاته بحركة حماس، وخصوصاً عندما طلبت منه الأخيرة العون إبان حرب 2008 -2009 م، فرفض بحجة الموقف الفكري من حماس، كما اتُّهم بمهاجمة أملاك للمواطنين ومنهم شخصيات من حركة فتح. وتُعتبر حادثة مسجد ابن تيمية في مدينة رفح نقطة التحول الكبرى في العلاقة مع الحكومة وحركة حماس، حين أعلن الشيخ عبد اللطيف موسى إقامة إمارته الإسلامية في رفح في سنة 2009 م، فما كان من القوات التابعة لحكومة حماس إلاّ محاصرة المسجد والاشتباك مع المعتصمين في داخله، الأمر الذي أدى إلى مقتل عبد اللطيف موسي ومساعده خالد بنات، وقد تراجع حضور التنظيم كثيراً بعد تلك الحادثة24 .

2ـ جيش الأمة أهل السنّة والجماعة:

ظهر في يونيو 2007 م، واستقطب عدداً من الأنصار في مدن خان يونس ورفح وبيت لاهيا، وقد دشن بداياته بإطلاق ثلاثة صواريخ على بلدات إسرائيلية في جنوب فلسطين المحتلة. وكان لجيش الأمة مشاركة متواضعة في إبان الحرب على غزة في 2008، 2009م، وعلى الرغم من تأكيده عدم استخدام العنف في التغيير داخل المجتمع، فإنه أعرب عن تطلعاته بتهديد المصالح الغربية حين أعلن في مؤتمر صحافي في سنة 2008م، نيته استهداف الرئيس الأميركي جورج بوش (الابن) في أثناء زيارة كان ينوي القيام بها للمنطقة25 .

3ـ مجموعة جلجلت:

اسم أطلقه الغزيون على مجموعات عسكرية تتبع نهج السلفية الجهادية، ويُعتبر محمود محمد طالب (أبو المعتصم) الناشط السابق في حركة حماس، أحد أهم قادتها. ويُعتقد أن جلجلت ظهرت إلى العلن في يونيو 2007 م، وتختلف التقديرات بشأن عدد عناصرها، وتشير بعض المصادر إلى أنها تضم ما لا يزيد عن 700 مقاتل. ويُعتقد أن جلجلت تواصلت مع أبو الليث الليبي أحد قادة القاعدة في أفغانستان، لكنها لم تنضم إليها ولا إلى أي من تفريعاتها خارج فلسطين26 .

وقد نفذت جلجلت عدداً من العمليات ضد الاحتلال، كان من أبرزها العملية التفجيرية في أوائل سنة 2009، بوضع 3 عبوات ناسفة لاستهداف دورية إسرائيلية، كما حاولت استهداف موكبَي الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر ورئيس الحكومة البريطانية السابق توني بلير، اللذان كانا في زيارتين منفصلتين لغزة، ويُنسب إليها أيضاً تفجير العشرات من مقاهي الإنترنت، وكذلك تفجير منزل مروان أبو راس، أحد نواب المجلس التشريعي عن حركة حماس، ومقر أمن حكومي في رفح. وقد اعتُقل قائدها في16 فبراير 2010م.

4ـ سيوف الحق

 ظهرت هذه المجموعة بعد سيطرة حماس عسكرياً على قطاع غزة في سنة 2007م، ويقودها أبو صهيب المقدسي الذي ترك حركة حماس احتجاجاً على مشاركتها في الانتخابات التشريعية. وتركز وجود المجموعة في بيت حانون، وانخرطت في هجمات ضد مقاهي الإنترنت ومحلات الموسيقى ومقر فضائية العربية وغيرها، وقد اتهمتها بعض المصادر بوقوفها في سنة 2007م، وراء اغتيال مسؤول الأمن الفلسطيني جاد تايه، بتهمة العمالة للموساد الإسرائيلي.

5ـ جماعات أُخرى:

ظهرت أيضاً بيانات لعدة جماعات سلفية غير معروفة، مثل: تنظيم جند الله؛ الجبهة الإسلامية لتحرير فلسطين؛ أبناء أهل السنّة والجماعة؛ جحافل التوحيد والجهاد؛ جيش القدس الإسلامي؛ قاعدة جهاد ولاية فلسطين الإسلامية؛ فتح الإسلام؛ عصبة الأنصار 27.

الفصل الثاني

علاقة الحركة السلفية بحركة المقاومة الاسلامية فى فلسطين

الخلاف الفكرى بين السلفيين وحركة المقاومة الاسلامية حماس فى فلسطين، خلاف معلوم ومنشور وكل فريق يبرز خلافه عبر أدواته الإعلامية والمعارك الفكرية المستعرة بين الطرفين عبر الكتب والمواقع على الإنترنت. إلا أن نقاط الخلاف بينها لا تنكر وجود نقاط التقاء فيما بينهما لذا سيقوم الباحث بعرض نقاط الاتفاق والاختلالف فيما بينها:

المبحث الاول: نقاط الاتفاق والاختلاف

أولاً: نقاط الاتفاق:

هناك العديد من نقاط الالتقاء بين حماس والسلفية في قطاع غزة، حيث المجال الخيري لدعم الأسر المحتاجة، وقد كان للجمعيات الخيرية – من كلا الطرفين – الدور الأكبر في التخفيف من وطأة الحصار، وأزمة رواتب الموظفين، وكذلك العمل الدعوي الذي يحتل مساحة واسعة في عمل التنظيمات الإسلامية، حيث الخطب والندوات، والمخيمات القرآنية، والدروس الدعوية وغيرها، وكذلك العمل المشترك في محاربة كلِّ أشكال الانحراف والرذيلة من ناحية، وكذلك في معالجة الفكر المتشدد والمتطرف، وتوعية الشباب الواعد أخلاقياً ووطنياً، والأخذ بيده إلى طريق الهداية والرشاد والفعل المقاوم.

وفى تصرح للشيخ اسماعيل حميد القيادي في جيش الأمة السلفية الجهادية بأننا نؤيد حماس كحركة مجاهدة، ونختلف معها في بعض الأمور الخاصة بعمل الحكومة، وهذه -في النهاية -هي مسألة فكرية، والطريق إلى حلها هو عبر الحوار، وأكد الشيخ إسماعيل حميد بأنه لم يبق في صفوف جيش الأمة شخص واحد يُكفر حركة حماس، إذ تمَّ إبعاد كل العناصر التي أصرت على مواقفها ونهجها المغاير للوسطية والاعتدال. وأضاف: لا يوجد عندنا كذلك من يبيح دم المسلمين، كما أننا نسعى جاهدين لكي نلتقي مع أيِّ جهة أو شخص يعمل لخدمة دين الإسلام28 .

ثانياً: نقاط الخلاف:

1ـ نقاط الخلاف من منطلقات حركة حماس

لا تشكل الحركةُ السلفيةُ – بشكلٍ عام -خطراً على الساحة الفلسطينية، لكن هناك العديدُ من المخاوف لدى حركة حماس من جنوح بعض مفردات الفكر السلفي، وخطورة استغلاله من قِبل بعض الجهات والأطراف؛ لتحقيق بعض الأهداف المشبوهة، والمخاوف تتمثل في النقاط التالية:

  • تخشى حركة حماس أن يكون ذلك التيار بجمعياته ومعاهده تربةً خصبة، ومأوى للشباب المتشدد الذي تجول في ذهنه أفكار الغلوِّ والتطرف والتشدد، حيث يجد في المؤلفات، والفتاوى، والنصوص الشرعية، ضالته المنشودة؛ إن لم يجد من أولئك العقلاء من يرشده، ويوضح له المنهج الصحيح للاستدلال.
  • إنَّ هناك جهلاً كبيراً في العلم الشرعي لدى أولئك الشباب، وهو الذي يجعل الكثير منهم ينحو باتجاه الغلوِّ والتطرف، دون وعيٍ لدينه وشريعته، فالإسلام بشموليته وصلاحه لكل زمان ومكان، وقد وسع الناسَ جميعاً.
  • انضمام مؤيدي (داعش) تحت راية المقاومة الشعبية، وتشكيل جناح باسم لواء التوحيد.
  • مشاهد حرق الأقباط، وذبح المسلمين، وسفك دماء المجاهدين، وموجة التكفير التي اجتاحت بلاد المسلمين، هي من أعظم المخاوف لدى حركة حماس، حيث إن أول من سيكتوي بنار تلك السكين هم تيار الإسلام السياسي، الذي يرى فيه التيار السلفي الجهادي بأنه المرتد الذي ترك تطبيق الشريعة، وأوقف الجهاد ضد الأعداء29 .
  • ما جاء على لسان ابو حمزة اسعد، أحد كوادر الحركات السلفية فى قطاع غزة، والمقرب من جيش الاسلام، باتهام «حماس» بالكفر «لأنها لا تحكم بما أنزل الله وتقتل وتعتقل المسلمين»، مؤكدا أن «حماس» تنظيم سياسي له أهداف وتطلعات سياسية تتمثل في السيطرة على الحكم. وانتقد «حماس» لقبولها مبدأ الانتخابات التي هي «حرام شرعاً»، ولأنها تحل محل الشورى 30.

2ـ نقاط الخلاف من منطلقات السلفيين:

  • الدعوة السلفية فى فلسطين ترفض اسلوب العمليات الاستشهادية كما ترفض اسلوب الاقتتال والحسم العسكري فى الشئون الداخلية، وهذا ما اكده رئيس المجلس العلمي للدعوة السلفية فى فلسطين الشيخ ياسين الاسطل، بعد اشتباكات عام 2007م، وسيطرة حماس على قطاع غزة 31.
  • نظرة السلفية الدعوية إلى الرئيس محمود عباس، بصفته ولى الامر الواجب طاعته، تتبني فى بعدها جفاء وانتقاداً لحركة حماس، التى انقلبت على ولي الامر، بما يخالف الشرع الاسلامي حسب رأيهم32 .
  • يقول الشيخ عدنان مَيَّط؛ رئيس مجلس شورى المجاهدين سابقاً، كانت بداياتي مع حركة حماس، ومع كتائب القسَّام، ثم مع المجاهدين، ثم اليوم أنا مع جماعة التبليغ، لكنَّ النقطة الفيصلية في عملية التحول بالنسبة لي كانت مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية, حيث إننا قد تربينا في مدرسة الإخوان المسلمين على (حُرمة الانتخابات) 33.

ويري الباحث فيما جاء على لسان الشيخ عدنان ميط بانه قد تربي في مدرسة الاخوان المسلمين على حرمة الانتخابات؛ بأنه مخالف تماماً لمبادئ حركة الاخوان المسلمين، فالاخوان المسلمين لا تعارض الدخول في العملية السياسية، وأن هذه المعرفة لدي الشيخ ميط قد تشير إلى انه كان عنصراً في حماس وأخذ باراء بعض العناصر غير المطلعه على مبادئ الاخوان المسلمين. وانما تردد موقف الحركة الرافض للانتخابات عام 1996م. عندما رفضت حماس المشاركة فيها.

  • إن «حماس» لم تتصرف في السلطة على نحو يوحي بأنها تحمل مشروع إقامة خلافة، فلم تصدر قائمة المحظورات التقليدية مثل منع الأحزاب العلمانية واليسارية، ولم تقم بتطبيق الشريعة الإسلامية، ولم تفرض الحجاب بالقوة على الفلسطينيات، ولم تغلق محال الترفيه التي يؤمها غير المنتمين لفكرها الإسلامي. ورأى أن هذه السلوكيات تتفق مع إعلان «حماس» أنها حركة معتدلة، وذات منهج مختلف عن التنظيمات السلفية. وقد خلا الأداء الميداني والسلوك الاجتماعي لحركة حماس وحكومتها من أية إشارة للدولة الإسلامية، أو تطبيق للشريعة. وهذا يختلف مع تطلعات السلفية الجهادية.

 كما أن السلفيين انتقدوا حركة حماس، لأنها لم تعلن قيام الإمارة الإسلامية بعد السيطرة على قطاع غزة، ما يعتبر تقصيراً في إكمال أداء الواجب الشرعي الذي كلف الله به المجاهدين. وأكد أن البدايات الأولى للخلاف الفكري والفقهي بين «حماس» والسلفيين، فيما يتعلق بمسألة إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة وصل إلى حد وصف فيه «أيمن الظواهري» حركة حماس، بأنها لحقت بركب السادات. أما أبرز انتقادات السلفيين الجهاديين في فلسطين لسلوك «حماس» السياسي هو في انخراطها بالعملية السياسية في ظل دستور «وضعي علماني»، وعلى أساس اتفاقيات أوسلو، التي «تخلت عن أكثر من ثلاثة أرباع أرض فلسطين لليهود»34 .

علما ان حركة حماس قد عارضت اتفاقية اوسلو التى وقعت ما بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل عام 1993م؛ حيث رأت أن بعض أبناء القضية الفلسطينية خانوها، وخانوا نضال الشعب الفلسطيني وتضحياته.

واعتبرت حماس، أن القبول باتفاق غزة – أريحا أولاً، هو قبول بتصريح بلفور البريطاني، وقد انطلق موقف حركة حماس الرافض للاتفاق، من المحاور الآتية:

  • إن القبول باتفاق غزة – أريحا أولاً، يعني القبول بشرعية الوجود الإسرائيلي في فلسطين المحتلة.
  • لأنه يهدف إلى القضاء على الانتفاضة، وإلغاء موضوع القدس على الأقل خلال المرحلة الانتقالية
  • إن الوثيقة التي حملت الرؤية الفلسطينية للاتفاق، لم تطالب حتى بالانسحاب من شبر واحد من الأراضي المحتلة، مكتفية ببدء تطبيق تجربة الحكم الذاتي ولفترة تجريبية، وهو ما يعني عدم التطرق إلى موضوع السيادة الجغرافية، بما يطلق يد إسرائيل لتستولي على المزيد من الأراضي35 .

المبحث الثاني: أسباب تصاعد الازمة

الأسباب المباشرة لتصاعد الازمة بين السلفيين وحركة حماس فى قطاع غزة ترجع إلى عدة أسباب وهي:

أولا: أسباب الأزمة من منظور حركة حماس

  • اختطاف المتضامن الإيطالي فيتوريو أريغوني وقتله في اغسطس 2008م، على يد مجموعة موصوفة بالسلفية في قطاع غزة، علما ان المتضامن الايطالي كان قادما لغزة مع وفود كسر الحصار المفروض على غزة، مما أوقع حماس في حرج شديد لسببين الأول أن حركة حماس وبصفتها الحاكمة هي المسؤولة عن توفير الحماية لكافة الاجانب القادمين، أما السبب الثاني لرفض أسره القتيل إعادة جثمانه إلى بلاده عبر إسرائيل لأن إبنها كان يرفض التعامل مع دولة الاحتلال، لتوقع الفلسطينيين عموما وحماس بالتحديد في حرج شديد.
  • دعا أبو حفص المقدسي أمير جماعة جيش الأمّة السلفيّة في غزّة إلى الجهاد في مصر من أجل تخليصها من حكم من أطلق عليه اسم فرعون مصر الجديد، في إشارة إلى وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي، وذلك من أجل وقف إراقة الدماء وتحكيم شرع الله.
  • شهدت مدينة غزّة فجر19 يوليو 2015م، تفجيرات متتالية استهدفت 5 مركبات تعود إلى كوادر كبيرة في حماس والجهاد الإسلاميّ، ووضعت أمام التفجيرات شعارات تعود إلى تنظيم الدولة.
  • توعّد تنظيم الدولة الإسلامية المعروف باسم داعش، حركة المقاومة الإسلامية حماس، بـ “القتل، والتنكيل، موجها رسالةً إلى أنصاره في غزة بأن فتح غزة، وطرد المرتدين منها قد اقترب.

وفي إصدار جديد حمل عنوان رسالة إلى أهلنا في بيت المقدس، تحدث عدد من عناصر التنظيم الذين قدموا إلى مدينة حلب السورية من قطاع غزة، قائلين إنهم يُحكمون بالشريعة، بعكس غزة التي يحمكها طواغيت حماس بالديمقراطية، وفق قولهم.

ووصف العناصر في الإصدار الرسمي الصادر عن تنظيم الدولة، حركة حماس، بالردة، قائلين إنها تعمل فقط لإرضاء أمريكا، وقطر، وإيران، وتركيا، وأضاف أحدهم: لا تغركم تلك الصواريخ التي تطلقها حماس على اليهود، فهي مثل صواريخ حزب الله36 .

  • وجود بعض المؤشرات تفيد أن تنظيم (داعش ولاية سيناء) الذى يعرف باسم (أنصار بيت المقدس)، يوجد بداخله عناصر فلسطينية سلفية وبدوية من أهل سيناء، وهذا يرجع إلى النشأة الأم لهذا التنظيم والتي بدأت عام 2004 م، وكان الاسم المعروف به هو (التوحيد والجهاد) والذى إليه تنسب أحداث إرهاب (طابا – ذهب – شرم الشيخ) فى أعوام 2004 – 2005م، والذي كان يقوده الفلسطينى السلفى (هشام السعيدنى) الشهير بـ(أبى الوليد المقدسي)، وهو الرجل الذي تتلمذ على أيدي أبو إسحاق الحوينى، علما ان السعيدنى قد قتل فى 2011م، فى غزة بعد قصفه من الطيران الصهيوني37 .

ثانيا: أسباب الازمة من منظور السلفيين

  • تعذيب المجاهدين السلفيين على يد الاجهزة الامنية بغزة التابعة لحماس: يقول أحد قياديي الجناح العسكري للسلفية الجهادية فى فلسطين، لقد تعرضت للضرب والشتائم والاتهامات التي تمس أخلاقي وكرامتي، وكان الذي يضربني يسخر مني بطريقة يصعب على المرء تخيلها، لقد قلت لهم وأنا أتوجع تحت سياطهم: لا تضرب. فإن الضرب لا يترك أثراً على الجسد، بل أثره في القلب، لا تجبرني يا أخي أن أدعو عليك. وللعلم أنا اليوم مهدَّدٌ بالاغتيال من قبل العدو الصهيوني 38.
  • الأحداث المأساوية الدامية في أغسطس 2009م في مسجد ابن تيمية بمدينة رفح، وذلك على إثر إعلان رئيس جماعة جند أنصار الله؛ الشيخ د. عبد اللطيف موسي عن إمارته الإسلامية. مما أدى إلى مقتل عبد اللطيف موسي ورفاقة والبالغ عددهم عشرون رجلاً39 .
  • وجود حركة الصابرين، المقرّبة من إيران، لاتّهامها بنشر الفكر الشيعيّ بين أوساط سكّان غزّة40 .

ثالثا: لماذ تعد السلفية الجهادية خطراً على حماس

لم تبلغ المجموعات السلفية الجهادية في غزة مرحلة تهديد «حماس» ونفوذها في القطاع بعد، لكنها باتت تثير القلق، خصوصا بعد ان شهد قطاع غزة انفجار خمس سيارات لقيادات من حركة حماس في توقيت واحد، اضافة إلى بث التنظيم تسجيل مصور يتوعد حركة «حماس» وقادتها بأن يكون مصيرهم في القطاع مشابهاً لما حصل لعناصر أكناف بيت المقدس (المحسوبين على الحركة) في مخيم اليرموك في نيسان (أبريل) 2015م. لا شك أن مثل هذه التهديدات لا تتسم بالواقعية، لأن «حماس» تحكم قبضتها الأمنية على مفاصل القطاع، لكنها قد تثير بعض المخاوف وشيئاً من الإرباك وذلك يرجع لعده اسباب:

1-تدرك حماس جيداً أن عناصرداعش لا يؤمن جانبهم، فهم يعتمدون في المرحلة الأولى التي ينشئون فيها خلاياهم ومجموعاتهم على أمرين: المهادنة الظاهرية للسلطة الحاكمة أو للأحزاب الموجودة وخصوصاً الإسلامية، حتى تقوى شوكتهم، وتصبح عصية على الاستئصال والكسر؛ والثاني، توجيه ضربات محددة بهدف إثارة الفوضى، وإضعاف السلطة الحاكمة، وهو ما يطلق عليه في أدبياتهم مرحلة الشوكة والنكاية.

2-تحكم عناصر «داعش» أيديولوجية خطيرة جداً، وأخطر ما فيها هو الاعتقاد السائد عندهم بأن قتال العدو القريب مقدم على قتال العدو البعيد. وبما أن عناصر «حماس» في نظرهم كفرة ومرتدون لأنهم لا يحكّمون شرع الله، لذا فإن المواجهة معهم لها الأولويـة على قتال الاحتلال الإسرائيلي.

3-تنامي نفوذ «داعش» في غزة، يأتي في وقت تسعى فيه «حماس» إلى إعادة ترميم ما دمرته الحرب. وبالتالي، فإن العمليات التي ينفذها عناصر السلفية الجهادية ضد إسرائيل من إطلاق صواريخ أو استهداف جنود، تحرج «حماس» أمام المجتمع الدولي، وتعطي الذريعة لإسرائيل لتوجيه ضربات للقطاع، وربما جر غزة مجدداً إلى حرب لا يريدها أحد الآن 41.

4-معظم عناصر «داعش» من أبناء القطاع، وجزء من النسيج الاجتماعي، ويعرفون شوارع غزة وأزقتها، وليس من المستغرب أن يكونوا على دراية ببعض مخازن السلاح، والأنفاق، ومرابض إطلاق الصواريخ.

5-طبيعة التركيبة العائلية في غزة، تدفعها للانحياز إلى أفرادها، وحمايتهم إذا ما تعرضوا لأي ملاحقة أو تهديد. وبالتالي فإن أي مواجهة مع أحد عناصر «داعش» قد تمتد إلى صراع مع العائلة، كما حصل مثلاً في حالة ممتاز دغمش، الذي اختلف مع «حماس» بعد أن كان محسوباً عليها، وبدأ بتشكيل حالة عسكرية، خارج نطاق الأطر المعترف بها. وحين تدخلت الأجهزة الأمنية التابعة لـ «حماس» لضرب مجموعة دغمش، آزرته عائلته ورفضت التخلي عنه، مما اضطر «حماس» إلى إبرام اتفاق مع عائلته.

6-قد يسعى عناصر «داعش» إلى زعزعة الاستقرار في شكل مستمر داخل القطاع، لضرب الحاضنة الشعبية لـ «حماس»، وتنفيذاً لبعض الأجندات الخارجية المخترقة للتنظيم.

7-الدعاية الداعشية داخل القطاع لا تفوّت فرصة في التحريض على «حماس» باعتبارها منظمة براغماتية، تهادن الاحتلال، وتبرم مصالحات مع الفصائل الفلسطينية العلمانية، ولا تسعى إلى تطبيق شرع الله (من قتل المرتدين، وإقامة الحدود، وفرض الجزية على المسيحيين). وقد باتت «حماس» تخشى من تأثر بعض عناصرها بهذا الخطاب، في ظل الثوران الداعشي الذي تشهده المنطقة. حيث سجلت حالات انشقاق عديدة خلال الأشهر الماضية، وإن كانت لا تزال محدودة.

8-تنامي قوة الجماعات المتطرفة في سيناء، ومبايعتها لأبي بكر البغدادي، قد يدفعها للتمدد إلى غزة.

أمام هذا المشهد، تحاول «حماس» احتواء خطر «داعش». من خلال أمرين رئيسيين: الأول، الحوار الفكري المكثف معهم من خلال العلماء والمشايخ. بيد أن المعضلة التي يشتكي منها الدعاة هي صعوبة إقناع هؤلاء الشبان، لأن أيدلوجيتهم تقوم على احتكار الحقيقة، واعتبار أنفسهم هم فقط الفرقة الناجية، فهم أصلاً لا يثقون بالعلماء ولا يعترفون بهم، ويعتبرونهم مرتدين وعلى ضلال. أما الطريق الآخر الذي تسلكه السلطة في غزة للحد من خطورتهم، فهو المتابعة الأمنية، حيث تعمل أجهزة المخابرات داخل القطاع على اعتقال كل من تشي تحركاته بأنه بات يشكل تهديداً 42.

الفصل الثالث

مستقبل العلاقات بين حركة حماس والحركة السلفية

السيناريو الاول: التوصل إلى تهدئة او اتفاق بين حركة حماس ودولة الاحتلال

تناولت تقارير عديدة، في الآونة الأخيرة، عن وجود اتصالات بين مبعوثين دوليين، بتفويض من دولة الاحتلال، ومسؤولين في حركة المقاومة الإسلامية حماس، بخصوص إمكانية التوصّل إلى هدنة محدودة زمنيًا بين دولة الاحتلال وفصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، مقابل رفع الحصار المستمر على القطاع منذ أكثر من ثمانية أعوام. ومما يعزّز مصداقية هذه الأخبار تصريحات أخيرة أدلى بها كلاً من السيدان إسماعيل هنية وخالد مشعل. وما لم تحصل مفاجآت، فمن غير المستبعد أن يتم التوصل إلى تهدئة لمدة ثلاث إلى خمس سنوات على الأقل، وذلك في ضوء رغبة كل من دولة الاحتلال وحماس في إتمامها43 .

لماذا تريد دولة الاحتلال هذه الهدنة

بعيداً عن مصطلحات النصر والهزيمة بين الفلسطينيين ودولة الاحتلال، لأن المقارنة ليست علمية ولا موضوعية، يمكن القول إن خلاصة حرب غزة التي استمرت 51 يوما هي أن: إسرائيل لم تنتصر، وغزة لم تنكسر!، أمام الاعتبارات التالية:

1ـ الخسائر التي مُنيت بها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، من انتكاسات ميدانية وخسائر عملياتية، أعلنتها في ذكرى الحرب الاولى، فقد أسفرت حرب غزة الثالثة التي أسمتها دولة الاحتلال الجرف الصامد، عن مقتل 70 صهيونيا، منهم 65 ضابطا وجنديا سقطوا أثناء المعارك مع المقاومة على حدود غزة عندما حاولت ما تسمي قوات النخبة الدخول براً إلى القطاع. وأصيب ما لا يقل عن 2300 صهيوني بجراح، أكثر من نصفهم من الجنود. هذا بالاضافة إلى فشل القبة الحديدية في اعتراض 3792 صاروخا، أي أن مستوى أداء القبة لم يتجاوز 16%. وأخيرا التكاليف العسكرية الباهظة، فقد تجاوزت تكلفة الحرب الإجمالية على غزة 4 مليارات دولار في الجانب العسكري، و7 مليارات دولار في الجانب المدني.

2ـ الإشارات التي تطلقها حماس عن وجود جنود صهاينة أسرى لديها، أحياء كانوا أم أمواتًا، ولذا قد تكون دولة الاحتلال ترغب ببدء مفاوضات لتحديد مصيرهم، والإفراج عنهم أو استلام رفاتهم.

3ـ علم اسرائيل المُسبق أن إضعاف حماس اليوم سوف يعني تمددًا لـ “داعش وتنظيمات أخرى صغيرة، لا تملك حسًا بالمسؤولية والعقلانية44 .

لماذا تسعي حماس للتهدئة؟

تسعى حماس إلى التوصّل إلى هدنة طويلة نسبيًا مع دولة الاحتلال، إلّا أنّ ذلك لا يعني أنّها تطلبها بأيّ ثمن؛ فالحركة ما زالت تصرّ على رفض الاعتراف بما يسمي دولة إسرائيل، وهي لا تقبل نزع سلاحها؛ إلا أن حركة حماس تبحث عن هدنة للآسباب الآتية:

1ـ رغم الأداء العسكري غير المسبوق لحماس في المواجهة العسكرية الأخيرة، فإن الحركة لم تتمكن من ترجمة الإنجاز العسكري إلى إنجاز سياسي يرفع الحصار عن القطاع ويعيد الإعمار ويوفر الأموال اللازمة لإعاشة عشرات الآلاف من الموظفين.

2ـ تعيش حماس مأزقًا كبيرًا في إدارة قطاع غزة المحاصر، منذ أكثر من ثمانية أعوام. ويضاف إلى الحصار ثلاثة اعتداءات إسرائيلية كبرى أعوام 2008/2009م، 2012م، 2014م. ولذلك، لا تريد حماس أن تُجرّ إلى معركة أخرى مدمرة مع دولة الاحتلال.

3ـ أنّ المصالحة الوطنية الفلسطينية التي أمَلَتْها حماس وجسّدها اتفاق الشاطئ في إبريل/نيسان 2014م، ونتج منه حكومة توافق وطني، لم تطبّق عمليًا، ولم تأت بالفرج لقطاع غزة، ولم ترفع الحصار عنه في ظلّ استمرار الخلافات بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس.

4ـ تخشى سلطة حماس في غزة تزايد النقمة الشعبية الناجمة عن الحرمان والحصار وانسداد الأفق، فالأوضاع الإنسانية في قطاع غزة تتدهور بشكل متسارع وغير مسبوق، على كافة الأصعدة.

5ـ التغييرات الاقليمية المتسارعة، والتي تدفع القادة السياسيين في حركة حماس إلى التريث واستغلال الوقت من اجل اعاده ترتيب الاوراق مرة اخرى.

تداعيات الهدنة على مستقبل العلاقة بين حركة حماس والسلفية الجهادية فى قطاع غزة

إن التداعيات على مستوى الجوانب الحياتية فى قطاع غزة ستكون ايجابية، وان كانت لفترة زمنية محدودة تشبه إلى حد قريب بدايات دخول السلطة الفلسطينية عام 1994م، الا ان حركة حماس ستعمل على تجفيف منابع واوكار السلفيين الجهاديين وذلك لعده اسباب:

1ـ رغبة السلفية الجهادية في قطاع غزة على مزاحمة حماس في غزّة؛ كما تمثل السلفية الجهادية فى غزة تهديدا لمشروعها الإخواني.

2ـ من المرجح ان تقوم فصائل السلفية الجهادية باطلاق صواريخ باتجاه الارض المحتلة مما يعطل اتفاق الهدنة وبالتالى انجرار غزة إلى حرب.

3ـ رغبة حماس فى فتح افاق للتواصل مع العالم الخارجي باعتبارها تنظيم اسلامي معتدل يمكن التعاون معه والتوصل إلى تفاهمات، ولكي تثبت حركة حماس نفسها كلاعب اساسي على الساحة الفلسطينية وانها معادلة صعبة لا يمكن تجاوزها. وكذلك محاولة حركة حماس فى ان تبعد عن كاهلها وعن المواطنين الفلسطينين اعباء الضغط المصري؛ الذي دائما ما يوجه التهم لحركة حماس وقياداتها فى قطاع غزة بانها على تعاون مع السلفين الجهاديين فى سيناء.

السيناريو الثانى: اتفاق بين حركة حماس والسلفيين

شهدت مدينة غزّة في 4 تمّوز/يوليو 2015م، إعلان مبادرة للمصالحة بين حماس والسلفيّين، قدّمها الشيخ عصام صالح، وهو إحدى الشخصيّات السلفيّة البارزة في غزّة، عبر مؤتمر صحافيّ عقده في ساحة الجندي المجهول وسط مدينة غزّة.

وقد صدرت مبادرة المصالحة ما بين حماس والسلفيّين بعد 3 أيّام فقط، من توجيه تنظيم الدولة الاسلامية داعش تهديدات إلى حماس في 30 حزيران/يونيو2015م، مهدداً بتحويل غزّة إلى بركة من الدماء لأنّه يري حركة حماس لم تطبّق الشريعة الإسلاميّة في غزة؛ وإنها تسعي فقط لإرضاء كلًّ من أميركا وإيران45 .

واهم ما جاء فى المبادرة:

1ـ ضرورة منع التفجيرات الداخليّة في غزّة، والتى لم يتبناها أحد من الحركات السلفية او الفصائل الوطنية المختلفة مع حركة حماس كحركة فتح، واستنكارها.

2ـ منع التعذيب في سجون أجهزة الأمن في غزّة، إلّا ضدّ المتورّطين بالتعاون مع إسرائيل، وعدم مهاجمة حماس لبيوت السلفيّين، كما يجب على حماس إطلاق سراح المعتقليين السلفيين، وإعادة أموالهم وأسلحتهم إليهم.

3ـ رفضت المبادرة التهديدات الموجّهة ضدّ حماس، من أيّ جهة كانت، وطالبت بالتنسيق معها في المهام الجهاديّة ضدّ إسرائيل، وإتاحة التدريب العسكريّ للسلفيّين في غزّة، وتوفير الإمكانات اللازمة لذلك46 .

دوافع السلفيين وحماس فى التوجه إلى مصالحة:

أولا: اتّهام إسرائيل والسلطة الفلسطينيّة بأنّ غزّة باتت حاضنة لتنظيم الدولة، لاسيما بعد تفجيرات قامت بها ولاية سيناء استهدفت الجيش المصريّ في 1 تمّوز/يوليو2015م، في سيناء.

ثانيا: صدور قرار من حكومة حماس فى غزة يوم 6 تمّوز/يوليو 2015م، بحظر لـ “حركة الصابرين والتى يتزعمها هشام سالم، والمقرّبة من إيران، لاتّهامها بنشر الفكر الشيعيّ بين أوساط سكّان غزّة، دون توضيح طبيعة طريقة الحظر. وقد رحّبت الأوساط السلفيّة في غزّة بقرار الحظر، على لسان الداعية السلفي البارز الشيخ مجدي المغربي يوم 7 يوليو 2015م.

ثالثا: التقارب بين حركة حماس والمملكة العربية السعودية فى الآونه الآخيرة، في مقابل اتساع الفجوة بين النظام الايراني وحماس، نتيجة لاختلاف فى المواقف والأزمات التى تشهدها المنطقة وتحديدا فى سوريا واليمن. وهذا ما يرضي أطرافاً من السلفيين الموجودين فى غزة والذين يعدون أنفسهم بأنهم قريبون من السعودية. إلا أنه ما قد يدمر هذا التقارب هو وجود بعض المؤشرات التى تُرجح إحياء التقارب بين حماس وإيران؛ كإدانه مقتل سمير القنطار من قبل حماس بالرغم من دوره الطائفي.

رابعا: وجود رغبة لدي الطرفين حماس والسلفيين بضرورة ضبط الوضع الأمنيّ في القطاع، ووقف ظاهرة التفجيرات الأخيرة 47.

موقف حماس من المبادرة:

على الرغم من أن حماس لم تعلن موقفها من مبادرة المصالحة مع السلفيّين، لكنّها فيما يبدو تفضل الذهاب إلى خيار الصفقة معهم بدل الضربة، والتسوية بدل المواجهة، لأنّها تعلم أنّ الصدام مع السلفيّين يعني مزيداً من تأزيم الوضع الأمنيّ المتأزّم أصلاً في غزّة، كما أن حماس لا تريد أن تضع على نفسها أعباء إضافيّة داخل القطاع المحاصر.

ويمكن اختصار موقف حماس من المبادرة بوجود اتجاهين:

الاتجاه الاول: يشير إلى توجه جدي في الاتجاه التصالحي مع السلفيين، وقد تمثلت بالإفراج عن بعض السلفيين خلال إجازة عيد الفطر الماضي. وترجع رغبة حماس فى مصالحة السلفيين فى غزة على اساس ان معظم ابناء السلفيين الحاليين هم فى الاساس من أبنائها، وقد خرجوا منها بعد خلافهم معها حول قضايا فكريّة إيديولوجيّة مرتبطة بدخولها في الانتخابات التشريعيّة الفلسطينيّة عام 2006م48 .

الاتجاه الثاني: هناك بعض قيادات حركة حماس تتحفظ على عقد مصالحة مع السلفيين خشية من أن تمنحهم المصالحة موطئ قدم في غزّة تدفعهم إلى إحداث قلاقل أمنيّة فيها، أو استقطاب عناصر جديدة إلى مجموعاتهم، وربّما تعطيهم بعض الوقت لتنظيم صفوفهم، والاستعداد لمواجهة حماس.49

مصلحة حماس من إتمام مصالحة مع السلفيين:

يري الباحث ان هذا السيناريو والمتمثل فى اتمام مصالحة مع السلفيين هو الافضل لحركة حماس ويصبح فى صالحها وذلك للعوامل الآتية:

1ـ تواجه حماس عدة جبهات أمنية وعسكرية في آن واحد: السلطة الفلسطينية ومصر والاحتلال، وهي ليست في وضع مريح أمنيًّا لتضيف جبهة أخرى من داخل البيت في غزة، وهذا قد يدفعها إلى البحث عن خيار المصالحة مع السلفيين لا مواجهتهم.

2ـ تدرك حماس أن المنطقة مقدمة على تطورات عسكرية ملتهبة في سوريا والعراق، وربما في لبنان وسيناء، وسيكون اللاعب الأبرز في هذه المواجهات هو التنظيمات السلفية بمسمياتها المختلفة: تنظيم الدولة، وجبهة النصرة، وجيش الفتح الذي يضم عددًا من التشكيلات المسلحة الإسلامية، وهي جميعًا ذات جذور سلفية، تقترب كثيرًا مما يعتنقه السلفيون في غزة. وهو ما قد يدفع حماس إلى التعامل بحذر شديد مع الظاهرة الجهادية في غزة لئلا تظهر جزءًا من التحالف الإقليمي والدولي ضد هذه التنظيمات، ما قد يفقدها بعضًا من التأييد في أوساط الحركات الإسلامية.

3ـ من خلال المصالحة سيكون بمقدور حركة حماس ان تحكم قبضتها الامنية على قطاع غزة، بعد نجاحها فى السيطرة على السلفيين، اضافة إلى قدرتها لضبط الساحة الميدانية فى مواجهة العدو، انطلاقا من رؤيتها فى اختيار توقيت التصعيد والتهادن مع دولة الاحتلال؛ وبالتالي من الممكن ان يشهد قطاع غزة فترات هدوء وفترات عنف.

السيناريو الثالث: تعرض حماس لحرب شرسة تقضي على قوتها في قطاع غزة

يشير بعض الكتاب إلى وجود حلقة غامضة فى تاريخ وسلوكيات السلفيين الجهاديين في كل من سوريا والعراق وسيناء فيذهب بعضهم بالاشارة إلى ان الشباب المسلح فى السلفية الجهادية هم شباب مضلل ويتم توجيههم من قبل بعض المخابرات الدولية كالمخابرات الامريكية مثلا بطرق مباشرة او غير مباشرة، بينما يذهب بعض المختصين إلى ما هو أبعد من خلال ربط قيادات داعش باجندة امريكية صهيونية فى المنطقة، معلليين ذلك بالممارسات التى تتبعها داعش على الارض من خلال استهداف مقدارت الدول الاسلامية وآثارها في حين لم تتعرض اسرائيل إلى اى هجمات على الرغم ان ما يفصل بين داعش فى سيناء وحدود اسرائيل؛ وكذلك بين داعش في سوريا وحدود اسرائيل هو بضع مئات من الامتار فقط، وعليه فان استطاع الموساد الاسرائيلي أو المخابرات الامركية من اختراق السلفية الجهادية بغزة فمن المرجح ان تسعي دولة الاحتلال إلى تجهبز السلفيين بديلا عن حكم حركة حماس لغزة 50 .

وهنا يبقي السؤال لماذ ترغب اسرائيل فى القضاء على حماس؟

أولا: الاسباب المباشرة:

1ـ شعور اسرائيل بأن حماس باتت تشكل عقبة في طريق كل المشاريع التى تستهدف تصفية القضية الفلسطينية.

2ـ محو آثار حربي 2012 م، و2014م، بعد أن استطاعت المقاومة الفلسطينية بضرب العمق الإسرائيلي، وبالتحديد مدينتي القدس وتل أبيب.

3ـ أن التغيرات الإقليمية الجارية تصب لصالحها خصوصا بعد عزل الرئيس محمد مرسي وقدوم عبد الفتاح السيسي وارتفاع نبرة العداء للسلطة السياسية بمصر تجاه حركة حماس.

4ـ محاولة الكيان الإسرائيلي إعادة ترميم قوة الردع التى تزعزعت في الفترة السابقة إثر قوة المقاومة الآخذة بالصعود51 .

ثانيا: الأسباب غير المباشرة

يتمثل بالحلم الصهيوني والمعروف بـ البدائل الإقليمية لفكرة دولتين لشعبين أو كما يعرف باسم مشروع اللواء غيورا ايلاند مستشار الامن القومي السابق. وينص المشروع على ما يلي:

أولا: تتنازل مصر عن 720 كيلومتراً مربعاً من أراضى سيناء لصالح الدولة الفلسطينية المقترحة. وهذه الأراضى عبارة عن مستطيل، ضلعه الأول 24 كيلومتراً، ويمتد بطول ساحل البحر المتوسط من مدينة رفح غربا، وحتى حدود مدينة العريش، أما الضلع الثانى فيصل طوله إلى 30 كيلومتراً من غرب كرم أبوسالم، ويمتد جنوبا بموازاة الحدود المصرية الإسرائيلية. وهذه الأراضى (720 كيلومتراً مربعاً) التى سيتم ضمها إلى غزة تضاعف مساحة القطاع مرتين، حيث إن مساحته الحالية تبلغ 365 كيلومتراً مربعاً فقط.

ثانيا: فى مقابل الأراضى التى ستتنازل عنها مصر للفلسطينيين، تحصل القاهرة على أراض من إسرائيل جنوب غربى النقب (منطقة وادى فيران). المنطقة التى ستنقلها إسرائيل لمصر يمكن أن تصل إلى 720 كيلومتراً مربعاً (أو أقل قليلا)، لكنها تتضاءل فى مقابل كل المميزات الاقتصادية والأمنية والدولية التى ستحصل عليها القاهرة لاحقا52 .

وهنا يري الباحث أن تنظيم الدول الاسلامية فى سيناء يتواجد بالفعل فى المناطق التى وضعت ضمن خطة غيورا ايلاند، وهذا يعني في حال تم اختراق السلفيين الجهاديين فى سيناء واحتوائهم إلى جانب اختراق السلفيين الجهاديين فى غزة واحتوائهم سوف يسمح لهم بالتواصل بدون عائق؛ بما يمكنهم من تاسيس دولة واحدة لهم وهذه باختصار الدولة الفلسطينية التى تسعي اليها اسرائيل وفقا لمشروع غيورا ايلاند، والتى بكل تاكيد ترفضها حركة حماس الحاكمة فى قطاع غزة فلهذا ستسعى اسرائيل إلى الخلاص من حماس.

ومما يعزز هذه الخطة هو وجود عبد الفتاح السيسي والذي يبذل جهوداً من أجل ترسيخ حكمه وتثبيت أركانه بعد تنفيذه لانقلاب على الرئيس محمد مرسي، وذلك من خلال ارضاء اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية والغرب؛ وهذا قد يدفع السيسي إلى قبول مشروع غيورا ايلاند.

غير ان المتابع للممارسات المصرية فى سيناء منذ قدوم السيسي يلاحظ أن كافة الاجراءات التى تجري على الارض تسير وفقا للمشروع ومما يدلل على ذلك هو قيام السلطات المصرية فى عهد السيسي بتجريف مساحات شاسعة لاراضي وبيوت سكان مدينة رفح المصرية والشيخ زويد، والتى كانت مأهولة بالسكان مع ترحيلهم إلى مناطق خارج الحدود المرسومة فى خطة غيورا ايلاند.

الخاتمة

على الرغم من ترجيح سيناريو استمرار الوضع الراهن فيما يتعلق بحضور السلفية الجهادية في الساحة الفلسطينية، ينبغي التأكيد على أنه لا توجد دول أو ساحة محصنة ضد اختراق الفكر المتشدد، في ظل حضور الجماعات المتشددة في الإقليم، وتنامي ظاهرة العنف واستمرار حالة الفوضى في المنطقة؛ الأمر الذي يستدعي من الفاعلين وأصحاب القرار في الساحة الفلسطينية التنبه واتخاذ الإجراءات المناسبة التي من شأنها أن تجنّب الساحة الفلسطينية تكرار سيناريو ما حصل في ساحات عربية أخرى. خصوصا وأن للساحة الفلسطينية خصوصية مغايرة لوجود عدوٍ لا يكل ولا يمل في سعيه لتبديد قوة الفلسطينيين واضعاف عزيمتهم.

النتائج:

  • علاقة حركة المقاومة الاسلامية فى فلسطين حماس كإحدى فروع جماعة الاخوان المسلمين العالمية بالتيارات السلفية الفلسطينية، تحمل فى ثناياها خلافا ما بين الفكر الاممي الذي لا يعترف بالواقع؛ وبين فكر اممي يولي الواقع اهمية كبيرة ويجعله في قلب اولوياته.
  • أن حركةُ حماس تنطلق من منطلقات الإسلام الصحيح، وتؤمن بفكرة الوسطية في الدعوة والقتال، وهي حركة تحرر وطني ذات خلفية إسلامية.
  • أن حماس لا ترى في التيار السلفي – كأنشطةٍ وأفكار-خطراً يهدِّد مصالحها؛ بل لديها مخاوفها من موجة العنف الدامي التي تجتاح الوطنَ العربي.
  • تعتبر السلفية فى فلسطين كبقية التيارات السلفية المنتشرة فى العالم، فى تعريف نفسها فهى تؤكد بان مفهوم السلف يعني النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة والقرون الخيرة، أي أجيال الصحابة والتابعين وتابعي التابعين.
  • مشاركة حماس فى الانتخابات التشريعية، وسعيها للانخراط فى المنظومة السياسية الفلسطينية، بما فى ذلك منظمة التحرير، اعتبر براى السلفيين اتباعا من حماس لوسائل علمانية، وتبنياً للأسلوب الديمقراطي فى الوصول للسلطة، وهو ما يتعارض مع الاسس الشرعية والفكرية التى تستند اليها السلفية الجهادية.
  • يعتبر الانقسام الفلسطيني أحد أسباب نمو الحركات السلفية الجهادية، خاصة أن البعض وضعه في سياق الصراع على السلطة، والذي أدى إلى تفشي التطرف في صفوف فئة من الشباب شعرت بالغبن والظلم وهو ما يفسر وجود أعضاء سابقين من حماس وفتح في صفوف الجماعات السلفية الجهادية المختلفة.
  • يعود تأخر وصول السلفية الجهادية إلى فلسطين، إلى عدة أسباب منها ما امتازت به الحركة الوطنية الفلسطينية تاريخياً من فاعلية وحضور لثراء تجربتها، ولإمساكها بكثير من مفاصل القوة داخل المجتمع.اضافة لقوة الحركة الإسلامية الفلسطينية وتجذرها داخل المجتمع.
  • لم تبلغ المجموعات السلفية الجهادية في غزة مرحلة تهديد «حماس» ونفوذها في القطاع بعد، لكنها باتت تثير القلق.
  • في حال تم التوصل إلى تهدئة او اتفاق بين حركة حماس ودولة الاحتلال ستعمل حركة حماس على تجفيف منابع واوكار السلفيين الجهاديين.
  • في حال تمت مصالحة بين حماس والسلفيين سيكون بمقدور حركة حماس ان تحكم قبضتها الامنية باحكام على قطاع غزة، بالتالي من الممكن ان يشهد قطاع غزة فترات هدوء وفترات عنف حسب رؤية حركة حماس.
  • من الممكن ان تخترق دولة الاحتلال الحركات السلفية فى كلا من فلسطين وسيناء من اجل تمرير مشروع غيورا ايلاند، والذي ينص على دمج قطاع غزة بجزء من سيناء لاقامة دولة فلسطينية. وذلك بعد عدوان صهيوني يهدف إلى تدمير القوة العسكرية لدى حماس.

التوصيات

1. الحفاظ على روح التعايش بين المكونات الدينية والاجتماعية والسياسية في المجتمع الفلسطيني، والتأكيد على أن التناقض الرئيس هو مع الاحتلال الإسرائيلي الذي يواصل ارتكاب جرائمه بحق كل الفلسطينيين دون تمييز، وتجريم فكرة استخدام السلاح في الخلافات داخل المجتمع الفلسطيني.

2. تعزيز حالة الانفتاح في المجتمع الفلسطيني ونشر الفكر المعتدل، واحتواء حالات التشدد الفكري، واعتماد آلية الحوار قبل اللجوء إلى المعالجات الأمنية التي تبقى ضرورية عند فشل الوسائل الأخرى.

3. التنبه إلى محاولات بعض الأطراف الفلسطينية والإقليمية لاختراق وربما إيجاد تشكيلات متشددة داخل المجتمع الفلسطيني، وعلى وجه الخصوص في قطاع غزة، بهدف خلط الأوراق وإحداث حالة بلبلة أمنية وترويج مقولة رعاية غزة للتشدد والتطرف، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بتحصين المجتمع الفلسطيني تجاه تلك الاختراقات.

4. تعزيز وحدة المجتمع الفلسطيني والسعي الجاد لإنهاء الانقسام الفلسطيني والتوافق على برنامج مشترك لإدارة المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي.

5. ترويج نموذج المقاومة الفلسطينية الناضج والراشد في مواجهة نماذج التشدد والعنف المنفلت وغير المرشّد.

6. إعطاء البعد العربي والإسلامي للقضية الفلسطينية حقه من الرعاية والاهتمام في ضوء مشروع نهضوي حضاري يوظف الطاقات بشكل إيجابي نحو مشروع التحرير.

————————————

الهامش

1 اسماعيل صبري مقلد، العلاقات السياسية الدولية، دراسة فى الاصول والنظريات، ط4، (القاهرة: دار النشر المكتبة الاكاديمية، 1991)، ص14.

2 مليكة مرياح، إستراتيجية إدارة الأزمات وفعالية التسيير. دراسة نظرية وتطبيقية، ط1، (القاهرة: دار الكتاب الحديث،2012)، ص123.

3 حسن عبد الفتاح، اشكالية العلاقة بين التيارات السلفية وجماعة الاخوان المسلمين وأثرها على عملية التحول الديمقراطي في مصر، رسالة ماجستير غير منشورة، (نابلس: جامعة النجاح، 2014)، ص 38

4 مهيب النواتي، حماس من الداخل، (عمان: دار الشروق للنشر والتوزيع،2002)، ص22.

5 محمد ابو سعدة، السياسة الايرانية تجاه حركات المقاومة الاسلامية في فلسطين، رسالة ماجستير غير منشورة، (غزة: جامعة الازهر، 2013)، ص77.

6 محمد احمد الزيناتي، التجربة السياسية لحركة حماس فى حكم قطاع غزة:2007-2013، رسالة ماجستير غير منشورة، (غزة: الازهر، 2013)، ص30.

7 حسين ابو النمل، حماس من المعارضة للسلطة، (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2007)، ص 26.

8 رضوان زيادة، السلطة والاستخبارات السورية، ط1، (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،2013م)، ص88.

9 عبد المجيد حمدان، الانتفاضة محاولة تقييم، (رام الله: دار التنوير للنشر والترجمة والتوزيع،2002م)، ص55.

10 حسن ابحيص، واخرون، صراع الارادات السلوك الامني لفتح وحماس والاطراف المعنية 2006-2007، ط1، (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2009)، ص44.

11 موقع الجزيرة نت، قمت بزيارته بتاريخ 1-11-2015، وثيقة تفاهمات حركتي فتح وحماس لتنفيذ اتفاق المصالحة، http://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2014/9/26/%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%8

12 امين حطيط، واخرون، دراسات في العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة، ط1، (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2009)، ص 213.

13 محمد ابو سعدة، السياسة الايرانية تجاه حركات المقاومة الاسلامية في فلسطين، مرجع سبق ذكره، ص 97.

14 تقرير صادر عن مؤسسة شركاء السلام والتنمية، غزة – فلسطين – بتاريخ 1-9-2014م.

15 احمد يوسف، حماس والحركة السلفية فى قطاع غزة: افاق الرؤية والعمل المشترك، (غزة: بيت الحكمة،2015)، ص30.

16 مركز ابحاث المستقبل، الحركات الاسلامية والحركات السلفية، (غزة: مركز ابحاث المستقبل،2015م)، ص22.

17 بشير موسي نافع، واخرون، الظاهرة السلفية التعددية التنظيمية والسياسات، (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 2014)، ص164.

18 فادي عاكوم، السيد عبد الفتاح، داعش الكتاب الاسود، (القاهرة: مكتبة مصر الجديدة، 2015م)، ص44.

19 بشير موسي نافع، واخرون، الظاهرة السلفية التعددية التنظيمية والسياسات، مرجع سبق ذكره، ص167.

20 عوني فارس، السلفية الجهادية في فلسطين، مجلة الدراسات الفلسطينية، مجلد 26، عدد 101، شتاء 2015، ص ص 45-55.

21 عوني فارس، السلفية الجهادية في فلسطين، مجلة الدراسات الفلسطينية، ص ص45-55.

22 يزيد صايغ، ثلاث سنوات من حكم حماس في غزة، تقرير صادر عن مركز كرون لدراسات الشرق الاوسط، جامعة برانديز، ترجمة مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات (بيروت: مركز الزيتونة للدرسات والاستشارات، 2010م)، ص 45.

23 المرجع السابق، ص 89.

24 محمود الشناوي، داعش. خرائط الدم والوهم، (القاهرة: دار روعة للنشر والتوزيع،2014)، ص77.

25 عبد الباري عطوان، الدولة الاسلامية الجذور التوحش والمستقبل، (بيروت: دار الساقي، 2014)، ص101.

26 تقرير حسن جابر، جلجلت تنتظر عملية كبيرة لمبايعة بن لادن، صحيفة الأيام (رام الله)، 11 / 7 / 2009م.

27 عوني فارس، السلفية الجهادية في فلسطين، مجلة الدراسات الفلسطينية، مرجع سبق ذكره، ص ص 45-55.

28 ( ) أحمد يوسف، حماس والحركة السلفية فى قطاع غزة: آفاق الرؤية والعمل المشترك، مرجع سبق ذكره، ص38.

29 احمد يوسف، حماس والحركة السلفية فى قطاع غزة: افاق الرؤية والعمل المشترك، مرجع سبق ذكره، ص 38.

30 مقابلة عبر الهاتف، بتاريخ 18-11-2015م، مع القيادي السلفي ابو حمزة اسعد.

31 بشير موسي نافع، واخرون، الظاهرة السلفية التعددية التنظيمية والسياسات، مرجع سبق ذكره، ص162.

32 المرجع السابق، ص161.

33 احمد يوسف، حماس والحركة السلفية فى قطاع غزة: افاق الرؤية والعمل المشترك، مرجع سبق ذكره، ص 34.

34 مقابلة عبر الهاتف، بتاريخ 6-11-2015م، مع الدكتور خالد شعبان، مدير مركز التخطيط التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية -غزة.

35 أحمد ثابت، وآخرون، الدور الإقليمي لمصر في الشرق الأوسط، أعمال الندوة التي عقدت بالإسكندرية، تحرير: عبد المنعم المشاط، (الفترة من 15-17 ديسمبر 1994).

36 مقابلة عبر الهاتف، بتاريخ 11-11-2015م، مع العميد محمد ابو زيد، نائب مدير شرطة قطاع غزة.

37 رفعت سيد احمد، الاخسرين اعمالا: داعش ولاية سيناء. القصة الكاملة، (القاهرة: مركز يافا للدراسات والابحاث، 2015)، ص 278.

38 احمد يوسف، حماس والحركة السلفية فى قطاع غزة: افاق الرؤية والعمل المشترك، مرجع سبق ذكره، ص 34.

39 المرجع السابق، ص 29.

40 مقابلة عبر الهاتف، بتاريخ 18-11-2015م، مع القيادي السلفي ابو حمزة اسعد.

41 مقابلة عبر الهاتف، بتاريخ 11-11-2015م، مع العميد محمد ابو زيد، نائب مدير شرطة قطاع غزة.

42 مقابلة عبر الهاتف، بتاريخ 21-11-2015م، مع الدكتور سامي احمد، استاذ العلوم السياسية بجامعة الازهر.

43 أحاديث الهدنة بين حماس واسرائيل، زيارة بتاريخ 29-11-2015م، المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات. الرابط

44 محمد ابو سعدة، تقدير موقف بعنوان غزة والضفة خيارات منطقية ورؤية مستقبلية، نشر بتاريخ 25-8-2015م، موقع دنيا الموطن. الرابط

45 موقع المنيتور، حماس تفضّل الصفقة بدل الضربة مع السلفيّين. عدنان ابو عامر23 يوليو 2015، زيارة بتاريخ 20-11-2015م، الرابط

46 احمد يوسف، حماس والحركة السلفية فى قطاع غزة: افاق الرؤية والعمل المشترك، مرجع سبق ذكره، ص 77.

47 مقابلة عبر الهاتف، بتاريخ 23-11-2015م، مع الدكتور اسامة ابو نحل، الاستاذ المحاضر في جامعة الازهر بغزة.

48 مقابلة عبر الهاتف، بتاريخ 27-11-2015م، مع الدكتور احمد يوسف، المستشار السياسي لرئيس الوزراء السابق اسماعيل هنية.

49 مقابلة عبر الهاتف، مع العميد محمد ابو زايد، مرجع سبق ذكره.

50 اعداد مركز ابحاث المستقبل، الحركات الاسلامية والحركات السلفية، مرجع سبق ذكره، ص60.

51 محمد ابو سعدة، إيران وحماس والربيع العربي، (غزة: بيت الحكمة، 2014)، ص114.

52 موقع وطن للانباء، ماهي تفاصيل مشروع غيورا أيلاند الإسرائيلي لدولة فلسطينية في سيناء ؟!، زيارة بتاريخ 5-12-2015م. الرابط: http://www.wattan.tv/news/140125.html

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *