قلم وميدان

رأس المال البشري في المؤسسات الرشيقة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

بينما كانت شركة آبل في العام 1997 م على شفير الإفلاس لم يكن أمام مجلس إدارتها إلا أن يراجع سياساته ويتدارك خطأه الكبير باستبعاد ستيف جوبس أحد مؤسسي الشركة من مجلس الإدارة، وعلى الفور كان القرار بإعادة التواصل مع العبقري الفذ الذي قال حينما سألوه عن أسلوب إدارته في شركة آبل فأجاب بكل بساطة: “نحن نحضر خبراء ومحترفين في كل المجالات حتى يخبرونا عما يجب أن نفعله لا لنخبرهم ماذا يفعلون.” كان إيمان الرجل العميق بقدرة البشر على إحداث الفارق هو أهم عوامل نجاح هذا العملاق الكبير في سوق الاتصالات والتكنولوجيا حتى وصلت القيمة السوقية لشركة آبل مع مطلع العام 2018 لنحو 940 مليار دولار بينما لا تتجاوز ميزانيات بعض الدول معشار هذا الرقم.

وبينما كانت شركة IBM  تتهاوى في بداية تسعينيات القرن الماضي وتعاني الإفلاس والديون المتراكمة، كان استدعاء لويس جير ستنر لقيادة الشركة وإنقاذها من معاناتها بل وإنقاذ مئات آلاف من البشر من مصيرهم الأسود الذى ينتظرهم بإغلاق الشركة وتسريح العاملين بها. بدأ (جير ستنر) عمله وهو يردد مقولته الشهيرة: “أعتقد أنه لا يوجد وظيفة أسوأ من هذه؛ فلا أحد في العالم يمكنه قبول هذه الوظيفة” في خلال سبع سنوات كانت IBM  تنتقل لمصاف الشركات الأكثر ربحية في العالم وبلغت أرباحها في عام 2001 حوالي 8 مليارات دولار وتخلصت تماما من ديونها.

ولما سُئل (جير ستنر) عن قدرته على تغيير ثقافة العاملين بالشركة وإعادة اكتشاف نقاط قوتها قال “إن شركةIBM  تزخر بالعديد من المواهب والكفاءات ولكنها كانت تحتاج إلى من يطلق لها العنان حتى تبدع”. إنها ببساطة قصص النجاح التي تحكي لنا عن قدرة البشر على التغير، هؤلاء البشر الذين يمثلون الثروة الحقيقية لأي مؤسسة ينتمون إليها، ولعلي لا أذيع سراً حينما أخبركم أن القيمة السوقية لخمس شركات مجتمعة (آبل – ألفابت – مايكروسوفت – أمازون – فيس بوك) تفوق إجمالي الناتج المحلي في بريطانيا وتفوق اقتصاد أي دولة في العالم ما عدا أمريكا والصين. وليس هناك شك أن قيمة البشر في هذه الشركات هي التي تصنع الفارق وتحقق المعجزات.

وفق تصنيف مجلة فوربس لعام 2015 بلغت قيمة نادى ريال مدريد الإسباني 3.65 مليار دولار بينما حل نادى برشلونة وصيفا له بقيمة 3.50 مليار دولار تمثل قيمة اللاعبين فيها أكثر من 40%. نعم يا صديقي إنها مليارات وليست ملايين.

الإدارة في المؤسسات الرشيقة تدرك تماما قيمة ما لديها من ثروات بشرية وتستطيع الحفاظ عليها وتنميتها وتطويرها.

وفى عصر المؤسسات الرشيقة بات العنصر البشرى هو أغلى ما تملك هذه المؤسسات، ولا مانع من إلمام عضو فريق العمل بمهام أصدقائه الآخرين بنفس الفريق مع الحفاظ على تخصصه، وذلك على عكس الإدارة التقليدية التي قد تقف عند حدود التوصيف الوظيفي وتحجيم الموظف في إطار ضيق ومحدود من المهارات.

للأسف الشديد نجد كثيراً من أصحاب الأعمال لا يدركون قيمة الثروة التي بين أيديهم، بل ويفتقدون الإحساس بهذه النعمة وهي قيمة العاملين والموظفين لديهم، بل إنهم في لحظة تكبُّر يتوهمون أن هذه الأصفار المتعددة في أرقام ارباحهم وأرصدتهم بالبنوك جاءت من نتاج فكرهم وحدهم ويهملون شركاء النجاح، بل وقد يقذفون بهم خارج أسوار شركاتهم وقتما شاؤوا وهم لا يدركون حجم الخطأ والخسارة التي قد تحل بهم برحيل هؤلاء.

شركاء لا أُجراء

في أحد الحوارات مع نائب رئيس شركة LG   في كوريا الجنوبية قام المذيع بسؤاله بشكل مباشر: لماذا لا نرى شركات عالمية في المنطقة العربية مثل تلك الموجودة في كوريا الجنوبية مع وفرة الموارد في الوطن العربي وندرتها في بلادكم؟ فأجاب الرجل بكل وضوح: يا سيدي، إنكم لا تثقون ببعضكم البعض، إنكم عاطفيون ولستم علميين، إنكم تعتمدون الثقة أكثر من الكفاءة! فكيف لكم أن تنافسوا شركات عالمية وغاية ما يمكن تفويضه في المناصب عندكم أن تكون المناصب العليا في شركاتكم لأبناء العموم إن لم يكن لأصحاب الشركة أبناء يتولون المسؤولية عنهم؟!

نحن بكل بساطة لدينا موروثات ثقافية طغت على سلوكنا الإداري بشكل كبير وننطلق في إدارتنا للشركات من مفاهيم مغلوطة تجعل الجميع اُجراء عند أصحاب رأس المال والمستثمرين، ولا نحسن في العموم التعامل مع الكفاءات والخبرات وأهل الاحتراف.

لقد كان مشهد صديقي الموظف الكبير في إحدى الدول العربية وهو يتعجب ويضحك بصورة هيستيرية مثيرا للشفقة؛ فبعدما انتهي للتو من اجتماعه مع مرؤوسيه لمناقشة خطط العمل للعام الجديد وعودته لمكتبه وجد خطابا على مكتبه يحتوي على قرار إقالته من قبل الرئيس التنفيذي للشركة، وحينما حاول الدخول إلى بريده الإلكتروني ليرسل رسالة الوداع الأخيرة إلى زملائه وجده مغلقا وليس لديه أي صلاحية للتعامل مع الحاسب الموجود على مكتبه! هكذا دون مقدمات أو توضيح أو حتى مراجعة بينما كان بالأمس يجتمع مع الرئيس التنفيذي وكان الأخير يشيد بأداء صاحبي المتميز فعلاً.

قصص من المعاناة يرويها أصحاب الكفاءات والتخصص والاحتراف طالما أنهم مازالوا موظفين حتى وإن علا شأنهم في وظائفهم وتبوأوا أعلى المناصب فإنهم في النهاية معرضون للإقالة بجرة قلم لا أكثر.

أي أمان وظيفي وأي انتماء نرجوه لشركات ومؤسسات لا تدرك قيمة الثروة التي تحت أيديها؟! ولذلك دائما ما أتذكر دعاء صديقي الذي كانت غاية أمانيه العملية أن يتحرر من قيد الوظيفة وكان دائما يردد ويقول اللهم لا تجعلنا من أصحاب العقول المسخرين لأصحاب الحظوظ.

لقد آن الأوان أن تتغير ثقافة التعامل مع المورد البشري وتغيير هذه النظرة الأحادية من جانب أصحاب رؤوس الأموال وإدراك القيمة الحقيقية لشركاء العمل والبحث عن القيمة المضافة التي يحققها هؤلاء في مجال أعمالهم.

لقد آن الأوان للانتقال من منطقة التفكير الانتهازية لدى المديرين وأصحاب الشركات إلى منطقة المكاسب المشتركة (Win & Win Situation ) وإدراك احتياجات الموظفين والعمل على تنمية قدراتهم وإتاحة الفرصة لهم للتعبير عن رغباتهم وإدراك أهدافهم من العمل.

حكى لي أحد الأصدقاء المجتهدين جدا في عملهم أن شركته أرادت أن تكرمه في أحد الأعوام بوصفه الموظف المثالي بالشركة، وكانت مفاجأة مذهلة بالنسبة له يوم حفل التكريم حيث دعت إدارة الموارد البشرية بالشركة زوجته للحضور وقامت بتكريمها ومنحها مكافأة مالية كبيرة تقديرا لدورها في تحفيز زوجها ودفعه للنجاح في عمله. وقال لي صديقي: لقد أصبح كل من بالبيت لديهم نفس الولاء لشركتي.

هي لغة لا يدركها كثيرا أصحاب المؤسسات والشركات وخصوصا في منطقتنا العربية.

الموظف المليونير

لم يتخيل هذا الشاب الثلاثيني الذي كان يقف أمام مركز توزيع المعونة في أمريكا أنه سيتحول إلى ملياردير بين عشية وضحاها؛ فحينما بدأ (جان كوم) في التفكير بعمل برنامج إرسال رسائل قصيرة حتى يستطيع مراسلة والده في أوكرانيا بأقل التكاليف لم يكن طموحه سوى أن يوفر على نفسه وعلى والدته مصاريف الاتصال بوالده فقام بعمل برنامج WhatsApp  وكانت المفاجأة بأن أصبح هذا البرنامج هو حديث العالم وتهافتت الشركات لتوقيع العقود معه، ولم يتخيل تلك اللحظة في حياته حينما اتصلت به شركة  Facebook  ليخبروه عن رغبتهم في التعاقد معه لشراء برنامجه وتم التعاقد معه على شراء البرنامج بمبلغ تسعة عشر مليار دولار.

لم ينس (جان كوم) هذه الكوكبة التي عملت معه طوال السنوات ليخرج برنامج WhatsApp إلى النور وحينما انتهى من توقيع العقد كان من شروطه انتقال الموظفين السابقين للعمل في شركة Facebook ضمن الصفقة، وقام بتوزيع جزء من الصفقة على هؤلاء الموظفين فكان نصيب كل موظف ما يزيد عن 350 مليون دولار وكان عددهم 55 موظفا ولكنه اعتبرهم شركاء وليسوا أجراء.

نظرية رأس المال البشري

كان (ثيودور شولتس) واضحا حينما وضع يده على مكمن الخطورة ونقطة الانطلاق نحو التنمية وأعلن أن رأس المال البشري هو أحد أهم مكونات رأس المال المجتمعي والذي يجب الحفاظ عليه، بل وهاجم علماء الاقتصاد التقليديين وقال: إن من أكبر الأخطاء التي يقع فيها المحللون الاقتصاديون في عملية التقييم الاقتصادي لأي منشأة هي تجاهلهم لرأس المال البشري.” وانطلق شولتز نحو تعميق هذا المفهوم حتى تبلورت نظريته التي نقلت قضية التعليم من مجرد قضية خدمية إلى نطاق استثماري يجب الاهتمام به لتنمية رأس المال البشري. وقد أثبت شولتز من خلال أبحاثه التي تركزت على الزراعة أن كفاءة الإنتاجية الزراعية لا تتوقف على خصوبة التربة ووفرة المياه قدر اعتمادها على الكفاءة البشرية والقدرة على التميز في الأداء وطرح الأفكار غير التقليدية في التنفيذ.

وكان ذلك بداية لانطلاق المفهوم الأوسع والأشمل لما بات يُعرف برأس المال الفكري الذي أصبح يمثل ثروة تراكمية لدى المؤسسات والهيئات يتم وضعها ضمن قيمة المؤسسة أو المنشأة.

وأصبحت الشركات تُقيّم بحجم ما تملكه من كفاءات بشرية محترفة وكذلك موارد معرفية متنوعة تنبع من ثقافة المؤسسة وسجل أنشطتها فيما يعرف الآن بالأصول المعرفية للمؤسسة. ويتكون رأس المال المعرفي للمؤسسات من ثلاثة عناصر يوضحها الشكل التالي:

ومن هذا المنطلق تحولت الشركات إلى مراكز لإعداد الكفاءات البشرية وتبادل المعرفة والخبرات، بل هي بمثابة مدارس إعداد الكفاءات ورعايتها إيمانا منها بقيمة البشر والاستثمار فيهم.

إن قضية رأس المال البشري في المؤسسات تحتاج من الجميع إعادة النظر وإدراك الثروات الحقيقية في المؤسسات وخصوصاً في عصر الثورة المعرفية والمؤسسات الرشيقة. يجب على الجميع الاهتمام برأس المال البشري وتطويره وتقديره التقدير المناسب.

ولعلنا نركز في مقال قادم على أهم طرق استقطاب رأس المال البشري الجيد وتنميته حتى نصل إلى أعلى مستوى من الكفاءة في مؤسساتنا وهيئاتنا.

المراجع:

  1. كتاب (من قال إن الأفيال لا تستطيع الرقص؟) لويس جير ستنر
  2. كتاب (الاستثمار في رأس المال البشري) ثيودور شولتس
  3. مجلة الفوربس
  4. مجلة الجارديان النسخة الدولية
  5. الجزيرة الوثائقية https://www.youtube.com/watch?v=jQhxbQj_I-U (*).

(* ) الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. ماشاء الله مقال مفيد جدا ولكن كيف نصل الي تحقيق الثقة الكاملة بين ا الادارة والموظف بحيث يعطي الموظف كل ما لديه من أفكار ومجهود وان تلبي الادارة متطلبات الموظف الحياتيه علي الأقل

  2. من المقالات المحفزة لاستيعاب ثروتنا البشرية المنتشرة في المعمورة ماعدا بلادنا المريضة بأمراض التوريث في كل شيء
    شكرا اخي عبدالعزيز على هذا المقال الرائع

  3. بارك الله فيك مقال جد رائع و أثارتني نقطة مهمة وهي المقارنة بين رأس المال البشري في كوريا الجنوبية و في المنطقة العربية صدقا في دولنا العربية لا نهتم بمن يقدم و طريقة تقديمه لانه في الغالب من يكون الافضل يظل في الاسفل اما اصحاب المعارف و المتملقين يكونون في الأعلى لذلك لا نتفدم الا للوراء. شكرا لكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *