fbpx
السياسات العامة

ركائز التنمية الاقتصادية في مصر: ورقة إطار

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

يمتلك الاقتصاد المصري كل المقومات الاقتصادية اللازمة للانطلاق التنموي، وتبقي الإدارة الأكثر كفاءة لتلك الموارد هي المفتاح الحقيقي للنهوض الاقتصادي، فضلاً عن الإرادة السياسية. ورغم أن توافر الموارد بنوعيها المادية والبشرية يعد عاملاً مهماً في تحقيق التنمية، الا أن ادارتها تحتاج لمجموعة من المقومات الأساسية، منها توافر معلومات تفصيلية حول تلك الموارد، وأنواعها، وكمياتها، وتكلفتها ان كانت موارد مادية، أما ان كانت بشرية فتحتاج التعرف على تخصصاتها وخبراتها ومهاراتها. كل ذلك في إطار الرؤية الاقتصادية الجامعة التي ستحكم العملية التنموية، والذي يتفرع عنها النظام والتنظيم الاقتصادي بهياكله التي ستساهم في البناء التنموي، وكذلك المذهب الاقتصادي والذي يجب أن تتكامل مكوناته مع الجانب الأيدولوجي.
كما أن عملية التنمية يجب أن ترتكز على نمط تصنيعي محدد، قد يكون استراتيجية التوجه التصديري أو استراتيجية الاحلال محل الواردات، أو الدمج بينهما.
كما أن الاقتصاد المصري يتسم بخصوصية من ناحية الطبقة الرأسمالية وظروف نشأتها وخصائصها، لذلك لا بد من التساؤل حول تموضع هذه الطبقة الرأسمالية في العملية التنموية، خاصة في ظل تفشي حالة الفقر بين المصريين وكيف يمكن احداث التوازن بين نمطي اقتصاد السوق وفي نفس الوقت رعاية الطبقات الكادحة.
في هذا الإطار يحاول الباحث التطرق الي أهم الركائز التي تساعد الإدارة الاقتصادية لتصبح أكثر فاعلية وكفاءة في تنفيذ الخطط التنموية، مع التأكيد على أن هذا الإطار النظري ليس الا مقدمة ضرورية لبناء المخطط العام.
وفي البداية يؤكد كاتب هذه المحاولة على أهمية الجهد الجماعي في تصويب المحاولات الفردية وصولاً لنقاط قد تشكل استراتيجية متكاملة يعتمد عليها الاقتصاد المصري في البناء التنموي.

ركائز التنمية الاقتصادية:

تعد ركائز التنمية هي الإطار المحدد لخطط التنمية الاقتصادية، وبالتالي كان البدء بها محاولة لحماية واضعي الإطار الكلي من الشطط والتيه داخل التفاصيل التي قد تتلامس مع أهداف كلية أو مرحلية لا تتناسب مع الأوضاع أو الظروف التي يمر بها الاقتصاد حال تنفيذ الخطة.

ويمكن أن تمثل العناصر التالية ركائزاً للتنمية الاقتصادية في مصر:

أولاً: الرؤية:

الرؤية الكلية للدولة ينبثق عنها مفردات الرؤي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وانطلاقاً منها يتحدد التوجه المستقبلي للدولة.
ولأن هذه الورقة تتخصص في الملف الاقتصادي فيمكن أن ننوه لأهم العناصر التي يجب أن تشملها الرؤية الاقتصادية لمصر، وذلك كما يلي:

أ- النظام والتنظيم الاقتصادي:

النظام هو مجموعة العلاقات الاقتصادية والقانونية والاجتماعية التي تحكم سير الحياة الاقتصادية في مجتمع ما في زمان معين(1 ).
ويركز النظام الاقتصادي على مجموعة العلاقات والقواعد والأسس التي تحكم التفاعل والتأثير المتبادل بين الحاجات البشرية من جهة والموارد الطبيعية والبشرية والمعرفية والتقنية المتاحة من جهة أخرى.
إذا فالنظام الاقتصادي يتكون من مجموعة من المؤسسات التي تتعامل مع الإنتاج، التوزيع، الاستهلاك للسلع والخدمات داخل مجتمع معين، والعلاقات القائمة بين تلك المؤسسات وأفراد المجتمع.
أما التنظيم الاقتصادي فهو الوسائل التي يستخدمها النظام الاقتصادي لتنظيم النشاط الاقتصادي والفعاليات الاقتصادية المختلفة. وتختلف طبيعة التنظيم الاقتصادي من نظام اقتصادي لآخر(2 ).
في الحالة المصرية لدينا نظام هجين ما بين الرأسمالية والاشتراكية، نشأ عن ذلك خلل في التوزيع ترتب عليه تفشي حلقات الفقر الدائرية، والتي تدار عبر تنظيمات هجينة تعمق البيروقراطية المركزية، وتعوق الأداء بدلاً من تسريعه.
لذلك إذا أمكن اقتراح أن يكون النظام الاقتصادي المصري رأسمالياً منضبطاً بدور هيكلي للدولة تمارسه من خلال مجموعة تنظيمات تبني أو تعدل للوفاء بهذا الدور المؤسسي.
مثلاً تبني نظام السوق لا يمنع وجود التنظيمات الاحتكارية، مما يستوجب أن تضبط الدولة الأداء ببناء سلاسل توزيع تابعة لها تستطيع كسر الحلقات الاحتكارية خاصة في السلع الأساسية، وكذلك تبني منظمات وقوانين لحماية المستهلك، وتدريب وتثقيف مفتشي الأسواق للسيطرة على تلك الحلقات.
وهكذا يفرض النظام الاقتصادي علي الدولة تبني مؤسسات بعينها تسير العمليات الاقتصادية بين هياكل النظام، كما يفرض طريقة إدارة هذه المؤسسات.

ب- المذهب الاقتصادي:

المذهب الاقتصادي كأي مفهوم يرتبط تحديده بمجموعة من المقومات التي هي جزء من هذا المفهوم، ومقومات المذهب هي:

1- الخصوصية:

وتعني خصوصية الرؤية التي يتبناها المفكر الاقتصادي، ويتميز بها عن غيره من مفكري المذاهب الاقتصادية الأخرى، والخصوصية يجب أن تتكامل مع المقومات الأخرى للمذهب حتى ترتقي الأفكار الاقتصادية الي مستوي المذهبية (3 ).

2- الوحدة المذهبية:

وتعني انسجام الأفكار الاقتصادية وترابطها وانتظامها تحت مبدأ أو مجموعة من المبادئ الفكرية، فتتشابك تلك الأفكار في منظومة واحدة تسمح بتسميتها بالمذهب الاقتصادي.

3- التكاملية:

وتعني تكاملية الرؤية لمختلف الجوانب التي يتطلبها المذهب الاقتصادي. فتقديم بعض الأفكار الاقتصادية ذات الخصوصية، والقائمة على مبادئ منسجمة، لا يكفي لإطلاق وصف المذهب عليها إذا لم تكن الرؤية متكاملة.

4- الكفاية:

تعني أن تكون المبادئ الأساسية للمذهب كافية ليبني عليها مذهب، وكذلك يجب أن يكون المذهب كافياً لتفسير أو فهم النشاط الاقتصادي من جوانبه المختلفة أو الأساسية منها على الأقل.

5- الأساس الايديولوجي:

الاستناد إلى الايديولوجيا ليس مطلباً لتكوين المذهب أو تأسيسه، وإنما هي جزء من صميم مكوناته. فهي البنية الفكرية التي يقوم عليها الفكر الاقتصادي، فلا فكر بلا انتماء ايديولوجي سابق.
اذاً فالأيديولوجيا تحدد هوية المذهب وتوجه المفكر الاقتصادي في اختياره الأفكار والمناهج والأدوات، وتحديد الخيارات وتنسيقها وتنظيمها ومناقشتها.
على أساس تلك المكونات يمكن تحديد المذهب الاقتصادي، فمثلاً اختيار المذهب الإسلامي على الرغم من خصوصيته، وانسجام أفكاره وترابطها تحت مبدأ فكري واحد، وتكاملية رؤيته وكفايتها لفهم النشاط الاقتصادي الا أن بعض الموضوعات المؤصلة فقهياً تحتاج الي مزيد من التأصيل الفكري.

ثانياً: نمط التصنيع:

يوجد نمطان محددان للتصنيع، اما الاحلال محل الواردات، أو التوجه التصديري، ولكل نمط منهما آلياته ومراحله ومميزاته وعيوبه التي تختلف جذريا عن الآخر. وباختصار يمكن توضيح ذلك كما يلي (4 ):

1- استراتيجية الإحلال محل الواردات:

تعني إقامة بعض الصناعات من أجل سد حاجة السوق كبديل للسلع الصناعية المستوردة مراحلها. وتتكون هذه الاستراتيجية من مرحلتين أساسيتين هما:
المرحلة الأولى: إحلال الواردات محل السلع الاستهلاكية غير المعمرة، وعادة ما توفر الدولة لهذه الصناعات الحماية الكافية وذلك لمنع منافسة المنتجات الأجنبية، ولضمان القدر اللازم من الأرباح للمستثمرين لتحفيزهم على إقامتها.
المرحلة الثانية: وتبدأ هذه المرحلة عندما تصبح السوق المحلية غير قادرة على امتصاص المزيد من المنتجات الاستهلاكية لذلك يتم توجيهها نحو التصدير، وفي نفس الوقت يمكن البدء في إقامة بعض الصناعات الوسيطة والرأسمالية وذلك بمساعدة التقدم الصناعي الذي قد تحقق في المرحلة الأولى.

شروط نجاحها:

من أهم شروط نجاح هذه الاستراتيجية ما يلي:
الإبقاء على أسعار صرف مرتفعة للعملة الوطنية- إقامة نظام لتراخيص الاستيراد – منح قروض حكومية – وضع أسس لاختيار الصناعات التي يجب إحلالها محل الواردات – عدم استمرار سياسة الحماية المتبعة وتخفيفها مع مرور الزمن – ضرورة الاعتماد على الموارد المحلية قدر الإمكان وتقليل التبعية للخارج.

2-  التصنيع من أجل التصدير:

يقصد بها التركيز على الصناعات التي تتمتع بمزايا نسبية في انتاجها، وتتوفر لها فرصة تصدير منتجاتها، مع مراعاة التدهور في شروط التبادل التجاري لغير صالح الدول النامية.

 دوافع تطبيقها:

الاستفادة من المزايا النسبية المحلية – الاستفادة من وفرة حصيلة الصادرات من العملة الصعبة التي ستتحقق بفضل إتباع هذه الاستراتيجية لتمويل عمليات التنمية الاقتصادية، التغلب على مشكلة ضيق السوق المحلية وما يعانيه من صغر حجم الوحدات الإنتاجية.

 شروط نجاحها:

من أهم شروط نجاح هذه الاستراتيجية ما يلي:
الاستقرار السياسي والاقتصادي –  توفير الحوافز للمصدر-  تدعيم القطاع الخاص-  وجود درجة عالية من التكامل بين القطاع الصناعي والقطاعات الأخرى – الاستفادة من نظام المناطق الحرة – توفير المناخ المناسب لنمو الاستثمارات الأجنبية – تدعيم الصناعات الصغيرة والمتوسطة.
إمكانية الدمج بين استراتيجيتي الإحلال محل الواردات والتصنيع من أجل التصدير (5 ):
لضمان نجاح نتائج كلتا الاستراتيجيتين في إحداث نتائج التنمية الاقتصادية المستهدفة يمكن الدمج بينهما وذلك عن طريق انشاء فروع تصديرية لبعض الصناعات التحويلية، سعياً نحو توسيع السوق المحلي، وتطوير صناعات ذات طابع إحلالي (مع التأكيد على الطبيعة المؤقتة للأساليب الحمائية) لتصبح فيما بعد ذات طابع تصديري.
في الحالة المصرية يمكن الدمج بين الاستراتيجيتين، لكن مع تحديد دقيق لنسب المزج بينهما عند كل مرحلة من مراحل التنمية.
فمثلاً في المرحلة الأولي من مراحل التنمية قد يلزم تطبيق استراتيجية الاحلال محل الواردات لتخيف الضغط على الميزان التجاري وخضوعاً لحالة نقص العملة الأجنبية، مع تطبيق لآليات الحماية بأنواعها، ثم في نقطة زمنية معينة في نفس المرحلة تخفف آليات الحماية سعياً نحو الجودة والتنافسية.
لذلك فالأمر لا يتوقف فقط عند تحديد نمط التصنيع بل يتعداه الي تفصيل المشروعات داخل الخطط التنموية، لتحديد مدي تناسبها مع استراتيجية معينة ولأي نقطة زمنية.

ثالثاً: التوجه نحو الطبقات الفقيرة والمتوسطة:

يعيش نصف الشعب المصري تقريبا حول خط الفقر، ومنهم من يعيش في المقابر، وآخرون في العشوائيات. ويعاني في مجموعه من تردي الخدمات الحكومية الأساسية من تعليم وصحة وقضاء وطرق وخلافه. الأمر الذي يجعل التساؤل حول مدي ضرورة تحديد طبقة لاستهدافها ببرامج خاصة، أو لوضعها داخل أطر مشروعات وخطط الدولة، ليس فقط لكونها تمثل الأكثرية العددية المكونة لأي ظهير شعبي، وانما في الأساس لأن عدم استهدافها ببرامج تنموية سيعيق العملية التنموية برمتها، سواء لأنها المستهلك الذي تعتبر قوته الشرائية الفاعل الأكبر في سوق الاستهلاك، وقوتها العمالية هي حجر الزاوية في حجم الإنتاج والإنتاجية، أو لأن استقرارها هو الداعم الأساسي للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
ان الاتفاق حول هذا التوجه نحو الطبقات الفقيرة والمتوسطة يفرض السؤال حول نوعية البرامج التي يمكن أن توجه اليها، والأولويات الأكثر الحاحاً منها.
ويري الباحث أن قضية التعليم والتثقيف والصحة ثم الإسكان والمرأة المعيلة تأتي على رأس القضايا التي يجب التوجه نحوها في الحالة المصرية، مع التأكيد على ابتكارية الطرح عند معالجة كل قضية من هذه القضايا. فمثلاً يجب دراسة الاستغناء عن فكرة التمليك عند توزيع الشقق على محدودي الدخل لما يخلقه من تكالب عليها يفتح أبواب الفساد والتربح، وكذلك لما يخلقه من تمييز في الفرص بين أهالي نفس الطبقة الذين تملكوا والذين لم يتملكوا.
وكذلك فربط المعاشات للمرأة المعيلة بدوام ذهاب الأطفال للمدارس، وتلقيها هي لبرامج تثقيفية أو تدريبية ترفع من مهاراتها بما ينعكس إيجابيا على قدرتها على العمل وعلى سلوكها الشخصي نحو المجتمع المحيط بل نحو أطفالها أنفسهم يمكن أن يسهم بمردود أكثر فاعلية لتلك البرامج.
وهكذا يمكن البحث عن طرق ابتكارية لتنفيذ أهم القضايا التي ستعامل كقضايا استراتيجية تتعلق بالطبقات الفقيرة والمتوسطة في مصر.

رابعاً: تموضع الطبقة الرأسمالية داخل الاقتصاد الوطني:

عبر فترة طويلة من الزمن تكونت الطبقة الرأسمالية في المجتمعات الغربية، فهروب العبيد من الاقطاعية وتحولهم الي تجار، أسهم مع دعم المراجعات الفكرية للكنيسة بشأن التجارة والقروض في نمو الرأسمالية التجارية، ومع التزاوج بين التجار والسلطة وتقنين الأوضاع الاقتصادية وتمهيدها ظهرت الرأسمالية الصناعية، والتي شكلت النبتة الأم للقطاع الخاص في العالم الغربي.
ورغم التحولات التكتيكية العديدة خلال القرن الماضي سواء تحت وطأة الأزمات المتلاحقة أو كناتج للنضال العمالي فان الرأسمالية الغربية استطاعت الاستمرار والنمو، حتى غدت الرأسمالية المتوحشة، التي يكابد العالم مآسيها حتى اليوم.
وفي مصر نشأت الطبقة الرأسمالية الحديثة بعد الانفتاح الاقتصادي في السبعينات، ثم تمددت مع بداية عصر مبارك، وتغولت بعد التزاوج بينها وبين السلطة.
ورغم أن التغول الرأسمالي بديهياً كأحد نواتج النظام، الا أن الحالة المصرية تختلف الي حد كبير عن نظيرتها في الدول الغربية.
عاصر بداية الانفتاح الاقتصادي الاعتماد على الاستيراد وليس الإنتاج، وشاع الفساد في المعاملات الاقتصادية، وكانت بداية تغلغل أوبئة داخل المجتمع المصري من رشي ومحسوبية وسيادة ثقافة الاستهلاك.
وفي عصر مبارك استثمرت جذور الفساد في استنبات طبقة رأسمالية طفيلية سريعة الاثمار الريعي وليس الإنتاجي، تعتمد في الأساس على علاقاتها مع السلطة التي تقطعها الامتيازات والأراضي دونما حساب، فتراكمت ثرواتها في زمن قصير للغاية، وتضاعف نفوذها السياسي والاقتصادي بدخولها المجالس الشعبية والمحلية، ومشاركتها العسكريين في بعض المشروعات وتشغيلها لبعضهم بعد التقاعد، وامتلاك القنوات الفضائية، وفي بعض الحالات التوغل في العمل الاجتماعي.
اذاً فبذور هذه الطبقة فاسدة، وسيقانها وطلعها فاسد، الا اننا يجب أن نعترف بنفوذها وتوغلها داخل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ومن هنا فان وضع أطر للتعامل مع هذه الطبقة وتوجيهها نحو الإطار العام المرسوم هو السبيل الوحيد للتقليم الناعم لأظفارها.
ويري الباحث أنه يجب أن تخضع هذه الطبقة لمزيد من البحث والتدقيق، وذلك عبر مداخل مختلفة، سواء من حيث النشأة والتكوين، أو من حيث مجلات الأنشطة التي تعمل بها، أو من حيث الأوزان النسبية لهم كعائلات أو كأفراد أو تكتلات مع السلطة. أو غير ذلك.
وبناء على تلك الدراسات توضع مجموعة من السيناريوهات التي يمكن بها التوجيه، فمثلاً في بعض الحالات قد تكون المواجهة الشاملة معها باستخدام الأدوات القانونية والدستورية بل والضغط الشعبي لاسترداد أجزاء محددة من الأموال المنهوبة، والضرائب المتهرب منها، وتوجيه ما تبقي منها الي المشروعات التي تحقق أهداف الخطة الاقتصادية على المدي المتوسط والطويل.
وفي حالات أخري قد يكون تسويق مبادئ عامة مجردة تنطبق على الجميع بما فيهم الطبقة الرأسمالية نفسها يمثل مدخلاً للتعامل معها. ومن أمثلة تلك المبادئ، سيادة دولة القانون، وتجريم التهرب الضريبي، والشفافية في إرساء العقود، الحفاظ على حقوق العمال وغير ذلك.
وقد يكون سيناريو الحرب الموجهة ضد بعض رجال الأعمال مطروحاً مع أولئك الذين تثبت الدراسات توجهاتهم ضد البناء الديموقراطي، أو المرتبطين بمصالح مع دوائر تعمل ضده، أو غير ذلك.
عموماً ما يجب التأكيد عليه، أن تكون منطلقات التعاطي مع هذه الطبقة بعيدة عن أي أحقاد قديمة، أو أيدولوجية، وأن تستهدف فقط إعادة الفرز المنهجي، لتدوير ما يصلح منها داخل الإطار الاقتصادي، وتكهين ما يثبت صعوبة تدويره، وذلك وفق أدوات فرز تعتمد التحليل العلمي ذو العوامل المتشابكة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.

 خامساً: الاستثمار الأجنبي:

يحقق الاستثمار الأجنبي المباشر لاقتصاديات الدول المضيفة مجموعة من المزايا التي لا يمكن انكارها، ومنها كونه مصدراً أساسياً للموارد المالية خصوصاً للدول النامية، كما أنه مصدراً للمعرفة والخبرات الإدارية «know – how »، وكذلك توطين التكنولوجيا، وزيادة القدرة التصديرية للدول المضيفة، وخلق وظائف جديدة والحد من مشكلة البطالة وتدريب العمالة الوطنية، ودعم عمليات الأبحاث والتطوير، بالإضافة إلى بعض المزايا الأخرى التي يمكن أن تتحقق بطرق غير مباشره.
وركزت الأدبيات الاقتصادية على دراسة تأثير الاستثمار الأجنبي المباشر على عوامل اقتصادية منها النمو الاقتصادي للبلد المضيف – ميزان المدفوعات –  الاستثمار المحلي الخاص –  سوق العمل من حيث خلق فرص عمل جديدة، وزيادة معدل الأجور، ورفع الكفاءة الإنتاجية للعمال. سعر الصرف للبلد المضيف –  نقل وتوطين التكنولوجيا للبلد المضيف، وتأثير أنشطة هذه الاستثمارات على البيئة وغيرها.
ورغم العوامل السابق ذكرها الا أن تأثير الاستثمار الأجنبي المباشر على اقتصاد البلد المضيف يعتمد على التفاعل الديناميكي لمجموعة من العوامل الاقتصادية والتنظيمية، والتشريعية، والسياسية بالإضافة إلى عوامل تعتمد على نوع الاستثمار الأجنبي المباشر «زراعي، صناعي، أو خدمي»، والأسباب وراء الاستثمار في البلد المضيف، وطريقة دخول الاستثمار الأجنبي «جديد، أو عن طريق الاندماج أو الاستحواذ»، وسياسات الدولة المضيفة اتجاه هذه الاستثمارات، وبيئتها الاستثمارية.
فعلى سبيل المثال، وجدت بعض الدراسات الاقتصادية التطبيقية (6 ) بأن تأثير الاستثمار الأجنبي المباشر على النمو الاقتصادي للبلد المضيف يعتمد على جودة رأس المال البشري الذي تمتلكه الدولة، بينما وجدت بعض الدراسات أن هذا التأثير يعتمد أيضاً على درجة تطور ونمو القطاع المالي والمصرفي في البلد المضيف. أيضاً قد يكون لبعض السياسات الاقتصادية المطبقة في البلد المضيف دوراً في تحديد أثر الاستثمار الأجنبي المباشر على الاقتصاد ذلك البلد، فعلى سبيل المثال، وجدت بعض الدراسات أن الدول التي تنتهج سياسة الاقتصاد المفتوح تنتفع من الاستثمار الأجنبي أكثر من تلك التي تتبع السياسات الحمائية.
على الرغم من الجدل المحتدم بين الباحثين حول آثار الاستثمار الأجنبي المباشر على اقتصاد البلد المضيف، ليس بوسع الفرد الباحث أن يتجاهل الدور الذي لعبته هذه الاستثمارات على دفع عجلة التنمية الاقتصادية في بعض الدول النامية خصوصاً دول جنوب شرق آسيا ودول جنوب شرق أوروبا «الاقتصاديات التي تمر بمرحلة انتقالية ورابطة الدول المستقلة».
ولكن يبقى السؤال: كيف للبلد المضيف أن تعظم الاستفادة من الاستثمار الأجنبي المباشر في مقابل تقليل أثاره السلبية على اقتصادها الوطني؟
وبناء على ذلك يمكن القول بأنه توجد مجموعة من الملاحظات يجب تدقيقها قبل تحديد الاستراتيجية التي ستتعامل بها الدولة مع الاستثمار الأجنبي ومنها:
المبالغة في أهمية الاستثمار الأجنبي على حساب الاستثمار المحلي في دفع العجلة التنموية، يعتبر من الأخطاء الشائعة من وجهة نظر الباحث، فمن زاوية يثبط الهمم المحلية في شحن التراكم الرأسمالي (او حتى خلق طبقة رأسمالية ناشئة) وتوجيهه نحو الاستثمار انتظارا للاستثمار الأجنبي، ومن ناحية أخري لم يقم الاستثمار الأجنبي بالدور التنموي الرئيس في أي تجربة تنموية، خاصة في ظل تلاعب الأهواء السياسية والمصالح الدولية في توجيهه حجما ومكانا وزمانا.
تحويل الأرباح واعادة رؤوس الأموال الي الموطن الأصلي، يجب أن تخضع لضوابط ترتكز أساساً على المصلحة الوطنية، وبغض النظر عن الأثر السلبي المحتمل لهذه الضوابط على جذب الاستثمار، فيجب عدم اغفال الأضرار المترتبة علي فتح الباب على مصراعيه لتحويل الأموال كما حدث بعد ثورة يناير وحتى الآن، ويجب هنا تطوير وتقوية الدور والأجهزة الرقابية في هذا الشأن على وجه الخصوص وفي مجمل الشأن الاقتصادي بصفة عامة.
أهمية وجود تدفق حر للمعلومات الاقتصادية(الشفافية)، فأكثر ما يكره المستثمرون هو أن يشعروا بالجهل تجاه حقيقة ما يحدث في البلد التي يستثمرون فيها أموالهم وحقيقة أوضاعها المالية، إن الثقة تأتى كنتيجة للشفافية، ومعلومات إحصائية واضحة عن الديون الخارجية والنظم البنكية وانفتاح الحكومة
التحدي الأساسي أمام أي حكومة أن تستطيع خلق بيئة مالية مستقرة، ومفتاح الاستقرار هو تحقيق نسبة تضخم منخفضة وما تعنيه من عجز مالي قليل وسياسة مالية تهدف لتفادى الوقوع في اتساع رقعة الائتمان، إن التضخم المنخفض يعنى نسبة فوائد منخفضة وعلاقات صناعية جيدة وأسعار صرف مستقرة.  أن المستثمرين الأجانب يعتبرون التضخم المنخفض أساس بناء اقتصاد السوق.
النقاط السابقة ليست فقط لتوضيح البيئة المناسبة لجذب الاستثمار وانما كذلك لتوضيح محدودية دوره بالنسبة للاستثمار المحلي، وتقلبه تبعا للأوضاع السياسية، واشتراطات فاعليته ان وجد، وتحجيم آثاره حال التشغيل أو التخارج.
يتبقى في النهاية الحفاظ علي الأمن القومي بمفاهيمه الواسعة محددا رئيسياً لأدوار يجب أن ترسم بعناية للاستثمار الأجنبي والا قد يتحول الي أدوات تخابر وتخريب.

سادسا: توظيف القدرات المحلية:

يمكن القول إن مصطلح القدرات يتسع ليشمل الخامات والعقول المحلية، وبناء على ذلك سيشمل بحث هذه النقطة ما يلي:

1- الخامات المحلية:

يري الباحث أن بحث الخامات المحلية من حيث توافرها الكمي، والاقتصادي يسبق وضع خطط التنمية بمراحلها المختلفة.
ولذلك فان نقطة البداية البحثية هي تكوين أطلس للخامات المحلية، ثم ترتيبها وفق أسعار الاستخراج وإمكانية توظيفها في صناعات تحويلية، والابتعاد بها ما أمكن عن التصدير على الهيئة الخام.
ثم يتبع ذلك بدراسة أهم التشريعات المطبقة على استغلال تلك المواد الخام، وأهم التعديلات الواجب إدخالها عليها، وكذلك أهم التشريعات الواجب سنها في نفس الإطار.
وكذلك دراسة كافة المؤسسات الوطنية العاملة سواء في مجال استخراج أو استغلال تلك المواد، ومدي الانسجام بينها، ومدي الحاجة الي دمجها داخل كيانات أكبر (مثال تعدد شركات البترول في مصر مما يحمل الموازنة بتكاليف إدارية ومالية ضخمة لكل مجلس إدارة، مقارنة باندماجها في ثلاث شركات كبري فقط في السعودية) أو فصل أجزاء منها لتشكل كيانات مستقلة، أو ربما الحاجة الي انشاء مؤسسات جديدة ذات طبيعة تتوائم مع خطط التنظيم الاقتصادي المتبع.
كما أنه يجب في مرحلة ما إعادة مراجعة كافة العقود المبرمة لاستخراج واستغلال تلك الخامات، ومحاولة المساومة علي تحسين بعض البنود غير الملائمة سواء بصورة مباشرة، أوعن طريق الوعد بعقود جديدة، أو حتى عن طريق التحكيم الاقتصادي الدولي.

2- القدرات الوطنية في الداخل والخارج:

من أصعب المشكلات التي خلقتها وأورثتها الأنظمة السابقة الاعتماد على النظام العائلي للنفاذ الي المناصب العامة، وفي حالة رغبة التنويع أو الافتقار الي الشخص العائلي المناسب النزوع نحو أهل الثقة الأمنية، وذلك على الرغم من امتلاك مصر كوكبة كبيرة من القدرات الوطنية، سواءً في الداخل أو الخارج، ومن المفترض أن الاعتماد على أمثال هؤلاء يوفر على الوطن سنوات عديدة تستهلك في بناء الكوادر الوطنية، وبهم يمكن البدء الفوري في تطبيق برامج التنمية.
لذلك يري الباحث ضرورة البدء في تكوين أطلس للخبرات والمهارات الوطنية (خاصة المقيمين خارج الوطن)، والتي يمكن الاستعانة بها في المراحل التنموية المختلفة، يظهر في هذا الأطلس الانسان المصري، وعمره وعائلته، ومحل اقامته، وتخصصه، وخبراته، ومهاراته والمشروعات العملية التي قام بتنفيذها.
كما يحاول وضع معايير يمكن الاسترشاد بها للتوظف والترقي في المناصب القيادية، ويسري هذا الأطلس على المقيمين في الداخل والخارج، ويمكن أن يركز في جزء منه على الشباب.
يمكن أن يجيب هذا الأطلس على تساؤل حول كيفية تمكين الشباب ومشاركتهم في العمل العام بكافة أشكاله، فمثلاً المتخصصون في هندسة الطرق يساهمون في حل أزمة المرور ولو في شارع واحد، أو حتى نقطة اختناق واحدة، بينما يساهم المتخصصون في القانون (عن طريق نقاباتهم الفرعية) في غربلة القوانين المختلفة وتعديل ما يلزم منها، أو حتى اعداد قوانين بديلة وهكذا.
وبذلك يفيد هذا الاقتراح المعتمد على الأطلس في تجهيز أجيال من أصحاب الخبرة لتسلم المسئولية ليس فقط على المستويات الوزارية، وانما كذلك على مستوي المحليات، بل وتمكين أعداداً كبيرة منهم من المساهمة في صنع القرار وتغيير الواقع، وبلا شك سينعكس هذا ايجاباً علي روح الانتماء، وتوفير الاستقرار اللازم للبناء التنموي.
انطلاقاً من هذه الركائز المقترحة يمكن تقسيم مراحل التنمية الاقتصادية كما يلي: مرحلة التنشيط الاقتصادي، ومرحلة الإصلاح الهيكلي، مرحلة تنفيذ الخطة الشاملة.
وفي هذا الإطار يجب التأكيد على أن لكل مرحلة من هذه المراحل اطارها النظري الذي يحدد طبيعة المشروعات التي يمكن أن تندرج تحت اطارها، كما أن هذا التقسيم يستوجب التكامل بل والتداخل الزمني بين بعض المشروعات والسياسات والمؤسسات والذي قد يتوقف نجاح أحد مراحله على توافر احداها في مرحلة زمنية معينة.
وأخيرا ما تقدمه هذه الورقة هو طرح مبدئي لارتكازات التنمية من وجهة نظر الباحث، وهي محاولة تنتظر الدعم البحثي من الزملاء لإثراء الموضوع والبناء عليه واكماله بمرتكزات نظرية أخري، أو بالتحديد الدقيق لبعض النقاط التي اكتفي الباحث بضرب الأمثلة عليها، ثم استكمال المقترحات البحثية التي جاءت في طيات الورقة.


الهامش

1 ) الرابط

2 ) الرابط

3 ) لمزيد من التفاصيل: أ. د. نوري عبد الرسول الخاقاني، أ.م. د. حسن لطيف الزبيدي: الاقتصاد الإسلامي بين العلم والمذهب: جدل مستمر وإشكاليات قائمة، محاضرات غير منشورة.

4 ) لمزيد من التفاصيل: د: باسم مكحول: سياسات التصنيع في فلسطين، معهد أبحاث السياسة الاقتصادية الفلسطيني، رامالله،2001.

5 ) لمزيد من التفاصيل: د / كريم نعمه النوري، “د. أ. تسينوف”: العولمة وتطورات العالم المعاصر، دار الإصدار البلغارية، 2005

6 ) رابط المصدر

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الورقة جيدا جدا و حمستني للقراءة ف مجال الاقتصاد السياسي ع المستوي الاكاديمي
    ارجو نشر اوراق ع نفس شاكلتها بأستمرار حتي لو كانت اوراق اطارية فقط لا تتعمق ف التفاصيل
    شكرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close