fbpx
فيروس كورونادراسات

دور وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في جائحة كورونا

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

دور وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في جائحة كورونا

 تُسهم الأزمات عادة في إعادة ترتيب المشهد، أيّاً كان نوعُ هذه الأزمة أو طبيعتها ومدى تأثيرها، فبفضلها، قد يصبح تفصيل صغير جدّاً لم يكن في السابق ذا أهمية وعناية تامة، يشغل أعلى هرم الأولويات، وضمن لائحة الضرورات الملحّة، بينما غالباً ما تشكّل الأزمات وطريقة إدارتها محطات ترسم حدوداً فاصلة بين مرحلتين: ما قبل وما بعد؛ سواء في حياة الأفراد أو في حياة الجماعات والدول.

 والإعلام ليس بمعزل عن هذا الواقع، بل هو من أكثر المجالات التي شهدت -ولا تزال- تطوراً متسارعاً بفضل وسائل التكنولوجيا والتواصل الجديدة التي فرضت على غرف التحرير والأخبار أنماطاً غير معهودة في مضامين الإنتاج الإعلامي وأشكاله، فضلاً عن طرائق التفاعل مع الجمهور المتلقي.

ولأنها أزمة صحية وبائية اجتاحت أقطار العالم، لم تمرّ جائحة “كوفيد 19” مروراً عابراً على وسائل الإعلام العالمية وغرف الأخبار، كما هو الحال بالنسبة للمتلقي، فبدت بوادر التغيير وإرهاصات التحول تظهر بارزة، تاركة بصمات واضحة على العلاقة بين الجمهور ووسائل الإعلام ووسائط التواصل من جهة، وعلى السلوك الإعلامي/التواصلي لهذه الأخيرة من جهة ثانية. 

التكنولوجيا في زمن كورونا..

 عادة ما تُتهم التكنولوجيا بالإساءة إلى التآخي والتواصل المباشر بين الناس، إلا أنها قد تتمكن من تلميع صورتها بفضل فيروس كورونا والحجر الصحي، لما توفره من نشاطات و”اجتماعات” وحتى العمل والدراسة عن بعد.

 وبفضل التطورات التكنولوجية، باتت إجراءات العزل، ولا سيما في المدن الكبيرة والأسر الميسورة أمراً سهلاً ومريحاً مع إمكانية العمل من المنزل والحصول على التشخيص الطبي عن بعد، وممارسة الرياضة عبر التطبيقات أو الأجهزة الموصولة ووسائل الترفيه بالبث التدفقي. ويقول باتريك مورهيد المحلل لدى مور إنسايتس أند استراتيجي، “للمفارقة أصبحت الكثير من التكنولوجيات التي تتعرض عادة للانتقاد الشديد، ملجأ نشعر فيه بالأمان في زمن فيروس كورونا المستجد“. ففي الصين وكوريا الجنوبية ودول أخرى، تشهد الخدمات المتوافرة عبر الحوسبة السحابية (كلاود) ارتفاعا صاروخيا.

كورونا تُصالح الجمهور مع الإعلام التقليدي

 حمل فيروس كورونا إلى العالم الكثير من المتغيرات، ولعل أهمَّها يكمن في تسريع وتيرة رقمنة مناحي الحياة والخدمات الاجتماعية، فقد أعاد “ثقةً” حُسِبَتْ إلى زمن قريب “مفقودةً” أو “هشّة” بين وسائل الإعلام التقليدية وفئات واسعة من مستهلكي الأخبار عبر العالم، ولا سيما الشباب الذين هم على مشارف العقد الثالث.

هذا المعطى الواقعي يجد تفسيره التجريبي فيما توصّل إليه “معهد رويترز لدراسة الصحافة” التابع لجامعة أكسفورد البريطانية من نتائج وخلاصات في تقريره السنوي للعام 2020 حول الأخبار الرقمية. فقد أكّدت تحقيقَ القنوات التلفزيونية (في ست دول من مختلف القارات، شملها استبيان أجري مطلع أبريل/نيسان 2020) “قفزةً -يمكن اعتبارها كبيرة- في نسب اعتمادها كمصدر للأخبار، مقارنة بشهور قليلة قبلها”.

كما برزت خلال الجائحة ووَطأة إجراءات الإغلاق الكلي أو الجزئي، أهمية وسائل الإعلام الجماهيرية -التي تُنعت عادة “بالتقليدية”- في دول نامية أو تلك التي لا تتوفر على تقاليد إعلامية عريقة، مثل المغرب؛ إذ أظهرت معطياتُ البحث الذي قامت به “المندوبية السامية للتخطيط” (مؤسسة إحصائية مغربية رسمية) خلال أبريل/نيسان 2020 حول “تأثير فيروس كورونا على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والنفسي للأسر المغربية“، أن أرباب هذه الأخيرة يستخدمون “لمتابعة الأخبار عـن تطور جائحة كوفيد 19 بشكل رئيسي، الراديو والقنوات التلفزية الوطنية (المغربية) بحصة بلغت 87.% وتظل هذه النسبة أعلى في الوسط القروي منها في الوسط الحضري”.

 وهنا، وجَبَ استحضار سياق صدور تقرير هذا العام وسط “جائحة غير مسبوقة في العصر الحديث”، فاقها خطورةً -حسب التقرير ذاته- حجمُ انفتاح الجمهور على “نظريات المؤامرة والتضليل، مما يؤكد الحاجة -أكثرَ من أي وقت مضى- إلى صحافة دقيقة وذات موثوقية”.[1]

في هذا السياق قالت الصحافية العاملة في خدمة الأخبار في وكالة “فرانس برس” جوزيت أبي تامر، في حديث للميادين نت شرحت خلاله طبيعة عمل خدمة تقصّي صحة الأخبار في الوكالة، بالقول إنها “تقوم على إصدار تقارير مفصّلة عن كل خبر زائف أو مضلل على مدونة إلكترونية متاحة للجميع، إلى جانب نشر هذه المعلومات على صفحة (في ميزان فرانس برس) على فيسبوك وتويتر، إضافة إلى مواضيع مختارة أسبوعياً تُبث على نشرة الوكالة، وأنّ المصادر التي ينبغي على الصحافيين الرجوع إليها، أثناء تناولهم للمسائل الصحية الخاصة بالوباء، تتمثّل بمواقع المنظمات الصحية العالمية و”مراكز الأبحاث والمجلات العلمية المرموقة، بالإضافة إلى رأي خبراء متخصصين بالموضوع قيد البحث من أصحاب السجلات العلمية والبحثية المعروفة، مع عدم الاكتفاء برأي واحد، بل اللجوء إلى مجموعة من الخبراء”.[2]

وسائط التواصل الاجتماعي

 تقدّم منصّات التواصل الاجتماعي خدمات عديدة ومختلفة تلبّي مجموعة من الاحتياجات للبشر، أبرزها التواصل مع الناس الذين قد يستحيل الاتصال بهم في الواقع، مُتخطّية الحدود الجغرافية واللغوية.

تقدّر أحدث الإحصاءات عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الناشطين حول العالم حتى العام 2020 بنحو 3.8 مليارات شخص، أي ما يقارب نصف سكّان العالم. وبعد انتشار فيروس كورونا، زاد هذا العدد إلى حوالى الأربعة مليارات شخص. وفي زمن كورونا، أدّت وسائط التواصل الاجتماعي دوراً إنقاذياً لأشخاص كثيرين من الذين يعانون خلال الحجر بسبب العزلة.

توفّر منصّات التواصل الاجتماعي محتوى منوّعاً من الترفيه إلى التعليم والتوعية والأخبار وغيرها. وأصبحت تطبيقات التواصل الاجتماعي في كثير من الأحيان، بديلاً عن شاشات التلفاز والراديو وغيرهما من الوسائل الإعلامية. لذلك، قامت كبرى وسائل الإعلام المحلية والعالمية بالتعويل كثيراً على هذه المنصات لإيصال المحتوى الذي تقدمه لجمهور أوسع،

خاصة فيما يتعلق بأخبار فيروس كورونا وعدد الإصابات وكيفية الانتشار، كون أغلب الأشخاص يعتمدون على هذه المواقع للوصول إلى المعلومة بجوانبها المختلفة.

في السياق عينه، زاد عدد المؤسسات الرسمية والمسؤولين والسياسيين والصحافيين الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي لبثّ تصريحاتهم حول كورونا، وتفسير بعض المواقف والأمور وإعلان القرارات الهامة عبر حسابات رسمية. بالإضافة إلى ذلك، سمحت وسائل التواصل الاجتماعي للأشخاص ببَث الفيديوهات والأحداث لحظة حصولها، بحيث انتشرت العديد من الفيديوهات من مدن عديدة من العالم تظهر خلوّها من المارّة والسيّاح، أو فيديوهات لأمور كانت تحصل خلال الحجر المنزلي مثل حفلات الغناء الجماعية على شرفات المنازل، وساعد ذلك كثيراً في التخفيف من وطأة الحجر والعزلة والوحدة عند الملايين من البشر، إضافة إلى متابعة أخبار العالم والفيروس والتطورات الحاصلة.

إذ أتاح المحتوى المتوفّر عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال أزمة انتشار وباء كورونا، بما احتوى من فيديوهات منزلية وأمور ترفيهية، في جعل الحجر المنزلي أخفّ وطأة، كون مشاركة هذا النوع من المحتوى يظهر للأشخاص أنهم ليسوا وحدهم والأمور ليست بالسوء الذي يتخيّلونه. وبحسب الخبراء النفسيين، تكون أغلب هذه السخرية من باب ما يسمّى في علم النفس التحليلي الإعلاء النفسي، وهي حيلة دفاعية نفسية تساعد العقل على التغلّب على الإحساس أو السلوك غير المرغوب فيه بتحويله إلى سلوك مقبول.[3]

“وبلغ التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي مدياتٍ غير مسبوقة، ووصلت أحياناً إلى ذروتها، فأصيب تطبيق “واتساب” بأعطال، وتعثر بسبب حجم الاتصالات والملفات المرسلة عليه. كما زاد عدد المستخدمين لهذه الوسائل، ما قدره 166 مليوناً لـ “تويتر” و315 مليوناً لـ “تيك توك”، خلال الربع الأول من العام 2020، على سبيل المثال لا الحصر.

لكن زيادة المستخدمين لا ينعكس إيجاباً بالضرورة، فقد وفّر الوباء “بيئةً خصبة لكل خبير في الاحتيال، وكل بائع قصص مفبركة، وكل مروّج لنظرية المؤامرة، وكل متصيّد للفرص على الإنترنت”، يؤكّد مؤسس منصّة .”Global Disinformation Index“وساعد في ذلك اعتماد هذه الوسائل – خاصةً فيسبوك وتويتر – على خوارزميات تحفز المستخدمين على البقاء مدّة أطول على هذه الوسائل، وذلك بالحفاظ على الانقسام بين الآراء الذي يجذب المزيد من اهتمام المستخدمين، وفق ما أوضح تحقيق لـ”Wall Street Journal” ، في أيار/مايو المنصرم، حول شركة فيسبوك.”[4] 

توجه شبابي نحو استهلاك الأخبار على شبكات التواصل

 كان لافتاً في دول عديدة عبر العالم، ومن خلال خلاصات تقرير معهد رويترز، أن الفئة العمرية الشابة تزايَدَ استهلاكُها للأخبار عبر خدمات تقدّمها مواقع ومنصات وتطبيقاتٌ وُجدت في الأصل للترفيه أو “التواصل الاجتماعي”، مثل “إنستغرام” و”سنابشات” و”تيك توك”، وهو ما يمكن اعتباره تحوّلا جوهريّاً لأنماط الاستهلاك الإخباري والسلوك الرقمي الجديد، يستلزم انتباهاً خاصّاً من أصحاب القرار الإعلامي داخل المؤسسات الإخبارية العالمية كما الوطنية، قصْدَ “استقطاب” هذه الشريحة المجتمعية الهامّة ضمن إستراتيجيات وخطط عمل مستقبلية تراعي خصوصيات الناشئة في الحاجة إلى الأخبار.

هذا، بينما سَطع نجم تقنية “مؤتمرات الفيديو” (Video Conferencing) أكثر خلال فترة الحجر الصحي الذي اعتمدته دول عديدة، كونها أصبحت “منصة جديدة للتواصل الشخصي. لكن هذه التقنية أيضاً، غيَّرت الشكل الذي تظهر فيه المؤتمرات والندوات الصحفية لمختلف المؤسسات الحكومية عبر العالم”، حسبما يخلُص إليه التقرير ذاته.

يؤكد ما سبق ذكره على الطابع الرقمي المتنامي بقوّة والذي يطبع كل ممارسة إعلامية مستقبلاً، إذ من المتوقع أن يصير البث المباشر المنزلي للبرامج أو النشرات الإخبارية مثلاً، تقنية معمولاً بها بشكل عادي ضمن ما أصبح متعارفاً عليه في أدبيات تدبير الموارد البشرية “بالعمل عن بعد”. كما يمكن لمنصات الإعلام الرقمي أن تشكّل حلقة وصل لا مفر عنها في نقل تلك الندوات الصحفية وغيرها من الأنشطة؛ على صفحاتها في شبكات التواصل..[5]

هل أسهمت وسائط التواصل في نشر الذعر من كورونا؟

 لا شكّ في أنّ أخباراً زائفة كثيرة طُبعت في ذهن القارئ في الشهور الأولى لتفشي الفيروس؛ “معلومات” عن أهداف الصين في “تصنيع” الفيروس، دور الجيل الخامس من الإنترنت في تقليل المناعة، فاعلية بعض الأعشاب والثمار في تشكيل مناعة ضد الفيروس، وعلاقة الوباء بنظريات الحدّ من الكثافة السكانية، وليس انتهاءً بادعاءات تثير الإعجاب بأن كوفيد-19 ليس إلا وهماً، ولا تزيد خطورته عن الإنفلونزا الموسمية.

نهضت بعض هذه السرديات المختلقة، ونظريات المؤامرة حول كورونا على قاعدة موثوقة من الحقائق، لكنها سرعان ما أصبحت كالأبنية المفككة والمعلّقة في الهواء. ولأنها تظهر في زمن الخوف والقلق وقلّة الخبرة بالتهديدات الموجودة، تصبح ذات قدرة أكبر على الانتشار.

“وكما يُظهر معدّو تقرير مشروع “First Draft News“، المعني بمحاربة التضليل على شبكة الإنترنت، فإنّ هذه السرديات لا تقدّم شيئاً جديداً بالضرورة، بل قد تكون إعادة تدوير لنظريات ومعلومات زائفة راجت خلال أزمات أخرى (خلال سنين الإنفلونزا الإسبانية مثلاً)، وكلّ ما في الأمر أنه “أعيد توجيهها لتخدم السياقات الجديدة”، وهي تظهر فوراً وتنتشر كالنار في الهشيم لأن “الطلب على المعلومات بشأن مسألة ما يكون مرتفعاً، لكن المعلومات الموثوقة تبدو محدودة. وبالتالي يظهر العجر في المعلومات، وهذا العجز ستملؤه المعلومات الخاطئة.

ومن أجل تصحيح المعتقدات الشعبية حول الوباء، كان من اللافت إقدام منظمة الصحة العالمية على مواجهة ما وصفته بـ “الوباء المعلوماتي“، من خلال نشاطها في تزويد وسائل الإعلام بالمعلومات الصحيحة على مدار الساعة وعبر منصاتها التي تنشر بلغات عدةّ.

كما أطلقت الأمم المتحدة، لهذه الغاية، مبادرة “Verified” المعنية بمشاركة المحتوى الموثوق به حول الوباء، لأنه “لا يمكننا ترك فضاءاتنا لأولئك الذين يتاجرون بالأكاذيب والخوف والكراهية”، وفق تعبير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.” [6]

والجدير ذكره “أنّ جائحة كورونا انتشرت في زمن انتشار وسائط التواصل، في حين أنّ الأوبئة السابقة ومنها وباء سارس SARS في العام 2003 ووباء إنفلونزا الخنازير الذي تمّ الكشف عن أوّل حالة تعاني منه في المكسيك تعود لعام للعام 2009، لم تكن وسائط التواصل الاجتماعي قد شغلت هذا الجزء الكبير من حياتنا، وبالتالي فإنّ سرعة انتشار المعلومات كانت مختلفة كلياً”[7]

ولمواجهة هذا التحدي في انتشار المعلومات المغلوطة والتحكم بها بمقدار كبير، عينت منظمة الصحة العالمية 20 موظفاً وبعض الخبراء الاستشاريين في مجموعات الاتصالات التابعة لها لمكافحة المعلومات المغلوطة بالتعاون مع Facebook وTwitter وTencent وPinterest وتيك توك.

 ثمة هواجس طُرحت في بداية انتشار الوباء في نهاية العام 2019 تمثلت بعدد من الأسئلة منها: هل ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في إثارة الخوف والهلع خلال أزمة كورونا؟

أو لماذا يهرع قطاع كبير من روّاد هذه المواقع إلى نشر الأكاذيب والخوف؟

وهل أنّ هناك نشراً موازياً لما هو إيجابي خلال أزمة الكورونا؟

وهل عادت وسائل الإعلام الرصينة لتسحب البساط من تحت وسائل التواصل الاجتماعي بفعل تلك الأزمة؟

  من بين معالم الواقع الجديد، الذي أفرزته أزمة تفشي وباء كورونا في أنحاء العالم، كان ذلك الاختبار القوي لوسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت سمة واضحة لا ينكرها أحد في العالم المعاصر. وبقدر ما أسهمت تلك الوسائل الجديدة، في تخفيف وطأة أزمة التواصل المباشر بين البشر، بفعل المخاوف من تفشي الفيروس، بقدر ما بدا من وجهة نظر كثيرين أنها أخفقت في اختبار المصداقية.

وهناك رأي يقول إنّ جمهور وسائل التواصل الاجتماعي يتحمّل جانباً من المسؤولية فيما يجري الحديث عنه من جوانب سلبية، أفرزها استخدام تلك الوسائل خلال الأزمة، من نشر أخبار مفبركة، إلى نشر شائعات، إلى سعي لبثّ الخوف والذعر في نفوس الناس، الذين وضعتهم الأزمة في حالة من القلق، يدفعهم للتشبث بأية معلومة قد لا يكون لها أي أساس علمي..

ومنذ بدأت الأزمة بانتشار الفيروس في الصين أواخر العام الماضي، ثم انتقاله لدول أخرى، بدا واضحاً على العديد من منصات التواصل الاجتماعي، أن هناك ما يشبه حالة من الذعر والهلع الجماعي، التي يروّج لها قطاع كبير من روّاد تلك المنصات. وكان لافتاً كيف تحرّك موقع تويتر، الأكثر تداولاً في العديد من الدول العربية، ليعلن حظر “المحتوى المضلل” حول الوباء وليقول إنه سيزيل أي محتوى، يروج لمزاعم غير محددة ومضللة بشأن فيروس كورون

وجاء حديث تويتر بهذا الشأن، في أعقاب إعلان مشترك لكل من فيسبوك وغوغل ومايكروسوفت، تعهّدوا فيه بالعمل مع الحكومات لمحاربة المعلومات المضللة، وللمساعدة على الاتصال بأولئك الذين وضعوا أنفسهم قيد العزل الشخصي.

وجاء في البيان المشترك لهذه المنصات: “نحن نساعد ملايين الناس على أن تظلّ متصلة ببعضها، ونحارب معاً الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة حول الفيروس، وننشر على منصاتنا المضمون الصادر عن السلطات المعنية، ونتشارك التحديثات المهمة بالتنسيق مع وكالات الرعاية الصحية الحكومية حول العالم”.

وبجانب تعمّد البعض، اقتصار مشاركاته على منصات التواصل الاجتماعي، على إبراز الجانب المظلم والقاتم، وتفاصيل حالات الموتى، بما يعمق حالة الخوف الحاصلة بالفعل، فإنّ هناك آخرين سعوا للاستفادة من الأزمة عبر الترويج لأدوية زائفة، زعموا أنها تعالج وباء الكورونا.

وقد أشارت وكالة الأنباء الفرنسية في تقرير لها إلى بعض من هذه الأدوية، ومنها استهلاك الرماد البركاني، واستخدام مصابيح الأشعة فوق البنفسجية، ومطهّرات الكلور التي تقول السلطات الصحية إنها يمكن أن تسبّب ضرراً إذا استخدمت بشكل غير صحيح.

وفي عدد من الدول العربية بدت السلطات مهتمة بمحاربة مروجي الشائعات، أو الأخبار الزائفة خلال الأزمة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ففي مصر قالت نقابة الأطباء إن الشطب الكامل سيكون عقوبة الأطباء الذين يتداولون طرق علاج لفيروس كورونا عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وأشار نقيب الأطباء المصريين، في اتصال مع برنامج لتليفزيون محلي، إلى أن النقابة رصدت خلال الفترة الماضية فوضي فتاوى عن طرق علاج فيروس كورونا من الأطباء علي مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي قطر، أطلقت وزارة الداخلية تحذيراً لجميع المواطنين والمقيمين بعدم المشاركة في نشر أو تداول الشائعات، معتبرة ذلك “أمراً في غاية الخطورة وقد يعرّض المسؤول عنه للمساءلة القانونية”.

أما في المملكة العربية السعودية، فقد حددت السلطات عقوبات على مطلقي الأخبار مجهولة المصدر، والترويج للشائعات التي تصعّد الهلع لدى المجتمع في ظل تفشي فيروس كورونا، كونها تمس بالنظام العام.

“وفي استطلاع أجراه معهد إيبسوس لموقع “أكسيوس” الإخباري إلى أنه للاطلاع على التطورات المرتبطة بالفيروس، لا يزال نصف الأميركيين يثقون بوسائل الإعلام التقليدية، بينما تثق نسبة أقل بكثير بشبكات التواصل الاجتماعي.ويمكن أن تشكّل هذه الأزمة فرصة لوسائل الإعلام لاستعادة ثقة قرائها. كما أنها فرصة للقراء الذين يخضعون للعزل لاختيار وسائل الإعلام الكبيرة والصغيرة التي يثقون بها.”[8]

هل الفرصة متاحة إلى العودة إلى الإعلام الرصين؟

 ومن ناحية أخرى، يبدو جانب من الاختبار الذي تتعرض له وسائل التواصل الاجتماعي في هذه الأزمة متعلقاً بالمصداقية. ورغم أنها عرفت على مدار السنوات الماضية بأنها وسيلة سريعة لتداول الأخبار ونقلها، إلا أن الناس – على ما يبدو – يهرعون تلقائياً في أوقات مثل تلك الأزمات لوسائل الإعلام التقليدية، خاصة تلك الرصينة منها، وهو ما يعكس أزمة فقدان ثقة في وسائل التواصل الاجتماعي المستحدثة، خاصة في أوقات الأزمات.

وفي هذا السياق، يشير روجر موسي في مقال بمجلة ” نيو ستيتسمان” إلى بروز دور هيئة الإذاعة البريطانية ( بي بي سي) خلال الأزمة، وكيف هرع الناس إليها كخدمة عامة موثوقة، يطمئنون لأخبارها. ويقول الكاتب إن الأزمة أظهرت كيف أن بي بي سي تعد ضرورة ويجب حمايتها.

 ويضيف الكاتب “إنه وفي الوقت الذي نخشى فيه على العالم وأهله، فإنه يبدو أن هناك جوعاً خلال هذه الأزمة للحقائق الموثوق بها، والتي تطمئن كل هؤلاء الذين أصابتهم الهيستيريا بفعل المعلومات غير الدقيقة التي تعج بها وسائل التواصل الاجتماعي، وإنه وخلال مثل هذه الأوقات الحرجة، فإن بي بي سي كخدمة عامة جاءتها الفرصة لتبرهن على سر بقائها”.

 كما أكد المؤرخ باتريك إيفينو، رئيس المجلس الفرنسي لأخلاقيات الصحافة، أنها “لحظة مهمة لوسائل الإعلام (…) لتثبت أنها في خدمة الجمهور بمعلومات جديرة بالثقة عبر انتقائها“.

من جانبها، قالت مديرة الإعلام في “بي بي سي”، التي تشهد مستويات حضور قياسية: “في إطار الوضع الصحي الطارئ، توفير أنباء جديرة بالثقة ودقيقة أمر حيوي”، مؤكدة أن هذه المؤسسة الإعلامية البريطانية العامة “لديها دور أساسي لتؤدّيه”. أما ريكاردو كيرشبوم، الذي يعمل في صحيفة “كلارين” اليومية الأرجنتينية الأوسع انتشاراً في البلاد، فقال إن “القرّاء يبحثون عن تحليلات إضافية وخدمات إخبارية وشهادات”

“وإنّ وسائل الإعلام لم تقم بدورها”وأشار عالم الاجتماع الإيطالي “إدواردو نوفيلي” من جامعة “روما “إلى أن عدداً من وسائل الإعلام تباطأت في العمل في بداية الأزمة. وكتب في دراسة بعنوان “إنفومود” تتعلق بما نشرته 257 وسيلة إعلام أوروبية على موقع “فيسبوك” جرت بين الأول من كانون الثاني/ يناير و14آذار/ مارس 2020 أن “الصحف تأثرت إلى حد كبير بحكوماتها الوطنية التي قللت، في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، من خطورة الأزمة المقبلة”. وعبّر الصحفي السابق، الذي أصبح أستاذاً في الاتصال وعلم الاجتماع، عن أسفه لأنّ وسائل الإعلام هذه “لم تقم بدورها”. ونقلت بعضها أخباراً مضللة، مثل “ديلي ميل” في بريطانيا التي أوردت فكرة أن الفيروس التقطه شخص تناول حساء خفاش في الصين. وهذه المعلومات تناقلتها صحف صفراء عديدة تعيش على أخبار الإثارة.[9]

 وفي دراسة أجريت في الأردن ركّز باحثون على فكرة التربية الإعلامية، وعلاقتها بالسلوك الاجتماعي، حيث أجرى البحث مقارنات حول الفرق بين متابعي التلفزيون، ومتابعي وسائل التواصل، والتي كشفت كيف أن متابعي وسائل التواصل الاجتماعي كانوا أكثر إيماناً بالخرافات، والأقل امتثالاً لأساليب الوقاية، وهذا يلفت إلى أثر هذه الوسائل في خلق حالة من التخبط والجهل في المعلومات. بدورها، تناولت الدكتورة فاطمة السالم أستاذة الإعلام في جامعة الكويت دراسة أجرتها مؤخراً حول مصداقية الإعلام الرسمي خلال الأزمات، وأخذت كورونا نموذجاً.

 استهدفت الباحثة مؤشر ثقة الناس بالوسائل الإعلامية الرسمية، منطلقة من طرق تفكير المجتمع الكويتي الذي هو بطبيعته مجتمع سياسي نقدي فيما يخص هذه الوسائل، وكشفت أنها لاحظت تغير موقف الناس في الوسائل خلال الأزمة، حيث ازدادت ثقة الناس بوسائل الإعلام الرسمي خلال الأشهر الأولى من الأزمة. وإلى زيادة كبيرة في متابعة وسائل التواصل الاجتماعي، من دون أن ترافق هذه الزيادة ارتفاع في الثقة بهذه الوسائل.[10] 

في رصد وسائل الإعلام، ودورها في الأزمة

 من الضروري النظر إلى وسائل الإعلام في خلال الأزمة كشريك بنّاء، فوسائل الإعلام تتمتع بإمكانية وصولها إلى الجماهير بشكل أسرع وأوسع، وتزويد الناس بالمعلومات العامة.

وقال مدير منظمة الصحة العالمية في تصريح سابق: “نحن لا نحارب الوباء فقط، نحن نحارب وباء المعلومات“، في إشارة منه لتفشي الأخبار الكاذبة حول الوباء.

وقال د. أسامة أبو الرب، محرر الشؤون الطبية في شبكة الجزيرة “إنّ المعلومات الخاطئة تشكّل خطراً على صحة الناس لا يقل عن خطر فيروس كورونا المستجد، وقد تقود لوفيات”. وإنّ المعلومات الخاطئة التي تم تناقلها في بعض الدول عن أن شرب الكحول يساعد في الشفاء من كورونا، أدت إلى وفاة بعضهم تسمماً بمادة الميثانول نتيجة شربهم كحولاً مغشوشاً. وهذا ما حاول قوله الرئيس لسابق للولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب عندما حمل قارورة منظفات للإشارة إلى أنّ ذلك قد يكون مفيداً في قتل الفيروس، وهو ما شكّل موجة من الاستياء والسخرية في الولايات المتحدة الأميركية. كما أن المغالطات التي تهوّن م مخاطر الفيروس وتقول إنه مؤامرة أو خدعة، تقود إلى استخفاف من قبل الجمهور بالفيروس وعدم اتباعهم للتوصيات الطبية من حيث العزل المنزلي والوقاية وغيرها، وهذا يقود إلى تفشي الفيروس، ولاحقاً تسجيل وفيات”. كذلك فإنّ الصحفيين أنفسهم هم عرضة لتلقي الأخبار الزائفة مثلهم مثل الجميع، لكن تقع على عاتقهم مهمة تحليل هذه المعلومات والتأكد من مصداقيتها، خاصة مع انحسار دور غرف الأخبار التقليدية وزيادة دور صحافة المواطن.

 وينبغي على الحكومات مراقبة التقارير الإعلامية عن الأزمة عن كثب، ما يسمح للسياسيين فهم تأثير الأزمة على حياة الناس بشكل أفضل. ويمكن للصحفيين الوصول إلى القصص الشخصية التي يمكن أن تساعد في فهم أفضل لأثر الأزمة على المواطنين العاديين. ويمكن لهذه الشهادات أن تثري النقاش عند اتخاذ القرارات السياسية، وتعطي المراقبة الإعلامية أيضاً فكرة أفضل عما يفكر فيه المواطنون بشأن الاستجابة للأزمة. وسيخبر ذلك السياسيين، إذا كان المواطنون موافقين أم لا، وإذا كانوا راضين عن تدابير الطوارئ أم لا، وإذا كانت التدابير الشاملة بما يكفي، وسيسمح ذلك برصد وسائل الإعلام بتحديد المعلومات الخاطئة حول الأزمة بسرعة[11]

كورونا فرصة لزيادة أرباح شركات التكنولوجيا

 أضر تفشي وباء فيروس كورونا عالمياً بالاقتصاد في جميع أنحاء العالم، وعطّل الكثير من فعالياته، بيد أن إجراءات الإغلاق العام التي أعقبت تفشي المرض لم تكن سيئة للجميع، فقد أسهمت في ازدهار أعمال بعض الشركات.

 وفي هذا السياق، تصدّرت شركات التكنولوجيا والتجارة “أونلاين” (عبر شبكة الإنترنت) قائمة “الرابحين” من الأزمات الكارثية التي ضربت القطاعات الاستثمارية على مستوى العالم خلال العام 2020، الذي شهد تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد، وما تبعها من إجراءات الإغلاق التي أعلنتها الحكومة منذ الأشهر الأولى من العام الماضي. وبينما كانت جميع القطاعات تسرّح موظفيها وعمّالها ضمن إطار خطط لإعادة الهيكلة وترشيد الإنفاق لتقليل الخسائر المحتملة، كانت شركات التجارة الإلكترونية هي طوق النجاة لأسواق التوظيف على مستوى العالم، حيث استخدمت الشركات الضخمة مئات آلاف العمال والموظفين لتنفيذ طلبات العملاء والمشترين التي قفزت بنسب صاروخية على مدار العام الحالي.

ولا يتوقف الأمر عند التوظيف أو إنقاذ أسواق التجزئة من الخسائر العنيفة، لكنه امتد إلى الأرباح والمكاسب الخرافية التي حققتها هذه الشركات خلال العام الحالي، على الرغم من مواجهة جميع القطاعات الاستثمارية خسائر حادة، وانتشار حالات الإفلاس في بعض القطاعات، وبخاصة قطاع السياحة والسفر.

خمس شركات ربحت 128 مليار دولار في تسعة أشهر

 تشير البيانات المتاحة إلى أن القوائم المالية لأكبر شركات التكنولوجيا في العالم بقيادة “أمازون”، و”فيسبوك”، و”ألفابت”، و”مايكروسوفت”، و”أبل”، أظهرت تحسناً كبيراً في أرقام المبيعات والأرباح. وارتفعت أرباح هذه الشركات الخمس بنسبة 15.2 في المئة بزيادة بلغت 16.9 مليار دولار، وذلك بعدما ارتفعت أرباحها من 111.1 مليار دولار في أول تسعة أشهر من العام 2019 إلى نحو 128 مليار دولار خلال الفترة ذاتها من العام 2020.”[12]

 وفي حين تسجل الأسواق المالية تراجعاً كبيراً، “ارتفع سعر سهم شركة زوم بنسبة أربعين بالمئة في شباط/ فبراير بفضل الطلب الكبير على تكنولوجيا العمل عن بعد” على ما يشير موريس غرارد المحلل لدى “فيوتشرسورس”، مضيفاً أن الشركة المتخصصة بالاجتماعات عبر الفيديو شهدت ارتفاعاً غير مسبوق في عدد المستخدمين في فترة زمنية قصيرة.

وقد تخرج الشركات التكنولوجية بوضع اقتصادي معزز جرّاء جائحة فيروس كورونا المستجد التي جعلت بعض المنصات أساسية أكثر من أي وقت، إلا أنها تواجه تشكيكاً متزايداً.

ففي مطلع يوليو (تموز)2020، بلغت القيمة السوقية لست شركات رئيسية في هذا المجال وهي آبل ومايكروسوفت وأمازون وألفابت (الشركة الأم لغوغل)، 650 مليار دولار أي ربع قيمة أكبر 500 شركة مدرجة في قائمة “ستاندرد أند بورز”.

ويذكر عالم الاقتصاد إد يارديني الذي أجرى هذه الحسابات، أن ذلك يشكل مستوى قياسياً، وكتب في تقريره أن هذه الشركات «هي من بين أكبر المستفيدين من الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الجائحة، وستستمر على الأرجح في الاستفادة من الاضطرابات حتى بعد حل الأزمة. واستقطبت «نتفليكس» ستة وعشرين مليون مستخدم جديد يدفعون اشتراكات منذ مطلع العام 2020، وشهدت شبكات التواصل الاجتماعي ارتفاعاً كبيراً جداً في نشاطها لا سيما على صعيد الفيديو..[13]

كذلك ارتفعت أرباح شركة “مايكروسوفت” بنسبة طفيفة، خلال الـتسعة أشهر الأولى من العام2020 مسجلةً زيادة نسبتها 9.5 في المئة لتسجل أرباحاً بقيمة 35.8 مليار دولار، مقابل نحو 32.7 مليار دولار خلال الفترة ذاتها من العام الماضي، ويرجع ذلك إلى ارتفاع إيرادات الشركة بنسبة 13.3 في المئة إلى نحو 110.2 مليار دولار مقارنةً بنحو 97.3 مليار دولار خلال الفترة ذاتها من العام الماضي.وبالنسبة إلى شركة “أمازون”، فقد ارتفعت أرباحها خلال أول تسعة أشهر من العام 2020 بنسبة سبعين في المئة مقارنةً بالأرباح التي حققتها خلال الفترة ذاتها من العام 2019، حيث بلغ إجمالي أرباح الشركة الأميركية نحو 14.1 مليار دولار، مقارنة بنحو 8.3 مليار دولار خلال الفترة ذاتها من العام 2019. ويعود ذلك بشكل مباشر إلى ارتفاع إيرادات الشركة بنسبة خمسة وثلاثين في المئة إلى مستوى 260.5 مليار دولار مقارنة بنحو 193.1 مليار دولار خلال الفترة ذاتها من العام 2019.[14]

“ورأى أستاذ الاقتصاد، حسني إبراهيم، أنّ “الرهان خلال العام 2021 يقع على شركات التكنولوجيا والتجارة الإلكترونية التي تمكنت من تحقيق أرقام ضخمة في ظل المخاطر الكارثية التي خلّفتها جائحة كورونا على جميع القطاعات”. وأشار إلى أنه “بينما كانت شركات السياحة والسفر والطيران تنهار، إذ أعلن بعضها الإفلاس، وتدخلت الحكومات لإنقاذ البعض الآخر، فإنّ شركات التكنولوجيا والتجارة الإلكترونية خرجت من سلسلة الأزمات الاقتصادية التي واجهت العالم في 2020 بمكاسب وإيرادات ضخمة، حيث استفادت من زيادة الإقبال على استخدام التكنولوجيا في حياة الأفراد، إضافةً إلى اعتماد شريحة كبيرة من المستهلكين على منصات التجارة الإلكترونية، ما ضاعف من أهمية هذه القطاع وعزز مكاسب وأرباح الشركات العاملة فيه..”[15]

أما بعد مرور أكثر من سنة ونصف السنة على تفشي الفيروس، فإنّ بعض شركات التكنولوجيا بدأت أسهمها وأرباحها بالتراجع، فقالت شركة نتفليكس، عملاق البث عبر الإنترنت، إن نمو المشتركين شهد تباطؤا، الأمر الذي أدى إلى تهاوي أسهمها.

واشترك نحو 3.98 ملايين شخص في نتفليكس ما بين يناير كانون/ الثاني ومارس/آذار من العام الحالي، وهو عدد أقل بكثير من النمو المتوقع المتمثل في ستة ملايين مشترك.

وقال محلل شؤون اتجاهات الأعمال على الإنترنت (تريندز)، بليك مورغان، لبي بي سي: “على سبيل المثال، في إيطاليا وإسبانيا زادت نسبة من استخدموا تطبيق نتفليكس للمرة الأولى بنسبة 57 في المئة عموماً، و34 في المئة خلال الإغلاق العام.

وتراجعت أسهم نتفليكس بنسبة أحد عشر في المئة في تعاملات ما بعد الإغلاق، لتستقر عند 489.28 دولار أمريكي، الأمر الذي أدّى إلى تناقص رساميل الشركة في السوق بنسبة خمسة وعشرين مليار دولار.[16]

العالم الافتراضي يتعزز

 في السياق نفسه أعلنت شركة “إتش تي سي” HTC التايوانية في (السادس من مارس/ آذار 2020) أن المشاركين في مؤتمرها حول ماركتها للواقع الافتراضي “فايف” سيتمكنون من المشاركة فيه بفضل خوذات من خلال الانغماس الافتراضي.إلا أنّ تقنية الواقع الافتراضي المكلفة لن تغزو كل المنازل، لكن “الموظفين والمستهلكين سيكونون على تماس أكبر مع هذه التكنولوجيات الناشئة” على ما يشدد موريس غرارد.وقد تسهم حالات الاستخدام الناجمة عن انتشار فيروس كوفيد-19 في زيادة الاستثمارات في هذا القطاع. ويشهد البث التدفقي من موسيقى وأفلام وألعاب، وشبكات التواصل الاجتماعي إقبالاً متجدداً أيضاً.

وتقول “دون روز كيرن” وهي مدرّسة رقص عزلت نفسها في منزلها في سان فرانسيسكو بسبب إصابتها بأعراض الإنفلوانزا “كنت سعيدة أكثر من أي وقت مضى بوجود خيارات الواقع المعزز على هاتفي. وخاصية القصص عبر إنستغرام كانت ممتازة لإبعادي عن التفكير بالحمّى التي تصيبني، والبقاء على تواصل مع الآخرين.

وفي الصين، صوّر مئات الأشخاص العاجزين عن الخروج من منازلهم أنفسهم بشكل متزامن للمشاركة في سهرات أو في حصص رقص افتراضية. وتقول لورين راين المحللة لدى “مينتل”، إنّ “حصص الرياضة المباشرة من خلال الشاشة قد تصبح شعبية جداً. وقد تلجأ النوادي إلى بث حصصها”.[17]

شركات وسائط التواصل تضاعف أرباحها ومشتركيها في الأزمة

وتقول أبحاث مركز «غلوبال ويب إندكس» لأبحاث استخدام المواقع الإلكترونية إن نسبة خمسين في المائة تقريباً من المستخدمين في الدول الغربية زادت من استخدام المواقع الإلكترونية، بما فيها وسائط التواصل الاجتماعي من أجل البحث عن الأخبار، خصوصُا فيما يتعلق عن مخاطر وباء «كوفيد – 19» وكيفية تجنبها.

شركة فيسبوك تواكب الحدث العالمي

 وفي حالة «فيسبوك»، تشير الإحصاءات إلى زيادة بلغت أحد عشر في المائة يومياً خلال شهر مارس (آذار) 2020 مقارنة بنسبة الاستخدام في الشهر نفسه من العام 2019. وكان هذا الشهر هو بداية فترة النصائح الحكومية بالبقاء في المنازل لتجنّب الإصابة بالفيروس المستجد. وتضاعفت خلال هذا الشهر استخدامات «ماسنجر» لإرسال الرسائل النصية وتلقيها كما تضاعف أيضا استخدام منصة «واتساب» خصوصاً في المناطق الأكثر تأثراً بانتشار الفيروس.

وقدم «فيسبوك» ميزة إضافية بمنافذ تجارية اسمها «فيسبوك شوبس» للاستفادة من زيادة الإقبال على التسوق الإلكتروني في ظروف إغلاق الكثير من المتاجر في فترة العزل الصحي. وعزّز الموقع فرصته للتواصل بين المجتمعات بتقديم خدمات معلومات إضافية منها «مركز معلومات كوفيد – 19» لإيصال المعلومات الصحيحة لمن يريد من المستخدمين.

ويوفر مركز معلومات «فيسبوك» عن الفيروس معلومات محلية خاصة بالمنطقة التي يعيش فيها المستخدم وفقاً لرقم الهاتف الخاص به. وهو يتضمن أحدث المعلومات المتاحة من الجهات الرسمية، بما في ذلك عدد الإصابات والوفيات محلياً وعالمياً وآخر الأخبار المتاحة.

وأقدمت إدارة «فيسبوك» على هذه المبادرة من أجل إتاحة فرصة المعلومات الصحيحة لمستخدمي الموقع، بالإضافة إلى كشف زيف أي أخبار مضللة تنشرها جهات أخرى على منصته. ويشمل مركز المعلومات أيضا فرصة للبحث عن الخدمات التي يحتاجها المستخدم حول أقرب الخدمات إليه، والمشتريات التي يحتاج إليها، وغيرها من الاستفسارات المفيدة في وقت الأزمة.

تيك توك يضاعف أرباحه وأعداد مشاركيه

 ازداد الإقبال على تنزيل تطبيق «تيك توك» الذي يوفر نوعاً من الترفيه عبر مقاطع الفيديو القصيرة. وأثبتت معادلة «تيك توك» أهميتها لجمهور المستخدمين أثناء جائحة «كوفيد – 19». ويؤكد موقع الأبحاث «سنسور تاور» أن نسبة تنزيل تطبيق «تيك توك» خلال الربع الأول من العام 2020 بلغت رقماً قياسياً جديداً بين كافة التطبيقات الجوالة مقداره 315 مليوناً. ويصل التعداد الإجمالي لمستخدمي «تيك توك» حول العالم حالياً أكثر من ملياري مستخدم.

وزاد أيضا الإنفاق الاستهلاكي عبر «تيك توك» إلى 456.7 مليون دولار، وهو مستوى يتفوق بضعفين ونصف الضعف عن معدل الإنفاق عندما كان تعداد الموقع يصل إلى1.5 مليار نسمة.

وتشغل الصين المركز الأول في الإنفاق عبر «تيك توك» بمبلغ 331مليون دولار تليها الولايات المتحدة (86.5 مليون دولار) وبريطانيا (9 ملايين دولار).

وبالطبع كان موقع «تيك توك» مشهوراً بين مستخدميه قبل “كوفيد – 19″، ولكن وصول الجائحة أسهم في انتشاره بين قطاعات أخرى من المستخدمين تتخطى فئة صغار السن التي اشتهر بينها. ومن أجل تعزيز وجوده بين الفئات الأكبر عمراً، نشر موقع «تيك توك» إعلاناً تلفزيونياً له في بريطانيا مؤخراً تحت شعار “الاستمتاع بوقتنا الحاضر”.

 والملاحظ أن نجاح «تيك توك» خلال فترة الحجر الصحي تعود في مجملها إلى مستخدميه أنفسهم الذين ساهموا عن طريق مقاطع الفيديو التي قدموها عن حياتهم اليومية ولحظات فكاهية في الترفيه عن غيرهم خلال الفترة الصعبة.

اليوتيوب يتقدم بصورة واضحة

 في حالة يوتيوب، موقع مشاهدة الفيديو الشهير، زاد الإقبال على المشاهدة خلال الربع الأول من العام 2020 كما خالف الموقع التوجه السائد في المواقع الأخرى وذلك بزيادة الإعلانات عليه بنسبة عالية. وكشفت إحصاءات الموقع زيادة الإيراد الإعلاني خلال الربع الأول من العام 2020إلى أربع مليارات دولار مقارنة بثلاثة مليارات دولار خلال الفترة نفسها من العام 2019.[18]

خاتمة

 في نهاية هذا البحث لا بدَّ من استخلاص بعض النتائج التي قد تفيد في الكلام على دور وسائل الإعلام، ووسائط التواصل في مقاربة الجائحة التي عصفت بالعالم ومنها أنّ المرحلة لأولى شاب وسائل الإعلام ارتباك واضح في تغطية الجائحة، لانّ المعلومات عنها كانت ضعيفة، فاكتفت بنشر التوصيات والنصائح بالتباعد الاجتماعي وسبل الوقاية. ولكن في المراحل المتقدمة أصبحت وسائل الإعلام أكثر حضوراً وحرفيةً بسبب امتصاص الصدمة أولاً، وبسبب لجوء الجمهور إليها كمصدر موثوق للأخبار ثانياً، بعدما انتشرت الشائعات والمغالطات والخرافات ونظريات المؤامرة وغيرها بين الناس وعبر وسائط التواصل الاجتماعي. لذلك عزّز انتشار الفيروس، وهلع الناس من ثقة وسائل الإعلام التي تراجع حضورها في السنوات السابقة بسبب انزياح الجمهور نحو وسائط التواصل الاجتماعي.

 أما بالنسبة إلى وسائط التوصل الاجتماعي فقد خاضت تجربة جديدة مع انتشار لفيروس، هذه التجربة شابها الكثير من الأخطاء، ولكنها بعد فترة قصيرة نظّمت نفسها وتأقلمت مع الواقع الجديد، بل إنها حوّلت التهديد إلى فرصة، فزادت من خلالها أعداد المشاركين والمتفاعلين معها ملايين الناس عبر العالم، ما زاد من أرباحها بمليارات الدولارات.

وبما أنّ عصر الفيروسات لن ينتهي مع جائحة كوفيد19 ؛ وقد تكون تلك بداية لهذا العصر؛ فإنّ الإفادة من التجربة السابقة سيكون مؤثّراً وفاعلاً وحاضراً في أي استحقاق قادم على مستوى المعمورة.

إقرأ أيضا: ما بعد كورونا: مستقبل النظم الصحية ـ الفرص والتهديدات، الرابط البديل


الهامش

[1] – يوسف يعكوبي، وسائل الإعلام ما بعد أزمة “كوفيد 19”.. المستقبل يبدأ الآن، مجلة الصحافة، معهد الجزيرة للإعلام.6/12/2020

[2] – كيف استجابت وسائل الإعلام لـ “الوباء المعلومات “،الميادين نت 3/3/2021

[3] – شادي عواد، دور وسائل التواصل الاجتماعي في زمن كورونا، صحيفة الجمهورية اللبنانية، 29/4/2021

[4] – كيف استجابت وسائل الإعلام لـ “الوباء المعلومات “، الميادين نت 3/3/2021

[5] – يوسف يعكوبي، وسائل الإعلام ما بعد أزمة “كوفيد 19”.. المستقبل يبدأ الآن، مجلة الصحافة، معهد الجزيرة للإعلام.6/12/2020

[6] – كيف استجابت وسائل الإعلام لـ “الوباء المعلومات “، الميادين نت 3/3/2021

[7] – وسائل الإعلام بين النقل الموضوعي أو إثارة الهلع بشأن كورونا، شبكة الصحفيين الدوليين.31/3/2020

[8] – DW 2020

[9] – موقع هيئة الإذاعة البريطانية BBC NEWS 29/3/2020

[10] -وسائل التواصل الاجتماعي.. في أثر متاهة المعلومات العربي الجديد 10/12/2020

[11] – كوين بوستينز، إبريل 2020المعهد الديمقراطي الوطني، NDIخطة التعامل مع الأزمة، دلبل عملي للسياسيين للتعامل مع جائحة فايروس كورونا/كوفيد 19

[12] — خالد المنشاوي، إندبندنت عربية،الرابحون من أزمة كورونا” التجارة الإلكترونية تنتظر عاماً استثنائياً في العام 2021   

[13] – واشنطن: “الشرق الأوسط أونلاين” عمالقة التكنولوجيا في زمن «كورونا»: أرباح هائلة وتشكيك متزايد 25/7/2020

[14] – خالد المنشاوي، اندبندنت عربية،الرابحون من أزمة كورونا

[15] – خالد المنشاوي، اندبندنت عربية،الرابحون من أزمة كورونا” التجارة الإلكترونية تنتظر عاماً استثنائياً في العام 2021    20/12/2020

[16] – بي بي سي ( BBC NEWS) نيوز عربي نتفليكس: انخفاض في أسهم الشركة وسط مخاوف من انتهاء الطفرة الاقتصادية الناجمة عن فيروس كورونا 21 أبريل/ نيسان 2021

[17] – التكنولوجيا في زمن كورونا.. وسيلة لتخفيف وطأة الحجر الصحي موقع DW آذار 2020

[18] -كيف غيّر «كورونا» استخدامات وسائل التواصل الاجتماعي؟ الاثنين – 6 ذو الحجة 1441 هـ – 27 يوليو 2020 مـ رقم العدد [ 15217]

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close