fbpx
الشرق الأوسطتحليلات

حول مشروع إدانة حماس في إطار الجمعية العامة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

يمثل اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني الذي تحتفل به الأمم المتحدة سنويا فرصة لإعادة تذكير العالم بواقع الاحتلال الصهيوني لفلسطين وبتقصير الأمم المتحدة والمجتمع الدولي تجاه الشعب الفلسطيني لجهة تنفيذ القرارات الدولية التي تدعو إلى حقه في ممارسة حقوقه غير القابلة للتصرف كما حددتها الجمعية العامة، وخاصة تلك المتعلقة بتقرير المصير دون تدخل خارجي والحق في الاستقلال الوطني والسيادة وحق العودة..

كما يتزامن إحياء هذا اليوم عادة مع تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على رزمة قرارات تتعلق بالقضية الفلسطينية تصل إلى حوالي 16 قرارا هذا العام (2018) تشمل بعضها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (4 قرارات) والقدس وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والمصادر الطبيعية الفلسطينية. وترتبط أخرى بمسألتين حاولت الولايات المتحدة إلغاءهما منذ سنوات وتتعلق بالإبقاء على شعبة فلسطين في إدارة الشؤون السياسية كجزء من الأمانة العامة للأمم المتحدة ووحدة الإعلام حول القضية الفلسطينية في إدارة شؤون الإعلام.

ولكن اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني هذه السنة (28/11/2018) لم يمر بنفس الزخم الإعلامي المعتاد إذ تعمدت الولايات المتحدة الأمريكية إفساد هذه المناسبة الرمزية من خلال عرض مشروع قرار في الجمعية العامة لإدانة حركة المقاومة الإسلامية حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية.

ويتضمن مشروع القرار الأمريكي الذي يقع في صفحة واحدة “إدانة حماس لإطلاقها المتكرر لصواريخ نحو (إسرائيل)، ولتحريضها على العنف، معرضة بذلك حياة المدنيين للخطر”. ويطالب مشروع القرار حماس وكيانات أخرى، من ضمنها الجهاد الإسلامي، بان “توقف كل الاستفزازات والأنشطة العنيفة، بما في ذلك استخدام الطائرات الحارقة”.

فهل مجرد التداول في مشروع قرار يدين المقاومة وفي إطار الجمعية العامة للأمم المتحدة يمثل في حد ذاته اختراقا جديدا يحققه الكيان الصهيوني في إطار الصراع العربي الصهيوني؟

نعرض بإيجاز في هذه الورقة لحجم هكذا اختراق ولحدوده.

أولا – حجم الاختراق:

لطالما احتفى كثير من العرب والمسلمين بعزلة دولية عاشها، ويعيشها، كيان الاحتلال الصهيوني استنادا إلى وجود ترسانة من القواعد والمواثيق والقرارات الدولية التي تؤكد على حقوق الشعب الفلسطيني. وإذا أمكن التسليم جزئيا بمثل هذا الشعور لدى كل سلطة احتلال في المحافل الدولية، فان ذلك سينحسر تدريجيا خاصة بانتهاء الحرب الباردة واستواء الأحادية القطبية والهيمنة المتصاعدة للراعي الأمريكي على الساحة الدولية. بل إن الحديث عن العزلة يصبح من قبيل المغالطة خاصة منذ بداية الألفية الثالثة.

فقد استمات كيان الاحتلال من خلال الدعم الأمريكي والغربي في الدفاع عن وجوده وعن مصالح صانعيه. وأمكن له تسجيل اختراقات مهمة خاصة لجهة محاولات التسلل إلى المناصب القيادية خاصة في إطار الجمعية العامة وكذا لجهة طبيعة ومضمون القرارات الصادرة عن أجهزة المنظمة الدولية في علاقة بالصراع العربي الصهيوني..

* التسلل إلى المناصب القيادية في الجمعية العامة والأمم المتحدة:

مثل تغير موازين العلاقات الدولية الناجم عن نهاية الحرب الباردة وكذا أحداث البرجين (2001)، وقبلها وبعدها، انخراط العرب فرادى وجماعات في مسلسل التسويات المجحفة و/أو العبثية بيئة مناسبة لإطلاق الاحتلال إستراتيجية ثابتة وتدريجية للنفاذ إلى المواقع العليا في الهيئات الدولية وخاصة الجمعية العامة. لكن جهوده المدعومة أمريكيا وغربيا لم تنجح لأسباب مختلفة لعل أهمها يرجع إلى قوة الاعتراضات العربية والإسلامية. فكيان الاحتلال ينتمي في الأصل إلى مجموعة “آسيا والمحيط الهادئ” التي تشمل المجموعتين العربية والإسلامية حال دائما دون وصوله إلى أي موقع قيادي بالأمم المتحدة.

وقد أمكن لكيان الاحتلال تجاوز الفيتو العربي الإسلامي من خلال طلب نقلها إلى مجموعة “غرب أوروبا وآخرين” وحصولها على مقعد دائم في تلك المجموعة، وكذلك ممارسة بعض النفوذ خلال الألفية الثالثة على المستوى الإجرائي والمؤسساتي داخل الأمم المتحدة من خلال انتخابه سنة 2005 في منصب نائب لرئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة (ضمن فريق مكون من 21 نائبا). وأعيد انتخابه لنفس الخطة مرة أخرى سنة 2017.

كما فاز ممثل الكيان الغاصب برئاسة اللجنة القانونية في الأمم المتحدة (2016) وهي المرة الأولى التي يتولى فيها رئاسة واحدة من اللجان الدائمة الست للمنظمة الأمم المتحدة منذ انضمامه لها سنة 1949. وقد أفادت مصادر دبلوماسية أن دولا عربية صوتت لصالح مندوب الكيان الدائم لدى الأمم المتحدة “داني دانون” الذي شكر منتخبيه (وخاصة العرب منهم) زاعما أن الكيان” رائد عالميا في القانون الدولي وفي مكافحة الإرهاب”.

وتقوم اللجنة السادسة بتعزيز التقدم المطرد للقانون الدولي ويعهد لها بوضع المعاهدات الدولية الجديدة والتوصية بها للدول للتوقيع والمصادقة عليها. ورغم طابعها الرمزي، فان رئاسة اللجنة القانونية ستمنح الكيان، دون شك، فرصة القيام بدور أكثر نشاطا في الشؤون الروتينية داخل المنتظم الاممي.

ويتجه التأكيد، قبل هذا وذاك، على دور الأمم المتحدة والقوى الكبرى في شرعنة وجود الكيان الصهيوني وزرعه في قلب العالم العربي الإسلامي ومنحه اعترافا دوليا. فقد عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة دورة خاصة لتمرير قرار تقسيم فلسطين التاريخية رقم 181 لسنة 1947. وبعد 6 أشهر فقط تقدم كيان الاحتلال بطلب عضوية أجازها مجلس الأمن وأوصى الجمعية العامة بقبولها ليصبح هذا الكيان الغريب بتاريخ 11/5/1949 العضو رقم 59 في منظمة الأمم المتحدة.

كما لا يفوتنا التذكير بأن محاولات كيان الاحتلال لم تنقطع يوما لجهة طلب العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن رغم أن تلك الصفة تقتضي حصولها على تصويت ثلثي أعضاء الجمعية العامة البالغ عددهم 193 دولة.

* قرارات أكثر توازنا من وجهة النظر الصهيونية

يمكن ملاحظة ذلك من خلال مثالين على الأقل:

1– إلغاء قرار اعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري:

ساهمت ظرفية الثنائية القطبية وحيوية مجموعة دول عدم الانحياز في تمرير القرار 3379 الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10/11/1975 يتعلق باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري ويطالب بمقاومة الإيديولوجية الصهيونية (الامبريالية) بوصفها تشكل خطرا على الأمن والسلم الدوليين.

فقد شكل تمرير هذا القرار انتصارا استراتيجيا للعرب والفلسطينيين لأنه كان يعني في العمق أن الطبيعة الإرهابية والعنصرية لمثل هذا الكيان تتنافى مع مبادئ المنظمة الدولية وأهدافها وتتعارض مع مقتضيات القانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

لكن الكيان الصهيوني استغل السياقات الدولية (تحلل الكتلة الشرقية، الهيمنة الأمريكية) والبيئة الداخلية (حالة التراجع العربي العام، التنافس الرسمي في إبرام السلام المهين، مراجعة الخيارات فلسطينيا) وتمكن من إلغاء هذا القرار الهام (3379) (بالنسبة للعرب وللصراع العربي الصهيوني) وذلك بمقتضى القرار الجديد رقم 86/46 المعتمد بتاريخ 16 /12/1991 كشرط للموافقة على المشاركة في مؤتمر مدريد للسلام 1991.

فهل يمكن استعادة هذا السلاح الاستراتيجي عربيا وإسلاميا بعد التفريط فيه؟

2 – القرارات المتعلقة بمكافحة “الإرهاب”:

شكلت حادثة ” ميونيخ” (1972) منعرجا اتخذت الجمعية العامة على إثره التوصية 3034 بضغط من الكيان الصهيوني. وتم منذ ذلك التاريخ ترسيم موضوع الإرهاب الدولي في جدول أعمال الجمعية العامة التي أصدرت بشأنه عديد القرارات لا يتسع المجال لذكرها.

ويمكن التمييز بين لحظتين في عمل الجمعية العامة:

ا – مرحلة الموضوعية والشمولية (حتى بداية التسعينات):

يمكن التمييز في إطار هذه المرحلة بين لحظتين متكاملتين:

* مرحلة الإدانة (أواخر الستينات وأوائل السبعينات): يتعلق الأمر بإدانة الإرهاب الموجه ضد امن وسلامة وسائل النقل الجوي وشجب أعمال الاستيلاء على الطائرات وتحويل مسارها وتهديد ركابها. وتتنزل في هذا الإطار القرارات التالية: قرار 12/12/1969 يتعلق بإدانة تحويل مسار الطائرات المدنية بالقوة أثناء طيرانها، وقرار 25/11/1970 بشأن التدخل في السفر الجوي المدني أو تحويل مسار الطائرات.

* مرحلة الشمولية (منذ 1972 وحتى بداية التسعينات): مثلت هذه الفترة، في رأينا، فرصة ذهبية لتصور معالجة موضوعية ومعمقة لظاهرة الإرهاب الدولي نتيجة التوازن النسبي في العلاقات الدولية (بفعل الحرب الباردة والثنائية القطبية)، توازن مكن دول العالم الثالث المنتظمة في إطار مجموعة دول عدم الانحياز من هامش حركة ساعدها على إدراج إرهاب الدولة وحق تقرير المصير على جدول أعمال الجمعية إلى جانب إرهاب الأفراد والجماعات الذي ظل الشغل الشاغل الأوحد للولايات المتحدة الأمريكية ولحلفائها الغربيين وللكيان الصهيوني.

ورغم الاختلافات والاعتراضات، أمكن بلورة فكرتين أساسيتين تتعلق الأولى بعدم شرعية أعمال الإرهاب سواء كانت صادرة عن الأفراد والجماعات أو الدول وتتعلق الثانية بإقرار شرعية استخدام القوة في الكفاح المسلح ضد الاحتلال الأجنبي. واعتبارا لصعوبة الاتفاق حول تعريف موضوعي وشامل للإرهاب، اضطرت الجمعية العامة لاعتماد مقاربة قطاعية من خلال إدانة أنشطة إرهابية لا خلاف عليها.

 ب – مرحلة اختزال “الإرهاب” في عنف الجماعات الإرهابية (منذ أوائل التسعينيات إلى اليوم):

اتخذت معالجة موضوع الإرهاب الدولي منحا جديدا وخطيرا ركزت من خلاله الجمعية العامة على العنف الذي تمارسه التنظيمات الإرهابية – كما تعرفها الدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية (والكيان الصهيوني) – وأسقطت إرهاب الدولة وهمشت حق الشعوب في تقرير مصيرها بواسطة الكفاح المسلح [1].

ويعتبر القرار 51/46 (9/12/1991) هو القرار الوحيد الذي أعاد التأكيد على مبدأ حق تقرير المصير. ومن حيث المضمون، غابت الإشارة إلى ذلك الحق في القرارات التالية للجمعية العامة على عكس الاتجاه السائد في قرارات السبعينيات والثمانينيات.

وتحمل قرارات هذه المرحلة، لا شك، تحيزا لمصالح الدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية (والكيان الصهيوني) ولو تعارض ذلك مع مبادئ القانون الدولي وقواعده. فحتى الإستراتيجية الشهيرة موضوع القرار 288/60 أسقطت التمييز المعهود في قرارات الجمعية العامة بين الحق في الكفاح المسلح لتقرير المصير وبين الإرهاب المدان. كما غيبت من جهة أخرى الإشارة إلى إرهاب الدولة باعتباره عملا إرهابيا رغم ما ارتكبته أمريكا من عدوان على أفغانستان والعراق وغيرها من البلدان بذريعة الحرب على ” الإرهاب”، ورغم ما أتاه الاحتلال الصهيوني في فلسطين من انتهاكات بمختلف أشكالها، ورغم ما ارتكبته روسيا الاتحادية في الشيشان وغيرها ، من مجازر وفظائع.

وحدها 11/9 وحدت الجمعية العامة للانعقاد والإدانة والانخراط في إستراتيجية الولايات المتحدة لما تعتبره حربا على “الإرهاب”. وفي غياب أرضية مشتركة، تصبح الحرب على الإرهاب مجرد شعار سياسي يستعمل بشكل انتقائي وقابل للتوظيف طبقا للتوازنات الدولية المتغيرة.

وقد ساهم ارتهان قرارات الجمعية العامة إلى مصالح الولايات المتحدة والدول الكبرى في تأكيد التناقض الواضح بين سمو مبادئ الأمم المتحدة من ناحية وبين وضاعة السلوكيات الفعلية لقوى الاحتلال والهيمنة ولو تسترت بشعارات رائجة كما الحرب على “الإرهاب”. كما ساهم تراجع الجمعية العامة من جهة أخرى في افتقاد النظام القانوني الدولي للحزم المناسب للرد على انتهاكات ميثاق الأمم المتحدة مما زاد بدوره في تشجيع الإرهاب.

ويمكن القول إن غلبة منطق القوة في تشكيل قواعد القانون الدولي كما في تعديلها يؤكد أن تعريف الإرهاب الدولي يتحدد حسب ميزان القوى الدولي، وأن الدائرتين الأمريكية والصهيونية يمسكان منذ 2001 خاصة بمفاتيح التعريف من خلال ما اسميه ب”مفهوم” الأمر الواقع ل”للإرهاب” الذي يعكس ميزان القوى ويتغذى على ارث يهودي مسيحي في علاقتهما (و الغرب الرسمي عموما) بالآخر المختلف (العربي الإسلامي تحديدا)، تعريف يجد منظومة استبداد وفساد تشارك بالوكالة في التمكين له تحت غطاء ظاهر هو الحرب على “الإرهاب” وآخر خفي هو قمع المعارضة وإجهاض أي خيار شعبي وطني تحرري بديل.

لقد أمكن للتحالف الصهيوني المسيحي تسويق مقاربة تؤدلج “الإرهاب” وتعربه، وتشخصن “الإرهابيين”، وتخصص جماعات العنف بانتقائية شديدة وتبيض إرهاب الدولة وتجرم مقاومة الاحتلال الأجنبي، مقاربة تعكس توظيف “الإرهاب” لخدمة السياسة والاستراتيجيا، ولا يشكل “الإرهاب” فيها سوى أداة من الأدوات التي تمكن من تحقيق تلك الأهداف [2].

ثانيا- حدود الاختراق:

كشفت الملاحظات السابقة أن ما يروج له من عزلة عاشها (ويعيشها) الكيان الصهيوني خاصة لجهة علاقته بالهيئات الدولية ومنها الجمعية العامة للأمم المتحدة يبقى نسبيا. كما بين مشروع القرار الأمريكي الصهيوني أن الأمر لا يتعلق فقط بإحراج حماس أمام العالم ولا بتصنيف الدول الداعمة للقضية الفلسطينية ومعاقبتها وإنما يتجاوز ذلك كله إلى حد حمل المجتمع الدولي على تبني “المفهوم” الأمريكي الصهيوني للإرهاب الذي يكرس في جوهره انقلابا قيميا يؤسس لإدانة المقاومة وتبييض الاحتلال وشطب إرهاب الدولة. كما يشير الطابع الهجومي للسلوك الأمريكي في هيئة تتمتع فيها الدول غير الكبرى تقليديا بالقوة العددية إلى حجم الاختراق الذي تحقق منذ نهاية الحرب الباردة (وخاصة بعد أحداث سبتمبر 2001) في الفضاءات المعروفة بتبني أو دعم الموقف الفلسطيني (الفضاء العربي الإسلامي خاصة) أو التعاطف معه (الفضاء الأوروبي مثالا).

وليس خافيا أن نتيجة التصويت على مشروع القرار الأمريكي يٌمثل في حد ذاته انجازا لكيان الاحتلال الذي طالما كان موضوعا للإدانة في هذه الهيئة الدولية منذ زرعه بين جنبات الجسد العربي وكان دائما في وضعية دفاعية في إطار الصراع العربي الصهيوني. كما لا يمكن طمس الواقع بالقول إن العرب أو الفلسطينيين قد حققوا انتصارا خلال هذه الجولة الدبلوماسية. الحقيقة أن ما تحقق – وهو انتصار بطعم الهزيمة- يعود في جزء منه إلى سبب إجرائي أوقف التصويت على حصول مشروع القرار على الثلثين ما مكن من إسقاطه بفارق ثلاثة أصوات فقط.

وعليه وجب التنبيه إلى مستوى تآكل الكتلة الداعمة للحق الفلسطيني قبل الإشارة بإيجاز إلى البدائل أو الخيارات الممكنة فلسطينيا.

1 – التآكل الطردي:

نعني بالتآكل الطردي تراجع الدعم والتعاطف الدوليين مع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ومن بينها حقه في مقاومة الاحتلال تبعا لتشرذم الصف الفلسطيني الداخلي وهشاشة البيئة الرسمية العربية وقوة الضغوط التي يتعرض لها الجانب الفلسطيني.

بدا واضحا من خلال اتجاهات التصويت في الجمعية العامة كما من خلال انحسار الخيارات الفلسطينية والعربية أن كل الدوائر المعروفة تقليديا بدعم حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال بدأت تضيق حتى في مستوى الدائرة العربية.

* الدائرة العربية: باستثناء النظام الاريتري (العضو المراقب في الجامعة العربية والمعروف بصداقته مع الكيان وعدائه للحركات ذات المرجعية الإسلامية) الذي تفاعل ايجابيا مع مشروع القرار الأمريكي، فقد كان هناك شبه إجماع عربي على التصويت ضد مشروع يحمل إدانة صريحة ليس فقط لحركة حماس بل لكل فصائل المقاومة المسلحة للاحتلال. ولكن العدد لا يخفي ما وراءه. فما يبدو وحدة وانسجاما في مواجهة الحلف الداعم للكيان الصهيوني يتبدد تدريجيا كلما دققت أكثر في مستويي الخطاب والممارسة.

فعلي مستوى الخطاب الرسمي اختارت أغلب الاستبداديات الوظيفية العربية (العسكرية والتقليدية) الانخراط في التصور الأمريكي الصهيوني للإرهاب وساهمت في خلط الأولويات التي لم تعد وطنية وتحررية (في مواجهة الاحتلال والهيمنة الأجنبية) بل أصبحت مواجهة “الإرهاب” والتطرف الإسلامي دون تحديد أو تمييز بين الإرهاب المدان والمقاومة المشروعة. وأصبح الاحتلال شريكا في مواجهة الخطر الإيراني وصديقاً لكثير من الأنظمة في محاربة غول “الإرهاب” الذي يمكن لهذه الأنظمة أن تدرج ضمنه الأحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني الرافضة للاستبداد والتيارات السياسية ذات المرجعية الإسلامية إلى جانب أي حركة مسلحة لمقاومة الاحتلال الصهيوني خاصة حركة حماس والجهاد..

كما لا يخفى على أحد – في مستوى الممارسة – ما تعانيه ثقافة المقاومة وحركات المقاومة من تضييق وخنق متصاعدين في الضفة الغربية المحتلة من قبل أجهزة السلطة الفلسطينية منذ اتفاقيات “أوسلو” وبفعل التنسيق الأمني مع الاحتلال وحصر خيارات الفلسطينيين في المفاوضات. وكذا قامت دول وأنظمة معرفة أمريكيا وصهيونيا بالاعتدال بحصار قطاع غزة وحركة حماس والمقاومة الفلسطينية ومشاركة الاحتلال في قطع أي خطوط للإمداد بل وفي ملاحقة رجالها وأعمالها. وبلغ الأمر ببعضها لتجريم المقاومة كما فعل القضاء المصري في عهد “السيسي” بخصوص حركة المقاومة الإسلامية “حماس” (قبل أن يتراجع لاحقا)، وكما يبدو من خلال التعامل الخليجي (السعودي، الإماراتي، البحريني) مع نفس الحركة..

* الدائرة الإسلامية: يكفي هنا التأكيد بأن أي صوت مؤيد لمشروع أمريكي صهيوني في الجمعية العامة (كما ألبانيا) أو متحفظ (كما أفغانستان، الغابون، غينيا بيساو، أوغندا، بوركينا فاسو، الكاميرون، ساح العاج) يمثل أحد مظاهر التآكل المستمر في الكتلة التصويتية الداعمة مبدئيا للحقوق الفلسطينية وعلى رأسها الحق في المقاومة العسكرية للمحتل الأجنبي.

ويساهم التجريم المقنع أو الصريح لحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال أو لفصائل المقاومة وتياراتها خاصة في إطار الدائرتين الداعمتين تقليديا ومبدئيا للشعب الفلسطيني في تكريس الانحدار العربي الرسمي بخصوص مسؤوليته المزعومة عن القضية الفلسطينية، مسؤولية وظفتها النخب العسكرية والتقليدية لقمع أي تحرك شعبي ضد الاستبداد (والفساد) ولتأجيل أي مطالب في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما يسهم بالضرورة في تراجع حجم تأييد الرأي العام العالمي للحقوق الفلسطينية ومنها الحق في مقاومة الاحتلال الأجنبي بكل الوسائل المتاحة بما فيها الوسائل العسكرية. كما يكشف إسقاط الخيار العسكري في تحرير الأرض والمقدسات (فلسطينا وعربيا) إسقاطا إراديا ودون مقابل لأحد أهم أوراق القوة التي يمتلكها شعب تحت الاحتلال.

* الدائرة الاوروبية: كشف انحياز الدول الأوروبية للمشروع الأمريكي وللاحتلال الصهيوني تحولاً كبيراً في الموقف الرسمي من الحياد والتعاطف إلى إدانة المقاومة وتجريمها.

سياسيا: ساهم تخصيص “حركة حماس” بالإدانة في مشروع القرار الأمريكي الصهيوني في ابتزاز الأوروبيين الذين خضعوا يصنفون جناحي حركة المقاومة الإسلامية ” حماس” العسكري (منذ 2001) ثم السياسي (2003) كحركة إرهابية. كما أبقت محكمة العدل الأوروبية الحركة على لائحة الإرهاب منتصف العام 2017.

كما مثلت علاقات حركة “حماس” (والجهاد الإسلامي) الإقليمية وخاصة مع إيران عنصرا إضافيا حدد بوصلة صاحب القرار الأوروبي الذي يشعر بحساسية خاصة لجهة الدعم العسكري والمالي الذين تتلقاه من أحد اللاعبين الإقليميين الرئيسيين في المنطقة.

وعلى مستوى الخرائط الحزبية، مثل صعود اليمين المتطرف على الساحة الأوروبية سببا إضافيا لنشر الكراهية ضد المسلمين وللحقوق العربية (وعلى رأسها الحق في مقاومة الاحتلال) وتصاعد الدعم غير المحدود للكيان الصهيوني.

دبلوماسيا: مكن نفوذ اللوبي الصهيوني حول العالم وخاصة في أوروبا وأمريكا في تعزيز الدبلوماسية الصهيونية والترويج لـ “مفهوم ” الإرهاب بخلفيته اليهودية المسيحية والتسويق للرؤية الأمريكية لحل القضية الفلسطينية وذلك في مواجهة الدبلوماسية الفلسطينية التي ساهمت سلطة “اوسلو” في تجريد شعبها من مقومات القوة والصمود (ومنها المقاومة وما تقتضيه من بنية تكنولوجية وعسكرية وما تتطلبه من إعداد نفسي وتعبئة روحية في مواجهة سياسة تزييف الوعي والتطبيع مع الاحتلال).

إعلاميا: ساهم الإعلام الغربي الغالب كما الإعلام الصهيوني أو الممول يهوديا في الترويج لقصة الصهاينة حول العالم وتهويل القدرات العسكرية لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” كمقدمة لإبرازها باعتبارها الطرف المعتدي دائما والذي يستهدف المدنيين الأبرياء، وصولاً إلى تأكيد فكرة “الدفاع الشرعي” التي تؤطر السلوك الصهيوني ضد “الخطر” الفلسطيني.

لا يمكن التعامل مع مسألة التآكل الطردي أو تراجع الدعم الدولي للحقوق الفلسطينية (وعلى رأسها الحق في مقاومة الاحتلال) أو الاختراق الصهيوني كما كشفته اتجاهات التصويت في الجمعية العامة على مشروع القرار الأمريكي بدون استعادة أو بناء أوراق قوة يمكن معها تفعيل حق المقاومة والدفاع عن الأرض والمقدسات واكتساب احترام الآخرين.

2 – البدائل: 

هل يمكن الوصول يوما ما إلى إدانة المقاومة الفلسطينية ولو كان ذلك باعتماد صياغة مشابهة لمشروع القرار الأمريكي الأخير؟ وهل نخشى على المقاومة من التجريم أم من غياب التفعيل والإسناد؟ ألا يعتبر مجرد تقديم مشروع قرار لإدانة المقاومة وتبييض الاحتلال في إطار هيئة دولية تخضع قراراتها عادة إلى قاعدة الأغلبية العددية انجازا صهيونيا في وقت خلنا فيه أن حركة المقاطعة الدولية زادت في عزلة الاحتلال؟ ألا ينذر تمرير القرار الإجرائي باعتماد الثلثين للتصويت على مشروع القرار الأمريكي بفارق ثلاثة أصوات فقط بان اختراقا ما يمكن توقعه في كل وقت لغير مصلحة أصحاب الحق الشرعيين؟ ألا يمثل التآكل النسبي لكتلة الداعمين في كل الدوائر دليلا إضافيا على أن تراجعا ما في دعم الحقوق الفلسطينية والجانب الفلسطيني قد يحدث يوما ما؟

ألا تشكل هشاشة الدائرة الفلسطينية (المنقسمة على ذاتها تصورا وخيارات) وتشظي البيئة الرئيسية- العربية الداعمة (التشرذم، العداء للمقاومة، التطبيع، الشراكة مع المحتل لمواجهة الخطر “الإسلامي” / بما فيها حركات المقاومة، والخطر الإيراني) وكذا غياب مؤشرات التضامن والوحدة وتغييب خيارات المواجهة سببا إضافيا قد يفتح الطريق إلى ما نخشاه أي الاختراق الكبير باعتبارها بيئة نفاذة أي قابلة للمساومة والابتزاز والإخضاع؟

ألا يؤشر ما سبق إلى تحول نوعي في السلوك الأمريكي – الصهيوني في الجمعية العامة للأمم المتحدة من طابع دفاعي (كما كان سابقا) إلى توجه هجومي يعكس انقلابا قيميا كبيرا يقوم على تبييض إرهاب الدولة وإرهاب الاحتلال وتجريم المقاومة المشروعة استنادا إلى “مفهوم” للإرهاب ذي خلفية يهودية مسيحية؟

ألا يعكس هذا التحول النوعي في السلوك الأمريكي- الصهيوني (خاصة في إطار الجمعية العامة) توظيفا مدروسا وخبيثا للتوازنات الدولية (اللاحقة للحرب الباردة وخاصة لظرفية ما بعد سبتمبر 2001) وكذا لتأكل دوائر دعم الحقوق الفلسطينية كميا ونوعيا؟

* هل استعد الفلسطينيون (ودوائر الدعم القريبة) لسيناريو الاختراق الكبير آو على الأقل لمواجهة احتمال الاختراق الذي كشفت عنه نتيجة التصويت على مشروع القرار الأمريكي الصهيوني الذي حاول اللعب على التناقضات السياسية والإيديولوجية فلسطينيا وعربيا؟

نعتقد بكثير من الثقة أن الأمر ليس كذلك على المستوى الرسمي. فالبيئة العربية والإسلامية الداعمة تشهد انحدارا مستمرا في مستوى إسنادها لمفردات قوة الشعب الفلسطيني، خاصة مقاومته في مقابل تصاعد خطوط التطبيع المجاني مع الاحتلال. وكذا تراجع الدعم الغربي للحقوق الفلسطينية وعلى رأسها حقه في مقاومة الاحتلال عسكريا. كما لا يغني احتضان الشعب الفلسطيني لحركات المقاومة عن التعجيل في انتخاب إطار قيادي موحد يقود النضال الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني باعتماد كل الوسائل وعلى رأسها المقاومة المسلحة، خارج إطار “اوسلو” بالتأكيد.

هل نخشى على المقاومة من الإدانة والتجريم أم من غياب التفعيل والإسناد؟

أولا- إذا أمكن للكيان الصهيوني انتزاع مكاسب سياسية مهمة بالقوة غالباً، فإنه استطاع توظيف السياقات الإقليمية والدولية لإبطال قرارات مهمة ذات علاقة بالصراع العربي الصهيوني في إطار الجمعية العامة – كما بينا سابقا- ومنها إعدام القرار الشهير 3379 (10/11/1975) القاضي باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري والذي طالب بمقاومة الإيديولوجية الصهيونية (الامبريالية) بوصفها تشكل خطرا على الأمن والسلم الدوليين. كما مكنت الحرب على الإرهاب و”الإرهاب (الإسلامي) بخلفيتها اليهودية المسيحية من خلط الأولويات إذ تحول المحتل من مركز العدو إلى الشريك والحليف فلسطينيا (مع سلطة “أوسلو” ضد قوى المقاومة) وعربيا (مع أنظمة “الاعتدال” ضد التيارات السياسية ذات المرجعية الإسلامية وضد حركات المقاومة والخطر الإيراني). إن بيئة كهذه وتحالفات كهذه يمكن أن تستثمر صهيونيا وأمريكيا في تحقيق اختراق استثنائي يؤسس لتجريم المقاومة (و إن تم تخصيصها في “حماس” و”الجهاد” ذات المرجعية الإسلامية) في إطار الجمعية العامة للأمم المتحدة التي، وإن كانت قراراتها لا تتمتع بالصبغة الإلزامية، فإنها تعكس اتجاهات الرأي العام العالمي من جهة وقد تكون عواقبها كارثية على العمل المقاوم كما على عموم الشعب الفلسطيني.

ثانيا- وإن كنا نرى أن مقاومة أي محتل أجنبي حق توافقت الشرائع السماوية والمبادئ الأخلاقية والفطرة الإنسانية كما القانون الدولي على الاعتراف به وتكريسه، فإننا نعتقد مع الباحث في شؤون القدس “زياد ابحيص” (في إحدى تدويناته) أنها قيمة مطلقة (ولو عبث بها رعاة الإرهاب في العالم) ” منها نستمد إنسانيتنا حين يحاول المستعمر إلغاء إرادتنا، وهي المدخل الوحيد إلى حريتنا حين يحاول المستعمر استعبادنا، وهي طريقنا إلى الله وحجتنا أننا وقفنا وع الحق حين طغى الباطل”. وعليه فان المجتمع الدولي وهيئاته يحدد مستوى دعمه للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف على أساس صمود الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج وثبات مقاومته.

ما العمل؟

لا شك أن تآكل الكتلة الداعمة للشعب الفلسطيني وحقه في مقاومة الاحتلال تكشف في جزء منها عن فشل اتصالي جسيم ينبغي العمل سريعا على مراجعته خاصة في علاقة بدول الاتحاد الأوروبي على المستويين الرسمي والشعبي. فهذه الخطوة مهمة على المستوى الدبلوماسي ولكنها غير كافية لتامين آليات الصمود ومقومات المواجهة في هذا الصراع.

لذلك يبقى السؤال مبررا: ألا تكفي أكثر من عشريتين لاختبار “أوسلو”؟ ألم يحن الوقت بعد لاستعادة وتفعيل خيارات أخرى ثبت نجاحها تاريخيا في مواجهة القوى الاستعمارية؟

نحن لا نخشى على المقاومة من التجريم وإنما من غياب التفعيل والإسناد (شعبيا ورسميا وعربيا) [3].


الهامش

[1] حول استعصاء مفهوم “الإرهاب”: انظر كتابنا ” الإرهاب واستعصاء المفهوم”، دار المنتدى للنشر، تونس، 2018.

[2] حول مفردات هذا المفهوم: انظر كتابنا ” في الحرب على الإرهاب: من إرهاب المفهوم إلى إرهاب المقاربة”، ص 91 وما بعده، دار المنتدى للنشر، تونس، 2018

[3] الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Close