ترجمات

دعوة لإحياء الليبرالية من جديد

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

ينسب الفضل في تأسيس الليبرالية إلى الفيلسوف جون لوك في القرن السابع عشر، حيث تحدث لوك بحق الإنسان الطبيعي في الحياة والحرية والملكية، وضرورة توقف الحكومات عن انتهاك هذه الحقوق المطلقة مستغلين العقد الاجتماعي؛ كما سعى إلى استبدال الحكم الديكتاتوري بحكومة ديمقراطية تمثل كافة شرائح المجتمع. وشهد القرن التاسع عشر تأسيس الكثير من الحكومات الليبرالية في دول قارة أوروبا، وأمريكا الجنوبية وأمريكا الشمالية، كما استطاعت الليبرالية القضاء على الفاشية، والشيوعية، وزاد انتشار أفكار الليبرالية في القرن العشرين، وأصبحت جزءاً مهماً في إنشاء الدول ذات الرفاهية.
وقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة التي عملت عن كثب مع المملكة المتحدة لبناء نظام عالمي ليبرالي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وكان الهدف الأساسي من ذلك هو ضمان عدم ظهور الظروف التي أدت إلى نشوب حربين عالميتين في غضون 30 عاماً من جديد. ومن أجل تحقيق تلك الغاية سعت الدول التي تتبنى الديمقراطية إلى التعاون في إنشاء نظام دولي ليبرالي من حيث استناده إلى حكم القانون، واحترام سيادة الدول، وسلامة أراضيها. نظام تُحمى في كنفه حقوق الإنسان، ويطبق النظام على العالم أجمع. وفي نفس الوقت كانت المشاركة حينها مفتوحة للعالم أجمع وطوعية، ثم بنيت المؤسسات لتعزيز السلام كالأمم المتحدة، ولتطوير الاقتصاد أُسس البنك الدولي، ولتطوير التجارة والاستثمار أُسِّسَ صندوق النقد الدولي، والذي أصبح لاحقًا منظمة التجارة العالمية. هذا من الناحية النظرية.. فهل كان الغرب حريصاً على أن تسود هذه القيم في أرجاء العالم؟ وهل لاتزال الولايات المتحدة حريصة على رعاية مبادئ الليبرالية؟
تؤكد جميع الشواهد أن الليبرالية في تراجع كبير الآن، في ظل تزايد النزعات الشعبوية، فضلاً عن كسب الأحزاب السياسية المتطرفة مساحات أكبر في دول أوروبا. وللأسف يقف العالم موقف المتفرج حيال انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا واليمن ومصر، ولا تتحرك الأمم المتحدة إزاء الانتهاكات الكثيرة التي تحدث في أماكن أخرى من العالم بما في ذلك قصف الحكومة السورية لمواطنيها بالأسلحة الكيميائية.. وفي داخل الولايات المتحدة نفسها، تشهد الدولة التي أسست للنظام الليبرالي العالمي هجمات غير مسبوقة من رئيسها على وسائل الإعلام والمحاكم ومؤسسات إنفاذ القانون في البلاد، وأصبحت الأنظمة السلطوية مثل الصين وروسيا أكثر قوة وأكثر ثقلاً، في حين تبدو دول أوربية مثل المجر وبولندا غير عابئة بمصير الديمقراطية فيها. وقد شكل قرار أمريكا مؤخراً بالتخلي عن النظام العالمي الذي ساهمت في بنائه من الأساس، ثم عملت على الحفاظ عليه لأكثر من سبعة عقود، نقطة تحول هائلة في ذلك الأمر؛ لأن غيرها من الدول تفتقر إلى الاهتمام والوسائل التي من شأنها الحفاظ عليه.. ولعل النتيجة المباشرة لذلك ستكون عالماً أقل حرية، وأقل رخاءً، وأقل سلماً، للأمريكيين وغيرهم على السواء.
وفي هذا السياق، نشرت مجلة الإيكونوميست مقالاً عن الحال الذي وصلت إليه الليبرالية في العالم. وقد تضمن المقال “دعوة لإحياء الليبرالية من جديد” وهو العنوان الذي صدرت به المجلة مقالها. وقد قام المعهد المصري بترجمة المقال كاملاً على النحو التالي:

دعوة لإحياء الليبرالية من جديد

على الرغم من أن الليبرالية كانت الأساس الذي قام عليه العالم الحديث، إلا أن العالم الحديث اليوم يتنكب لليبرالية ويعمل ضد المبادئ التي طالما نادت بها. ففي أوروبا وأميركا هناك حالة من التمرد الشعبي ضد النخب الليبرالية، التي يتهمونها بالاهتمام فقط بتحقيق مصالحها الشخصية، بينما تظل عاجزة أو غير راغبة في حل مشاكل عموم الناس. وفي مكان آخر من العالم، تتدهور مبادئ من صميم الليبرالية مثل حرية السوق، والأسواق المفتوحة، وهي التي ترسخت على مدى 25 عاماً. ويعزز ذلك أن الصعود الكبير للصين – حيث من المُتوقع أن تصبح قريباً صاحبة أكبر اقتصاد في العالم – يكرس الاعتقاد بإمكانية تحقيق الازدهار الاقتصادي أيضاً في الدول الديكتاتورية.
بالنسبة لنا في مجلة الإيكونوميست، فإن هذا الأمر يقلقنا كثيراً. لقد تم تأسيس المجلة قبل 175 عاماً من أجل الترويج لليبرالية – وليس لـ “التقدمية” اليسارية التي تتبناها الجامعات الأمريكية أو “الليبرالية الفائقة” التي تنادي بها الكتابات الفرنسية، بل هو التزام عالمي بالكرامة الفردية، والأسواق المفتوحة، وتدخل حكومي محدود في الاقتصاد، والاعتقاد بأن تقدم البشرية يأتي فقط من خلال الحوار وإجراء الإصلاحات.
وسوف يندهش مؤسسو المجلة الأوائل إذا قُدر لهم أن يطلعوا على الازدهار الذي تحقق اليوم مقارنة بحياة الفقر والبؤس التي كانت سائدة في أربعينيات القرن التاسع عشر. فقد ارتفع متوسط ​​العمر المتوقع للإنسان على مستوى العالم خلال السنوات الـ 175 الماضية من أقل من 30 عاما بقليل إلى أكثر من 70 عاماً تقريباً. وانخفضت نسبة الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر المدقع من حوالي 80% إلى 8%، وانخفض العدد الكلي إلى النصف، حتى مع ارتفاع إجمالي عدد السكان من حوالي 100 مليون إلى أكثر من 6.5 مليار نسمة. وارتفعت كذلك معدلات محو الأمية أكثر من خمسة أضعاف، بنسبة تفوق الـ 80%. وأصبحت الحقوق المدنية وسيادة القانون أكثر قوة مما كانت عليه قبل بضعة عقود فقط. وفي العديد من الدول، أصبح الأفراد يتمتعون الآن بالحرية في اختيار الطريقة التي يعيشون بها – ومع من يعيشون.
وهذا بالطبع ليس نتاج عمل الليبراليين فقط؛ ولكن المجتمعات الليبرالية قد ازدهرت أيضاً نتيجة التراجع الذي حدث للفاشية، والشيوعية، ونزعات الانكفاء على الذات التي كانت سائدة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وبطريقة أو بأخرى، هيمنت الديموقراطية الليبرالية على الغرب ومن هناك بدأت في الانتشار في كل أنحاء العالم.
ومع ذلك، فإن الفلسفات السياسية لا يُمكن أن تعيش من خلال أمجادها الغابرة فقط: إذ يجب عليها أيضاً أن تضمن تحقيق مستقبل أفضل.. وهنا تواجه الديمقراطية الليبرالية تحدياً يلوح في الأفق. فقد بدأ الناخبون الغربيون يشكون في أن النظام يعمل لصالحهم أو أنه نظام عادل من الأساس. وفي استطلاع للرأي تم إجراؤه في العام الماضي، يعتقد 36% فقط من الألمان، و24% من الكنديين، و 9% من الفرنسيين أن الجيل القادم سيكون أفضل حالًا من آبائهم. بينما يقول ثلث الأمريكيين فقط ممن تندرج أعمارهم تحت سن الخامسة والثلاثين أنه من الحيوي بالنسبة لهم أن يعيشوا في جو من الديمقراطية. وزادت نسبة الذين يقولون بإمكانية قبول حكومة عسكرية من 7% عام 1995 إلى 18% خلال العام الماضي. وعلى الصعيد العالمي، وفقاً لمنظمة فريدوم هاوس، وهي منظمة غير حكومية، أن الحريات المدنية والحقوق السياسية قد تراجعت على مدى السنوات الـ 12 الماضية – وفي عام 2017، تراجعت 71 دولة، في مقابل 35 دولة فقط هي التي حققت تقدماً في هذا الاتجاه.
وفي عكس هذا الاتجاه، فإن مجلة الإيكونوميست ما زالت تؤمن بقوة الفكرة الليبرالية. فعلى مدار الأشهر الستة الماضية، احتفلنا بالذكرى السنوية الـ 175 للمجلة؛ وذلك من خلال نشر مقالات وحوارات ومدونات صوتية وأفلام عبر الإنترنت من أجل استطلاع كيفية الرد على منتقدي الليبرالية. وفي هذا السياق ننشر اليوم مقالاً يعد بمثابة دعوة لإحياء الليبرالية من جديد – حتى تكون ليبرالية من أجل الشعب.
يوضح مقالنا كيف يمكن للدولة أن تعمل بجد أكثر لصالح المواطن من خلال إعادة صياغة الضرائب والرعاية الاجتماعية والتعليم والهجرة، وأنه يجب أن يتخلص الاقتصاد من القوة المتزايدة لاحتكار الشركات وقيود التخطيط التي تقصي الناس عن أكثر المدن ازدهاراً. ونحن نحث الغرب على دعم النظام العالمي الليبرالي من خلال تعزيز القوة العسكرية وإعادة تنشيط التحالفات.
وقد تم صياغة كل هذه السياسات للتعامل مع مشكلة الليبرالية المركزية: وهي فقدان الليبرالية نظرتها لقيمها الأساسية، حيث في لحظة انتصارها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، فقدت الليبرالية نظرتها لقيمها الأساسية.. ومن هذا النقطة تحديداً يجب أن يبدأ إحياء الليبرالية من جديد.
ظهرت الليبرالية في أواخر القرن الثامن عشر كرد فعل للاضطرابات التي أثارها الاستقلال في أمريكا، والثورة في فرنسا، والتحولات الكبيرة في الصناعة والتجارة. وبينما يعتقد الثوار أنه لكي تتمكن من بناء عالم أفضل، فإن عليك أولاً أن تقوم بتحطيم العالم الذي تجده أمامك، فعلى النقيض من ذلك، يشكك المحافظون في جميع الادعاءات الثورية التي تُقدم على أنها حقيقة راسخة.. فهم يسعون إلى الحفاظ على أفضل ما في المجتمع من خلال إدارة التغيير؛ وعادة ما يأتي هذا التغيير في إطار طبقة حاكمة أو زعيم سلطوي عادة ما يُقدم على أنه “يَعرف الأفضل” دائماً.
ويؤكد الليبراليون الحقيقيون أن المجتمعات يمكن أن تتغير تدريجياً للأفضل ومن الأسفل إلى الأعلى. فهم في ذلك يختلفون عن الثوريين في رفضهم لفكرة وجوب إكراه الأفراد على قبول معتقدات شخص آخر. وهم يختلفون أيضاً عن المحافظين في أنهم يؤكدون أن الطبقة الأرستقراطية والتسلسل الهرمي وجميع أشكال تركيز السلطة ما هي إلا مصادر لممارسة القهر على الآخرين.
وهكذا بدأت الليبرالية – باعتبارها وجهة نظر عالمية – تبدو مضطربة. وأصبح الليبراليون في العقود القليلة الماضية أكثر ميلاً إلى الاحتفاظ بالسلطة. ونتيجة لذلك، فقد فقدوا نهمهم لإجراء الإصلاحات. وقد تقول النخبة الليبرالية الحاكمة لنفسها أنها تترأس عن جدارة وأنها لذلك قد نالت ما تستحقه من امتيازات. وفي حقيقة الأمر، فإن الأمر ليس كذلك بأي حال من الأحوال.
وفي أحسن التقديرات، فقد خلقت الروح التنافسية التي خلفتها هذه النزعة الإستحقاقراطية (أو مبدأ جدارة واستحقاق الحكم) ازدهاراً غير عادي وثروة كبيرة من الأفكار الجديدة. وتحت مسمى الكفاءة والحرية الاقتصادية، فتحت الحكومات الأسواق للمنافسة. ولم يكن العرق أو الجنس أو النوع أبداً عائقاً في طريق التقدم؛ حيث انتشلت العولمة مئات الملايين من الناس في الأسواق الناشئة من الفقر.
ومع ذلك، فإن الطبقة الحاكمة من الليبراليين غالباً ما كانت تحمي نفسها من مخاطر رياح التغيير. وتقوم بالاستحواذ على المهن الفاخرة مثل تلك المرتبطة بالقانون من خلال سن اللوائح السخيفة. ويتمتع أساتذة الجامعات باحتفاظهم بوظائفهم حتى وهم يبشرون بفضائل المجتمع المفتوح. وقامت الطبقة الحاكمة من الليبراليين بتجنيب الممولين أسوأ ما في الأزمة المالية عندما تم إنقاذ أصحاب العمل من خلال أموال دافعي الضرائب. وبينما كان من بين مستهدفات العولمة إيجاد مكاسب كافية لمساعدة الخاسرين، إلا أن النذر القليل جداً من هؤلاء الخاسرين هم من تلقوا مثل هذا الدعم.
وبطريقة أو بأخرى، فإن الاستحقاقراطية الليبرالية التي تبناها الحكام الليبراليون تبدو منغلقة على نفسها وتهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي داخل إطارها فقط. وقد توصلت دراسة حديثة إلى أنه في الفترة بين 1999-2013، قبلت الجامعات الأمريكية المرموقة عدداً أكبر من الطلاب الذين ينحدرون من الأسر الأعلى دخلاً (والتي تمثل 1% فقط من عدد السكان) مقارنة بالعدد الذي قبلته ممن ينتمون إلى الأسر الأقل دخلاً (والتي تمثل 50% من السكان). وفي الفترة بين 1980-2015 تضاعفت رسوم الجامعات في الولايات المتحدة 17 مرة بنفس وتيرة ارتفاع متوسط ​​الدخل. وتضم أكبر 50 منطقة حضرية 7% فقط من سكان العالم بينما تستحوذ على 40% من إجمالي ناتجه. لكن القيود المفروضة على التخطيط هناك تسببت في إقصاء الكثيرين عن هذه المناطق، ولا سيما الشباب.
أصبحت الطبقة الليبرالية الحاكمة منشغلة كثيراً بالحفاظ على وضعها الذي وصلت إليه حتى غفلت تماماً عن مظاهر الراديكالية. ويمكن أن نتذكر كيف أن هيلاري كلينتون، في حملتها الانتخابية لتصبح رئيسة للولايات المتحدة، قامت بإخفاء افتقارها إلى الأفكار الكبيرة وراء عاصفة من القضايا الصغيرة. وخسر المرشحون لزعامة حزب العمال في بريطانيا عام 2015 أمام جيريمي كوربين ليس لكونه موهبة سياسية فذة بقدر ما كانوا هم من يفتقرون إلى التميز. وبينما يستعد الليبراليون التكنوقراط للقيام بإصلاحات سياسية لا حصر لها، إلا أنهم يظلون بعيدين تماماً عمن يفترض أنهم يقومون بمساعدتهم. وقد أدى ذلك إلى خلق فئتين: الفاعلين والذين يتم الفعل من أجلهم؛ والمفكرين والذين يتم التفكير نيابة عنهم؛ وصانعي السياسة والذين تصاغ السياسات لهم.
لقد نسي الليبراليون أن فكرتهم التأسيسية هي الاحترام المدني للجميع. إن مقالنا الافتتاحي في الذكرى المئوية، الذي كُتب عام 1943 مع احتدام الفاشية، قد صاغ ذلك من خلال مبدأين متكاملين: الأول هو “الحرية”: وهو ما يعني أنه “ليس من العدل والحكمة فقط أن تتيح للناس أن يفعلوا ما يريدون… بل إنه مفيد في نفس الوقت لكلا الطرفين”. والثاني هو “الاهتمام المشترك”: وهو ما يعني أن “المجتمع البشري … يمكن أن يصبح اتحاداً لتحقيق رفاهية الجميع”.
إن استحقاقراطية اليوم الليبرالية لا تشعر بالارتياح تجاه هذا التعريف الشامل للحرية. فالطبقة الحاكمة تعيش في شرنقة خاصة بهم؛ فهم يذهبون إلى نفس الكليات ويتزوجون من بعضهم البعض ويعيشون في نفس الشوارع ويعملون في نفس المكاتب.  وبينما يُنتظر أن يشعر الناس بالابتهاج تجاه الازدهار المادي المتزايد عوضاً عن بقائهم بعيداً عن السلطة، ففي ظل ركود الإنتاجية والتقشف المالي الذي أعقب الأزمة المالية في عام 2008، لم تستطع الليبرالية الحاكمة من الوفاء بهذا الوعد أيضاً.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل الولاء للأحزاب السائدة يتآكل. فحزب المحافظين البريطانيين، الذي قد يكون أكثر الأحزاب نجاحاً في التاريخ، يجمع الآن أموالاً من إرادات الموتى أكثر مما يحصل عليه من مواهب الأحياء (أي أنه يعيش على أمجاد السابقين وليس على جدارة المعاصرين). وفي الانتخابات الأولى في ألمانيا الموحدة عام 1990، فازت الأحزاب التقليدية بأكثر من 80% من الأصوات. أما في آخر انتخابات جرت، فقد حصلت تلك الأحزاب على 45% فقط من الأصوات، بينما ذهبت 41.5% من الأصوات لصالح أقصى اليمين، وأقصى اليسار، والخضر.
وبدلا من ذلك، يتراجع الناس بالانحياز إلى هويات جماعية محددة بالعرق أو الدين أو الجنس. وترتب على ذلك تفتيت وتجزئة المبدأ الثاني، وهو المصلحة المشتركة. إن سياسة الهوية هي استجابة واضحة للتمييز، ومع تعدد الهويات، تتصادم سياسات كل مجموعة مع سياسات المجموعات الأخرى.. وبدلا من التوصل إلى تنازلات مفيدة، يصبح الحوار وكأنه مجرد محاكاة لأحد المشادات الغاضبة. فقادة اليمين، على وجه الخصوص، سيقومون باستغلال انعدام الأمن الذي يترتب على الهجرة كوسيلة للتحفيز على دعمهم، وسيستخدمون الحجج اليسارية المتطرفة حول التصحيح السياسي لتغذية شعور ناخبيهم بالاكتفاء الذاتي. والنتيجة من ذلك كله هو الاستقطاب الحاد. ففي بعض الأحيان يؤدي ذلك إلى حدوث شلل، وفي أحيان أخرى يؤدي إلى طغيان الأغلبية. وفي أسوأ الأحوال، يشجع ذلك على استبداد اليمين المتطرف.
ويخسر الليبراليون أيضاً النقاش في قضية الجيوسياسية. لقد انتشرت الليبرالية في القرنين التاسع عشر والعشرين على خلفية الهيمنة البحرية لبريطانيا في البداية؛ وفيما بعد على خلفية الصعود الاقتصادي والعسكري للولايات المتحدة. واليوم، وعلى النقيض من ذلك، فإن تراجع الديمقراطية الليبرالية يحدث عندما تلعب روسيا دور المخرب وترسخ الصين قوتها العالمية المتنامية. لكن بدلاً من الدفاع عن نظام التحالفات والمؤسسات الليبرالية التي أنشأتها بعد الحرب العالمية الثانية، دأبت الولايات المتحدة على تجاهل ذلك، بل وصل الأمر في عهد الرئيس دونالد ترامب إلى الهجوم عليها.
ويرجع هذا الاندفاع نحو التراجع (عن مبادئ الليبرالية) إلى شيء من سوء الفهم. وكما يشير المؤرخ روبرت كاجان، فإن الولايات المتحدة لم تنتقل من حالة الانعزالية إبان الحرب إلى الانخراط في مرحلة ما بعد الحرب من أجل احتواء الاتحاد السوفييتي، كما هو مفترض. وبدلا من ذلك، فبعد أن رأينا كيف أن الفوضى في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين خلفت الفاشية والبلشفية، فقد خلص رجال الدولة في فترة ما بعد الحرب إلى أن بقاء العالم بلا قيادة يمثل تهديداً كبيراً. وعلى حد تعبير دين أتشيسون، وزير الخارجية، لم يعد بإمكان الولايات المتحدة الجلوس في مقعد المتفرج والانتظار لما قد يستجد من أحداث.
لقد حانت لحظة تجديد الليبرالية. وعلى الليبراليين أن يقضوا وقتا أقل في الانشغال بمن ينتقدوهم ونعتهم بالغباء والتعصب وأن يبذلوا وقتاً أكبر من أجل إصلاح الأخطاء. فلا تكمن الروح الحقيقية لليبرالية في مجرد الحفاظ على الذات، ولكنها تكمن في إحداث التغيير. لقد تأسست الإيكونوميست للترويج لإلغاء قوانين الذرة، التي كانت تفرض رسوماً على الواردات من الحبوب إلى بريطانيا الفيكتورية (إبان فترة حكم الملكة فيكتوريا من يونية 1837 إلى يناير 1901). واليوم يبدو ذلك الهدف ضئيلاً للغاية؛ بينما كان 60% من دخل عمال المصانع في الأربعينيات من القرن التاسع عشر يتم إنفاقه على الطعام، وثلث هذا المبلغ ينفق على الخبز وحده. لقد تم تأسيس المجلة للوقوف بجانب الفقراء ضد طبقة النبلاء التي كانت تزرع الذرة. واليوم، وحسب نفس هذه الرؤية، يجب على الليبراليين أن يقفوا مع الكادحين ضد الأرستقراطيين.
يجب عليهم (الليبراليين) الآن إعادة إحياء إيمانهم بالكرامة الفردية والاعتماد على الذات – من خلال الحد من امتيازاتهم الخاصة. يجب أن يتوقفوا عن تشجيع النزعات القومية؛ بل عليهم أن يحتووها ويضيفوا إليها صبغتهم الخاصة من الافتخار بالتوجهات المدنية التي تشمل الجميع دون تفريق. وبدلاً من تركيز السلطة في يد الوزارات المركزية والتكنوقراطية غير الخاضعة للمساءلة، ينبغي عليها أن تنقلها إلى الأقاليم والبلديات. وبدلاً من التعامل مع الجيوسياسة على أنها صراع لا قيمة له بين القوى العظمى، يجب على الولايات المتحدة أن تعتمد على ثالوث ذاتي التعزيز يشمل: قوتها العسكرية، وقيمها، وحلفائها.
لطالما كان أفضل الليبراليين برجماتيين وقادرين على التكيف. فقبل الحرب العالمية الأولى، احتوى ثيودور روزفلت قيادات اللصوص الذين كانوا يديرون الاحتكارات الكبرى في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن العديد من الليبراليين الأوائل كانوا يخشون حكم الغوغاء، إلا أنهم اعتنقوا الديمقراطية وآمنوا بها. وبعد فترة الكساد التي سادت في ثلاثينيات القرن العشرين، اعترفوا بأنه يجب أن يكون للحكومة دور محدود في إدارة الاقتصاد. ومن أجل مفارقة الفاشية والشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية، دشن الليبراليون دولة الرفاهية.
على الليبراليين التعامل مع تحديات اليوم بنفس القدر من القوة التي واجهوا بها تحديات الماضي. وعليهم أيضاً أن يولوا اهتماماً للنقد وأن يرحبوا بالنقاش كمصدر للتفكير الجديد الذي سيعيد إحياء حركتهم. يجب أن يتحلوا بالجرأة والشغف بالإصلاح، ولاسيما الشباب.
عندما تأسست مجلة الإيكونوميست قبل 175 عاماً وعد أول محرر لها، جيمس ويلسون، “بالمنافسة الشديدة بين الذكاء، الذي يدفع للأمام، والجهل المستتر الذي يعيق تقدمنا”. نجدد تعهدنا بالاستمرار في هذه المنافسة. ونطالب الليبراليين في كل مكان أن ينضموا إلينا (*).


(*) الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *