دراساتالحركات الإسلامية

سماوات خطرة: الجهاديون والطائرات بدون طيار

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

أصبح بإمكان الطائرات بدون طيار اليوم القيام بدور عارضات الأزياء في المملكة العربية السعودية المحافِظَة 1، وتوزيع وجبات السحور على المساجد2 وإيصال الطلبات المنزلية في دبي3 ، ناهيك عن المشاركة في مهام البحث وإنقاذ حياة البشر من الغرق والعثور على المفقودين في التضاريس القاسية وإخماد الحرائق. وتبدو الآفاق المستقبلية للطائرات بدون طيار، التي تستطيع التحليق على ارتفاع يزيد على 10 آلاف متر، مناسبة جدًا للأغراض المدنية لخفة وزنها وقدرتها على جمع المعلومات4 .
بيد أن الحواجز التنظيمية لا تزال حتى اليوم تُقَيِّد استخدام الطائرات بدون طيار لأغراض تجارية على نطاق واسع حتى في الأسواق الكبيرة المتقدمة، ما يجعل للقوانين واللوائح اليد الطولى في تطوير هذه الصناعة حول العالم5 .
ربما لم يكن هذا التطور المذهل يدور بخلد الأخوين جاك ولويس بريجيت حينما اخترعا أول حوامة ذات أربعة مراوح (كوادكوبتر) في العالم عام 19076 . لكن كل هذا هو الجانب الناعم فقط لهذه التكنولوجيا، بينما على الشاطئ الآخر ثمة صراع تدور رحاه بعنف، وسباق محموم تخوضه الدول والجماعات الجهادية على السواء ضد بعضها البعض بلا هوادة، ما يجعل هذه التكنولوجيا كما هي فرصة تجارية فإنها أيضًا تهديدًا7 .
وإذا كان بالإمكان تحويل طائرة بدون طيار مشتراه من موقع أمازون إلى أداة للقتل8 ، فإن أكثر الكوابيس المحلقة في السماوات رعبًا (عصر الطائرات الجهادية بدون طيار9 ) يتحوّل في الواقع إلى حقيقة تطوف فوق الرؤوس، أو هكذا يحاول صناع القرار والخبراء الغربيون إقناع الجمهور؛ لحاجةٍ في نفس المتطلعين إلى السلطة الساعين إلى السيطرة على الجماهير.
عندما نفكر في الطائرات بدون طيار، تطفو صورة آلات موت مُسَيّرة عن بعد، وعيون مراقبة محلقة في السماء، ومستقبل يمكن للنظام العالمي فيه أن يمارس فيه استبداده ضد من يقرر أنهم أعداءه من مرتفعات لا يمكن الوصول إليها. لكن ماذا لو طوّقت طائرات هؤلاء إلى جانب طائراتهم؟ إذا استطاع العالم تحقيق هذا التوازن في القوى فإنه سيسمح لهذه التكنولوجيا بتوزيع المنافع بعدالة أكبر- وحينها فقط يصبح هذا السباق المحموم في صالحنا10 .
وما بين الحقيقة الواقعة والصورة المُصنَّعة، تهدف هذه الورقة إلى بيان طبيعة المعركة المحتدمة بين الغرب والجهاديين حول تطوير سلاح الطائرات بدون طيار وهزيمته في الوقت ذاته، كلٌ لتحقيق مآربه وتقويض عدوه.

من الاحتكار التصنيعي إلى الانتشار المقلق

قبل قرابة عقد ونصف، وتحديدًا يوم 4 فبراير 2002، استخدمت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لأول مرة طائرة بدون طيار من طراز Predator في عملية قتل مستهدفة Targeted killing . كانت الضربة في ولاية بكتيا جنوب شرقي أفغانستان بالقرب من مدينة خوست. وكان الهدف المقصود هو أسامة بن لادن، أو على الأقل شخصٌ ما في وكالة المخابرات المركزية كان يعتقد ذلك.
كان شرح دونالد رامسفيلد للهجوم وجيزًا: “اتخذ قرار بإطلاق صاروخ هيلفاير. أُطلِق الصاروخ”. لكن في غضون أيام من الضربة، كان الصحفيون الموجودون على الأرض يجمعون معلومات من الأفغان المحليين مفادها أن القتلى كانوا مدنيين يجمعون الخردة. وبدأ المجتمع الإعلامي يطرح الأسئلة على البنتاجون، وهكذا بدأت مرحلة جديدة من عصر الطائرات بدون طيار.
لم تكن هذه بداية الاستخدام الميدانيّ ضد الجهاديين بالمعنى الدقيق، فقد كانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ترسل الطائرات بدون طيار للتحليق فوق أفغانستان منذ عام 2000. وبدأت في إرسال الطائرات بدون طيار المسلحة عقب هجمات 11 سبتمبر، واستخدم بعضها أثناء الحرب الجوية ضد طالبان في أواخر عام 2001 11.
أما تصنيع أول طائرة بدون طيار فيرجع إلى الحرب العالمية الأولى. ففي يناير 1918، بدأ الجيش الأمريكي إنتاج الطوربيدات الجوية، لكن الحرب انتهت قبل الانتهاء من هذه المهمة.  وخلال الفترة ما بين الحربين العالميتين استمر تطوير واختبار الطائرات بدون طيار. وفي عام 1935 أنتج البريطانيون عددا من الطائرات التي يتم التحكم فيها عن طريق موجات الراديو لاستخدامها كأهداف لأغراض التدريب. كما صنعت الولايات المتحدة الطراز ذاته واستخدمته أيضًا في التدريب. أما الانتشار الأول للطائرات بدون طيار على نطاق واسع كان في حرب فيتنام. كما بدأ استخدام الطائرات بدون طيار في مجموعة من الأدوار الجديدة، مثل القيام بدور الشراك الخداعية في القتال، وإطلاق الصواريخ ضد الأهداف الثابتة، وإسقاط المنشورات ضمن العمليات النفسية. وبعد حرب فيتنام بدأت دول أخرى خارج بريطانيا والولايات المتحدة في استكشاف التكنولوجيا الجوية بدون طيار. وأصبحت النماذج الجديدة أكثر تعقيدًا، مع تحسين قدرتها على التحمل والتحليق على ارتفاع أكبر. وفي السنوات الأخيرة طُوِّرت نماذج تستخدم تكنولوجيا مثل الطاقة الشمسية لمعالجة مشكلة الوقود في الرحلات الطويلة.
تقوم الطائرات بدون طيار الآن بالعديد من الأدوار، بدءًا من مراقبة تغير المناخ وصولا إلى إجراء عمليات البحث بعد الكوارث الطبيعية والتصوير الفوتوغرافي وتسليم البضائع. لكن الاستخدام الأكثر شهرة وإثارة للجدل هو في المهام العسكرية لأغراض الاستطلاع والمراقبة والهجمات المستهدفة. ومنذ هجمات 11 سبتمبر، زادت الولايات المتحدة بشكل خاص من استخدام الطائرات بدون طيار في مراقبة المناطق والتضاريس التي لا تستطيع القوات الذهاب إليها بأمان. هذه التكنولوجيا تستخدم أيضا كأسلحة لقتل المسلحين المشتبه بهم، وهو الميدان الذي أثار تساؤلات حول أخلاقيات هذا النوع من الأسلحة، خاصة عندما يؤدي إلى وفيات في صفوف المدنيين12 .
وبعدما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تحتكر صناعة وتطوير الطائرات بدون طيار في عام 2000، ارتفع عدد الدول التي تمتلك هذا الطراز من الطائرات من 41 في عام 2005 إلى 76 في ديسمبر 2011، بحسب تقرير نشره الكونجرس الأمريكي في فبراير 201213 ، ولا تزال هذه التكنولوجيا باقية وتتمدد.

وبينما لم يولي تقرير الكونجرس 2012 اهتماما كبيرًا بالخطر الكامن في تزايد انتشار الطائرات بدون طيار على السلام والأمن العالميين، إلا أنه أكد على خطر انتشار هذا الطراز على “المصالح الأمريكية”14 .
وأكد التقرير أن “استخدام أطراف خارجية للطائرات بدون طيار بهدف جمع المعلومات حول الأنشطة العسكرية الأمريكية قد حدث بالفعل” وأن “الزيادة الكبيرة في عدد الدول التي أصبحت تمتلك طائرات بدون طيار، بما في ذلك دول رئيسية مثيرة للقلق، زاد من الخطر المحدق بالولايات المتحدة”.
مع اختراع الطائرات بدون طيار، عبر العالم الحدود المعروفة للقتل إلى مساحة جديدة: عمليات قتل خالية من المخاطر، يتم التحكم فيها عن بعد. لكن في المقابل أيضًا، تحوَّلت التكنولوجيا التي اخترعتها الولايات المتحدة وطورتها على مر السنين واستخدمتها ضد أعدائها مراقبةً واغتيالًا إلى تهديد، وتحول الصيَّاد طريدة، وبات مضطرًا ليس فقط إلى استمرار تطوير سلاحه الأثير بل وأيضًا إلى اكتشاف نقاط ضعفه وسد هذه الثغرات قبل أن يستغلها عدوه.

الجهود الغربية والجهادية: أن تسبق العدو بخطوتين

الحوادث التي شهدت استخدام الجهاديين للطائرات بدون طيار خلال العام 2016، دفعت الولايات المتحدة ودول أخرى إلى تسريع اتخاذ مجموعة كبيرة من الإجراءات المضادة للطائرات بدون طيار. تتراوح هذه الحلول بين المدافع التي تعطل الطائرات بدون طيار، والطائرات بدون طيار الصغيرة المسلحة  الهجومية، وصولا إلى التدابير الإلكترونية وإجراءات المكافحة السيبرانية. كما بدأت الولايات المتحدة ودول أخرى في نشر حلول مكافحة الطائرات بدون طيار للتخفيف من التهديد الجهادي باستخدام الطائرات بدون طيار الهجومية. وينصح دون راسلر، مدير المبادرات الاستراتيجية في مركز مكافحة الإرهاب التابع للأكاديمية العسكرية الأمريكية- ويست بوينت، هذه الدول بسبر أغوار الطرق المبتكرة وغير المكلفة لهزيمة التدابير المضادة التي ينشرها الغرب؛ حتى يتسنى توقُّع كيفية استجابة الجهاديين لتلك الأساليب واتخاذ خطوات استباقية مضادة.
هذا هو الدرس الرئيس الذي ينصح راسلر الولايات المتحدة وحلفائها بتعلمه: بالنظر إلى التكلفة والوقت اللذين يحتاجهما تطوير التدابير المضادة للطائرات بدون طيار، ينبغي أن تسبق واشنطن وحلفاءها عدوهم الجهادي بخطوتين. ولا غروَ، فالتهديد المبتكر يحتاج إلى طريقة تفكير مبتكرة15 .

هناك خطوتان اقترحهما المجتمع البحثي الغربي لتحقيق ذلك:

(1) دمج هذه الجهود في التدريب السنوي Black Dart الذي تجريه الولايات المتحدة للطائرات بدون طيار16 ، ورعاية مسابقة- يمكن لعدد كبير من المتسابقين الاشتراك فيها- تمنح جائزة لاكتشاف طرق عملية ومنخفضة التكلفة للتغلب على الأسلحة الغربية الموجهة لهزيمة الطائرات بدون طيار. ويتطلع الباحثون الغربيون أن يسحب مثل هذا النهج بساط اللعبة من تحت أقدام الجهاديين، ويتمخض عن اكتشافات مثيرة حول الأدوات التي تعتزم الولايات المتحدة نشرها في الميدان، وأن يسلط الضوء أيضًا على الثغرات الدفاعية الأخرى التي لا تزال قيد التمحيص. ولحماية أي تسريبات، ينصح راسلر بعدم نشر نتائج هذه الجهود، نظرا لاهتمام الجهاديين بالتغطية الإعلامية لهذه المسائل.
(2) تتبُّع المحادثات المفصلة حول الإجراءات المضادة للطائرات بدون طيار التي يجريها الجهاديون عبر الإنترنت للوصول إلى حلول مفيدة باعتبارها موردًا هامًا يمكن للقوات الأمريكية وشركائها في الميدان الاستفادة منها. فهناك أمثلة لأفراد مختلفين- أو مجموعات صغيرة- ينخرطون في محاولة للعثور على نقاط الضعف الكامنة، بدءًا من أجهزة الاستشعار والتشفير وصولا إلى الجواسيس، وهو ما يمكن استغلاله لإلحاق الهزيمة بالطائرة بدون طيار أو الحد من دقتها أو تعزيز فرص النجاة من هجماتها. وهناك أيضًا الرسائل الصادرة عن قادة الجماعات الجهادية والمراسلات البينية التي تعكس الدور الهام الذي تلعبه التدابير المضادة والاستراتيجيات الدفاعية في بقاء الجماعات الجهادية مثل تنظيم الدولة والقاعدة.

 ملاحقة الجهاديين في إفريقيا

في هذه الأثناء، تضع وكالة الاستخبارات الأمريكية سي آي إيه اللمسات الأخيرة لشن هجمات الطائرات بدون طيار ضد عناصر تنظيمَي القاعدة والدولة في إفريقيا، تطبيقًا للتغيير الذي أدخلته إدارة الرئيس دونالد ترامب على هذه السياسة العام الماضي، بعد تقليص استخدامها بشكل كبير في عهد الرئيس السابق باراك أوباما (وإن كان ذلك محل نظر 17) إثر ردود فعل صاخبة ضد ارتقاء عشرات الضحايا من المدنيين18 .
هذه التوسعة الجديدة في العمليات الأمريكية باستخدام الطائرات بدون طيار تتضمن تحريك طائرات إلى شمال شرق النيجر لمطاردة العناصر الجهادية في جنوب ليبيا، بالإضافة إلى المهام المحدودة في شرق أفغانستان لشن ضربات في باكستان، وفي جنوب المملكة العربية السعودية لشن هجمات في اليمن19 .
وفي أوائل العام المقبل، من المتوقع أن تعمل القاعدة الجوية 201 للطائرات المسلحة بدون طيار التي تبنيها الولايات المتحدة في النيجر. وبذلك يكون ترامب قد ضرب بعرض الحائط كافة النصائح التي وجهها له الباحثون الغربيون بتقييم فشل الطائرات بدون طيار في ظل إدارتي بوش وأوباما. ومن الملاحظ أن ضربات الطائرات بدون طيار الأمريكية تستمر وتنتشر في عهد ترامب- الذي يبدو أنه لا يثق بجنرالاته لتوجيه استراتيجيته- بعيدًا عن الرقابة العامة أو إشراف الكونجرس20 .
ربما يكون شن ضربات باستخدام الطائرات بدون طيار هو الطريق الأسلم لمهاجمة العدو، لكنه أثبت أنه ليس الأكثر فاعلية 21، بل قد يسهم في تعزيز التنظيمات الجهادية بدلا من هزيمتها، نتيجة استعداء المدنيين الذين لا يزالون يلتزمون الحياد في هذه الحرب الهوجاء 22.

جهود جهادية

هذا ليس جديدًا على كل حال، فلطالما كانت الولايات المتحدة تستخدم الطائرات العسكرية المسلحة بدون طيار كأداة محورية في مواجهة التهديد الذي يشكله تنظيمَيْ القاعدة والدولة. وبالتالي، ليس مستغربًا أن يكون استخدام الغرب للطائرات بدون طيار موضع اهتمام كبير للجماعات الجهادية وأنصارها، وهو ما يظهر بجلاء سواء في الخطط والمراسلات السرية بين القيادات الجهادية أو في النقاشات العلنية بين الأنصار عبر الإنترنت. لقد سعت الجماعات الجهادية لسنوات إلى إيجاد طرق لتعطيل الطائرات المسلحة بدون طيار وتقييد فعاليتها ونشر طائراتها الخاصة بطرق هجومية 23:

  1. كشفت وثائق استخباراتية سرية سربها إدوارد سنودن أن قيادة تنظيم القاعدة كلفت مهندسيها بالبحث عن وسائل لإسقاط الطائرات الأمريكية بدون طيار عن بعد أو التشويش عليها، باستغلال نقاط الضعف التقنية في نظام هذا السلاح24 . حمل التقرير عنوان “تهديدات للمركبات الجوية غير المأهولة” وهو عبارة عن ملخص لعشرات التقييمات الاستخبارية المسجلة لدى أجهزة الاستخبارات الامريكية منذ عام 2006.
  2. وفي أوائل شهر أكتوبر 2016، استخدم تنظيم الدولة طائرة بدون طيار محملة بالمتفجرات لقتل مقاتلَيْن كرديين وإصابة جنديَيْن من القوات الخاصة الفرنسية25 . تمكنت المجموعة من إنجاز هذا العمل ليس عبر أحد الاختراقات التقنية المتطورة، ولكن من خلال مزيج من الخداع (إخفاء المتفجرات داخل الجهاز) والإبداع (تفجير الجهاز بعدما أسقطته القوات الكردية ونقله إلى قاعدتهم لفحصه). وكان هذا أول حادث معروف لاستخدام الطائرات بدون طيار كسلاح مميت، حيث كان التنظيم يستخدم هذه التكنولوجيا سابقا لتصوير مقاطع دعائية وفي أغراض المراقبة، لكن اكتشاف ورشة سرية في معقل تنظيم الدولة السابق في العراق كشف أن الهجوم ليس عابرًا بل يمكن أن يكون جزءًا من برنامج أوسع26 .
  3. في يناير 2017، بث تنظيم الدولة شريط فيديو دعائي يظهر قرابة 12 تجربة لإطلاق ذخائر من الجو بدرجة معقولة من الدقة باستخدام الطائرات بدون طيار المعدلة.
  4. أحد النقاط الذكية التي خدعت العديد من المحللين، وجعلتهم يخطئون في توقع ملامح هذا الخطر مبكرًا، هو أنه بدلا من محاولة تكرار النموذج الغربي الذي سيظل متفوقًا في نهاية المطاف، قام تنظيم الدولة وغيره من الجماعات المسلحة بذكاء بتكييف طائرات أصغر بدون طيار لخدمة أغراضها. ففي معركة الموصل عام 2017، على سبيل المثال، أرسل تنظيم الدولة طائرات بدون طيار صغيرة ومرنة مسلحة بقنابل يدوية لمهاجمة القوات العراقية التي احتشدت لاستعادة السيطرة على المدينة27 .
  5. بعدها بعام واحد، أصدرت وزارة الأمن القومي تحذيرًا الأمريكيين من التهديد المحتمل للطائرات بدون طيار المطورة كوسيلة ممكنة لمهاجمة الطائرات التجارية والشحن الجوي في الولايات المتحدة، وشملت النشرة المحدثة تحذيرات من هجمات كيميائية28 .
  6. أحد الاتجاهات الجهادية التي تطورت هذا العام 2018 هو استخدام الطائرات بدون طيار، ومن المرجح أن تصبح الفعاليات الكبيرة التي تقام في الهواء الطلق هي الهدف الأكثر احتمالا خارج ساحات المعارك في سوريا والعراق، بحسب سكوت ستيوارت، نائب رئيس ستراتفور للتحليل التكتيكي 29.
  7. هذا التهديد وضع شرطة نيويورك على أهبة الاستعداد هذا العام، ودفعها في نهاية المطاف تقييم “قدرتها التكنولوجية على السيطرة على الطائرات بدون طيار”، حسبما أعلن جون ميلر، نائب مفوض الشرطة لشؤون المخابرات ومكافحة الإرهاب، خلال مؤتمر صحفي في أبريل الماضي30 .
  8. وفي بريطانيا، أعرب الدكتور ستيفن بريور، المتخصص في المركبات الجوية غير المأهولة، قبل أشهر عن استغرابه من أن “الإرهابيين” لم يستخدموا الطائرات بدون طيار في بريطانيا حتى الآن، لاسيما وأن تنظيم الدولة كان من أول الجماعات التي تشتري طائرة بدون طيار رخيصة الثمن وتطورها وتستخدمها لإحداث تأثير مدمر للغاية في العراق وسوريا، مضيفًا: “أعتقد أنها مسألة وقت فقط قبل أن يحاول شخص ما شيئًا ما”31 .
  9. برغم كل شيء، لا يزال خبراء مكافحة الإرهاب قلقين من أن تنظيم الدولة يخطط “لنقل التكنولوجيا”: التقنيات والمواد والتكتيكات، من سوريا والعراق لاستخدامها في أوروبا.
  10. أثبت تنظيم الدولة قدرة على استخدام الطائرات بدون طيار في مهام مختلفة مثل النقل والمراقبة، وتصوير مقاطع الفيديو الدعائية عالية الجودة، وإجراء عمليات الاستطلاع في ساحة المعركة، وثمة مؤشرات على إمكانية تسليح الطائرات بدون طيار بعبوات ناسفة أكبر وتزويدها بتكنولوجيا اتصالات ضد الاختراق 32.
  11. صحيح أنه بعد وصول التهديد إلى مستوى متقدم في ربيع عام 2017، شهد استخدام الطائرات بدون طيار انحسارا واكب تراجع التنظيم على مختلف الأصعدة، بيدَ أن الاهتمام التحليلي الغربي لم يتوانَ عن دراسة كيف تمكنت المجموعة من توسيع برنامجها في فترة زمنية قصيرة نسبيا33 .
  12. وتتخوف تقارير غربية من أنه إذا استطاعت الجماعات الجهادية الجمع بين: (1) تكنولوجيا الطائرات بدون طيار كأداة تشتيت (2) والمواد الكيميائية أو البيولوجية أو الإشعاعية؛ فسيجد الغرب نفسه في مواجهة مشهد أكثر رعبًا بكثير34 .

الجيل الجديد من الطائرات بدون طيار:

هل سيستخدم الجهاديون السيارات المفخخة ذاتية القيادة، وغيرها من التقنيات المتطورة في شن هجمات أكثر دموية؟
في كتابه Life 3.0 يستشهد ماكس تيجمارك بقلق عالم الكمبيوتر في جامعة كاليفورنيا بيركلي ستيوارت روسل من أن أكبر الفائزين من سباق الذكاء الاصطناعي هي “الدول المارقة الصغيرة والفاعلين غير الحكوميين مثل الإرهابيين” الذين يمكنهم الوصول إلى هذه الأسلحة من خلال السوق السوداء. ذلك أنه يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي أن تعزز مجموعة واسعة من أنشطة الجهات الفاعلة العنيفة من غير الدول، بما في ذلك الابتزاز والاختطاف، من خلال أتمتة (التشغيل الآلي = automation ) هجمات الهندسة الاجتماعية.
ومثلما كرّس تقرير لجنة 11 سبتمبر فصلا كاملا لمناقشة كيف أن نجاح تلك الهجمات كان يرجع جزئيا إلى فشل السلطات في تخيل التهديد القادم، فقد شهدنا خلال السنوات الأخيرة إخفاقات متعددة في الخيال الاستشرافي حيث حاول المحللون توقع ما يمكن أن يفعله “الإرهابيون” بالتكنولوجيا الناشئة. إن عدم خصوبة الخيال التحليلي في الوقت الذي يصبح فيه الذكاء الاصطناعي أرخص ثمنا ومتاحًا على نطاق أوسع قد يكون أكثر تأثيرا وتكلفة.

مطاردة بحثية

بينما تستفرغ الحكومات ووكالات مكافحة الإرهاب العالمية وسعها في تطوير طرق مختلفة لمواجهة هذا التهديد، يدرس الباحثون ومراكز التفكير الغربية كيفية استجابة جماعات مثل تنظيم الدولة لنشر هذه الأنظمة وكيف يحاولون إلحاق الهزيمة بها. ويتمثل أحد الوسائل التي اعتمد عليها الباحثون الغربيون في تتبع خيوط النقاشات التي أجرتها التنظيمات الجهادية ومؤيدوها عبر الإنترنت باللغة العربية لسنوات حول سبل مكافحة استخدام الغرب للطائرات بدون طيار.
يلاحظ أن هذا النوع من النقاشات الدائرة على الأقل منذ عام 2011، والرسائل المتبادلة بين القادة والتنظيمات الجهادية، تسلط الضوء على نقطتين:
(1) التهديد الذي تشكله هجمات الطائرات المسلحة بدون طيار على هذه الجماعات وحلفائها حول أنحاء العالم هو تهديد حقيقي.
(2) الاهتمام بمتانة الأمن التشغيلي، إذ هو ليس أمرًا حاسماً فحسب لبقاء هذه الجماعات، بل هو مطلوب أيضًا لمواجهة أو إلغاء المزايا التي توفرها التكنولوجيا الأمريكية المتفوقة35 .
لكن كما لاحظ بريان جاكسون وزملاؤه في مؤسسة راند، فإن الإجراءات المضادة، حتى عندما تكون ناجحة، عادة ما تكون فترة صلاحيتها محدودة، ما يستدعي استمرار اليقظة والتحديث المستمرين في صفوف أي جماعة جهادية.
ولفهم الديناميات الجهادية المضادة للتكنولوجيا الغربية، وضع بريان جاكسون وزملاؤه في مؤسسة راند تصنيفًا مع أربع فئات، للمساعدة في وضع التدابير المضادة التي تنشرها الجماعات الجهادية تحت المجهر التحليلي:
(1) تغيير الممارسات التشغيلية
(2) إجراء تغييرات أو تبديلات تكنولوجية
(3) تجنب التكنولوجيا
(4) مهاجمة التكنولوجيا
في العادة يمكن وضع الجهود الجهادية للتصدي للطائرات بدون طيار في أحد هذه الفئات الأربع، لكن نهج الجماعات الجهادية في بعض الأحيان يكون أكثر تعقيدًا ويلائم العديد من هذه الفئات.

تقييم الفعالية

الطائرات بدون طيار الغربية.. أداة تعطيل لا اجتثاث

في سياق الحرب الدولية على الإرهاب، تواصل الدول استهداف وقتل الأشخاص المشتبه في كونهم إرهابيين أو مرتبطين بشبكات تعتبرها إرهابية. هذه الحرب على الإرهاب تعتمد إلى حد كبير على الطائرات بدون طيار الموجهة عن بعد، والتي أصبحت الآن السلاح المفضل للديمقراطيات الغربية، بل ومصدر إلهام ومحور اهتمام صناعة السينما الغربية36 .
شهد عدد هجمات الطائرات الأمريكية بدون طيار ضد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية زيادة كبيرة منذ عام 2010، لكنها برغم ذلك حظيت باهتمام أكاديمي محدود. وقد شن الجيش الأمريكي أكثر من 120 غارة على اليمن في عام 2017 وحده، أي أكثر بثلاث مرات من عدد الغارات التي شنها البنتاجون في عام 201637 . وبالرغم من إعلان مستشار الرئيس اليمني، فارس السقاف، عن أن هذه الغارات “ستشكل منعطفا جديدا في الحرب على الإرهاب”، إلا أن هذه الضربات لم تثن التنظيم عن الاستمرار في عملياته. كذلك استخدمت الولايات المتحدة الطائرات بدون طيار لشن هجمات ضد المسلحين المرتبطين بالقاعدة وغيرها من الجماعات العنيفة المتمركزة في باكستان، بهدف تقويض قدرة الهدف على القيام بعمل سياسي وعنيف.
وبالتدقيق في فعالية هذه الهجمات يتضح أنها حققت نجاحًا محدودًا في تقويض البنية الهرمية للقاعدة في شبه الجزيرة العربية، والموارد البشرية المؤهلة، والوصول إلى الموارد المادية الرئيسية، وفي بعض الحالات حتى هذا النجاح المحدود كان له ثمن. وهذا دون إغفال العمليات الناجحة التي استطاعت القضاء على أسامة بن لادن في غارة للبحرية الأمريكية في مايو 2011، وضربة الطائرة بدون طيار في سبتمبر 2011 على أنور العولقي38 .
وعلى الرغم من أن الطائرات بدون طيار عطلت بالفعل تنظيم القاعدة بشكل مؤقت- من خلال القضاء على كبار القادة المشاركين في تنسيق ومراقبة العمليات الخارجية- إلا أن قدرة تنظيم القاعدة على ضرب الأهداف الغربية لا تزال كبيرة بشكل عام39 .  وتستند فكرة تقييم الفاعلية إلى أنه إذا كانت هجمات الطائرات بدون طيار قد نجهت في تقويض القاعدة، فإن ذلك يجب أن يكون مترافقا مع انخفاض في الإنتاج الدعائي للتنظيم. بيدَ أن التحليلات الغربية ذاتها تعترف بأن المعطيات تؤكد أن هذه الهجمات لم تقوض قدرة القاعدة على توليد الدعاية 40.
البيانات العنترية التي يصدرها البنتاجون بين الفينة والأخرى حول اغتيال أحد الزعماء الجهاديين ينقصها الاعتراف بحقيقةٍ بالغة الأهمية: حتى بعد سنوات من شن هجمات بالطائرات بدون طيار حول العالم، لن يكون لمقتل شخص هنا أو هناك تأثير يذكر على هزيمة التنظيمات الجهادية والفوز في “الحرب على الإرهاب”. ولقد كان لافتًا أن صحيفة الواشنطن بوست 41 حين نشرت الوثيقة السرية التي حصلت عليها من الموظف السابق لدى وكالة الامن الوطني سنودن حجبت بعض الأجزاء التفصيلية؛ نظرا لإمكانية أن تلقي الضوء على نقاط ضعف معينة لبعض الطائرات.
في الواقع يعترف خبراء الطيران الأمريكيين بوجود نقطة ضعف في الطائرات بدون طيار فيما يتعلق بنظام الاتصال اللاسلكي عبر الأقمار الاصطناعية وأجهزة التحكم عن بعد التي تمكن المتحكم في المحطة الارضية من توجيهها من على بعد آلاف الأميال. كما أن تكثيف هذه الضربات له رد فعل سلبي على هيبة وسطوة الدولة الوطنية، حيث تظهر بموقف ضعيف وعاجز أمام الشعب الذي يدفع فاتورة هذه الضربات أينما وقعت، إن كان في اليمن أو في أي بلد آخر كباكستان وأفغانستان، فكل الدراسات تشير إلى أن هذا النوع من الضربات له دور أساسي في إضعاف هيبة البلدان المستهدفة. كما أنها تُقرب ما بين الفصائل الجهادية وحاضنتها الشعبية، خصوصا عند وقوع خسائر في صفوف المدنيين42 .
وتعليقًا على قاعدة النيجر المرتقب افتتاحها في غضون أشهر، أعرب امادو روفاي المسؤول في الإدارة النيجيرية عن قلقه قائلا: “نخشى العودة إلى ذات الوضع في أفغانستان حيث ارتكب جنود أمريكيون الكثير من الأخطاء التي لم تعرف دائما الفرق بين حفل زفاف وتدريب جماعات إرهابية”. كما أعرب الزعيم المدني نوحو محمدو عن قلقه، قائلا “إن وجود قواعد أجنبية عامة، وأمريكية على وجه الخصوص، هو استسلام خطير لسيادتنا وهجوم جاد على الروح المعنوية للجيش النيجيرى”43 .

الطائرات بدون طيار الجهادية.. ذعر أكبر من الضرر

ثمة استخفاف واضح بالعقلية الجهادية في أروقة المراكز البحثية الغربية، حيث يرى راسلر أن أفضل الحلول التي يقترحها المجتمع الجهادي في تجمعاته الفكرية على الإنترنت يمكن اعتباره طيفًا يتراوح بين الأفكار السخيفة ومتواضعة التطور. كذلك فثمة لمزٌ مباشر في هذه الأوساط بأن بعض كبار مسؤولي الاستخبارات في الجماعات الجهادية قتل بضربة من طائرة بدون طيار بعد أن أنفق شطرًا كبيرًا من حياته في إسداء النصائح بشأن كيفية النجاة من هجماتها.
يسخر محلل ديفينس وان باتريك توكر من سهولة إسقاط الطائرات بدون طيار البدائية، قائلا إن مسلحي البشمركة وقوات الأمن العراقية يروق لها إطلاق النار على هذه الأشياء. وهناك نكتة محلية تقول إنهم يلاحقونها بالكلاشنكوف كما لو كانوا يطلقون النار في الهواء أثناء حفل زفاف44 .
صحيحٌ أن الطائرات بدون طيار أصبحت متاحة الآن على نطاق أوسع، ليس فقط للهواة المسالمين ولكن أيضا لمن يحملون أفكارًا دموية، لكن صعوبة الحصول على ذخائر عسكرية أو تصنيع ذخائر مرتجلة للطائرات بدون طيار ستعرقل شن مثل هذه الهجمات. وفي حال حدوثه، من المحتمل أن يتسبب مثل هذا الهجوم في ذعر أكبر مما سيخلفه من أضرار مباشرة.
وصحيحٌ أيضًا أن الهجمات باستخدام الطائرات بدون طيار من المرجح أن تصبح أكثر شيوعًا، وستشكل في نهاية المطاف مصدر قلق عالمي، لا سيما مع نضوج التكنولوجيا، إذ يرجح أن تزداد الحمولة المتاحة (أكثر من 20 رطلا حاليا للنسخ باهظة التكلفة) بينما تنخفض الأسعار التجارية. كذلك فإن وجود هذه التقنية في أيدي الجماعات الجهادية يشكل تهديدًا أكبر بكثير، حيث بإمكانها توظيف الذخائر التي حصلت عليها من مناطق النزاع مثل تنظيم الدولة في الموصل.
تزداد احتمالية شن هجمات الطائرات بدون طيار باستخدام ذخائر عسكرية في الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وحتى السويد (قامت جماعات الجريمة المنظمة بشن عدد مثير للقلق من الهجمات التي شملت القنابل اليدوية)، حيث تتوافر هذه التقنية. لكن في أجزاء كثيرة من العالم لا تتوافر الأسلحة العسكرية على نطاق واسع، ما يضطر المهاجم المحتمل إلى البحث عن مصدر آخر للحصول على الذخيرة المطلوبة، من بينها تصنيع ذخيرة مرتجلة، والحديث عن هذا الأمر أسهل من تنفيذه على أرض الواقع. وهكذا فإن الحصول على مكونات القنابل وتجميعها واختبارها ثم إعادة اختبارها مع الطائرة بدون طيار يزيد من تعقيد دورة الهجوم الجهادي، مما يزيد من فرص اكتشاف المهاجِم أثناء مراحل الإعداد.

وحتى إذا تمكن أحد المهاجمين من شن هجوم مباشر باستخدام طائرة بدون طيار، فإن الضرر المادي الذي يمكن أن تحدثه الذخائر المصنعة يدويًا، سواء كانت قنابل أنبوبية بسيطة متواضعة الأثر التفجيري أو نوع من القنابل اليدوية المرتجلة التي تستخدم متفجرات أكثر قوة مثل TATP ، فإنها ببساطة لن تكون بنفس فعالية الذخائر العسكرية المصنعة خصيصًا لغرض محدد45 .
وكما أثبتت هجمات تنظيم الدولة في العراق وسوريا، فإن الذخائر العسكرية الصغيرة التي تستطيع الطائرات بدون طيار حملها تسبب ضررًا نفسيًا أكثر من الضرر المادي. وعلى الرغم من ارتفاع احتمالية فشل مثل هذه الهجمات على المستوى التشغيلي، إلا أن الهجوم في حد ذاته لا يزال يبعث برسالة واضحة مفادها: لستَ آمنًا.
من المهم أيضًا أن نضع في الاعتبار أن توظيف الطائرات بدون طيار لا يقتصر على الهجمات المباشرة؛ إذ يمكن استخدام هذه التكنولوجيا، التي تعتبر منصات مراقبة شديدة الفعالية، لجمع المعلومات الاستخباراتية عن المرافق أو المساكن أو رصد تحركات الأهداف البشرية المحتملة، مما يسهل التخطيط للهجمات بوسائل أخرى.
لكل ما سبق ينصح سكوت ستيوارت، نائب رئيس التحليل التكتيكي في ستراتفور، بأن تكون فعالية الطائرات بدون طيار كأدوات للمراقبة مصدر قلق خاص لفرق حماية الشركات والحماية التنفيذية، ما يتطلب اتخاذ خطوات للبحث عنها بالإضافة إلى المراقبة التقليدية التي يقوم بها العمال أو الكاميرات الثابتة على الأرض. صحيح أن استخدام الطائرات بدون طيار في المراقبة يمكن أن يؤدي إلى تغيير شكل دورة الهجوم، لكن بما أن المهاجمين لا يزالون بحاجة إلى استكمال الدورة، فإن نقاط الضعف التي تعتريهم تظل كما هي.
وعلى الرغم من أن راسلر يصف معظم التدابير المضادة للطائرات بدون طيار التي يستخدمها الجهاديون بأنها: (1) تفتقر إلى الاحترافية (2) مدفوعة بالفطرة. إلا أنه يعترف في الوقت ذاته بأنها تعكس مستوى معين من التركيز والالتزام بين المجتمع الجهادي لتحقيق هدفين: (1) فهم الخصوم ومعرفة مدى قوتهم (2) التوظيف الأمثل للموارد المتاحة46 .

الحرب الدعائية: شيطنة العدو وشرعنة القتل

بتحليل الخطاب الإعلامي لتنظيم القاعدة في الجزيرة العربية، عبر دراسة مضمون مجلة إنسباير الناطقة بالإنجليزية، يتضح أن التنظيم اعتاد تصوير الطائرات بدون طيار باعتبارها سياسة فاشلة تتسبب بشكل رئيسي في مقتل المدنيين وقمع المسلمين، فضلا عن أنها جبانة وغير إنسانية، وهو التصوير الذي قد تكون له تداعيات سلبية على الفعالية الشاملة للطائرات بدون طيار 47.
ورغم أن شرعية مهام القتل المستهدفة ما زالت محل جدل، إلا أن الديمقراطيات الغربية تواصل تقديم مبرراتها للقضاء على الإرهابيين المشتبه بهم، وإلباس خصومها رداء الهدف القابل للقتل كجزء من الحرب العالمية على الإرهاب.
(1) يستخدم السياسيون كل الأدوات الخطابية المتاحة لتحديد واستقطاب الأفراد والجماعات. وتتضمن وسائل الاستقطاب: استخدام العبارات التي تخلق فجوة عامة بين الذات و”الآخر”. وفي حين توجه الكلمات المهينة إلى “العدو” فإن العبارات المجاملة تكون من نصيب الذات أو الدولة.
(2) يدفع الفاعلون السياسيون الخطاب العام إلى مستوى توقع وجود تهديد ووجودي وشيك في طبيعته. تم تأطير هذا التهديد بعبارات غير عادية لتصويره بأنه يتطلب اتخاذ تدابير استثنائية تشمل قتل الإرهابيين المشتبه بهم.
(3) شدد الفاعلون السياسيون على الحاجة الملحة والأسباب المبررة لاستهداف “العدو” وقتله، حتى انتقل هذا الخطاب من الطرح الاستثنائي إلى مستوى التطبيع عبر ترسيخ  صورة العدو في الخطاب السياسي48 .

في ميزان الأخلاق والقانون الدولي

على الرغم من المخاوف التي أطلقها علماء القانون من أن ضربات الطائرات بدون طيار خارج مناطق الأعمال العدائية النشطة تمثل انتهاكا للقانون الدولي، تزعم الحكومة الأمريكية أن القتل المستهدف يختلف عن الاغتيال، وواصلت هذه الممارسة حتى أصبحت طبيعيية كإجراء تشغيلي قياسي، بل تبنتها دول أخرى.
ورغم محاولة السياسيين الغربيين الدفاع عن ضربات الطائرات بدون طيار، باعتبارها أداة حربية خالية من المخاطر49 ، فإن هذا النهج يستند إلى مبادئ شمولية غير ديمقراطية؛ حيث تُحجَب معايير وإجراءات الاستهداف السرية عن المواطنين تحت ذريعة الأمن القومي، مما يؤدي إلى خلط السلطة التنفيذية بالسلطة القضائية وتقويض إطار حقوق الإنسان العالمي الذي تقول الدول الغربية الحديثة إنها تدعمه.
علاوة على ذلك، تهدد الطائرات المقاتلة التي تحوم في السماء جميع الأشخاص على الأرض بإنهاء حياتهم تعسفيًا، وقد أزهقت الطائرات بدون طيار آلاف الأرواح من المشتبه في تورطهم في الإرهاب، وهي بذلك تمثل شكلا من أشكال الإرهاب قياسًا على الهجمات التي تشنها تنظيمات مثل القاعدة والدولة50 .
وإذا استخدمت هذه التكنولوجيا في المستقبل بشكل تجاري وعلى نطاق واسع فستظهر تساؤلات حقوقية أكثر صخبًا حول مسألة الحفاظ على الخصوصية والمعلومات الشخصية للأفراد التي تجمع مثل هذه الطائرات معلومات عنهم51 .
لكن حينما تكون المصالح أقوى من الأخلاق، لا يعدم المنظرون الغربيون من نسج التبريرات من قبيل: “الحرب لا محالة تفرز العديد من المواقف التي تجبرنا على التخلي عن بعض القواعد الأخلاقية المجتمعية”، على حد قول العسكريين المُحَنَّكين: الجنرال” تشارلز جاثري”، رئيس أركان الجيش البريطاني، و”مايكل كوينلان”، أحد كبار الضباط السابقين بوزارة الدفاع البريطانية، في كتابهما “الحرب العادلة: عُرف الحرب العادلة وأخلاقيات الحرب المعاصرة”.
وحتى لو حققت هذه الحروب اللاأخلاقية انتصارًا تكتيكيًا هنا أو هناك، فإنها بتخليها عن تلك “المبادئ الإنسانية” تبقى وصمة “اللاأخلاقية” تطاردها أينما ارتحلت، وحيثما حلّت. ولهذا اختارت صحيفة ذا جارديان البريطانية عنوان “انتصارات لا أخلاقية” ليكون عنوان عرضها لكتاب “الحرب العادلة”، مستدلة في ذلك بما أفرزته حروب كأفغانستان والعراق52 .

خاتمة

لمّا كانت الدول الغربية تولي اهتماما كبيرًا للطائرات العسكرية المسلحة بدون طيار كأداة محورية في مواجهة التهديد الذي تشكله التنظيمات الجهادية، كان لزامًا على هذه التنظيمات أن تمنح اهتمامًا موازيًا لهذه التكنولوجيا، إن لم يكن لاستخدامها ضد العدو فلإبطال مفعولها ضدهم على أقل تقدير، وفي الواقع تسير كل هذه المسارات- على الجانبين- بالتوازي، إذ يرصد كلٌ فريق جهود الآخر نظر الطير إلى اللحم.
ورغم أن الطائرات بدون طيار الموجهة عن بعد أصبحت السلاح المفضل للديمقراطيات الغربية، بل ومصدر إلهام ومحور اهتمام صناعة السينما الغربية، فإنها حتى الآن لم تتخط كونها أداة تعطيل لا اجتثاث، إذ فشلت حتى الآن- باعتراف الخبراء الغربيين- في تحقيق الهدف الأكبر: تقويض قدرة العدو الجهادي على القيام بعمل سياسي وشن هجوم عنيف، فضلا عن التداعيات السلبية المتمثلة في الإضرار بهيبة الدول التي تنزف بسبب هذه الهجمات الغربية، واستعداء الشريحة المحايدة من الجمهور المسالم، وربما التقريب بين الفصائل الجهادية وحاضنتها الشعبية.
في المقابل، ورغم الاستخفاف الواضح بالعقلية الجهادية في أروقة المراكز البحثية الغربية، ووصم الجهود الجهادية لامتلاك وتطوير وتقويض الطائرات بدون طيار بأنها تفتقر إلى الاحترافية، إلا أنها في المقابل تعكس رغبة حقيقة في صفوف الجهاديين لفهم الخصوم ومعرفة مدى قوتهم والأهم: التوظيف الأمثل للموارد المتاحة.
وبموازاة الحرب الدعائية المتبادلة بين الفريقين، لا تزال الأسئلة الأخلاقية والقانونية وحتى التقنية مثارة، لكن نصيب الأسد من الإدانة يبقى من نصيب الطرف الأقوى حتى الآن، برغم المحاولات الغربية المستميتة لشيطنة العدو وشرعنة القتل، أما ميزان الأخلاق والقانون الدولي- المحايد لا المسيس- فينطق بقولٍ لاذع لا يعترف بهذه المواءَمات.
في غمرة الحديث عن آلات القتل المسيرة عن بعد، والعيون المحلقة في السماء، يبرز سؤال المستقبل: هل تكون الغلبة الساحقة لنظامٍ عالمي يمارس استبداده من مرتفعات لا يمكن الوصول إليها؟ أم يفرز التدافع المستمر توازنًا في القوى بين المدني والعسكري يسمح لهذه التكنولوجيا بتوزيع المنافع بعدالة أكبر؟ السيناريو الأخيرة وحده كفيل بأن يصب هذا السباق التكنولوجي المحموم في صالح الشعوب أيضًا، وإلا فعلى الأمن والسلم الدوليين السلام ( 53).


الهامش

1  LANG, CADY (June 7, 2018) Fashion Show Replaced Models With Drones Because the Future Is Now, Time.

2 Al Arabiya English (May 9, 2018) Dubai to use drones to deliver pre-dawn meals to mosques during Ramadan.

3 Debusmann Jr, Bernd (Feb 15, 2018) Dubai’s drone delivery service moves closer with ‘delivery box’, Arabian Business.

4 شميت، فابيان / المخلافي، علي (يناير 20، 2013) كيف تعمل الطائرات بدون طيار؟، دويتشه فيله.

5 Shields, Nicholas (Mar. 19, 2018) THE GLOBAL DRONE REGULATION LANDSCAPE: How laws and regulations are shaping the development of the drone industry around the world, Business Insider Intelligence.

6 Dormehl, Luke (Sep. 11, 2018) The history of drones in 10 milestones, Digital Trends.

7 Sorri, Andrea (Oct. 09, 2017) Drones: a Double-Edged Sword, GIT SECURITY.

8 Liz Dunphy (FEB 14, 2018) ISIS jihadi fighters returning to UK from battlefield ‘can turn drones bought off Amazon into killing machines’, Mirror.

9 BENTHAM, MARTIN (April 4, 2018) Terror from the skies: age of the jihadist drone has arrived, says US expert, Evening Standard.

10 Cartalucci, Tony (July 8, 2014) The Double-Edged Sword of Drone Technology,
LocalOrg.

11 Sifton, John (FEBRUARY 7, 2012) A Brief History of Drones, The Nation.

12 The IWM (January 30, 2018) A BRIEF HISTORY OF DRONES.
Tuesday 30 January 2018

13 US Government Accountability Office (Sep 12, 2012) NONPROLIFERATION : Agencies Could Improve Information Sharing and End-Use Monitoring on Unmanned Aerial Vehicle Exports.

14  Centre for research on Globalization (September 18, 2012) Mapping Drone Proliferation: UAVs in 76 Countries.

15 Gao, Charlie (September 15, 2018) How Do You Kill a Drone?, Center for the National Interest.

16 Knefel, John (September 29, 2016) Inside Black Dart, the Pentagon’s Annual Drone-Killing Championship, inverse.

17 Jones, Ben (July 7, 2016) Despite Obama’s new executive order, U.S. drone policy may still violate international law, The Washington Post.

18 Downie, James (May 5, 2016) Obama’s drone war is a shameful part of his legacy, The Washington Post.

19 Joe Penney, Eric Schmitt, Rukmini Callimachi and Christoph Koettl (Sept. 9, 2018), C.I.A. Drone Mission, Curtailed by Obama, Is Expanded in Africa Under Trump, The New York Times.

20 J. ROSENTHALLOREN ,DANIEL and SCHULMAN, DEJONGE (AUG 10, 2018) Trump’s Secret War on Terror, The Atlantic.

21 T J. Shattuck, homas (November 7, 2016) The False Promise of Drone Strikes? Ease vs. Effectiveness,  The Foreign Policy Research Institute.

22 FRIEDERSDORF, CONOR (SEP 28, 2015) How America’s Drone War in Yemen Strengthens al-Qaeda, The Atlantic.

23 RASSLER, DON (JANUARY 2017) Drone, Counter Drone: Observations on the Contest Between the United States and Jihadis, COMBATING TERRORISM CENTER, VOLUME 10, ISSUE 1.

24 دويتشه فيله (سبتمبر 4، 2013) وثائق استخباراتية تكشف محاولة القاعدة شل فاعلية الطائرات بدون طيار.

25 The Guardian (Oct 12, 2016) Isis booby-trapped drone kills troops in Iraq, officials say.

26 Dearden, Lizzie (October 20, 2016) Revealed: Isis developing weaponised drones in secretive programme, The Independent.

27 GARTENSTEIN-ROSS, DAVEED (MAY 3, 2018) Terrorists Are Going to Use Artificial Intelligence, Defence one.

28 Lardieri, Alexa (Nov. 10, 2017) Homeland Security: Warns of Weaponized Drones as Terror Threat, U.S. News & World.

29 GAVIN, HARVEY (Feb 3, 2018) Terrorists could use BOMB DRONES to attack streets of the West, security experts warn, Express.

30 Logan, Shari and Perez, Chris (April 23, 2018) Terrorists’ use of drones has NYPD on alert, New York Post.

31 Loughran, Jack (June 11, 2018) ‘Only a matter of time’ before terrorists start launching attacks with drones, The Institution of Engineering and Technology.

32 TERRORISM’S USE OF DRONES, clarion-defence.com

33 RASSLER, DON (JULY 11, 2018) The Islamic State and Drones: Supply, Scale, and Future Threats, COMBATING TERRORISM CENTER.

34  Hastings Dunn, David, Small drones and the use of chemical weapons as a terrorist threat, Department of Political Science, University of Birmingham.

35 RASSLER, DON (JANUARY 2017) Drone, Counter Drone: Observations on the Contest Between the United States and Jihadis, COMBATING TERRORISM CENTER, VOLUME 10, ISSUE 1.

36 B. Rich, Paul (July 30, 2018) Cinema, drone warfare and the framing of counter-terrorism, Defense & Security Analysis.

37 A Al-Faqih, bdulrasheed (April 3, 2018) Civilian Casualties and Effectiveness of U.S. Drone Strikes in Yemen, Just Security University School of Law.

38 Masters, Jonathan (May 23, 2013) Targeted Killings, Council on Foreign Relations.

39 Thomas Bolland & Jan Andre Lee Ludvigsen (June 17, 2018) “No boots on the ground”: the effectiveness of US drones against Al Qaeda in the Arabian Peninsula, Defense & Security Analysis.

40 Smith, Megan & Igoe Walsh, James (Jan. 10, 2013) Do Drone Strikes Degrade Al Qaeda? Evidence From Propaganda Output, Terrorism and Political Violence.

41 Whitlock, Craig and Gellman, Barton (September 3, 2013) U.S. documents detail al-Qaeda’s efforts to fight back against drones, The Washington Post.

42   نصر، وسيم (أبريل 26، 2014) لماذا ضربات الطائرات بدون طيار تتكثف في اليمن وما مدى فعاليتها؟، فرانس 24.

43 بوابة إفريقيا الإخبارية (أبريل 24، 2018)، واشنطن تبني قاعدة طائرات بدون طيار في النيجر.

44 WATSON, BEN (JANUARY 12, 2017) The Drones of ISIS, Defense one.

45  Stewart , Scott (Jul 17, 2018), When Drones Attack: The Threat Remains Limited, Stratfor.

46 RASSLER, DON (JANUARY 2017) Drone, Counter Drone: Observations on the Contest Between the United States and Jihadis, COMBATING TERRORISM CENTER, VOLUME 10, ISSUE 1.

47 Jan Andre Lee Ludvigsen (Feb. 19, 2018) The portrayal of drones in terrorist propaganda: a discourse analysis of Al Qaeda in the Arabian Peninsula’s Inspire, Dynamics of Asymmetric Conflict.

48 Apiiyah, Erskine Yengoude (2018) Drones, targeted killings and the rhetoric of a killable enemy, Norwegian University of Life Sciences.

49 Enemark, Christian (August 22, 2013) Armed Drones and the Ethics of War- Military virtue in a post-heroic age, Routledge.

50 Calhoun, Laurie (March 30, 2018) Totalitarian tendencies in drone strikes by states, Critical Studies on Terrorism.

51 شميت، فابيان / المخلافي، علي (يناير 20، 2013) كيف تعمل الطائرات بدون طيار؟، دويتشه فيله.

52 عادل، علاء (مايو 3، 2015) عرض كتاب “الحرب العادلة: عُرف الحرب العادلة وأخلاقيات الحرب المعاصرة”، العالم بالعربية.

53 الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *