مختارات

سد النهضة والحلقة المفرغة في أزمة مياه النيل

مختارات المعهد المصري للدراسات

د. عبد الله الأشعل، مقالات الجزيرة نت، 4 يناير 2016. الرابط

أصبح سد النهضةمثار جدل في الرأي العام المصري، واتسمت المعالجة المصرية الرسمية له بالتناقض والارتباك خاصة في الإعلام، ولذلك نقدم في هذه المقالة بعض الرؤى لمعالجة حالة الهلع التي تنتاب المصريين إزاء شعورهم بثبات الموقف الإثيوبي وحزمه، مقابل عدم اليقين وعدم الشفافية فيمصرإزاء القضية.

من البديهيات أنالنظام -أيا كان اسمه- هو المكلف بإدارة الدولة وليس هو الدولة نفسها، إلا في العالم العربي، ولذلك يجب أن نفصل بين حساسية النظام اتجاه ما يشعر به المواطن من خطر على الدولة والوطن، وبين ضرورة التصدي لهذا الخطر.

ذلك أن النظم السابقةفي مصر أورثت الدولة والوطن ما نعانيه الآن، وكل نظام أسهم في طبقات الإرث السيئ الذي نعانيه. ولا يتسع المجال لتفصيل هذه الحقيقة، وخلاصتها أن مصر تبدو كأن ماضيها أفضل من مستقبلها، إذ يفترض أن المستقبل يبنى على الماضي.

فالدول التي عانت من الماضي قطعت صلتها به وانتقلت إلى المستقبل، ومثالها ألمانيا واليابانوإلى حد ماإيطالياوبريطانياوفرنسا، وكلها عانت من خطايا نظمها السياسية التي أورثتها دمارا وخرابا، وبعضها فرض عليها الدمار والخراب فاعتمدت على حيوية الشعب الذي يبني الأمم والدول ويستعين به النظام في هذه المهمة الشاقة.

أقول ذلك لرفع الحرج عن الحديث في قضايا تهم الوطن ويديرها النظام في سرية أحسب أن القلق بشأنها مشروع، ولا يجوز مطلقا قمع هذا القلق بأي صورة يتم التعبير بها عنه، ويكفي أن النظم السابقة التي أدارت قضايا الوطن الدقيقة مع كبت حرية الرأي حرصا على عدم انكشافها، زالت غير مأسوف عليها، وبقي الشعب والوطن يلعقان الجراح، وتلك لحظة فاصلة في تاريخ مصر.

فيما يتعلق بأزمة مياه النيل، لا جدال في أن جمال عبد الناصرخدم مصر بإنشاء السد العالي، وكان النيل يمر بدول صديقة تتمنى الخير لمصر لأن مصر قدمت لها الخيريومكانت مصرركيزة حرية الشعوب في العالم الثالث.

ولا أتحرج من القول بأنني خدمت فيأفريقيامرتين ولمست مدى تدهور مكانة مصر فيها، ولم يعد يعلق في أذهان الأفارقة إلا العصر الناصري دون أن أفصل في ذلك، ذلك أن وزارة الخارجية تعاقب أبناءها الخارجين عن الصف بمخالب النظام، ووزراء الخارجية هم الذين ينكلون بأقدر الدبلوماسيين في أفريقيا.

أوّلا، أزمتنا في مياه النيل -بقطع النظر عن سد النهضة أو غيره- أزمة دولة تراجعت بين الدول وتقلصت أوراق القوة لديها، وهذا هو الإطار العام الذي يجب أن نشخص في ضوئه الأزمة الحالية وما سيعقبها من أزمات.

ثانيا،النظم السابقة منذأنور الساداتمسؤولة عن هذه الكارثة لأنها تجاهلت مصالح مصروركزت على حسابات النظام، وتلك شهادة للتاريخ أسجلها من واقع الخبرة، فمصلحة مصر أقدس عندي من حسابات أي نظام، وكل النظم السابقة لم تتوقف لحظة لكي تدرس المسار في المصلحة المصرية.

فقد كان هم أنور السادات أن يدفع أفريقيا إلى قبول كامب ديفد، وتجاهل تماما أنهم لن يكونوا ملكيين أكثر من الملك. كما أن أفريقيا قطعت 23 دولة منها علاقتهابإسرائيليوم احتلت الأخيرةسيناء، ولم تعد العلاقات إلا بعد أن سلمت مصر مقاليدها لإسرائيل.

وهذا هو بيت الداء، إذ لا يمكن تأمين مصالح مصر المائية وغض الطرف عن التقارب مع إسرائيل التي تخنق مصر، وهي المسؤولة -عندما يكتب التاريخ وقائع هذه المرحلة- عن تعريض الجيش المصري في سيناء للمخاطر.

ولا أزال أذكر تعليق المتحدث باسم الخارجية المصرية عام 2010 على جولة وزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان في دول الحوض حيث كان يرتب للإضرار بمصر، إذ قال فيه إن “هذه الجولة لا تعنينا، فلا أمل مطلقا في الاستمرار في خديعة أنفسنا ونتباكى على مياه النيل التي سوف تضيع بسبب استئناس إسرائيل لنا”. أما وزراء الري فقد لعبوا أدوارا مختلفة في طمأنة المصريين علي غير الحقيقة.

ثالثا، لا يعلم أحد على وجه اليقين الأضرار المؤكدة من سد النهضة أو غيره، ولكن المؤكد أن هناك ضررا قلّ أو كثر، خاصة أن مصر مع تزايد السكان بحاجة إلى المزيد من حصص المياه، وأن حصة مصر الحالية لا تعترف بها دول النهر لأنها اتفاق ثنائي بين مصر والسودانوقعه البلدان عام 1959، ولا تعترفإثيوبياودول النهر الأخرى بهذا الاتفاق.

رابعا،أن مجمل مياهنهر النيلوأزمته ستتفاقم، ولا يجدي دخول الشعب والحركات الأكروباتية من بعض الشخصيات الكرتونية التي قادت حملة ما يسمى الدبلوماسية الشعبية، وأنفقت في ذلك من جيوب المحسنين الذين يغطون مثل هذه الأنشطة الوهمية.

ولكن الذي يجدي الآن هو أن تتشكل لجنة من المتخصصين في المياه والقانون والسياسة والاقتصاد والإستراتيجية والجوانب العسكرية لبحث مجمل الملف الذي لا يظهر منه الآن سوى سد النهضة الذي صوّر على أنه المشروع القومي لإثيوبيا، والخراب القومي لمصر.

ولا ينبغي أن نلتفت إلى المتخرصين الذين يتحدثون عن عمل عسكري أو مجلس الأمن أو القضاء الدولي، أو إلى الإشاعات التي انتعشت بسبب أهمية الموضوع القصوى وحالة الغموض الشديدة التي تحيط به، فقوة الإشاعة تحسب بحاصل ضرب أهمية الموضوع في درجة الغموض.

وسيمضي النظام كما مضت النظم السابقة، وستختفي شخوص المشهد الحالي من على مسرح الحدث بحكم قانون التعاقب، ولكن التاريخ سيسجل مدى الضرر أو النفع الذي أضافه النظام -أي نظام- إلى رصيد الوطن من القضايا الكبرى، وحينئذ لن ينفع الرقص والدجل والكذب والخداع والزفة الإعلامية، وإنما تعاني الأجيال معاناة حقيقية بما لحق وطنها من دمار.

إن أزمة مياه النيل ومشروع الضبعة والتوسع الزراعي وقناة السويس كلها مشروعات يمكن أن تكون خيرا على مصر أو دمارا لها، بحسب الأمانة العلمية والشعور الوطني الحق الذي يخلفه الحاكم بعد رحيله من المنصب، أو من الدنيا بأسرها.

هناك مقترحات كثيرة يحسن أن تناقشهااللجنة المقترحة، وأهمها وضع السيناريوهات والبدائل المختلفة لمعالجة أزمة مياه النيل التي تعقدت بانفصالجنوب السودان، وأرجو أن أضع في هامش هذه المسألة للمؤرخين حول دور النظم في مصر والسودان في هذا الملف، أن إسرائيل هي التي كانت أول من هنأ بالانفصال، ولا ألوم الجنوبيين، ولكن الانفصال كان مقررا منذ مؤتمر جوبا الذي نظمته بريطانيا عام 1947.

ومشكلة السودان تهمّنا من زوايا عديدة، أخطرها قضية المياه لأن مصر دولة المصب الوحيدة التي تتأثر مباشرة بما يجري للسودان الشقيق، ولا مجال هنا لتفصيل أثر انفصال الجنوب على الحصة الإضافية أو ما تسمى السلفة المائية، حيث كانت مصر تحصلعلى قرابة 72 مليار متر مكعب، ومع ذلك كانت تعاني الشح المائي بسبب المشروعات الوهمية في سيناء وتوشكي.

المقترح الثاني،ضرورة ترشيد استخدام المياه السطحية لأن مليارات منها تضيع في البحر المتوسط وأخرىفي سيناء وتوشكي، ولدينا عقول هندسية نيرة في مجال الري تستطيع أن تعالج هذه المشكلة مع خبراء الزراعة.

الثالث،ترشيد استخدام المياه للأغراض المختلفة في الزراعة والصناعة والشرب والاستخدامات المنزلية، ووضع خطة محكمة لتحقيق اقتصادات المياه دون تحميل المواطن أية أعباء إضافية، وتقوم بذلك الجمعيات الأهلية.

الرابع، البحث عن بدائل مائية دون المساس بحقوق الأجيال القادمة، والضرب بشدة على المعتدين على المساحات الخضراء المزروعة أو غيرها، ومقاومة الفساد في هذا القطاع خاصة من رجال الأعمال وكل من استولى على أرض لزراعتها ثم حولها إلى مبان طلبا للكسب الشخصي على حساب الثروة الزراعية.

الخامس، إنشاء فرع في المخابرات العامة لمعلومات النيل خارج حدود مصر، وتقديم هذه المعلومات إلى صانع القرار حتى يمكن توقي أي مفاجآت كما حدث في سد النهضة.

السادس،توجيه المشايخ من الأزهر والأوقاف إلى تكريس موقف الأديان من المياه حتى ينهض الإعلام بمهمة حقيقية في هذا المجال، ويوقف تماما دوره التخريبي في مصر، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

السابع،ضرورة إعادة ترتيب البيت المصري والعربي، لأن العرب هم الذين يموّلون السدود على النيل، ولا يهمهم أنهم يقفون كتفا بكتف مع إسرائيل للإضرار بمصر.

الثامن، تكريس الوعي بالنيل عند المصريين، وتجنب استنزاف المياه الجوفية التي لا تتجدد.

التاسع، إنشاء وزارة دولة للنيل والشؤون الأفريقية تتبع رئاسة الوزراء، تتعاون فيها الخارجية والري والاقتصاد والمخابرات، وإعداد كوادر تجيد التعامل والتفاوض في قضايا المياه، وتستفيد من تجارب 52 حوضا للأنهار الدولية.

إن مخاطر تجاسر دول الحوض على إقامة السدود على النيل تحتم الإسراع في تشكيل اللجنة المقترحة، والتحرك بسرعة ودراسة كافة الطرق التي تحفظ حقوق مصر القانونية، وتعالج الآثار القادمة لتداعيات سد النهضة، وتقييم الملف بأكمله، والأخذ في الاعتبار أن المصالح الحاسمة لا تتحقق بحسن النوايا، مع ملاحظة أن الأمطار على دول الحوض ستقل مع تغيرات المناخ.

ومن الضروري وضع إستراتيجية منسقة مع دول الحوض بعد استبعاد الكيد الإسرائيلي، لتحسين المحصول المائيللنهر وإقامة المشروعات المشتركة، واحترام حقوق مصر التي تعتمد بشكل مطلق على النيل، والبعد عن الارتجال والعشوائية والتشنج في معالجة هذا الملف الشائك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *