fbpx
تقارير

سد النهضة ما بعد مجلس الأمن… البدائل والخيارات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

طوال الفترة الماضية وبعد وصول المفاوضات السياسية إلى طريق مسدود بين إثيوبيا، البلد الباني والمستفيد من سد النهضة، ودولتي المصب المتضررَتين مصر والسودان، ذهبت مصر والسودان لخيار اللجوء إلى مجلس الأمن لعله يوفر مخرجا تقدمه ضغوط المجتمع الدولي لحلحلة تلك الأزمة التي ستترتب عليها أضرار كارثية على كلتا البلدين.

مخرجات جلسة مجلس الأمن: خيبة أمل

عقد مجلس الأمن في يوم الخميس 8 يوليو 2021م، بناء على مشروع قرار قدمته دولة تونس بشأن سد النهضة تحت الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، جلسة لمناقشة تداعيات أزمة سد النهضة، وملخص ما جرى في تلك الجلسة جاء كالتالي:

  • شدد مجلس الأمن الدولي على أن حل الخلاف لا يكون إلا عبر الدبلوماسية.[1]
  • أعربت بعض الدول عن قلقها من تنامي الخطاب التهديدي في أزمة سد النهضة، جات دولة روسيا الاتحادية في مقدمة الدول التي شددت على ذلك المعنى.
  • شددت المندوبة الأمريكية في المجلس على أن واشنطن تؤمن أن “الاتحاد الإفريقي هو الأنسب لتسوية أزمة سد النهضة، وأعرب مندوب فرنسا عن قناعته بـ “إمكان التوصل السريع إلى حل تحت مظلة الاتحاد الإفريقي”، فيما قال مندوب الصين إن بكين “تدعم الوساطة الإفريقية في أزمة سد النهضة وتدعو الدول الثلاث الصديقة للحوار”.
  • كلمة وزير الخارجية سامح شكري حرصت على توصيف أساس الأزمة بأنها “أزمة سياسية”، معتبرا أن “موقف إثيوبيا المؤسف قوض كل محاولات التوصل إلى اتفاق سياسي، وأكد شكري خلال الجلسة بأن مصر إذا تعرضت حقوقها لخطر لن يبق لمصر وقتها سوى حماية حقها الأصيل في الحياة، ودعا مجلس الأمن لمنع السد من أن يصبح تهديدا لوجود مصر. وتحدث شكري في كلمته بقوله “لا نعترض على حق إثيوبيا بالاستفادة من مياه النيل الأزرق، بل نطالبها باحترام التزاماتها الدولية”.[2]
  • في كلمة وزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق المهدي أكدت أن السودان دعمت بناء سد النهضة منذ البداية بشكل يحفظ حقوق الدول الثلاث، مشددة على أهمية الاتفاق الملزم لحماية الأمن البشري والسدود والأمن الإستراتيجي للمنطقة. واعتبرت المهدي أن إثيوبيا اتخذت خطوات منفردة أضرت بالسودان، ودعت مجلس الأمن أن يدعو إثيوبيا إلى عدم اتخاذ خطوات أحادية وإعطاء دور أكبر للممثلين الدوليين في المفاوضات برعاية الاتحاد الأفريقي.
  • ·        وزير الري الإثيوبي سيليشي بقلي خلال الجلسة اعترض بشكل مباشر على أن ينظر مجلس الأمن في أمر تشغيل سد لتوليد الطاقة ووصف الأمر على أنه ” غير مسبوق”، مضيفا أن مجلس الأمن هيئة سياسية تعنى بالأمن وأنه من غير المفيد طرح مسألة فنية عليه.، وتأسف على لجوء مصر والسودان لطرح ملف سد النهضة على مجلس الأمن. ورأى وزير الري الإثيوبي أن السد سيخزن المياه بشكل يتماشى مع ما تم الاتفاق عليه مع مصر والسودان بناء على اتفاقية مبادئ 2015، مؤكدا أن بلاده لا تستجيب للضغوط وأنها ملتزمة برعاية الاتحاد الأفريقي للمفاوضات.[3]
  • لم تتم حتى مجرد مناقشة مشروع القرار التونسي الذي طرح على المجلس!

ومما سبق، وفي نهاية المطاف، من الواضح أن الدول الرئيسية في مجلس الأمن تبنت وجهة النظر الأثيوبية بالتوصية بالاستمرار في اللجوء إلى طاولة مفاوضات الاتحاد الأفريقي، والذي فشل في إيجاد حل سياسي مرضي وملزم للأطراف الثلاثة على مدار الأعوام الماضية. وبعد رفع سقف الطموحات الداخلية التي عمل النظام المصري على ترويجها قبل انعقاد جلسة مجلس الأمن من خلال تصريحات سياسية وإعلامية بأن موضوع اللجوء لمجلس الأمن سيكون حاسما بإجبار أثيوبيا على الرضوخ لطلبات مصر والسودان بالتوقيع على اتفاق ملزم بمليء وإدارة السد، جاءت الجلسة مخيبة لأمال المصريين والسودانيين ولم يتم اتخاذ أي إجراء حاسم، ولو حتى شكليا، يحفظ حقوق مصر والسودان في الحياة، مما شكل ضربة قاسية لدبلوماسية مصر والسودان بهذا الصدد.

نظراً للتعقيدات التي لحقت بالمفاوضات السياسية وخشية النظام المصري من تبعات تنفيذ ضربة عسكرية حاسمة لوقف التهديدات الوجودية لمصر وللحفاظ على حياة المصريين، لجأ النظام المصري إلى مجلس الأمن بحثاً عن حلول دولية خارج النطاق الإفريقي التي يصر الجانب الأثيوبي أن يكن الحل من خلاله، ولكن من وجهة نظري فقد كان من السذاجة السياسية أن تذهب مصر إلى مجلس الأمن لهذا الموضوع، فإثيوبيا تتلقى من القوى المهيمنة والمسيطرة على تلك المجالس كافة أشكال الدعم لاستكمال سد النهضة، قوى الهيمنة تلك هي صاحبة أجندات خاصة في المنطقة العربية والإفريقية على مدار التاريخ فتلك القوى تسعى للتحكم في مصر و تقييد إرادتها بشتى السبل، فكيف إذن يطالب صانع القرار المصري تلك القوى أن تقف بجانب مصر؟  إن هذه الخطوة البائسة لم تؤد في نهاية المطاف إلا إلى نصر دبلوماسي جديد لإثيوبيا وإلى تثبيت موقفها برفض تدخل أية إطراف أخرى في هذه الأزمة سوى الإتحاد الإفريقي.

البدائل والخيارات:

بناء على الوضع المعقد الحالي، والذي ازداد تعقيدا بعد جلسة مجلس الأمن الأخيرة، وفي ضوء الإخطار الرسمي الصريح من قبل إثيوبيا لكلا من مصر والسودان ببدأ عمليات الملء الثاني، وفي ضوء فشل كافة الخيارات السياسية، فلا يبقى أمام النظام المصري إلا أن يتخذ خيارا من ثلاث:

الخيار الأول: استمرار التوجه إلى البحث عن حل سياسي

كافة الكلمات التي شهدتها جلسة مجلس الأمن الخاصة بسد النهضة من قبل مندوبي جميع الدول، أكدت على ضرورة الوصول إلى اتفاق سياسي مرضي للدول الثلاث، وشددت على أن القيام بأي أعمال عسكرية سيهدد السلم الأفريقي ودعت إلى الابتعاد عن مثل تلك الأمور، وقامت بإرجاع الملف مرة أخرى للاتحاد الأفريقي لإيجاد حلول خلال الفترات المقبلة.

تصريحات القيادة المصرية على مدار الشهور الماضية بالتلميح باستخدام القوة بالإضافة إلى التدريبات العسكرية المصرية المتكررة مع الجانب السوداني داخل الأراضي السودانية و كذلك تصريحات وزير الخارجية المصري و وزير الدفاع أيضا في أعقاب جلسة مجلس الأمن الأخيرة، فضلا عن، وكما نقلت بعض مصادرنا، بأن الجيش المصري يشاع داخل صفوفه بأنه سيتم تنفيذ ضربة عسكرية تحت شعار “تحيا مصر” تدمر سد النهضة قريباً ، فربما تحاول مصر بهذا الأسلوب أن تقنع القوى الدولية والإقليمية بأن مصر أصبحت على وشك تنفيذ ضريه عسكرية لسد النهضة وسيترتب على هذا تهديد السلم في منطقة القرن الإفريقي برمته، و تهديد مصالح ونفوذ تلك القوي في القارة الأفريقية ، مما يدفع تلك القوى بشكل جاد  لإيجاد وفرض حل سلمي يرضي الأطراف المتضررة، والأيام القادمة ستكشف ما إذا كان هناك تغير في الموقف الدولي أم لا.

الخيار الثاني: ضربة عسكرية جوية لتدمير سد النهضة:

الجيش المصري لديه من الإمكانيات والقدرات التي تؤهله بالفعل لتنفيذ عملية عسكرية نوعية على سد النهضة، وقد شرحنا هذا من قبل في دراسة نشرها المعهد المصري للدراسات: “سد النهضة الإثيوبي: قراءة في القدرات العسكرية وإمكانية المواجهة“.

الجيش المصري لدية قدرة جوية مقاتلة قادرة على قصف سد النهضة، فالطائرات الرافال الهجومية المقاتلة والطائرات الميج الهجومية المقاتلة، قادرة على القيام بتلك المهام، وهي كذلك قادرة على التعامل مع الدفاعات الجوية المنصوبة لحماية السد، ولكن نظراً لعامل البعد الجغرافي بين القواعد المصرية المتواجدة بنطاق الجنوب المصري ومنطقة السد، فلابد أن تستعين بالقواعد العسكرية السودانية المتاخمة للحدود الأثيوبية لتنفيذ تلك المهام.

ولكن هذا الأمر كان من الممكن القيام به بالفعل قبل المرحلة الثانية لملء خزان سد النهضة الإثيوبي، ولكن دولة أثيوبيا منذ أيام أعلنت عن بدء المرحلة الثانية للملء وأخطرت بذلك دولتي المصب مصر والسودان، وقد قام وزير الموارد المائية والري المصري محمد عبد العاطي بتوجيه خطاب رسمي إلى الوزير الأثيوبي لأخطاره برفض مصر القاطع لهذا الإجراء.[4]

من منظور عسكري فتوجيه ضربة عسكرية في ذلك التوقيت سيتسبب في أضرار بالغة الخطورة على دولة السودان في المقام الأول وستتعرض أراضي دولة السودان إلى غرق وبوار لمساحات أراضي كبيرة من أراضيها الزراعية وستتعرض حياة ملايين السودانيين لمخاطر شديدة، بما يقلل بشكل كبير من احتمال موافقة السودان على تدمير السد في هذا التوقيت انطلاقا من قواعدها، مما يدفع الكثيرون للنظر بشك كبير في جدية التهديدات المصرية بضرب السد الان بعد أن فات التوقيت الملائم لهذا الأمر و ضاع الوقت في مفاوضات عبثية استندت فيها مصر إلى “حسن نية” الجانب الإثيوبي.

البديل الثالث: السيطرة على منطقة السد:

يقع الهيكل الخرساني لسد النهضة الأثيوبي على بعد حوالي 40 كم من الحدود السودانية في منطقة بني شنقول، وهي منطقة تقبع تحت إدارة السلطات الأثيوبية الآن رغم أنها منطقة متنازع عليها بين السودان وأثيوبيا، ومازالت السودان تسعى لعودة تلك المناطق للسودان، ومن حين إلى أخر تنشب مناوشات عسكرية بين الجيشين السوداني والإثيوبي في تلك المنطقة.

إستراتيجية فرض الأمر الواقع بالقوة بعد تقاعس المجتمع الدولي في حفظ حقوق الدول، تلجأ إليها الدول ذات الجيوش القوية حفاظاً على أمنها القومي ولإجبار كافة القوى على إيجاد حل يحفظ الحقوق ونحن في هذه الحالة نتحدث عن الحق في الحياة.

و على هذا الأساس، و طبقا للشكوك الكبيرة في نجاعة البدائل الأخرى، فقد لا يكون أمام النظام المصري في الوقت الراهن  إلا أن ينتهج تلك الإستراتيجية، ويعمل على فرض سيطرة القوات المصرية بدعم سوداني، على منطقة بني شنقول “المضطربة أمنياً”  و التي يتواجد بها سد النهضة، ليس من باب الاحتلال طويل الأمد، ولكن حتى يكون متحكما في إدارة ذلك السد كأمر واقع إلى حين الوصول لحل مرضي لكافة الأطراف وكسر العجرفة الأثيوبية التي لا تُلقي بالاً للحقوق المائية لمصر والسودان، ولإجبار المجتمع الدولي “المتواطئ” على فرض حل لهذه الأزمة بالغة الخطورة على وجود مصر والمصريين.

من ناحية القدرات والإمكانيات العسكرية فالجيش المصري لديه من القوات البرية والقوات الخاصة من حيث العدد والعدة ما تؤهله للقيام بتلك المهمة، فالجيش المصري يمتلك العديد من قوات النخبة “الصاعقة والمظلات” بخلاف ضباط وجنود المشاة الأكثر عدداً داخل الجيش المصري.

الجيش المصري من أكثر الجيوش العربية التي تنفق على تسليحها، وتسليح الجيوش من أهم دوافعه الحفاظ على الأمن القومي، فإن لم يستخدم تلك المهمات والمعدات التسليحية المتقدمة في الظرف الحالي حفاظاً على الأمن القومي المصري فلماذا إذن هذا الكم من التسليح الذي أنفق عليه المليارات؟

يوجد عدد من السوابق الحديثة في مواقف بعض الدول المتقدمة عسكريا بما يدعم هذا الاتجاه. تركيا على سبيل المثال طبقت تلك السياسة “الأمر الواقع” عدة مرات حفاظاً على أمنها القومي، ففي سوريا قامت القوات التركية من خلال عملتي درع الفرات وغصن الزيتون وغيرها لتكوين مناطق عازلة شمال سوريا تكرس حماية الأمن القومي التركي، وفي شمال العراق تقوم القوات التركية بتنفيذ عدة عمليات بشكل مستمر داخل العراق ضد حزب العمال الكردستاني، وبمثل هذه العمليات فرضت تركيا أمراً واقعاً على المجتمع الدولي الذي لم يراع في كثير من الأوقات المصالح الوطنية التركية (من وجهة النظر التركية).  ولقد لجأت لهذا من قبل دولة روسيا الإتحادية في فرض سيطرتها على شبه جزيرة القرم وفرضت أمرا واقعا في شرق أوكرانيا بدعم القوات المناوئة للحكومة الأوكرانية المدعومة غربيا، ومن قبل فقد قامت القوات المصرية في حرب أكتوبر 1973م، باستخدام تلك السياسات وفرضت أمراً واقعاً وحررت أراضيها من الاحتلال الصهيوني بعد إجبار المحتل الصهيوني على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بشكل مختلف بعد كسر كبريائه وعجرفته.

ومن خلال واقع الأزمة المعقدة الحالية التي يمر بها ملف سد النهضة وتعنت دولة أثيوبيا المدعومة دولياً، وتواطؤ القوي الدولية في إيجاد حل يحفظ حياة مصر والمصريين من التهديد الوجودي الذي يواجهها، قد تكون هذه الإستراتيجية هي الأنسب في استخدامها للحفاظ على الأمن القومي المصري. وبالطبع فإن هكذا توجه يحمل معه الكثير من المخاطر، لكن من غير المتصور ألا يكون الجيش المصري، ذو الترتيب المتقدم عالميا، قد درس هذا البديل وخطط له جيدا، كما تشي بذلك مثلا التدريبات والمناورات العسكرية المشتركة مع القوات السودانية.

ختاماً

جلسة مجلس الأمن أوضحت أن القوى الدولية والإقليمية لا تُلقي بالاً لحقوق مصر والمصريين، بل أظهرت أن القوى صاحبة مشاريع الهيمنة والسيطرة تعمل على التحكم في مصر، وهذا توجه ظهر من أن لأخر على مدار التاريخ. فهل ستظل القيادات المصرية على نهج تصريحاتها الرنانة التي لم ولن تصل بها لنتيجة دون القيام بأي عمل إيجابي حقيقي، ولا يكرس ذلك إلا المزيد من الإحباط والشعور بالعجز، حتى نرى مصر تتحكم فيها قوى الهيمنة الدولية بشكل مباشر، ويتعرض وجود البلاد واستقلال إرادتها لخطر حقيقي داهم، أم سيتخذ النظام المصري البديل المناسب لكي يحمي الأمن القومي المصري؟ نعتقد أن الأيام القليلة القادمة ستجيب عن هذا السؤال.


الهامش

[1] مجلس الأمن يدعو إلى التفاوض لحل أزمة “سد النهضة” برعاية إفريقية، روسا اليوم، تاريخ النشر 08 يوليو 2021، تاريخ الدخول 09 يوليو 2021م، الرابط.
[2] سامح شكري يوجه 45 رسالة للمجتمع الدولي بشأن سد النهضة في كلمته أمام مجلس الأمن، بوابة الأهرام، تاريخ النشر 08 يوليو 2021م، تاريخ الدخول 09 يوليو 2021م، الرابط
[3] سد النهضة بمجلس الأمن.. مصر والسودان يطالبان باتفاق ملزم والدول الكبرى تحيل الخلاف إلى الاتحاد الأفريقي، الجزيرة نت، تاريخ النشر 08 يوليو 2021م، تاريخ الدخول 09 يوليو 2021م، الرابط
[4] الملء الثاني لسد النهضة.. مواقع التواصل تفيض بغضب المصريين بسبب الملء الثاني والأمل في حل عسكري، الجزيرة نت، تاريخ النشر 06 يوليو 2021م، تاريخ الدخول 09 يوليو 2021م، الرابط

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close