الحركات الإسلاميةتقارير

راند: الاستراتيجية الأميركية تجاه حركة شباب المجاهدين

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

الفهرس

تمهيد:

أولا: الصومال المتصارع عليها

ثانيا: حركة الشباب المجاهدين.

ثالثا: الاستراتيجية الأمريكية في محاربة حركة الشباب

1-استراتيجية التدخل غير المباشر

2- استراتيجية التدخل القوي

3- الاستراتيجية الثالثة والمعتمدة أمريكياً للتدخل العسكري في الصومال

نماذج تطبيقية على استراتيجية التدخل وفق متطلبات الأمر القائم

مخاطر الاستراتيجية

رابعا: إدارة ترامب واستراتيجية قتال الجهاديين.

خامسا: عوامل إضعاف حركة الشباب..

سادسا: توصيات دراسة راند

خلاصة


تمهيد:

“استراتيجية مكافحة الإرهاب والتمرد في الصومال” هي دراسة أصدرتها مؤسسة راند الأمريكية.. تتناول فيها “حملة مكافحة “الإرهاب” و”التمرّد” الموجَّهة ضد حركة الشباب في الصومال، وتستنتج أنّه بالرغم من تبديد جهود حركة الشباب في الفترة الممتدة من العام 2011 إلى 2016 ، إلا أنّ المجموعة لم تنهزم على الإطلاق بل قد تستعيد قواها ما لم تُتخذ ما وصفتها الدراسة بـ”الخطوات العاجلة”1 . تقدم الدراسة قراءة في تاريخ التدخل العسكري الغربي والأمريكي بشكل خاص من بعد سقوط نظام سياد بري أوائل التسعينات، وتذكر المراحل التي مرت بها حركة الشباب المجاهدين، وتستعرض الاستراتيجيات المختلفة لأسلوب الولايات المتحدة في التدخل العسكري، ثم تُرجح الاستراتيجية الأفضل والأنجح للقضاء على الجهاديين في الصومال.

ونُقدم هنا قراءة لأهم العناصر الواردة في هذه الدراسة المهمة، مع تحليل لأبرز الأفكار والأساليب والتوصيات الواردة فيها، ويرجع اختيارنا لإفراد قراءة لهذه الدراسة لكونها تصلح نموذجاً متكاملاً ومذكرة تقييمية لحرب الولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً وحلفائها عموماً على “الحركات المتمردة” التي تستهدف مصالحها متمثلة هنا في أحدها وهي حركة الشباب بالصومال، لذلك فهي بمثابة رصد لتجربة متكاملة تصلح أن تكون نموذجاً للاستراتيجية الأمريكية في الحرب على الجماعات الجهادية، والخطوات التي تسلكها للقضاء على حركات التمرد المشابهة في البلاد المختلفة.

أولا: الصومال المتصارع عليها

في عام 1992 إلى 1995م، نشرت أمريكا قواتها مع قوات دولية أخرى بحجة “وقف إطلاق النار في مقديشو”، و”مواكبة قوافل الإمدادات الإنسانية” و”توفير بيئة آمنة في الصومال”، كما تزعم دراسة راند2 . ولقد مُنيت الولايات المتحدة بهزيمة منكرة في الصومال وجُرَّت جثث الجنود الأمريكيين بالحبال في شوارع الصومال وتراقص أطفال صوماليون على حطام طائرتين بلاك هوك أُسقطا بقذائف صومالية،  وارتدى أطفال آخرون ملابس وقبعات الجنود الأمريكيين الثمانية عشر الذين سقطوا قتلى3 .

كانت القوات الأمريكية تستهدف بشكل أساسي قوات الجنرال الصومالي محمد فارح عيديد، وقد ذكر الصحفي عبد الباري عطوان أن أسامة بن لادن أخبره أن العرب الأفغان أنصاره كانوا “متورطين” في الكمين الذي نُصب في العام 1993 للقوات الأمريكية في العاصمة مقديشو، وقال له بن لادن: “لكن عيديد أنكر مسؤوليته، ولم يكن يكذب، لقد حققنا انتصارات مهمة في معارك ألحقت خسائر هائلة بالأمريكيين وفتكنا بهم في مقدشيو”4 . وقد ذكر عطوان أن عملية مقديشو نُفذت تحت إمرة أبي عبيدة البنشيري القائد العسكري لتنظيم القاعدة5 .

تلك الهزيمة التي حاولت الأدبيات الأمريكية تحسينها بع ذلك بصورة متعددة، أبرزها كان فيلم سقوط الصقر الأسود (Black Hawk Down) الذي أنتج عام 2001، وكان للهزيمة بُعد آخر جدير بالذكر وهو ما بدا كمحاولات انتقامية على إثر هذه الهزيمة وهو ما تجلى في القصف المتجدد من حين لآخر لمناطق صومالية تحت زعم وجود جهاديين بها، ولكن شهدت أكثر من واقعة سقوط مدنيين بسبب هذا القصف الأمريكي، آخرها خلال الشهر الجاري 10-5-2018 حيث سقط خمس مزارعين ضحايا لغارة أمريكية 6.

وذكرت منظمة العفو الدولية في تقرير الصومال 2017/2018، سقوط ثلاثة مدنيين في غارة أمريكية أخرى، وبهذا ترتد تهمة “استهداف المدنيين” التي تتهم بها الحركة على الولايات المتحدة ذات نفسها أيضاً.

في دراسته “لماذا تهتم أمريكا بالصومال”، يرى أليسون فيديركا أن الصومال تعني الكثير للولايات المتحدة؛ لأن الساحل الشمالي للصومال يحده خليج عدن، الذي يؤدي إلى باب المندب، وهو نقطة ضيقة تمر عبرها جميع حركة النقل البحري من البحر المتوسط ​​إلى المحيط الهندي، وتجنب هذا المضيق سيأخذ كل البضائع من الخليج الفارسي -بما في ذلك النفط- حول القارة الأفريقية بأكملها للوصول إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية، كما تعد أيضًا ساحة انطلاق قيّمة للأساطيل البحرية لتوصيل الطاقة إلى شبه الجزيرة العربية. يقول الباحث إن واشنطن تفهم أنها لا تملك الموارد أو رأس المال السياسي للتدخل كل حرب في العالم. لكن لا يزال يتعين عليها أن تكون نشطة في أماكن مثل الصومال لحماية مصالحها العالمية. ولذلك اتبعت استراتيجية تنطوي على استخدام محدود للموارد اللازمة لتحقيق نتيجة مقبولة في مقابل الفوز الحاسم والواضح؛ فعلى مدى السنوات القليلة الماضية، طورت واشنطن بشكل انتقائي وجودًا عسكريًا في جميع أنحاء القرن الإفريقي، وجود عسكري يتميز بتكنولوجيا الطائرات بدون طيار وقوات العمليات الخاصة والتعاون مع الجهات الإقليمية الأخرى7 .

فالهدف إذن، على خلاف ما تزعم دراسة شبكة راند من أنه: العمل الإغاثي والمساعدات الإنسانية، بل هناك أهداف اقتصادية وسياسية تحققها أمريكا بوسائل عسكرية، لتستطيع إبقاء الممرات البحرية العالمية قبالة القرن الأفريقي مفتوحة وآمنة للمرور وإبقاء حركة الشباب في الجنوب مفصولة عن الشمال الاستراتيجي بالصحاري الشاسعة وبنية النقل التحتية الضعيفة، وذلك عن طريق التدخل العسكري وتدريب وتقوية حلفائها.

ثانيا: حركة الشباب المجاهدين

تعد حركة شباب المجاهدين -رغم جميع الانتقادات لها- امتداداً لحركة المقاومة الصومالية للمحتل الغربي والكيني والإثيوبي، إذ إنها تحارب بصورة أساسية الوجود الغربي والأفريقي الأجنبي في البلاد، وتنطلق في قتالها لقوات الجيش الصومالي ومسؤولي الحكومة الصومالية بصفتهم عملاء للمحتلين (من وجهة نظرها).

الصومال بلد مسلم ١٠٠٪؜ ومذهبه سني شافعي وطريقته صوفية إلى أوائل الستينيات، حينها كان الطلاب الصوماليون يسافرون إلى مصر للدراسة بالأزهر، في الستينيات بدأ بعض الطلاب في الذهاب إلى المملكة العربية السعودية، وبعد عودتهم بدأوا ينشرون السلفية وتعرضوا لانتقادات شديدة من عموم الناس، كانت الحالة السياسية في الصومال في ذلك الوقت مستقرة بعد أن نالت الاستقلال سنة ١٩٦٠، لكن الأمور اشتعلت مع الاتجاه العلماني القمعي لسياد بري، والذي وصل إلى أن أعلن عام ١٩٧٧ في خطبة اشتهرت بقانون الأسرة: “ليس في القرآن ما يسمى بالنصف ولا بالربع وإنما المرأة مثل الرجل”، وقف له علماء الصومال، الصوفية والسلفيون، وبعد ذلك أعدم سبعة من كبار العلماء في تجمع كبير، وكانت هذه الحادثة فارقة عند الصوماليين، وانتشر الفكر السلفي أكثر بعودة طلاب كثر من السعودية. عُرف السفليون في الصومال باسم (الاتحاد – الإخوان)، في تلك الفترة كانت هناك ترتيبات لقيادات الاتحاد لإقامة دولة إسلامية في الصومال، وكانت بعض عناصر المجاهدين قد وصلت من أفغانستان فأنشأوا معسكرات للتدريب في مدينة كسمايو في الجنوب، وكان السلفيون عموماً في ذلك الوقت عبارة عدة أفكار مجتمعة، ما بين سلفية علمية دعوية، وإضافة إلى الفكر السلفي الجهادي، فمع الاحتلال السوفييتي لأفغانستان بدأت الحركة الجهادية العالمية الحديثة في التشكل في هذه البلاد، فتوافد مسلمون من عدة أقطار للمشاركة في إخراج المحتل الروسي من أفغانستان، ولم تكن الصومال بمنأى عن ذلك إذ انتقل صوماليون إلى أفغانستان يحملون نفس الهدف، ثم عاد أولئك المقاتلون وأصبحوا لاحقًا من مؤسّسي حركة الشباب8 .

بعد هزيمة القوات الأمريكية وانسحابها توسّع نطاق حركة الاتحاد وتوجّهت خصوصًا إلى أهداف إثيوبية لكن سرعان ما ووجهت بعمليات عسكرية إثيوبية وعشائرية وحدثت خلافات في صفوفها. ثم سافر جيل ثان من الجهاديين إلى أفغانستان في عهد طالبان، وتفاقم الانقسام بين جنرالات الحرب وقادة العشائر في الصومال الذين حكموا البلاد، وتبلور “اتحاد المحاكم الإسلامية”، وهدفها تأسيس مجتمع إسلامي، وبالتالي توحيد البلاد تحت راية الإسلام بدلاً من مبايعة زعماء العشائر، ووُجد في صفوف اتحاد المحاكم جهاديون ممن سافروا سابقاً إلى أفغانستان، وبعد سقوط نظام طالبان رجع جهاديون صوماليون إلى بلادهم. شكلت التنظيمات التي أصبحت لاحقًا تُعرَف بحركة الشباب، شبكة بسيطة تتضمن حوالي 30 عنصرًا أساسيًا من بينهم مقاتلين قدامى أفغان وأعضاء سابقين في حركة اتحاد المحاكم الإسلامية وباقي عناصر تنظيم القاعدة في منطقة شرق أفريقيا، وكان ذلك التأسيس عام 2005. وفي العام التالي 2006 تولى اتحاد المحاكم الإسلامية الحكم بعد انتصاره على تحالف حفظ السلام المدعوم أمريكياً، وفي العام نفسه أعلنت حركة الشباب انشقاقها عن اتحاد المحاكم، وانضم مئات المقاتلين إلى الشباب9 .

وقد كانت هزيمة المحاكم أمام مسلحي الحكومة الصومالية المؤقتة المدعومة من طرف الجيش الإثيوبي وانسحاب قيادتها خارج الصومال، وتحالفها مع المعارضة الصومالية في مؤتمر أسمرا المنعقد في سبتمبر 2007، من أكبر الأسباب وراء انشقاق حركة الشباب الصومالية عن المحاكم متهمة إياها بالتحالف مع العلمانيين والتخلي عن الجهاد في سبيل الله10 .

اجتاح الجيش الإثيوبي الصومال بدعم أمريكي، وأطاح باتحاد المحاكم والشباب عن الحكم وسيطر على العاصمة، وقد أثار ذلك سخط الصوماليين، وفي يناير التالي دخلت أيضاً قوات الاتحاد الأفريقي المدعومة أمريكياً بحجة حفظ السلام في مقديشيو 11.

رَكّزت حركة الشباب في بدايات عام 2007 -كما تذكر الدراسة- على تعزيز هيكلها التنظيمي، وإعادة تسليح صفوفها المنتشرة في جنوب الصومال، كذلك رسّخت الشباب وجودها على شبكة الإنترنت وعزّزت إمكانياتها في تجنيد العناصر وتحصيل الدعم المالي. وكثَّفت حركة الشباب مساعي التجنيد في عام 2007 بالاستناد إلى حوافز عدة أهمّها ازدياد الانشقاقات بين العشائر، وتنامي الأصوات المعارِضة للقوات الإثيوبية، وتفاقم الفساد في الحكومة الاتحادية الانتقالية. واستقبل الصومال حشودًا من المقاتلين الأجانب (بما فيهم أمريكيون قدّرتهم الدراسة بأربعين فيما بين 2007 و2010) لمقاومة الاحتلال الإثيوبي. وازدادت الحركة شعبيةً لقدرتها على تطبيق العدالة وحلّ النزاعات العشائرية، وفي أغسطس 2008 سقطت مدينة كيسمايو في يد الشباب وعلى مدى عدة أشهر تالية أحرزت “الشباب” تقدّمًا باتجاه الشمال، محقّقة انتصارات على القوات الإثيوبية في المناطق الساحلية أمّا في شمال غرب مقديشو، فقد واجهت قوات الشباب هجمات الحكومة الصومالية والإثيوبية في بلدات عدة، وفي أثناء تلك الاشتباكات العسكرية، اعتمدت الشباب على استراتيجية العصابات مستعينة بموارد عسكرية وسياسية بهدف تعبئة الشعب الصومالي وتنفيذ استراتيجية الكر والفر، وتقويض عزيمة الحكومة على القتال، وفي نوفمبر 2008، سقطت مدينة مركا التي تبعد ستين كيلو مترا فقط جنوب مقديشو، في أيدي مقاتلي الشباب12 .

خريطة توضح مناطق سيطرة الحركة باللون الأحمر في أوج انتصاراتها أواخر عام 2008 وبداية 2009، مصدر الصورة: Long War Journal ، 2-2-2009.

عقب انسحاب القوات الإثيوبية في العام 2009 اتّسع نطاق نفوذ حركة الشباب وسيطرت على عدة بلدات وموانٍ، وبحسب بعض التقديرات كما تذكر الدراسة، تمكنت الشباب من تحقيق إيرادات بقيمة مليون دولار على الأقل في اليوم الواحد، ثم شنّت غارات على كينيا بسبب تأييدها حكومة الصومال، وصرح قائد الحركة بنيته الاندماج مع تنظيم القاعدة. وقد فشلت “الشباب” في ترسيخ سيطرتها على الأقاليم التي كانت تحت نفوذها، وتذكر الدراسة أن ذلك بسبب لجوئها إلى تجنيد أعضاء جدد لم يتمكنوا دومًا من الالتزام بأهدافها طويلة الأمد، ونشأت الانشقاقات بين قادة الحركة، وتورطت في نزاعات متكرّرة مع الجماعات المسلّحة الأخرى، بما فيها الميليشيات العشائرية وتنظيم أهل السنة والجماعة. وبتاريخ 9 يوليو 2010 أصدرت “الشباب” بيانًا دَعَتْ فيه الجهاديين إلى تنفيذ هجوم على سفارات أوغندا وبوروندي في مختلف بلدان العالم لمشاركتهما في قوات بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال، وبعد يومين فجّر أعضاء الحركة أحد المقاهي بأوغندا أسفر عن مقتل 76 مدنيًا، وردًّا على الهجوم، وافق الاتحاد الإفريقي على تمديد ولاية قوات بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال، مع تعديل مهامها من مجرّد حفظ السلام إلى إحلال السلام، وأجاز لها الانخراط باشتباكات مباشرة مع حركة الشباب، وشرعت الحركة في التقهقر بعد النفوذ الواسع السابق، وذلك بداية من النصف الثاني لعام 2010، وشهدت خلافات داخلية، وانتقدها زعيم القاعدة أسامة بن لادن لتنفيذها عمليات قُتل فيه مسلمون بدون مسوِّغ. في الفترة الممتدة بين فبراير ومايو 2011 شنّت قوات بعثة الاتحاد الأفريقي المدعومة أمريكياً وميليشيات صومالية بدعم كيني وإثيوبي سلسلة هجمات استهدفت معاقل الحركة، مما أضعفها، وفي أغسطس 2011 أعلنت انسحابها من العاصمة، ثم بدأت سلسلة من العمليات المسلحة وخاصة العمليات “الانتحارية”، وفي 14 أكتوبر شنت كينيا حربا على الحركة بجنوب الصومال مما أضعفها أكثر وجعلها تعلن الحرب على كينيا باستهدافها بعدة عمليات في أراضيها لاحتلالها الصومال، وفي فبراير 2012 أعلنت الحركة انضمامها إلى تنظيم القاعدة. وفي 28 سبتمبر من العام نفسه طُردت الحركة من كيسمايو13 .

تزايدت الخلافات الداخلية في صفوف الحركة، ففي نفس العام (2012) نشر أبو منصور الأمريكي (عمر حمامَي وجنسيته أمريكي وقيادي بالحركة) شريط فيديو هاجم فيه بعض قادة الحركة والاستراتيجية العسكرية لها، واتّهمها بتهميش المقاتلين الأجانب، وحاولت الحركة قتل حمامّي في مناسبات عدة وقد تمكنت من ذلك في نهاية المطاف. ثم أصدر قادة عدة في الحركة فتوى تقضي بإلغاء ولائهم للأمير (جودان) لأنه خالف القرآن باستهداف المعارضين في الحركة. ووجّه القيادي إبراهيم الأفغاني رسالة إلى أيمن الظواهري اعترض فيها على تولّي جودان قيادة الحركة، وفي صيف 2013 نشأت عن تلك الأجواء المشحونة اشتباكات عنيفة بين الموالين لجودان وبين الموالين لمختار روبو وأويس وشونجول، ثم قُتل الأفغاني واتّهم روبو القائد جودان بتقاعسه عن حماية المسلمين وعدم احترامه المسلمين الآخرين، كما أدانه بتهمة العمل بصفة جاسوس أمريكي14 .

تمكن بعض عناصر الشباب من اتخاذ ملاذ له في كينيا وأوغندا وتنزانيا وإثيوبيا والدول شبه المستقلة في شمال الصومال، وعانت الحركة من شُح الموارد المالية، وتراجع القدرة على التجنيد، وخسارة الدعم الشعبي. بدأت الحركة بعد تلك الهزيمة الساحقة عمليات مسلحة عشوائية دون السيطرة على الأرض، فنجحت الشباب في تنفيذ اغتيالات وهجمات “انتحارية” متعددة، أبرزها محاولة اغتيال رئيس جمهورية الصومال في سبتمبر 2013. سيطرت الحركة على بعض المناطق القليلة عام 2015، وجمعت الضرائب من مزارعيها والقائمين بالأنشطة التجارية فيها، إضافة إلى عمليات التهريب عبر الموانئ المطلة على المحيط الهندي. تقول الدراسة: “صحيح أنّ القوات الحليفة أحرزت تقدّمًا في إجبار حركة الشباب على الانسحاب من المناطق التي كانت تحت سيطرتها، إلا أن المجموعة لا تزال خطيرة ونهجها يبقى فتاكًا. فها هي قد نجحت في شنّ حملة إرهابية ما انفكت تزداد عنفًا متحولة بالتالي من مجموعة متمرّدة تبحث عن فرض سيطرتها على المناطق الهدف إلى “جماعة إرهابية” تنفذ هجمات انتحارية عشوائية ضدّ المدنيين والمقاتلين على حد سواء، وتؤكد تلك الهجمات لاسيما تلك التي تنفذها الشباب ضد المدنيين وقوات بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال والمسؤولين في الحكومة الصومالية، على أن الحملة ضدّ القوات الحليفة لا تزال في أوجها . وخير برهان على ذلك لجوء قادة الشباب إلى التعبير عن رغبتهم في التوسّع أكثر إلى داخل مناطق جديدة بحثًا عن وسيلة تتيح لهم جمع المزيد من الضرائب وكسب الأرباح من العمليات التجارية في الموانئ وتجنيد عدد أكبر من المناصرين وتولي الحكم في الإمارة الإسلامية . وعلى الرغم مما سبق ذكره، لا تزال الحركة قادرة على تنفيذ هجمات إرهابية وزعزعة الاستقرار في مختلف مناطق الصومال والدول المجاورة بما فيها كينيا”15 .

ولم تتوقف حملة الشباب هنا بل استمرّت على نطاق واسع في خلال العام 2016 إذ حاولت الحركة اجتياح قواعد قوات بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال ونفّذت سلسلة اغتيالات وعمليات قصف في مقديشو ومدن أخرى16 .

لم تغطِ الدراسة عامي 2017 و2018 لصدورها عام 2016، ولكنها لم تكن دقيقة في تقدير قوة حركة “الشباب المجاهدين”، فقد سيطرت الحركة على عدة مناطق ومدن كاملة مؤخراً وضاعفت من عملياتها في أرجاء الصومال المختلفة، كذلك يستمر انسحاب قوات الاتحاد الأفريقي من المدن الصومالية مدينة بعد مدينة، وتحل محلها حركة الشباب وترفع أعلامها على المناطق المهمة في كل مدينة، مما يجعل الحركة أكثر خطورة وأقوى مما تصوره الدراسة، فقد تمكن مقاتلو الحركة، في 4 أغسطس 2017، من السيطرة بشكل كامل على مدينة ليجو الاستراتيجية، الواقعة على الطريق الواصل بين العاصمة مقديشيو ومدينة بيدوا، وذلك عقب انسحاب القوات الحكومية، وقوات الاتحاد الأفريقي منها بعد الهجمات التي نفذتها الحركة، وأسفرت عن مقتل 12 من جنود القوات المدعومة من الاتحاد الإفريقي، وسبق ذلك أن اجتاحت مدينة هالغان فى أكتوبر 2016، عقب انسحاب القوات الإثيوبية منها، وذلك بعد ثلاثة أسابيع من انسحابها من مدينة موقوكوري، التي اقتحمتها الحركة أيضاً، وحرصت الحركة على رفع كلفة بقاء قوات الاتحاد الأفريقي وشنت عشرات الهجمات على المواقع التي يسيطر عليها، آخرها قتلها لسبع جنود كينيين تابعين للاتحاد الأفريقي في السابع من شهر مايو الجاري17 . وقد سبق وقُتل 180 جنديا كينياً على يد الحركة في 2016 بحسب البي بي سي18 .

ثالثا: الاستراتيجية الأمريكية في محاربة حركة الشباب

لقد جربت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها من الدول الغربية ثلاث استراتيجيات مختلفة في الحرب مع الجماعات الجهادية، ومن خلال هذه التجربة توصلت في النهاية إلى الاستراتيجية الناجحة والفعالة في هذا الإطار، والتي تضمن الحفاظ على أرواح الجنود الأمريكان، وفيما يلي نعرض هذه الاستراتيجيات التي ذكرتها الدراسة:

1-استراتيجية التدخل غير المباشر 19

وذلك بالاعتماد على القوات المحلية أو الحليفة وبدون مشاركة للقوات الأمريكية، ففي حالة قتال حركة الشباب المجاهدين على سبيل المثال تعتمد الولايات المتحدة على جهود الجيش الصومالي أو قوات الاتحاد الأفريقي أو بعض العشائر، وتذكر الدراسة أن هذه الاستراتيجية لها مزايا، منها أنها تتيح للولايات المتحدة أن تقلّص إلى أدنى حد ممكن استخدام قواتها وأموالها، والاعتماد على مصداقيتها لتحقيق أهدافه . وتُخفض إمكانية التورط في تعقيدات مع القوات الأجنبية إلى أدنى حد ممكن والحدّ من التكاليف والمخاطر، ولا تفرض إمكانية عالية في تأجيج الأوساط الشعبية المحلية وتصعيد الوضع إلى اشتباكات مباشرة مع القوات العسكرية الأمريكية في الدول الإسلامية. وقد اعتمدت الولايات المتحدة هذه الاستراتيجية في الصومال منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

ولكن الدراسة تؤكد أن هناك سلبيات أيضاً لهذه الاستراتيجية، تتلخص في:

أولاً: أنها تنطوي على مخاطر عدة خصوصًا إذا خططت الجماعات الجهادية لتنفيذ هجمات ضد الولايات المتحدة؛ ففي غياب الوجود الأمريكي الفعلي تنقص قدرات الولايات المتحدة على التأثير في الوضع والسيطرة عليه.

وثانيًاً: لا يساهم التدخل غير المباشر بالضرورة في تقويض الجماعات الجهادية مثل حركة الشباب، فتذكر أنه في ظل غياب التدخل الأمريكي المباشر سابقاً أصبحت حركة الشباب هي الحكومة الفعلية في أقاليم رئيسية في الصومال.

وبذلك تقرر الدراسة ضمنياً أن الجماعات الجهادية التي تهدد مصالح الولايات المتحدة لا يمكن الاعتماد في محاربتها على الجيوش الوطنية فقط، بل لابد من التدخل العسكري الأمريكي.

2- استراتيجية التدخل القوي 20

أما الاستراتيجية الثانية فهي التدخل العسكري الأمريكي المباشر على نطاق واسع نسبيًا بهدف محاربة الجماعات الجهادية، تتضمن هذه الاستراتيجية مجموعة خطوات عسكرية وسياسية وغيرها تتخذها الولايات المتحدة من أجل تقويض المجموعات الجهادية والمتمرّدة أو دحرها. واستراتيجية التدخل القوي تشتمل على بعض النقاط الإيجابية -من وجهة نظر الدراسة- إلا أنها تنطوي أيضًا على عدة جوانب سلبية في الصومال.

فأولاً: قد يغذّي التدخل العسكري الأمريكي روايات مقاتلي الشباب وغيرها من الجماعات السلفية الجهادية التي ستحاول تصوير النزاع، بتكرار الأسطوانة ذاتها، على أنه صراع بين الإسلام والدول الكافرة، وقد تُضاعف تلك الروايات إمكانية حدوث ارتدادات، وبالفعل تبيّن أن قرار نشر القوات المسلحة التقليدية الأمريكية المكلَّفة بمواجهة الجهاديين في الخارج غالبًا ما عاد بنتائج عكسية.. . تمثّلت في خلق جيل جديد من “الإرهابيين”.

وثانيًا: يصعب حشد الدعم الشعبي، وخصوصًا في الصومال، من أجل تعزيز التدخل الأمريكي القوي.

وثالثًا: تنطوي استراتيجية التدخل القوي على تكاليف أكبر.

فتقرر الدراسة إذن أن التدخل الأمريكي العسكري التقليدي بإرسال جيش كما فعلت في العراق وأفغانستان والصومال سابقاً لم يعد يجدي، فهو يُفهم على أن حرب أمريكية على الإسلام، ويفرخ جيلاً جديداً من الساخطين على أمريكا بسبب حربها على الإسلام والمسلمين، ويكلف أمريكا الخسائر الاقتصادية والعسكرية والبشرية، لذلك كان الخيار الأمثل هو خطة وسط بين عدم التدخل نهائياً وبين التدخل المباشر، لهذا وقع الاختيار على الاستراتيجية التالية.

3- الاستراتيجية الثالثة والمعتمدة أمريكياً للتدخل العسكري في الصومال 21

وهي “استراتيجية التدخل وفق متطلبات الوضع القائم”، وتستعين الاستراتيجية الثالثة بالوجود الأمريكي العسكري المحدود، وتحديدًا قوات العمليات الخاصة؛ إذ تُنفذ القوات الأمريكية ضربات محدودة وتتولى تدريب القوات المحلية وتقديم الاستشارة إليها ودعمها ومشاركتها من أجل تقويض المجموعات الجهادية أو دحرها. فلجأت الولايات المتحدة إلى نشر عدد صغير من عناصر قوات العمليات الخاصة الأمريكية بالصومال، وذلك بهدف شنّ ضربات مستهدفة، وتوفير معلومات استخباراتية وبناء قدرات قوات شركائها المحليين؛ القوات الصومالية والكينية والأوغندية والبوروندية وبعض العشائر بشكل خاص، لتتمكن من تنفيذ عمليات برية بالوكالة عن الجنود الأمريكان، الذين يشاركون بعدد محدود للغاية.

وقد وجدت الإدارة الأمريكية في هذه الطريقة مخرجاً لحماية قواتها من محرقة حركة شباب المجاهدين، الذي يجيد حرب العصابات ويحفظ الأرض جيداً، ولعدم التعرض للوم السياسي من الدوائر المدنية في الولايات المتحدة بسبب التدخل العسكري الخارجي، ولتوفير النفقات المالية وعدم تحقيق ما تصبو إليه حركة الشباب من استنزاف للموارد الأمريكية الاقتصادية، ومن أجل عدم استثارة المسلمين في أمريكا وخارجها وتفريخ أجيال جديدة من الجهاديين الذين يقاتلون الولايات المتحدة بسبب عدوانها على بلاد المسلمين، بعكس لو كان الذي يحارب الجهاديين مسلمين مثلهم، فلن يُفهَم حينها على أنه عدوان على المسلمين.

وقد أسهمت هذه الاستراتيجية وهذا التدخل العسكري الأمريكي المتعاون مع حلفائه المحليين في الحد من نفوذ حركة الشباب وإضعافها مقارنة بحالها السابق عند التدخل غير المباشر والقوي للولايات المتحدة، مما يعني أن الحرب بالوكالة أصبحت أقوى من جهة تحقيق النتائج من الاحتلال المباشر في هذا الزمان؛ إذ إن استراتيجية نشر القوات العسكرية الأمريكية بأعداد ضخمة نسبيًا والتدخل القوي في قضية الصومال، في مطلع تسعينيات القرن الماضي، تسببت بموجة معارضة محلية واسعة النطاق على التدخل الأجنبي، أمّا استراتيجية التدخل غير المباشر المتزامنة مع اجتياح الجيش الإثيوبي الصومال في العام 2006، فقد تسبّبت هي أيضًا في ارتدادات دينية ووطنية بارزة ساهمت في بروز حركة الشباب، أما استراتيجية” التدخل وفق متطلبات الوضع القائم” فهي الأنجح حالياً بالنسبة للولايات المتحدة، فالخسائر البشرية تكون في أوساط الجيش الصومالي وقوات الاتحاد الأفريقي، وحركة الشباب منحصرة في الأغلب في الجنوب بعيداً عن الشمال حيث تتمثل المصالح الحقيقية للولايات المتحدة.

نماذج تطبيقية على استراتيجية التدخل وفق متطلبات الأمر القائم

فيما يلي أمثلة تطبيقية ذكرتها دراسة راند على استراتيجية “التدخل وفق متطلبات الوضع القائم”، وتمارسها الولايات المتحدة على الأرض بالفعل في قتالها الدائر مع الجماعات الجهادية في الصومال وأيضاً مشاهدة في ساحات أخرى:

•  شنّ ضربات جوية دقيقة من طائرات بلا طيّار أو طائرات ثابتة الجناحين أو مروحيات، وتنفيذ غارات بهدف القبض على الجهاديين، أو قتلهم، أو إخلاء سبيل الرهائن، أو حجز الإمدادات العسكرية، أو استهداف مواردهم المالية.

•  تقديم الخطط العملية والمشورة إلى القواعد والفرق العسكرية الأجنبية (المحلية كالجيش الصومالي وقوات الاتحاد الأفريقي، في حالة الصومال).

•  تنفيذ عمليات تتعلق بالشأن المدني، مثل التقييمات، والتوعية المجتمعية، وتنفيذ المشروعات المتعلقة بالمياه والتعليم والصحة، وبناء الطرق والجسور ومهابط الطائرات.

•  تنفيذ عمليات معلوماتية نفسية.

•  تنفيذ عمليات دعم استخباراتي، بما في ذلك إنشاء مراكز دمج المعلومات الاستخباراتية وإدارتها.

•  تقديم الدعم اللوجستي.

•  توفير خدمات الرعاية الطبية والرد السريع، وتنفيذ عمليات بحث وإغاثة أثناء القتال، بواسطة منصات جوية وبحرية قابلة للتنقل.

•  تدريب الوحدات العسكرية (المحلية الحليفة) على مجموعة واسعة من المهارات العملية والتكتيكية، بما فيها تكتيكات القناصة، ومهارات التصدي للخطر المتمثل في الأجهزة المتفجرة يدوية الصنع.

•  تدريب القوات الجوية على الرؤية الليلية، والمراقبة الجوية الأمامية، والدعم الجوي عن قرب، والإجلاء الطبي وإجلاء الضحايا.

•  تدريب القوات البحرية على عمليات الحظر وغيرها من العمليات.

•  تدريب عناصر الشرطة.

•  توفير التدريب والتجهيزات والدعم المؤسساتي والخدمات الاستشارية.

•  مشاركة القوات إلى داخل مناطق القتال أو في جوارها .

مخاطر الاستراتيجية

ذكرت الدراسة مخاطر لـ “استراتيجية التدخل وفق متطلبات الوضع القائم”، وتتمثل فيما يلي:

1- يعتمد نجاح التدخل وفق متطلبات الوضع القائم على مدى كفاءة الشركاء المحليين وإرادتهم، وقد تكون تلك الكفاءة محدودة أو حتى معدومة.

2- قد يغذي التدخل الأمريكي المباشر، ولو في ظل وجود عسكري أقل بروزًا، روايات المجموعات الإرهابية والمتمرّدة التي ستحاول تصوير النزاع، بتكرار الأسطوانة ذاتها، على أنه صراع بين الإسلام والغرب، وعلى الأرجح، سيظهر التدخل الأمريكي المباشر على الملأ بالرغم من الجهود المبذولة لإبقائه طيّ الكتمان .

3- لا تستبعد هذه الاستراتيجية سيناريو محتمل بشأن توسيع مهمة البعثة .

4- قد تنتج عن استراتيجية التدخل وفق متطلبات الوضع القائم ارتدادات؛ ففي الحالات التي لا تكون فيها الجماعات الجهادية مهتمة باستهداف مصالح أمريكية في الولايات المتحدة أو خارجها )كالسفارات ( ، قد تساهم الضربات الأمريكية ضد المجموعات بتغيير سلوكها.

5- تُعَد مهمة بناء قدرات الحكومات المحلية بالمهمة الصعبة جدًا، خصوصًا في البلدان مثل الصومال؛ حيث يفتقر المسؤولون الحكوميون إلى القدرات العالية في مجال الحوكمة .

رابعا: إدارة ترامب واستراتيجية قتال الجهاديين

صدرت الدراسة قيد التناول قبل تولي الرئيس الجديد للولايات المتحدة دونالد ترامب السلطة، وقد أكدت الإدارة الأمريكية الجديدة على استخدام استراتيجية “التدخل وفق متطلبات الوضع القائم”، ولكنها من الناحية العملية كثفت من ضرباتها العسكرية. وطالب ترامب بأن يتحمل حلفاء الولايات المتحدة مزيدًا من العبء في مكافحة “الإسلاميين المتشددين”، مع الإقرار بأن تهديد الإرهاب لن يُقضى عليه نهائياً . وورد في وثيقة لإدارة ترامب تحتوي على استراتيجية أمريكا في قتال الجماعات الجهادية: “نحتاج إلى تكثيف العمليات ضد الجماعات الجهادية العالمية وفي الوقت نفسه خفض تكاليف الدماء والثروة الأمريكية. وتقول الوثيقة: “سنسعى إلى تجنب التدخلات العسكرية الأمريكية المكلفة واسعة النطاق لتحقيق أهداف مكافحة الإرهاب وسنتطلع بشكل متزايد إلى الشركاء لتقاسم مسؤولية التصدي للجماعات الإرهابية”. وقد كانت مكافحة “تطرف الإسلاميين” قضية رئيسية خلال حملة ترامب لانتخابات الرئاسة في 2016. وقد التزم ترامب بشكل كبير حتى الآن بخطط إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما مع تكثيف العمليات العسكرية ضد الجماعات الجهادية، ومنح وزارة الدفاع (البنتاجون) سلطة أكبر لضرب تلك الجماعات، خاصة مع ما ذكرته وثيقته الاستراتيجية من أن الجماعات الجهادية “اندمجت تحت فكر الجهاد العالمي الذي يسعى لإقامة خلافة إسلامية عابرة للحدود”. وحددت فئات المستهدفين من الجهاديين الذين تريد القضاء عليهم من خلال العمل مع الحلفاء (المحليين) والشركاء (الأوربيين) وهم “منظروهم وخبراؤهم الفنيون وممولوهم ومشغلوهم الخارجيون وقادتهم الميدانيون”. ودعت الوثيقة إلى حرمان “المتشددين” من الملاذات المادية وغيرها من المنابر الإلكترونية التي يخططون من خلالها لشن هجمات وتقويض جهودهم لتطوير ونشر أسلحة كيماوية وبيولوجية”22 .

وقد انعكست هذه الاستراتيجية على القصف الأمريكي للصومال بزيادة الغارات الأميركية في عهد ترامب؛ فبينما شنَّت واشنطن سبع غارات فقط عام 2016، نفَّذت 22 غارة جوية على معاقل حركة الشباب عام 201723 .

لا تزال -كما تؤكد دراسة راند- حركة الشباب قادرة على بسط سيطرتها مجدّدًا على الأراضي المتنازع عليها، خصوصًا إن فشلت الولايات المتحدة وحلفاؤها في مواجهة التحديات؛ وهذه التحديات تتلخص في24 :

1- أن الحكومة الصومالية وقوات الجيش الصومالي لا تزال ضعيفة وتفتقر إلى التدريب الكافي .

2- الدول المشاركة في بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال غالباً ما تلجأ إلى الميليشيات العشائرية؛ لملء الفراغ السياسي والأمني عقب انسحاب قوات الحركة.

3- تقاعس الولايات المتحدة وحكومات الغرب الأخرى عن تخصيص الموارد الكافية، والاهتمام الضروري لمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والإدارية في الصومال في خضم الصراع.

4- غياب وزارة الخارجية الأمريكية الدائم عن ساحة المعركة في الصومال.

قد ذكرت الدراسة أسباباً تبرّر ضرورة بقاء الولايات المتحدّة في حالة قلق حيال حركة الشباب، وهي25 :

أولاً: تملك الحركة القدرة والكفاءة لتنفيذ عمليات خارجية، أي شنّ هجمات خارج الصومال، بما فيها ضد السفارات الأمريكية وكيانات الغرب الأخرى.

ثانيًا: أعرب المسؤولون في حركة الشباب عن رغبتهم في شن ضربات على أهداف أمريكية وأجنبية أخرى قائمة في شرق إفريقيا، كما سبق أن خطّطوا لاختطاف رهائن أمريكية وأجنبية أخرى في المنطقة وشن هجمات على مجمّعات ومحلات تجارية وسفارات وغيرها من الأماكن التي يرتادها الأجانب من دول الغرب، ولم يتوانَ بعض أعضاء الحركة ومناصروها عن تأييدهم الدولة الإسلامية (داعش) علنًا مشيرين بذلك إلى انقسامات بين أعضاء الحركة في مواقفهم إزاء علاقة الشباب طويلة الأمد بتنظيم القاعدة والمجموعات التابعة لها.

ثالثاً: يعتبر قادة الشباب دولة الولايات المتحدة وحكومات الغرب الأخرى أعداءً لهم، واصفين مواطنيها على أنهم “كفّار”، وبحسب أحد المستندات الصادرة عن الشباب، يُعَد حلالاً قتل غير المسلمين وسرقتهم “يُعامَل الفرنسيون والإنكليز معاملة متساوية، ويكون حلالً سفك دمائهم ونهب أموالهم حيثما يتواجدون، ولا يجوز لأي مسلم، في أي قطر كان، التعاون معهم بأي طريقة كانت… وإلا أصبحوا من الكفار والمرتدين عن الإسلام” . ويضيف المستند البيان الآتي : “ويتلقى الإثيوبيون والكينيون والأوغنديون والبورونديون المعاملة ذاتها التي يتلقاها الفرنسيون والإنكليز، لأنّهم اجتاحوا دولة الصومال الإسلامية وشنّوا حربًا على الإسلام والمسلمين”.

رابعاً: نجحت حركة الشباب، في الماضي، في استقطاب مواطني الغرب، بمن فيهم بعض المواطنين الأمريكيين، إلى الصومال لأغراض جهادية، وقد قدّم غيرهم من الأجانب، بمن فيهم شعوب الجالية الصومالية، الدعم المادي وغيرها من أنواع الدعم إلى الشباب.

وقد اقترحت الدراسة لمواجهة هذه التحديات ما يلي:

1- ترسيخ الوجود الميداني للجهات الدبلوماسية الأمريكية رفيعة المستوى في الصومال.

2- تعزيز الدعم في بناء القدرات المؤسساتية للقوات الأمنية الصومالية.

3- ضمان توفير الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري طويل الأجل إلى الدول المشاركة في بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال.

4- الاحتفاظ بالصلاحيات “الشرعية” لنشر قوات العمليات الخاصة الأمريكية وشنّ ضربات مستهدفة في الصومال 26 .

خامسا: عوامل إضعاف حركة الشباب

إن الحديث عن ضعف حركة الشباب هو في الحقيقة في سياق مقارنة وضعها الحالي بوضعها السابق حين توسعت في أوج قوتها، إذن إن الحركة لا تزال تسيطر على مناطق واسعة في الجنوب الصومالي، ولا تزال قادرة على شن الهجمات في مختلف أنحاء الصومال وخاصة في الجنوب، لذلك إن حديث الدراسة عن “دحر حركة الشباب” في عدة مواضع لهو حديث خارج المهنية البحثية، وندلل على ذلك بخرائط السيطرة المنشورة من صحف وجهات محايدة، مثل البي بي سي التي نشرت واحدة في فبراير من العام الجاري.

ولكن في نفس الوقت هناك عوامل أسهمت في إضعاف الحركة عما قبل، فتذكر الدراسة أنه لم تكن بعثة الاتحاد الإفريقي لتنفذ حملة برية ناجحة لولا مساعدة الولايات المتحدة ودول الغرب الأخرى، كانت الضربات الأمريكية ستفشل في “دحر الشباب” في جنوب الصومال لولا شنّ العملية البرية بقيادة البعثة المذكورة، وزد على ذلك أن العمليات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة وبعثة الاتحاد الإفريقي كانت ستواجه تحديات أكثر صعوبة على نطاق واسع لو لم تعانِ حركة الشباب سلسلة نزاعات داخلية أضعفت عزيمتها أكثر . وكذلك دور الجيش الصومالي والجهات الفاعلة غير الحكومية لاسيما الميليشيات العشائرية. وبعض الدول والمنظمات الأوروبية بما فيها المملكة المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي أيضًا قدّمت الدعم والتدريب. ومن العوامل التي ذكرتها كمؤثر في إضعاف الحركة اتجاه الجهاديين الأجانب إلى أرض المعركة في العراق وسوريا وليس الصومال فقط، وبالتالي توزعوا في ساحات متعددة، وقد أسهم تراجع عدد المقاتلين الأجانب الوافدين إلى الصومال بشكل ملحوظ في تقليص حشد الموارد البشرية، وقد كان سابقًا شريانًا مهمًا غذّى صفوف حركة الشباب بالجنود. كذلك الانقسامات الداخلية حول مبايعة تنظيم “الدولة الإسلامية”، علمًا أن الشرخ بين قادة الشباب اتّسع بصورة متزايدة قبل فترة طويلة من بروز الدولة الإسلامية، وخصوصًا بين أحمد عبدي جودان من جهة، ومختار روبو  (انشق حالياً وتصالح مع الحكومة ووصفته الحركة بأنه انضم للمرتدين في بيان بعنوان: أبو منصور روبو على خطى شيخ شريف27 ). عامل آخر تذكره الدراسة كمؤثر في إضعاف الحركة وتنكره الشباب، وهو أخطاء الحركة التي ارتكبتها في فترة الجفاف القاسي التي عانتها منطقة شرق إفريقيا بين عامي 2011 و2012، وقد أسهم على وجه الخصوص في تقويض قاعدة الدعم التي حظيت بها يومًا حركة الشباب . إذ أعلنت الشباب حظر نشاطات عدد كبير من المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية بعد اتهامها بسوء توزيع المساعدات المالية والترويج للعلمانية والقيم الديمقراطية والتعاون مع الكنائس من أجل حضّ الأولاد المسلمين على اعتناق المسيحيّة28 .

وأبرزت الدراسة ما أطلقت عليه “استراتيجيات تصفية الرؤوس” والتي تتضمن محاولة القضاء على مجموعة من خلال تصفية قادتها، وقالت إنها تبقى وحدها غير كافية لدحر المجموعات الأكثر إرهابًا وتمرّدًا، إلا أنها أكدت أن تلك الاستراتيجيات تبقى عنصرًا فعالً وربما جوهريًا من عناصر الاستراتيجية الأوسع نطاقًا . باستهداف قادة المجموعات المتمرّدة باستخدام الطائرات الحربية بدون طيّار والغارات الجوية الأخرى مما يقوض قدرة تلك المجموعات على العمل بطريقة تتسم بالتماسك والكفاءة وعلى السيطرة على المناطق المحلية، كما تقوّض فعالية المجموعات العسكرية بتصفية أفرادها على أرض المعركة، لاسيما ذوي المهارات والموارد والصلات القيّمة29 .

سادسا: توصيات دراسة راند 30

يُعزى الصراع أساسًا كما تستخلص دراسة راند إلى أسباب سياسية لا عسكرية، وبالتالي سيكون للجهود السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإدارية ذات الصلة المبذولة في الصومال دور حيوي في تحديد ما إن كانت “الانتصارات الأخيرة” ستساهم في توفير بيئة أكثر استقرارًا في البلد، ومنع عودة حركة الشباب أو غيرها من المجموعات المقاتلة إلى الساحة. وتستشهد الدراسة بمفهوم “الدولة” كما يعرّفه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر القائل بأن الدولة كناية عن “تجمُّع بشري يسعى بنجاح إلى احتكار الاستخدام المشروع للعنف في إطار جغرافي محدّد”. وتستنتج أن في ظل غياب حكومة مركزية فاعلة، سيصعب الحفاظ على التقدّم العسكري المُحرَز في الصومال .

وبهذا ترسخ الدراسة لكون نموذج “الدولة” المدعومة أمريكياً في حد ذاته باحتكارها للقوة، أهم أداة بعد الأداة العسكرية في القضاء على “التمرد” الذي يهدد المصالح الأمريكية، وهذا ليس جديداً حقيقة في الاستراتيجية الأمريكية والغربية بوجه عام، فمنذ أفول عصر الاحتلال العسكري الظاهر، تقوم الدول الغربية بعد القضاء على التمرد الشعبي (أياً كانت صورته) بدعم حكومة محلية تحافظ على مصالحها، مثل نموذح العراق وأفغانستان والصومال. وتدلل الدراسة أهمية كيان “الدولة” المدعومة أمريكياً في القضاء على التمرد وضمان عدم رجوعه مرة أخرى بالحالة العراقية، فتشكل الحرب في العراق خير مثال عن تلك “الانتصارات “المرحليّة؛ ففي العام 2011 ، بدأ تنظيم القاعدة يتقهقر في العراق؛ فقد خسر نفوذه في معظم المناطق العراقية التي سيطر عليها في السابق لكن أسهمت مجموعة عوامل سياسية واقتصادية وحتى عسكرية في نهضة تنظيم القاعدة مجددًا في العراق في العام 2014 وقد تبلورت تلك النهضة في ما يُعرَف اليوم بالدولة الإسلامية، فكان لضعف الدولة كما تريد الدراسة أن تثبت العامل الأكبر في عودة تنظيم القاعدة في ثوب جديد.

فتوصي الدراسة بتطبيق مقاربة سياسية شمولية في الصومال تعتمد على الدعم الخارجي المدروس، وتحرص في الوقت نفسه على الحفاظ على الطابع الوطني المحلي، وتركّز على “إشراك الشعب الصومالي” فعليًا بالقرارات المتعلقة بقضاياه الخاصة . وقالت إنه يجب على صانعي السياسة الأمريكيين القيام بخمسة أشياء أساسية:

أولا: إعادة فتح السفارة الأمريكية، وذلك لتفعيل مهمة الدبلوماسيين الأمريكيين، بما في ذلك تمكينهم من استيعاب ديناميكيات التغيير في الصومال، وتطوير علاقات متينة مع قادة الصومال، والمشاركة في نقاشات حول “السلام”، وممارسة النفوذ الأمريكي في المنطقة، والإشراف على جهود التنمية التي تديرها منظمات أجنبية.

ثانياً: تعزيز الدعم الاقتصادي، عن طريق توفير برامج اقتصادية أكثر فعالية واستهدافًا من خلال منظمات دولية على غرار الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، فمعظم حملات مكافحة التمرّد الأكثر نجاحًا قد اتبعت برامج سياسية واقتصادية واجتماعية من شأنها ملء الفراغ المترتّب على غياب حركة التمرد عن إدارة المناطق التي كانت تسيطر عليها. من هنا جاءت أهمية توفير الدعم الاقتصادي الغربي المستهدف في المناطق التي حُررت من قبضة حركة الشباب، لاسيما في جنوب الصومال ووسطه، من أجل ضمان عدم سقوط تلك المناطق مجدّدًا تحت سيطرة الشباب .

ثالثاً: زيادة الجهود العسكرية الأمريكية في مجالات التدريب والمشورة، إذ يتمثَّل أحد أبرز التحديات أمام تطبيق استراتيجية التدخل وفق متطلبات الوضع القائم، في مدى كفاءة الشركاء المحليين وإرادتهم السياسية . فأوصت أنه يتعيّن على الولايات المتحدة تدريب القوات الصومالية وتزويدها بالمشورة والدعم ومشاركتها أحيانًا مشاركة ميدانية، كما عليها المساهمة في تطوير قدرات وزارتي الدفاع والداخلية في الصومال، وتستوعب بصورة أفضل النظام العشائري المعقّد في الصومال والجهات النافذة الرئيسية المحلية لأنه يقوم بدور مهم في الواقع الصومالي.

كما أوصت الدراسة بأن الدول المشاركة في بعثة الاتحاد لا سيما إثيوبيا وكينيا وبوروندي والكاميرون وجيبوتي وأوغندا، يجب عليها الاستمرار في القيام بدورها الحيوي في مكافحة حركة الشباب سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وعسكريًا. ويتعيّن على الولايات المتحدة وحكومات الغرب الأخرى تزويد كل دولة مشاركة في البعثة المذكورة بالتدريب والمشورة والدعم في إطار عملياتها العسكرية في الصومال. وهو دعم سيأتي بكلفة غير باهظة بعض الشيء على حساب أمريكا بعكس لو قرّرت الأخيرة سحب دعمها للدول المذكورة، الأمر الذي سيؤدي إلى عواقب وخيمة من وجهة نظر الدراسة من شأنها تقويض الجهود الرامية إلى “تحقيق الاستقرار” في الصومال .

وتختم الدراسة بقولها: “بالرغم من التقدّم الـمحرَز في قضية الشباب، لا يزال الوضع هشًّا في الصومال، ويُعزى السبب إلى تقاعس الولايات المتحدة وحكومات الغرب الأخرى عن تخصيص الموارد الكافية والاهتمام الضروري لمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والإدارية في الصومال في خضم الصراع، حان الوقت إذًا لإعادة التفكير في كيفية استدراك الوضع الراهن قبل إضاعة تلك الفرصة العابرة المتوفرة اليوم” .

خلاصة

تمثل حركة الشباب تحدياً كبيراً لمصالح الولايات المتحدة والغرب في القرن الأفريقي، وتحرص أمريكا على حصر حركة الشباب في الجنوب، مع سعي دائم للقضاء على الحركة نهائياً عن طريق الغارات الدورية على معاقل الحركة، تلك الغارات التي يسقط فيها مدنيون كما حدث في أكثر من واقعة، كما ظهر من خلال عرض الدراسة وتحليلها أن الولايات المتحدة غير معنية أصالة بتحقيق الاستقرار ونشر الديمقراطية بهدف تحقيق الرفاهية للشعب الصومالي، بل تسعى إلى إيجاد دولة مركزية قوية فقط لملء الفراغ ولقتال حركة الشباب نيابة عنها، بهدف ادخار جهود أمريكا العسكرية ورصيدها البشري واقتصادها ولتحافظ على أمنها الداخلي وكي لا تظهر في صورة الغازي للبلاد الإسلامية أمام الرأي العام المسلم.

لقد ورطت الولايات المتحدة بتدخلها في الصومال الشعب الصومالي والشعوب المجاورة المشاركة جيوشها في قوات الاتحاد الأفريقي في أزمات لن تنتهي على المدى القريب، وذلك من أجل تحقيق مصالحها الخاصة، وكل ما تقدمه الولايات المتحدة من مساعدات إنسانية واقتصادية ولوجيستية وغير ذلك تصب في هدف المحافظة على مصالحها الخاصة دون أدنى اهتمام بمصالح الشعب الصومالي وأولوياته كما رأينا في ثنايا عرض الدراسة.

لم يثمر التدخل الأمريكي في الشؤون الصومالية والقرن الأفريقي نجاحاً حقيقياً حتى الآن، فقوات بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال تنسحب من وقت إلى آخر من مواقع مهمة في الصومال، وتستعيد حركة الشباب بعد ذلك السيطرة على البلاد التي تنسحب منها البعثة، كما حدث في “البور”، و”برديري”، و”ليغو” و”عيلبور”، و”بلعد” وغيرها من المناطق خلال العام الأخير، رغم ما تبنته الإدارة الأمريكية الجديدة من زيادة في الغارات الجوية والدعم الاستخباراتي واللوجيستي، نعم تراجع نفوذ حركة الشباب المجاهدين عن ذي قبل ولكنها لا تزال موجودة على الأرض وتستعيد عافيتها، مستهدفة القوات الصومالية وقوات الاتحاد الأفريقي، بل والمدنيين من شعوب الدول المجاورة ككينيا وإثيوبيا، لتجربها على سحب قواتها من الصومال، وذلك بفضل التدخل الأمريكي الذي ذكى نار الحرب في الصومال، كما فعلت بالضبط في أفغانستان والعراق.

وتأتي دولتا كينيا وإثيوبيا بعد الولايات المتحدة وراء الأزمة الصومالية، وذلك بسب ميولهما الاستعمارية وطمعهما التاريخي في الأراضي الصومالية، إذ إن أثيوبيا تحتل بالفعل حتى الآن أوجادين الصومالية وتحتل كينيا أنفدي الصومالي، وليس من مصلحتهما قيام دولة قوية على حدودهما تعمل على استرداد أراضيها المحتلة، وفي السنوات الأخيرة احتلت أثيوبيا الصومال عام 2006، وكينيا عام 2011، وكان كلاهما بضوء أخضر أمريكي، ولكن البلدين لم يستطيعا المكوث طويلاً على أرض الصومال، والآن تشاركان بقوات أساسية في قوات الاتحاد الأفريقي الذي هو عبارة عن جيش يقاتل تحقيقاً للمصالح الأمريكية الأفريقية المشتركة.

لقد عانى الصومال تحت نير الاستعمار ردحاً من الزمان، ويبدو أنه سيعاني أكثر جراء هذا الاستعمار الجديد غير المباشر، ما لم يقرر القائمون على شؤونه وأهل العقل فيه أن يحلوا مشاكلهم الداخلية بأنفسهم وأن يوجدوا صيغة ما للتوافق الذي سيصب حتماً في خانة الصوماليين بعيدًا عن الاستعمار الأمريكي والأوروبي والأفريقي، والذي يظن بعض قادة الصومال حتى الآن أن التفاهم معه من الممكن أن يحقق الاستقرار والرخاء31 .


الهامش

1  استراتيجية مكافحة الإرهاب والتمرد في الصومال تقييم الحملة ضد حركة الشباب، مؤسسة راند، 2016، رابط إلكتروني.

2  استراتيجية مكافحة الإرهاب والتمرد في الصومال تقييم الحملة ضد حركة الشباب، مؤسسة راند، 2016. ص10.

3 US Marines in Somalia 1993 The Infamous Somalia Incident, Youtube, Link.

4  عبد الباري عطوان، القاعدة التنظيم السري، ص42، دار الساقي، ط2007م، بيروت.

5  المصدر السابق، ص57.

6 US military notes reports of civilians killed in Somali raid, By Associated Press, May 11, washingtonpost .

7 Allison Fedirka, Why the US Cares About Somalia, Geopolitical Futures, May 10, 2017.

8  المعلومات المدونة في تلك الفقرة جمعها الباحث عن طريق نشطاء صوماليين مهتمين بالتاريخ الصومالي المعاصر، ولا توجد بهذه الدقة في المصادر المتوفرة.

9  دراسة راند، ص11-13 (بتصرف “تلخيص”).

10  حركة الشباب المجاهدين، الجزيرة نت، 3-4-2015م.

11  راند، ص13-14، ملخصاً.

12  السابق (ص14- 16) ملخصاً.

13  السابق (ص18- 23) ملخصاً.

14  راند بتلحيص (ص24-26). لاحقاً تصالح روبو مع الحكومة وحذفت الولايات المتحدة اسمه من المطلوبين على قائمة الإرهاب لديها، ينظر: “أبو منصور روبو يعلن الانشقاق رسمياً عن حركة الشباب”، مقديشو أو لاين، 15-8-2017م.

15  ص29 من دراسة راند.

16  السابق، ص32.

17  مقتل سبعة جنود كينيين بانفجار في طوبلي، مركز مقديشو للبحوث والدراسات.

18   مقتل “180 جنديا كينيا” على يد جماعة الشباب الصومالية، 25 فبراير 2016، بي بي سي.

19  ينظر: راند، ص34-36، ملخصاً.

20 ينظر: راند، ص36-39، ملخصاً.

21 ينظر: دراسة راند، ص39-42، ملخصاً.

22  رويترز، حصري: استراتيجية ترامب لمكافحة الإرهاب تحث الحلفاء على فعل المزيد، 6-5-2017م.

23  الشافعي أبتدون، استراتيجية أمريكا في مواجهة حركة الشباب الثابت والمتغير، مركز الجزيرة للدراسات، 3-1-2018م.

24  بتلخيص من مقدمة الدراسة.

25  راند، ص2-3، ملخصاً.

26  ملخصاً من مقدمة الدراسة.

27  إعلامي الحركة “جهاد صالح”، أبو منصور روبو على خطى شريف، رابط إلكتروني.

28  ملخصاً عن الدراسة، ينظر: راند، ص42-55.

29  السابق، ص51-52، ملخصاً.

30 ينظر: راند، ص57.

31 ا لآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. يرجى الانتباه للأخطاء التي يقع فيها كتاب راند انفسهم، فلا يوجد أي تدخل للكاميرون في الشأن الصومالي، ولعل الدراسة تريد أن تشير إلى سيراليون، فهي قوات انخرطت في الاتحاد الإفريقي بعدد محدود من الجنود ثم انسحبت. لكن لن نجد أي تدخل من الكاميرون في هذا الصراع، فوجب الانتباه وتمحيص المعلومات وإن كان مصدرها راند. فالعاملين عليها مجرد منظرين يبحثون في صفحات الكتابات والتقارير وقد ينقلون الخطأ كما هو من أي مقال آخر، والمصيبة أن يترسخ كمعلومة يبنى عليها تصور أو فهم!
    جزاكم الله خيرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *