fbpx
دراساتسياسةالشرق الأوسط

سياسة بايدن والملف المصري: المحددات والتوجهات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تمهيد:

بعد إعلان فوز مرشح الحزب الديمقراطي الأميركي جو بايدن في الانتخابات الرئاسية التي شهدتها الولايات المتحدة الأميركية في الثالث من نوفمبر 2020، ليكون الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة على حساب مرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب، تتعدد المناقشات والتحليلات والتقارير التي تتناول التوجهات الأساسية لسياسة بايدن الخارجية، وخاصة ما يتعلق منها بمنطقة الشرق الأوسط، ذات الأهمية الاستراتيجية في السياسة الخارجية الأميركية.

وفيما يتعلق بالحالة المصرية، برز ما يمكنه تسميته “التفاؤل السياسي” لدى عدد من أطراف المعارضة المصرية نحو سياسات بايدن تجاه القضية المصرية، مستندين في ذلك إلى تغريدتين نشرهما حول الملف الحقوقي المصري، الأولى في يناير 2020، والثانية في يوليو 2020 أثناء فترة ترشحه للرئاسة.

وهنا يكون من التساؤلات الأساسية، التي تسعى للإجابة عليها هذه الورقة هي: هل يستند هذا التفاؤل إلى أسس واقعية؟ وهل بالفعل بايدن يمكن أن يتبنى من التوجهات والسياسات ما يدعم به عملية التغيير السياسي في المنطقة العربية عامة، وفي مصر خاصة؟ وهل هناك قيود تحد من تبني مثل هذه السياسات؟

وللإجابة على هذا السؤال، تم تقسيم هذه الورقة إلى مبحثين أساسيين، الأول، حول المحددات العامة للسياسة الخارجية لإدارة بايدن، والثاني، اتجاهات إدارة بايدن تجاه التغيير السياسي في مصر ومحدداتها ومؤشراتها، وذلك على النحو التالي:

المبحث الأول: محددات سياسة إدارة بايدن الخارجية

هناك مجموعة من الاعتبارات الحاكمة، التي من المهم الوقوف عليها في سياق تحليل واستشراف توجهات السياسة الخارجية الأميركية في ظل إدارة الرئيس جو بايدن، والذي سيتولى مهام منصبه رسمياً في 20 يناير 2021، وبدأ في الإعلان عن عدد من أعضاء فريق إدارته القادمة، ومن بين هذه الاعتبارات، التي من شأنها التأثير (بغض النظر عن طبيعة وحدود هذا التأثير) سلباً أو إيجاباً على سياسته الخارجية:

أولاً: عقيدة بايدن السياسية:

قد يكون من السهل الوقوف على الأركان الأساسية التي تقوم عليها العقيدة السياسية للرئيس الأميركي “جو بايدن”، نظراً لحياته المهنية الطويلة كعضو في مجلس الشيوخ ونائب للرئيس باراك أوباما، فشخصيته يمكن أن تطمس فكرة وجود عقيدة سياسية خاصة راسخة له، فهو ليس مفكراً بل براجماتياً، وأكثر وجهات نظره حول السياسة الخارجية غالباً ما تكون حول الوسائل وليس الغايات، مثل أهمية المصالحة، وعقد الصفقات، والتحالفات، وأسلوبه في الحكم هو أقرب إلى النموذج الجماعي لجون كينيدي، منه إلى نهج الحكم من أعلى إلى أسفل مثل ريتشارد نيكسون، ويقيم وزناً كبيراً لإقامة العلاقات الشخصية مع القادة الأجانب ويفضل استخدام القوة إلى جانب الشركاء الدوليين.

ومن الوقوف على مراحل تطوره السياسي يمكن بيان أهم التوجهات السياسية التي تبناها خلال هذه المراحل، والتي من تحليلها يمكن تحديد ملامح ضابطة لسياسته الخارجية، مع الأخذ في الاعتبار اختلاف الظرفيات السياسية، وسياقات الأحداث وانعكاساتها على احتمالات التغير في التوجهات والسياسات:

المرحلة الأولى (1975 ـ 1991):

كان بايدن عضوًا في مجلس الشيوخ، وعنها يقول: ” ترشحت لأول مرة عندما كنت في التاسعة والعشرين من العمر وكنت ضد الحرب في فيتنام، على أساس أن الطريقة الوحيدة لحشد أمة نحو الحرب هي أن يكون ذلك بموافقة مستنيرة من الشعب الأمريكي”، وكان يعتقد أن حرب فيتنام غبية وغير أخلاقية.

وخلال هذه الفترة، كان بايدن عضوا في الحزب الديمقراطي، وقام بتأييد غزو جرينادا عام 1983 وبنما عام 1989، لكنه عارض تمويل متمردي الكونترا في نيكاراجوا، وفى عام 1991 صوت ضد المشاركة في حرب الخليج، وقال إن صدام حسين لم يشكل تهديدا مباشرا للمصالح الوطنية الأمريكية”.

المرحلة الثانية: من 1991 إلى 2003:

وفيها ندم بايدن على تصويته ضد الحرب في الخليج في عام 1991 وانتقد جورج بوش الأب لإنهاء الحملة العسكرية في وقت مبكر جداً وترك صدام في السلطة، مما تسبب في “معاناة إنسانية هائلة داخل العراق”. ودافع بايدن بثقة عن التدخل العسكري، وأيد التدخل الأمريكي في البلقان، ووصف الزعيم الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش في وجهه بأنه مجرم حرب، ووصف تقاعس إدارة بيل كلينتون في المنطقة بأنه “سياسة يأس وجبن”. ودعم حرب كوسوفو (1999) وحرب أفغانستان (2001) وصوّت في أكتوبر 2002 على استخدام القوة ضد العراق.

المرحلة الثالثة: 2003 ـ 2016:

رأى بايدن أن غزو العراق كان فشلاً وطنياً وشخصياً، وكان يأمل في أن يحفز دعم الكونجرس للحرب رد فعل أكثر صرامة من الأمم المتحدة وتجنب الأعمال العدائية تماما، لكن الصقور المحيطين ببوش كانوا على علاقة بالقتال، وقال بايدن: “لقد ارتكبت خطأ”، “لقد قللت من شأن تأثير نائب الرئيس تشيني ووزير الدفاع رامسفيلد وبقية المحافظين الجدد، لقد قللت إلى حد كبير من شأن خداعهم وعدم كفاءتهم”.

ومنذ عام 2003، كان بايدن متشككاً بشكل عام بشأن استخدام القوة، وعارض زيادة القوات في العراق في 2006-2007، والزيادة في أفغانستان في عام 2009، والحرب في ليبيا في عام 2011، وأبدى شكوكاً حول الغارة التي استهدفت قتل أسامة بن لادن في عام 2011، وكذلك قرار رسم خط أحمر ضد استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، وقد دعم بايدن الحملة ضد داعش وفضّل تصعيد حرب الطائرات بدون طيار، لكنه انتقد قرار ترامب بقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني[1].

ثانياً: توجهات بايدن الخارجية

يعتقد بايدن([2]) أن الولايات المتحدة تواجه مجموعة تحديات عالمية؛ من تغير المناخ إلى انتشار الأوبئة، تتطلب مقاربات عالمية، وأن صعود الاستبداد والشعبوية المتطرفة يزيد صعوبة مواجهة هذه التحديات. مؤكداً أنه سيتخذ عدة إجراءات على الصعيد المحلي لـ “تجديد القيم الأميركية الأساسية”، بما فيها تعزيز حقوق التصويت واستقلال القضاء وتحسين فرص التعليم وإصلاح نظام العدالة الجنائية وضمان نزاهة الانتخابات وإنهاء فصل العائلات على جانبي الحدود، وتبنّي “سياسة خارجية للطبقة الوسطى” من خلال تنفيذ مجموعة سياسات مصممة لضمان اقتصاد يشارك فيه الجميع، وتصميم سياسات تجارية تدخل بموجبها الشركات الأميركية في “ساحة تنافس عادلة”[3].

وذكر بايدن في مقاله المشار إليه سابقا بمجلة الفورين بوليسي أنه سيبدأ بخطوات على الصعيد الدولي، تنطلق من التركيز على الديمقراطية، لإعادة بناء تحالفات أميركا ودورها القيادي، مع تنظيم “قمة عالمية من أجل الديمقراطية” خلال السنة الأولى من ولايته، تجمع “الديمقراطيات في العالم لتعزيز مؤسساتنا الديمقراطية، والقيام بمواجهة صريحة مع الدول التي تتراجع عن الديمقراطية، وصياغة أجندة مشتركة”. وحدد مكافحة الفساد عاملًا رئيسًا في تنفيذ هذه الأجندة.

كما يسعى للضغط على روسيا، وتطبيق إجراءات “صارمة” حيال الصين بالتنسيق مع الحلفاء والشركاء لمواجهة انتهاكاتها في مجال حقوق الإنسان، وسرقة حقوق الملكية الفكرية، والممارسات التجارية غير النزيهة.

وتفعيل الدبلوماسية الأميركية، من خلال إعادة بناء وزارة الخارجية والاستثمار في السلك الدبلوماسي والموظفين الكبار الذين غادر معظمهم في السنوات القليلة الماضية. وإعادة تعيين كبار الدبلوماسيين الذين تركوا مناصبهم أو أُجبروا على تركها في ظل إدارة ترامب، مع طرح زيادات كبيرة في اعتمادات وزارة الخارجية وبرامج المساعدات الخارجية[4].

وعن توجهات بايدن الخارجية يقول “ريتشارد فونتين”، الرئيس التنفيذي لمركز الأمن الأمريكي الجديد (CNAS)، ومستشار السياسة الخارجية للسيناتور الجمهوري الراحل “جون ماكين”، إنه في ظل إدارة بايدن سيكون هناك تغيير ملحوظ في ملف السياسة الخارجية الأمريكية، حيث سيسعى لتبني نهج “ترميمي” يتشابه مع نهج الرئيس “باراك أوباما”، ويختلف مع نهج “دونالد ترامب”، في ظل ما ترتب على هذا النهج من تداعيات وتحديات، وذلك من أجل العودة للصورة التقليدية للولايات المتحدة الأمريكية عالميًّا. 

مع التأكيد على وجود ملامح مشتركة بين “دونالد ترامب” وبين “جو بايدن”، حيث أوضح “بايدن” أنه سيسعى للحفاظ على التنافس مع الصين، ولن يقوم برفع “فوري” للتعريفات المفروضة عليها. كما أنه سيتبنى سياسة خارجية تخدم مصالح الطبقة الوسطى الأمريكية. 

وبالرغم من نبذ “بايدن” الواضح لـ”ترامب” ولسياساته، إلا أنه قد يستمر على نهجه بشأن الاتفاقيات الجديدة مع كندا والمكسيك، والتي حلت محل اتفاقية التجارة الحرة لمنطقة أمريكا الشمالية. ولن يعلن “بايدن” عن وجود نية لديه للرجوع في قرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، أو مطالبة أوكرانيا برد الأسلحة “الفتاكة” التي منحتها لها الإدارة الأمريكية في عهد “ترامب”.

وبالنسبة للتحركات العسكرية الأمريكية، فإن فريق “بايدن” يشترك مع “ترامب” في الرؤى المتعلقة بإعادة بناء الجيش الأمريكي، بحيث يتنافس مع القوى الكبرى الصاعدة بدلًا من الزج به في حروب طويلة الأمد، ولذا ستواصل إدارة “بايدن” سحب القوات الأمريكية من مناطق عدة ومنها أفغانستان. 

وسيكون على الإدارة الديمقراطية القادمة، والتي تهدف لإعادة بناء وضبط علاقتها مع العالم الخارجي عبر مزيد من المشاركة الدولية متعددة الأطراف، أن تعرف الوقت المناسب الذي يمكنها فيه التعويل على ما بناه “ترامب” من نفوذ، لتحقق المصلحة الوطنية الأمريكية[5].

لقد قدّم بايدن الإطار العام لسياسته الخارجية في ورقة موسعة نشرها في أبريل 2020، بعنوان: “لماذا يجب أن تقود أميركا مرة أخرى: إنقاذ السياسة الخارجية للولايات المتحدة بعد ترامب”[6]. وفيها يرى:

  • الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي تملك الإمكانيات العسكرية والاقتصادية والمنظومة القيمية، فضلًا عن القدرة على حشد العالم الحر، لقيادة العالم. ولكن هذا يتطلب أولًا أن تستعيد صدقيتها ونفوذها بين خصومها وحلفائها على السواء. لأن نهج ترامب الفوضوي وغير المنسجم في السياسة الخارجية، وفشله في دعم المبادئ الديمقراطية الأساسية حول العالم، قادا إلى تراجع مكانة الولايات المتحدة، وقوّضا تحالفاتها الديمقراطية، وأضعفا قدرتها على الحشد لمواجهة هذه التحديات[7].
  • إن التحديات التي تواجه الولايات المتحدة والعالم، من تغير المناخ والهجرة الجماعية إلى التهديدات السيبرانية والأمراض المعدية، أصبحت أكثر تعقيدًا وإلحاحًا، وسيكون على الرئيس القادم إنقاذ السمعة الأميركية، وإعادة بناء الثقة بقيادتها، لمواجهة التحديات الجديدة في أسرع وقت.
  • يشدد على أنه لن يتردد في استخدام القوة العسكرية عند الضرورة لـحماية الشعب الأميركي، فإن ذلك يجب أن يكون الملاذ الأخير، وليس الأول، حيث يقول: “حيث تستخدم القوة للدفاع عن مصالحنا الحيوية فقط عندما يكون الهدف واضحًا وقابلًا للتحقيق، وبموافقة الشعب الأميركي. وبناء على ذلك، يؤكد أن إدارته ستوقف الدعم للحرب التي تقودها السعودية في اليمن لأنها لا تقع ضمن أولويات الولايات المتحدة”[8].
  • ضرورة إنهاء الحروب الأبدية في أفغانستان والشرق الأوسط التي كلفت الولايات المتحدة دماءً وأموالًا كثيرة، والتركيز بدل ذلك على مهمات عسكرية محددة، بأعداد قليلة من القوات الخاصة، وبتقديم معلومات استخباراتية ودعم لوجستي لقوات حليفة للتصدي لخطرَي القاعدة وداعش.
  • الولايات المتحدة مطالبة بأن تركز على مكافحة الإرهاب، ولكن المراوحة في صراعات لا يمكن كسبها يستنزف القدرة الأميركية على القيادة في قضايا أخرى تتطلب اهتمامها، ويمنعها من إعادة بناء أدوات القوة الأخرى.
  • تعزيز الدبلوماسية بوصفها أداةً لقيادة الحلفاء عبر مؤسسات دولية وتحالفات، كحلف شمال الأطلسي الناتو، وتعزيز التعاون مع الشركاء الديمقراطيين خارج أميركا الشمالية وأوروبا، والوصول إلى الشركاء في آسيا لتعزيز القدرات الجماعية ودمج الأصدقاء في أميركا اللاتينية وأفريقيا.
  • أن الولايات المتحدة ستعود إلى ممارسة دورها بوصفها قوة رائدة في إرساء قواعد العلاقات الدولية، وصياغة الاتفاقات، وتنشيط المؤسسات التي تضبط العلاقات بين الدول وتعزز الأمن الجماعي والازدهار[9].

ومن خلال هذا الرصد لأهم التوجهات التي أعلن عنها بايدن، يمكن القول أنها تأتي استناداً لما يمكن تسميته بعوامل الثبات في السياسة الخارجية للديمقراطيين، في تعاطيهم مع الحلفاء الاستراتيجيين والمنظمات الدولية والعمل الجماعي، والموقف من المنافسين، وغيرها من منطلقات أكدت عليها استراتيجيات الأمن القومي التى تمت مراجعتها في ولايتي أوباما 2009 – 2016، والتي تدور جميعها في فلك حماية وتعزيز المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الأميركية، مع إعطاء مساحة في لغة الخطاب السياسي والإعلامي لمقولات وشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والقوة الناعمة وتعزيز الأدوات الدبلوماسية، وهو مشروع ضخم عمل عليه الحزب الديمقراطي لسنوات ممتدة، وتأجل تنفيذه مع خسارة هيلاري كلينتون أمام ترامب في انتخابات 2016.

وبالتالي فإن مؤدى هذا المشروع سيكون في الوقت الراهن أن الأولوية الأولى للسياسة الخارجية الأمريكية في إدارة بايدن ستكون التركيز على مواجهة الصعود المتنامي للصين، مع محاولة تهدئة الصراعات الأخرى بقدر الإمكان، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، بما يسمح بتوجيه أغلب الموارد لمنطقة أسيا. وقد أكدت عدة مصادر في مراكز الدراسات الأمريكية، والقريبة من فريق بايدن، بالحديث المباشر معها، هذا التوجه، بما لا يسمح بإعطاء درجة عالية من الاهتمام بقضايا الديمقراطية في المنطقة، بما فيها مصر، مما يتجاوز الانتقادات اللفظية إلى المواقف العملية المؤثرة.

ومن المهم الإشارة أيضا، إلى الارتباط الشديد بين بايدن (فضلا عن نائبته كمالا هاريس) طوال تاريخه السياسي، باللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وهو من أكبر داعمي المصالح الإسرائيلية من الساسة الأمريكيين، ومما دعمه كثيرا طوال تاريخه المهني كعضو في مجلس الشيوخ ثم نائب للرئيس، وصولا إلى مقعد الرئاسة. وبالطبع، وبما أن إسرائيل هي من أكبر داعمي نظام السيسي في المنطقة، سيكون لذلك أثر مهم في التخفيف من أية سياسات جادة تواجه منظومة الحكم الحالية في مصر من قبل إدارة بايدن بشكل يتجاوز الانتقادات اللفظية أو الإجراءات غير المؤثرة.

وقد بدأت الأنباء تتردد عن عزم إسرائيل الضغط على بايدن حتى لا يأخذ مواقف قوية ضد السعودية والإمارات ومصر، حيث ترى إسرائيل أن علاقاتها الأمنية والاستخباراتية مع هذه الدول الثلاث هي دعامات في مواجهتها مع إيران. وقد أفادت مصادر صحفية أن مسئولين في جيش الدفاع الإسرائيلي سيوضحون لبايدن أن المنطقة تغيرت في السنوات الأربع الماضية، حيث تشكل تحالف يجمع إسرائيل بهذه الدول الثلاث، مما يستدعي من الإدارة الأمريكية إعادة رسم أولوياتها والنظر في تقوية هذا التحالف بدلا من الضغط فيما يتعلق بإنهاء الحرب في اليمن أو معالجة قضايا حقوق الإنسان في الدول الثلاث، وتفيد المصادر أن إسرائيل قد اقترحت على مصر والسعودية تحقيق خطوات إيجابية في الملفات الحقوقية بما يسهل الحوار مع إدارة بايدن. وعلى الجانب الأخر سوف تحذر إسرائيل إدارة بايدن ألا يضغط كثيرا على الدول الثلاث حتى لا يدفعها للتقارب بشكل أكبر مع روسيا والصين[10].

ثالثاً: التحديات الداخلية التي تواجه إدارة بايدن

تواجه إدارة بايدن على المستوى الداخلي عدداً من التحديات الحقيقية، وبعض هذه التحديات التي تفاقمت تداعياتها بدرجة كبيرة، وأصبحت تشكل بالفعل تهديداً لبنية المجتمع الأميركي، الذي يشهد حاليا درجة غير مسبوقة من الانقسام، فرضت نفسها لتشغل حيزاً مهما في أولويات سياسات واهتمامات بايدن، ولو على حساب قضايا السياسة الخارجية (فيما عدا التنافس مع الصين واستعادة الاتفاق النووي مع إيران)، وخاصة ما شهدته الأسابيع الأخيرة من ولاية ترامب واقتحام أنصاره لمبنى الكونجرس والتهديد باستخدام العنف، ودعوات ترامب الدافعة لهذا المسار، مدفوعاً بمكونات اجتماعية قوية تدعم توجهاته، ثم سعي الكونجرس لمحاكمته برلمانيا وما يصاحب ذلك من حالة كبيرة من الانقسام المجتمعي والتوتر الشعبي. هذه التحديات من شأنها أن تجعل بايدن يركز معظم اهتمامه على الشأن الداخلي الأمريكي مما لا يعطي مساحة تذكر لتغييرات جوهرية في ملفات السياسة الخارجية، على الأقل خلال الأشهر الأولى من رئاسته، إلا إذا تعرضت الولايات المتحدة بالطبع لتهديدات خارجية جوهرية تواجه أمنها القومي

التحدي الأول: صعود النزعة القومية الشعبوية:

والتّي تجسّدت بكلّ معانيها في فوز ترامب بانتخابات 2016، فإذا كانت هويّة الولايات المتحدة مرتبطةٌ بالنزعتيْن الليبرالية والقومية، إلاّ أنّ أيّ توتّر يحدث بينهما يؤدّي في أغلب الأحيان إلى انتصار النزعة القومية، ذلك بأنّها الأيديولوجية السياسية الأقوى في العالم الحديث، فانتصار الليبرالية مع نهاية الحرب الباردة وهيمنتها المُطلقة أدّى إلى تقويض القومية الأميركية في بعض جوانبها الأساسية، وخلق هذا الانتصار نخباً ليبراليةً عابرةً للقوميات، عالميةَ التفكير، بينها قواسم وهموم مشتركةً مع نخب أخرى خارج حدود الدولة، الأمر الذّي أثار ردّة فعل قومية عكسية اعتَبرت ذلك تهديداً للدولة-الأمّة ذاتها.

وفي مقابل هذا الانتصار سعت التيارات القومية الأميركية إلى حفظ وتعزيز تماسك الهويّة الوطنية والتضامن الاجتماعي، وأخذت تنمو بشكل تدريجي حتى تجسدّت ذروتها مع انتخاب الرئيس ترامب 2016، والذي يُعبّر انتخابه عن شعورِ عدد من الأمريكيين بالتهديد الذّي تُمثّله “النزعة الفردانية الراديكالية” والانفتاح الليبرالي “المُفرط” الذّي يُتيح مزيداً من تدّفق المهاجرين إلى الأراضي الأمريكي، ويتمتعون بحقوق على حساب حقوق ورفاهية المواطن الأمريكي، بما يُضعف حدود الدولة، ويُقوّض سيادتها، ويُضعف الرابطة بين الأمّة والدولة، بل يصل إلى تهديد الرؤية الوطنية المُوحَدّة للبلاد.

وإذا كانت هناك أسباب عديدة تُفسّر وصول ترامب إلى البيت الأبيض، إلاّ أنّ أهم هذه الأسباب يرتبط بالشعارات القومية التي رفعها ونادى بها سواء خلال مرحلة الانتخابات، واستمّر خلال سنوات حكمه يتبنّي أجندة وخطابات قومية مناهضة للعولمة الليبرالية وكلّ آلياتها ومؤسّساتها، وتبنّيه لشعار “أمريكا أولاًّ” جعله مُحصّنّاً ضدّ هَجمات منافسيه الآخرين داخل الولايات المتحدة، فالجميع صار يخشى تحدّي المضامين القومية لهذا الشعار بل ويجتهد ليُظهر نفسه أمام الأمريكيين كسياسي يضع أمريكا فوق كلِّ اعتبار[11].

وقد أدى الاستخدام المتكرر للخطاب القومي الشعبوي من قبل ترامب إلى تصاعد درجة الكراهية والانقسام داخل المجتمع الأمريكي بشكل غير مسبوق، وصل إلى ذروته أثناء الانتخابات الأمريكية وما بعدها، وأدى الترويج المتكرر لنظرية مؤامرة “سرقة الأصوات” إلى أن نحو 85% مما انتخبوا ترامب، طبقا لعدد من استطلاع الرأي، مقتنعون بدرجة أو بأخرى بحدوث تزوير في الانتخابات، وأن فوز بايدن غير شرعي، وهو ما أجج بالمشاعر ودفع إلى المشهد غير المسبوق في التاريخ الأمريكي باقتحام الكونجرس من قبل مناصري ترامب، بشكل يهدد السلم الاجتماعي. ومن غير المنتظر أن تهدأ احتمالات المواجهات التي يمكن تكون مسلحه، بمجرد استلام بايدن للرئاسة، لذلك جعل الرئيس المنتخب أول أولياته محاولة إنهاء الانقسام واستعادة اللحمة داخل المجتمع، وهو ما ذكره في مناسبات كثيرة، بما سيغطي بكل تأكيد مع التحديات الداخلية الأخرى على الاهتمامات الخارجية في المدى المنظور.

التحدي الثاني: صعود اليمين المسيحي ومنطلقاته القومية:

ظل اليمين المسيحي الأميركي لفترة طويلة حركة اجتماعية تقوم أولويات اهتمامه على القضايا الاجتماعية والثقافية، مثل: محاربة الإجهاض، ورفض المثلية الجنسية؛ ولم يكن يخوض حربًا ثقافية فقط، بل حربًا على قواعد ومؤسسات الديمقراطية الأمريكية. فالقومية المسيحية هي بالأساس حركة سياسية تسعى إلى الوصول للسلطة، وفرض رؤيتها على المجتمع الأمريكي بأكمله، واللاهوتيين مثل قادة الفكر القومي المسيحي اليوم، كانوا معادين بشدة لمبدأ المساواة والتعددية والتفكير النقدي. كما آمن مؤسسو الحركة بأن الولايات المتحدة أمة مسيحية يختارها الله. بمعنى أن تكون جمهورية مسيحية أرثوذكسية، لكنها انحرفت عن مهمتها وسقطت تحت سيطرة النخب الليبرالية.

لذلك فإن الحركة تسعى إلى استبدال مبادئ ومؤسسات الديمقراطية الأساسية بدولة ترتكز على نسخة معينة من المسيحية، مع تأكيد المتعصبين للحركة بأن الولايات المتحدة يجب أن تتوافق مع نسختهم الأصولية من الإيمان لتزدهر مرة أخرى بعد انحرافها وسقوطها، ورفض مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة باعتباره قمعًا علمانيًّا. مؤكدين أن الله يريدهم أن يسيطروا على كل جانب من جوانب الثقافة والمجتمع والحكومة.

فالقومية المسيحية ترفض النظام الليبرالي، وتطرح نفسها بديلًا له، وتدعم كل من يؤيد أفكارها أو يسير في الاتجاه الذي تريده، حتى إن بعض الكنائس والجماعات المسيحية تدعو المواطنين للتصويت وفقًا للقيم الإنجيلية بهدف التأثير على الناخبين.

وجنود الحركة، الملايين الذين أدلوا بأصواتهم لصالح السياسيين المفضلين للحركة، الذين يحضرون مسيراتها، هم المصدر الأساسي للقوة السياسية للحركة، وقام قادة الحركة بإعادة صياغة قضايا الحرب الثقافية من أجل الحصول على أصوات شريحة كبيرة من الجمهور الأمريكي والسيطرة عليها، انطلاقًا من إدراكهم بأنه إذا كان بإمكانك جعل الناس يصوتون على مسألة واحدة أو قضيتين فقط، فيمكنك التحكم في تصويتهم، لذلك يستخدم القادة هذه القضايا لترسيخ والحفاظ على السلطة السياسية لأنفسهم وحلفائهم، لزيادة تدفق الأموال العامة والخاصة في اتجاههم، ولسن سياسات اقتصادية مواتية للممولين المفضلين لديهم[12].

ويتم تمويل هذه الحركة من قبل الجهات المانحة الغنية والمؤسسات الأسرية، من أمثال “روبرت ميرسر” وزوجته “بيتسي ديفوس” (التي منحها ترامب منصب وزيرة التعليم) اللذين موَّلا “دونالد ترامب” في الانتخابات الرئاسية، ومثل “رالف درولينجر”، الذي يمتلك نفوذًا في قيادة دراسة أسبوعية للكتاب المقدس في البيت الأبيض بحضور كبار المسؤولين، وقدمت هذه الحركة أهم مساعدي ترامب وهو نائب الرئيس مايك بنس.

وقد حققت القومية المسيحية على مدار الأعوام الماضية، وخاصة في ظل إدارة ترامب، نجاحات كبيرة، وامتد تأثيرها للعديد من جوانب الحياة الأمريكية، واستمرار هذا التمدد من شأنه أن يُهدد الديمقراطية والمبادئ الليبرالية الأساسية التي تأسست عليها الولايات المتحدة، ويتزامن ذلك مع الأدوار المتصاعدة التي يلعبها المنتمون للحركة، سواء كانوا شركات أو أفرادًا أو حركات دينية، في التأثير على خيارات المواطنين الانتخابية[13].

وهذا التمدد، بالإضافة لتمدد الحركة القومية الشعبوية المذكور أنفا، والذي ظهر خطره في ممارسات أنصار ترامب بداية من السادس من يناير 2021، سيضع المزيد من الأعباء والتحديات أمام إدارة بايدن، لبذل المزيد من الوقت والجهد والتمويل لمواجهة مثل هذه التحديات، واعتبارها من أولويات إدارته، نظراً لكونها لا تشكل فقط تهديداً لإدارته أو حزبه، بل تهديد للدولة والمجتمع والنموذج الأميركي بكل مكوناته.

التحدي الثالث: العنصرية والتناقضات الطبقية والمشاكل الاقتصادية:

شهدت الولايات المتحدة موجة من الاحتجاجات في يونيه 2020، انطلقت من مدينة منيابوليس، بولاية مينيسوتا، وسط البلاد، على خلفية مقتل مواطن أسود على يد شُرطي في 25 مايو 2020[14]. وأقدم بعض المتظاهرين على حرق الأماكن العامة والخاصة، وممارسة النهب، وقامت وزارة الدفاع بنشر قوات الحرس الوطني في عدد من الولايات لمواجهة الاحتجاجات[15].

واتجه البعض للقول بأن جانب من عمليات التخريب والنهب ارتكبها مواطنون من البيض؛ بغرض الإساءة إلى الأمريكيين من أصل أفريقي، وتصعيد المواجهات العنصرية مع قوات الأمن[16]. ضمن الاتهامات المتبادلة بين البيت الأبيض والمتظاهرين حول الجهات المسؤولة عن العنف والتخريب وعمليات النهب التي وقعت أثناء التظاهرات، وفي المقابل اتهم دونالد ترامب جماعة Antifa ([17]) بأنها المسؤولة عن أعمال العنف[18].

وتُشكل العنصرية ضد الأمريكيين السود جزءاً من بنية النظام الاجتماعي في أمريكا، ولا زال المجتمع الأمريكي يشهد العديد من المؤشرات على الثقافة العنصرية [19]، فعلى الرغم من أن الأمريكيين من أصل أفريقي يُشكلون أقل من 14% من السكان حسب إحصائيات عام 2019 الرسمية، إلا أنهم كانوا يُمثلون أكثر من 23% من بين كل 1000 حالة إطلاق نار أدت إلى القتل على يد الشرطة[20]، كما أن معدل اعتقال الأمريكيين من أصل أفريقي بتهمة تعاطي المخدرات أعلى بكثير من معدل الأمريكيين البيض، رغم أن الاستبيانات تظهر تقارب نسب تعاطي المخدرات بين المواطنين البيض والسود.

كذلك فإن الأمريكيين السود الذين يُسجنون بمعدل خمسة أضعاف الأمريكيين البيض، وضعف معدل الأمريكيين من أصل إسباني تقريبًا، ففي عام 2018 شكل الأمريكيون من أصل أفريقي حوالي 13% من سكان الولايات المتحدة، لكنهم كانوا يمثلون ما يقرب من ثلث عدد السجناء في البلاد. بينما شكل الأمريكيون البيض حوالي 30% من نزلاء السجون، رغم أنهم يمثلون أكثر من 60% من إجمالي عدد السكان[21].

كما أن هناك مؤسسات كاملة لا تسمح بصعود الملونين في سلمها الوظيفي؛ لكن تظل هذه التوجهات متفقًا عليها ومعروفة لكن غير مكتوبة؛ خاصة مع حرص هذه المؤسسات على تبني خطاب يستنكر العنصرية، وهناك مؤسسات أمريكية تفتح المجال أمام السود لكنها تظل تنطوي على توجهات عنصرية[22].

ولعل تورط مؤسسات بعينها في تكريس العنصرية الموجهة ضد الأمريكيين من أصل أفريقي يفسر اعتداء المتظاهرين على مؤسسات دون غيرها؛ وأنه يرتبط بالدور الذي تقوم به هذه المؤسسات في تكريس العنصرية[23].

أما في الإطار الأوسع، فإن الاحتجاجات المناهضة لمقتل “جورج فلويد” تم النظر إليها باعتبارها احتجاجًا ضد النيوليبرالية الأمريكية، مع تراكم اللامساواة والتمييز والفقر والتهميش لدى أمريكيين كثيرين. وانفجرت جراء تفشي جائحة كورونا، التي ضاعفت من معاناة مواطنين أمريكيين، باتوا غير قادرين على تحمّل أعباء الضمان الصحي ولا تكاليف العلاج.

يرتبط بذلك أن العنصرية في الولايات المتحدة لها بعد طبقي، إلا أن الطبقية في الولايات المتحدة لا تُؤثر سلبًا على السود فقط، إنما تؤثر أيضًا بشكل سلبي على أقليات أخرى، وعلى شرائح فقيرة وأقل دخلًا حتى من البيض[24]. وقد بلغ مدى الظلم الاجتماعي وسوء توزيع الثروة بين الأمريكيين أن نحو 35% من الثروة الأمريكية مملوكة فقط لنحو 1% من السكان، وأن أكثر من ربع الأمريكيين لا توجد لديهم حسابات بنكية أو يحتفظون فيها فقط بقدر معدود من الدولارات، مما يجعل نحو 50 مليون أمريكي تحت خط الفقر.

ويُمكن تلمس البعد الطبقي للاحتجاجات، في عمليات التخريب التي طالت شركات كبرى، باتت رمزًا للسياسات الرأسمالية القاسية، التي تعيد بشكل مستمر إنتاج التفاوت الطبقي الكبير بين أقلية بيضاء تملك كل شيء، وبين جمهور واسع من البيض ومن السود والملونين وذوي الأصول الهسبانية يعانون العجز عن توفير احتياجاتهم، ويعيشون خوفًا مستمرًّا من المستقبل.

وإن كان هناك من يرى أن الاحتجاجات في أمريكا تتجاوز رفض العنصرية والطبقية، وأنها أقرب إلى التعبير عن رد على اختناق أوسع، عنصري – سياسي – طبقي، فاقمه وباء كورونا وتداعياته، وأن الاحتجاجات ليست فقط ضد الشرطة وممارساتها، وإنما أيضًا ضد الخلل المتزايد في النظام الذي تحميه، وشهدت معظمها أعمال عنف، ومواجهات قوية بين المواطنين والشرطة[25].

إن هذه الاحتجاجات تعني كذلك أن المجموعات الغاضبة لم تعد تثق في القوى السياسية القائمة يمينية كانت أو يسارية، لذلك اختارت فتح قنوات جديدة للتعبير عن مواقفها، بعيدًا عن القنوات التقليدية القائمة من أحزاب وقوى سياسية موجودة وقائمة؛ ولذلك تظهر هذه الاحتجاجات بدون لغة واضحة أو قيادة محددة، أو تنظيمات تدير المشهد وتتحكم في مسار الحركة، فهي تعبير عن قطاعات اجتماعية ليس لها تمثيل في المجال السياسي، ومن ثم هي خارج المجال السياسي، وترفض اللجوء إلى أي من مكوناته، أو حتى استخدام اللغة السياسية السائدة فيه، وتبحث عن عقد اجتماعي جديد، يضمن حقوقه، ويحفظ مصالحه[26].

وقد فاقم من هذه التحديات الاجتماعية، انتشار وباء كورونا وسوء إدارة الرئيس ترامب في التعامل معه، حيث وصل عدد المصابين بالمرض منذ ظهوره وانتشاره في بداية يناير 2020 داخل الولايات المتحدة وحتى تاريخ 17 يناير 2020 نحو 24 مليون حالة، وعدد الوفيات أكثر من 400 ألف حالة، ووصل عدد الإصابات اليومي أثناء الموجة الثانية الحالية إلى نحو ربع مليون حالة، بينما تجاوز عدد الوفيات اليومي نحو 4400 حالة، طبقا لبيانات جامعة جونز هوبكنز الأمريكية.

وقد أدى هذا إلى آثار اجتماعية واقتصادية هائلة تمثلت في تزايد أعداد العاطلين عن العمل وحالات الإفلاس بشكل غير مسبوق منذ الكساد الاقتصادي العظيم عام 1929، مما يشكل تحديات هائلة للتعامل معها من قبل الإدارة القادمة لبايدن، تشكل مع حالات العنف والانقسام المجتمعي عقبات ضخمة تحول بين إدارة بايدن وبين إعطاء أولوية لملفات السياسة الخارجية، خاصة بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، وخصوصا مصر التي يراها الأمريكيون مستقرة نسبيا مقارنة بملفات ساخنة أخرى مثل سوريا والعراق واليمن وليبيا، بما قد يؤشر إلى صعوبة إعطاء أهمية تذكر للملف المصري في المدى المنظور.

التحدي الرابع: الانقسامات الداخلية في الحزب الديمقراطي

كشفت نتائج “الثلاثاء الكبير” (3 مارس 2020) في سباق الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأميركية، أن القيادة التقليدية في الحزب الديمقراطي ليست مستعدة بعد لتسليم المرشح اليساري السيناتور بيرني ساندرز قيادة الحزب، فقد توحّد التيار الوسطي خلف جو بايدن، بتأثير من أوباما نفسه الذي سعى لحماية إرثه في الحزب الديمقراطي، ومنع تحويل الانتخابات العامة إلى مواجهة بين أقصى اليسار وأقصى اليمين.

حيث برز ما وصفه البعض “نهضة يسارية” بقيادة ساندرز الذي حصل على 13 مليون صوت خلال الانتخابات التمهيدية عام 2016 مقارنة بمليون صوت للاشتراكي دبس في انتخابات عام 1912، وتعد ظاهرة ساندرز نتاجًا وامتدادًا لدينامية ونقاشات الحركة الاشتراكية في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، ووصلت الحالة اليسارية إلى ذروة قوتها منذ عام 2016، وقررت خوض معركة وجودية داخل الحزب الديمقراطي.

وفي فبراير 2020 نشرت واشنطن بوست في افتتاحيتها، إنه ليس هناك مرشح وسطي في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، وإن كل المرشحين على يسار أوباما، وهذا يعكس إلى أي درجة تمكَّن ساندرز من تغيير خطاب الليبراليين منذ عام 2016، لكن طرحه شعار الاشتراكية يبقى مثيرًا للجدل بين جزء رئيس من القاعدة الديمقراطية[27]. وفي استطلاع رأي أجرته مؤسسة “يوغوف” YouGov  عام 2019، قال 51% من الديمقراطيين، المشاركين في الاستطلاع، إنهم لا يرون أنفسهم اشتراكيين[28].

وهو ما يعني أن هناك صراعاً حول هوية الحزب الديمقراطي، وسيستمر هذا الصراع في المدى المنظور، مع احتمال أن يؤدي إلى انقسامات جوهرية في الحزب إذا لم يتم استيعاب تداعيات هذه المواجهة ومحاولة توحيد صفوف الديمقراطيين بالحد الأدنى على الأقل. ويمثل كل من بايدن (الذي يعبر عن توجهات الديمقراطيين المحافظين، وتياره الأقرب لفكر الدولة “المؤسسة” Establishment وتوجهاتها واستراتيجياتها الثابتة والمستقرة منذ عقود) وساندرز تيارين متناقضين في السياسات الداخلية، مع تقاطعات في السياسة الخارجية، ويكمن تحدي ساندرز، في تحديد مقاربته للاشتراكية وكيف يمكنها أن تتأقلم مع الثقافة الأميركية[29]، في وجود توجهات وقناعات فكرية تتصادم، مع الكثير من التوجهات والأفكار السائدة في النظام السياسي والاقتصادي الليبرالي الذي تتبناه الولايات المتحدة.

و تدل متابعة استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة، أن التيار التقدمي/ اليساري المنتمي للحزب الديمقراطي يحظى حاليا بتعاطف نحو 20 – 25% من الشعب الأمريكي، وقد اضطر هذا التيار أن يقف مع بايدن في معركة الرئاسة، الذي يختلف معه في الكثير من التوجهات، في مواجهة ترامب الذي يبتعد عنهم بدرجة أكبر كثيرا، ويتوقع رموز هذا التيار كمقابل لهذا الدعم أن يكون لهم نصيب معتبر من مناصب الإدارة الأمريكية الجديدة بما يسمح بتوجيه السياسات إلى وجهة أكثر تقدمية، لكن الترشيحات التي استعرضها بايدن حتى الآن لأهم مناصب الإدارة الجديدة لا تؤشر إلى هذا على الإطلاق، مما سيدفع التقدميين للكثير من المواجهات مع بايدن خلال فترة رئاسته للضغط عليه لدفعه لانتهاج سياسات أكثر تقدمية.

وفي مواجهة هذا التحدي، سيكون السؤال الأساسي هو إلى أي مدى يُمكن أن يؤثر هذا الانقسام على سياسة بايدن، وخاصة مع وجود تيار داخل الحزب الجمهوري، يقف خلفه ترامب، سيعمل جاهداً على محاولة رسم صورة ذهنية بأن إدارة بايدن إدارة يسارية، وسيعمل على ترسيخها (سواء عبر المظاهرات، أو دعم الاحتجاجات، وتعويق السياسات، وتشويه الصورة، وافتعال الاضطرابات الداخلية)، وهو ما يمكن أن يكون له تداعيات على حجم التأييد الداخلي لسياسات بايدن.

إلا أنه في المقابل فإن تنامي التوجه اليساري في الحزب الديمقراطي خاصة، أو في الولايات المتحدة عامة، يُمكن أن يكون له بعض التداعيات الإيجابية بالنسبة لقضايا المنطقة، في ظل دعم فريق مؤثر من التقدميين لخيارات الشعوب، والنقد المباشر للاستبداد والديكتاتورية.

لكن في نهاية المطاف، فإن هذه الاعتبارات من المتوقع أن تصعب كثيرا من أداء بايدن لمهمته كرئيس متمكن من إنفاذ ما يريده من سياسات، حيث سيكون في أغلب الأحيان واقعا تحت مطرقة التيار اليميني المحافظ الشعبوي الذي سيطعن على الدوام في شرعيته بدعوى أنه “اغتصب السلطة” و”سرق أصوات الناخبين”، وفوق سندان التيار التقدمي داخل حزبه الديمقراطي والمعترض على الكثير من توجهاته وسياساته.

المبحث الثاني: إدارة بايدن والملف المصري

بجانب المحددات العامة للسياسة الخارجية لإدارة بايدن، تبرز مجموعة من المحددات والتوجهات والضوابط الخاصة بسياسة بايدن تجاه مصر، من بينها موقفه ابتداء من ثورة يناير 2011 وما شهدته من تطورات وتحولات كان أخطرها الانقلاب العسكري في 2013، من ناحية، وموقفه من التيارات السياسية ذات المرجعية الإسلامية عامة، وجماعة الإخوان المسلمين خاصة، باعتبارها تشكل النواة الأساسية للمعارضة المصرية وللحراك الثوري منذ 2011 وحتى الآن، من ناحية ثانية، وموقفه من السيسي ونظامه وسياساته من ناحية ثالثة:

أولاً: بايدن وإدارة أوباما وثورة يناير 2011

اتسم الموقف الأمريكي، في ظل إدارة أوباما ونائبه جو بايدن، ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، تجاه ثورة يناير 2011، بدرجة عالية من التذبذب وعدم وضوح الرؤية، وارتبط هذا التذبذب بالعديد من العوامل والاعتبارات:

1: المفاجأة، فالإدارة الأمريكية لم تكن تتوقع هذه المظاهرات بهذا الحجم، وبهذه التداعيات، كما لم تتوقع مثل هذا الانهيار السريع للقدرات الأمنية المصرية، فى ظل معرفتها بالطابع الأمني والاستبدادي للنظام المصري.

2: العلاقات الوثيقة بينها وبين نظام مبارك، والذى شكل أداة من أدوات السياسة الأميركية سواء في الحرب العراقية الإيرانية (1980ـ 1988)، أو الغزو العراقي للكويت (1990ـ1991)، أو في الحرب الدولية على الإرهاب بعد أحداث سبتمبر 2001، وفي الهجوم على أفغانستان (2001)، أو في ضرب العراق 2003، وكذلك في تنفيذ الأجندة الأمريكية في الصراع العربي الإسرائيلي، وفي الضغط على إيران في الملف النووي، وغيرها من الملفات.

3: عدم الثقة الأمريكية في الأطراف البديلة من قوى المعارضة المصرية، التى يمكن أن تحل محل مبارك، لأن الإدارة الأميركية على قناعة بأنه لو أجريت انتخابات حرة ونزيهة، فلن يكون للحزب الوطني ولا معظم الأحزاب الرسمية القائمة، الدور الفاعل، ولكنه سيكون للإخوان المسلمين.

4: عدم جدية الولايات المتحدة في تطبيق ما ترفعه من شعارات حول نشر الديمقراطية وتعزيز حقوق الإنسان، إلا بما يتفق ومصالحها، وبالتالي جاء التردد الأمريكي في التعاطي مع الأزمة، لأخذ الوقت المناسب لدراسة كل الاحتمالات، وبناء عليها تقرر ما يمكن أن تقوم به، وهل تبقي على مبارك حالما يتم إعداد البديل المناسب، أو أن يتم النقل الفوري لصلاحيات الرئيس لعمر سليمان، أو معرفة التوجهات العامة للشارع المصري، والتعاطي معها بما يتفق ومصالحها.

5: الخبرات الشخصية للرئيس أوباما: فمن واقع تعاطيه مع تطورات الثورة المصرية، يمكن القول أن قرارات أوباما كان يدفعها شعور بأن هذه التحولات نتاج تراكمات سلبية عبر عدة سنوات، وأنه لا يمكن إيقافها أو إعادة الأمور في مصر إلى الوراء، كما يعتقد أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تكون استجابتها كغيرها من الدول، ويُدرك أوباما من تجاربه أن التغيير فى البلدان النامية لا يمكن مواجهته، أثناء اشتعاله، بالقوة أو الصدام، وأنه ليس من الضروري أن تتحول كل حركة شعبية إلى كارثة، فهناك نماذج إيجابية، تخلصت من نظم فاسدة وجاءت بنظم كان لها دور بارز في التنمية والإصلاح.

ومن ناحية ثانية، فإن خبرة أوباما الشخصية وتجربته في الانتخابات الرئاسية التى فاز بها تتيح له فرصة متميزة للاتصال بجيل الشباب الذى يصنع الثورة المصرية، وأصبح التحدي الذي يواجهه هو كيفية استخدام خبرته الحياتية وقدرته الكبيرة على التواصل لدعم عملية التغيير، والموازنة بين التعاطف مع الثوار فى الشوارع، وطمأنة العالم إلى أن القوة الأمريكية مستقرة فى مواجهة التحولات التي يشهدها العالم، وبين هذا وذاك جاء تردده في التعاطي مع تداعيات الثورة وتحولاتها.

وأمام هذه الاعتبارات جاء التذبذب والتردد في المواقف الأمريكية في التعاطي مع تطورات الثورة المصرية، سواء على مستوي التصريحات الرسمية أو على مستوي الإجراءات التي تبنتها الإدارة الأمريكية.

فقد كانت أول ردود الفعل الأمريكية الرسمية، بيان صادر في 25 يناير 2011، عن البيت الأبيض، جاء فيه: “نحثُ جميع الأطراف على الامتناع عن استخدام العنف، ونتوقع من السلطات المصرية أن ترد على أي احتجاجات بطرق سلمية، إننا ندعم الحقوق العالمية للشعب المصري، بما في ذلك الحق في حرية التعبير والتجمع والانضمام إلى الجمعيات. وأمام الحكومة المصرية فرصة مهمة لتستجيب لتطلعات الشعب المصري وتنتهج إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية يمكن أن تحسن معيشته وتسهم في رخاء مصر. إن الولايات المتحدة ملتزمة بالعمل مع مصر والشعب المصري لدفع عجلة هذه الأهداف”.

وفى اليوم نفسه صدر بيان عن مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون العامة، جاء فيه: “إننا نرصد الوضع في مصر عن كثب، وإن الولايات المتحدة تؤيد حق التعبير والتجمع للشعب كله، وعلى كل الأطراف أن تمارس ضبط النفس، وإننا نهيب بالسلطات المصرية أن تتعامل مع تلك التظاهرات بأسلوب سلمي”.

وأضاف البيان: “إننا نود أن نرى الإصلاح يتحقق في مصر، وأماكن أخرى وإتاحة الفرص السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تتفق مع تطلعات الشعب. وإن الولايات المتحدة شريك لمصر وللمصريين في هذه العملية التي باعتقادنا يجب أن تجري في مناخ سلمي .. وقد أثرنا مع الحكومات في المنطقة الحاجة للإصلاحات والانفتاح وإلى مشاركة أرحب من أجل التجاوب مع تطلعات الشعب، وسنواصل فعل ذلك”.

وفي 3 فبراير 2011، قال المتحدث باسم الخارجية الأميركية: “طالما استمر الوضع دون اتخاذ فعل ملموس يمكن أن يراه الشعب المصري، فإن خطر المجابهات الجارية والعنف سيزداد. ولذا نحن نواصل تشجيع الحكومة والمعارضة على الالتقاء معاً الآن، وبذل جهد شامل والمضي قدماً بحيث يرى الشعب أن التغيير قادم وأن التغيير جار في الواقع”.

وأضاف: إن الولايات المتحدة تتبادل مع الحكومة المصرية النصح ووجهات النظر، وتجري اتصالات يومية مع الجيش المصري ومع أعضاء من المعارضة أيضا، لكن ليس من حق الولايات المتحدة أو أي قوة أجنبية أن تُملي مَن سوف يحكم مصر. كما أن القرار الخاص بمدة بقاء الرئيس مبارك في السلطة قرار مصري، فهذه مسألة لا تتعلق بنا، إنما هي تخص العلاقة بين الشعب المصري والحكومة المصرية”.

وفي كلمتها أمام مؤتمر الأمن بميونيخ (4 فبراير 2011) أعلنت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون أن “الوضع الراهن في الشرق الأوسط غير قابل للاستمرار”، وقالت: “إن الشرق الأوسط يواجه ما وصفته بأنه “عاصفة كاملة ذات اتجاهات شديدة”. وقالت: “إن الولايات المتحدة تقف متأهبة لمساعدة شركائها على اتخاذ “خطوات منهجية” لإحلال مستقبل أفضل يلبي تطلعاتهم”. و “أن يكون الانتقال “شفافاً وصادقا وأساسياً كي يمكن للشعب المصري، ولنا نحن في الخارج، أن نقيّم التقدم الذي يتحقق”، وإن الولايات المتحدة “تنظر من الخارج إلى ما يجري من أحداث في مصر لكن هذا الأمر يعود للشعب المصري نفسه”[30].

وفي 6 فبراير 2011، أكد أوباما رغبته في حصول عملية انتقالية منظمة وملموسة تؤدي إلى قيام حكومة تمثل الشعب في مصر، لأن مصر لن تعود إلى ما كانت عليه. وقال: “أريد حكومة تمثل الشعب في مصر”، “المصريون يريدون الحرية وانتخابات حرة وعادلة، يريدون حكومة تمثل الشعب، يريدون حكومة منفتحة. وقد قلنا، يجب أن تبدأوا المرحلة الانتقالية فوراً، مرحلة انتقالية منظمة”.

وشدد على أن المجتمع المصري لا يقتصر على جماعة الإخوان المسلمين، لكنه أقر بوجود مخاوف حيال مواقفهم، قائلاً: “اعتقد أنهم أحد الفصائل في مصر، هم لا يتمتعون بدعم غالبية المصريين، ولكنهم منظمون جيدًا، وفي أيديولوجيتهم نواح معادية للأميركيين، لا شك في ذلك. لكن ثمة مجموعة كبيرة من الأشخاص الليبراليين في مصر، وثمة مجتمع مدني واسع يريد التقدم إلى الواجهة أيضًاً، ومن المهم ألا نقول إن الخيارين الوحيدين أمامنا هما إما وصول الإخوان المسلمون أو شعب مصري مقموع. أريد حكومة تمثيلية في مصر، ولدي الثقة بأنه إذا تقدموا في عملية منظمة، يمكننا العمل معًا” [31].

وفي 8 فبراير 2011، جاءت تصريحات نائب الرئيس الأمريكي “جون بايدن” والذى دعا لكبح وزارة الداخلية المصرية لإنهاء فوري لاعتقال ومضايقة والتنكيل بالصحفيين والناشطين السياسيين وناشطي المجتمع المدني، وإتاحة حرية التعبير والتجمع، وإلغاء فوري لقانون الطوارئ، وتوسيع قاعدة الحوار الوطني لتشمل طائفة واسعة من أعضاء المعارضة، ودعوة المعارضة كشريك لتطوير خارطة طريق مشتركة وجدول زمني لنقل السلطة، بجانب سياسة واضحة بعدم الانتقام”.

أي أن التصريحات الأمريكية كانت حول “الانتقال السلمي للسلطة” وليس “التنحي الفوري للرئيس مبارك”، فالولايات المتحدة لم ترغب بتغيير النظام في مصر بشكل يمهد لتحولات جذرية من شأنها أن تخل بالمعادلة الإقليمية القائمة منذ عام 1979، منذ توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وقيام الثورة الإيرانية، تلك المعادلة التى تقوم على تبني سياسة الركائز الإستراتيجية المتعددة، في مواجهة الأزمات التى تشهدها المنطقة، بما يتفق في المحصلة مع المصالح الأمريكية.

وفي إطار هذه التوجهات تعددت الإجراءات التي تبنتها الإدارة الأميركية في تعاطيها مع التطورات السياسية في مصر، وكان أول هذه الإجراءات، تكليف فرانك ويزنر، السفير الأمريكي السابق في مصر، ليكون مبعوثاً شخصياً للرئيس أوباما، لبحث تداعيات الثورة المصرية، وما إن أصدر ويزنر تصريحات مؤيدة للرئيس مبارك، كانت محل انتقاد من العديد من الجهات، خرجت الإدارة الأمريكية لتعلن أن هذه التصريحات تعبر عن رأيه الشخصي.

إلا أنه، وبخلاف ذلك التوجه، فقد أطلق أوباما تصريحه القوي الشهير قبل تنحي مبارك بيومين، بأن “مبارك يجب أن يغادر الآن”، وعندما سئل عما يعنيه بذلك قال “الآن تعني الأمس!”

ومن ناحية ثانية، دعا مشروع قرار (تقدم به السناتور الجمهوري جون ماكين والسناتور الديمقراطي جون كيري إلى مجلس الشيوخ الأمريكي) مبارك إلى نقل السلطة إلى حكومة مؤقتة لتصريف الأعمال تضم جميع الأطياف، والبدء سريعا في انتقال سلمي وسلس إلى نظام سياسي ديمقراطي، على أن يشمل ذلك نقل السلطة إلى حكومة مؤقتة تضم جميع الأطياف بالتنسيق مع زعماء من المعارضة المصرية والمجتمع المدني والجيش، لتنفيذ الإصلاحات اللازمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة هذا العام”.

وفي 10 مارس 2011، طرح كيري وماكين مبادرة لإنشاء صندوقي دعم لمصر وتونس، وأعلنا أن الصندوقين، سيحملان رسالة إلى العالم العربي برمته بأن الولايات المتحدة ستساعد الشعوب العربية على بناء اقتصاد أقوى. واعتبر كيري أن الدعم المادي الذي سيقدم يشكل استثمارا ناجحا في مستقبل العالم العربي وفي الأمن القومي للولايات المتحدة. وقال: “إن مبادرته ستترجم الدعم المعنوي الذي قدمته الولايات المتحدة للشعبين التونسي والمصري في الإنجازات التي حققاها، كما أنهما سيساهمان في تعزيز الديموقراطية ودعم الاستثمارات وخلق آلاف فرص العمل في البلدين”[32].

وفي 15 مارس 2011، بدأت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية أول زيارة لها إلي مصر بعد ثورة‏25‏ يناير‏، وقالت كلينتون‏:‏ إن واشنطن تعمل حاليا علي تحقيق مشاركة مع مصر‏،‏ في ضوء التغيرات التي حدثت‏،‏ والتحول الديمقراطي والتطور الاقتصادي والاجتماعي الجاري حاليا بمصر‏.‏

وفي 25 مارس 2011، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بياناً تعرض فيه تفاصيل برامج الدعم الأمريكي للتنمية الاقتصادية فى مصر فى مرحلة ما بعد الثورة. وأوضح البيان أن مساعدات التنمية الأمريكية تهدف إلى توفير فرص لجميع المصريين. وأن الولايات المتحدة ستعمل بما يضمن أن المكاسب الاقتصادية التى حققتها مصر فى السنوات الأخيرة سوف تتواصل وأن جميع قطاعات المجتمع المصرى ستنتفع من هذه المكتسبات [33].

وفي 5 يناير 2012، أكد مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط “جيفري فيلتمان”، أنه لا يوجد شريك للولايات المتحدة في العالم العربي أهم من مصر، مشيرا إلى أهمية الريادة المصرية والتي تقدم رؤية مهمة للمنطقة التي تمر بمرحلة انتقالية. وقال: “إن هذا السبب يجعل “من المهم لنا أن نحافظ على مشاورات ثنائية قوية مع الحكومة المصرية”. وأضاف: “إن “الشعب المصري هو المسؤول عن اختيار أعضاء البرلمان، وسيلعب هذا البرلمان دورا في حكم مصر فيما تسير مصر إلى الأمام، والولايات المتحدة لا تختار من يحكم مصر بل المصريون هم من يختارون ذلك، ولكننا نؤمن أن الشراكة بين مصر والولايات المتحدة مهمة للغاية للشعبين وللدولتين”. وأعرب عن الأمل “أن ترى أي حكومة تأتي في مصر وتكون نتيجة لهذه المرحلة الديمقراطية الفوائد المشتركة في العلاقة المصرية الأميركية” [34].

وفي أوائل فبراير 2012، جاءت زيارة “روث بادر جينسبيرج”‏،‏ القاضية بالمحكمة العليا الأمريكية‏ إلي مصر، قبل تشكيل لجنة صياغة الدستور في مصر، لتعكس أن هناك اهتماما خاصا من جانب الولايات المتحدة الأمريكية بطريقة صياغة الدستور المصري الجديد، وقد بدا اهتمام السفارة الأمريكية في القاهرة بزيارة “روث بادر جينسبيرج”‏ من خلال النشاط المكثف للقاضية خلال هذه الزيارة، والحرص علي لقائها مفتي الديار المصرية، ورئيس مجلس القضاء الأعلى، ولقاءاتها الموسعة مع النشطاء السياسيين وأساتذة وطلاب الجامعة [35].

مع التحولات التي شهدتها مصر، بعد انتخاب الدكتور محمد مرسي رئيساً، مرشحاً عن حزب الحرية والعدالة، اضطرت الإدارة الأمريكية للتعامل مع هذا الأمر لكونه الخيار الديمقراطي للشعب المصري، بل أنها ثمنت موقف الرئيس المصري في موقفه الحاسم في نوفمبر 2012 بما أدى إلى نزع فتيل نزاع عسكري ممتد في قطاع غزة بين إسرائيل والفلسطينيين، إلا أنه بعد الانقلاب العسكري عليه في 3 يوليو/ تموز 2013، قال المتحدث باسم البيت الأبيض، جاي كارني: “إن الرئيس مرسي لم يكن يحكم بطريقة ديمقراطية وإن ملايين المصريين خرجوا للشوارع والميادين مطالبين بعزله وهم يرون أن مساندة الجيش لهم لا تشكل انقلاباً”.

وذكرت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية “جين ساكي”: “لم تكن حكومة مرسي تشكل حكماً ديمقراطياً، وخرج حوالي 22 مليون مصري للتعبير عن آرائهم وإظهار أن الديمقراطية ليست مجرد الفوز في صناديق الاقتراع”، وذكر وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أن “الإطاحة بمرسي لم تكن انقلاباً، وأن الجنرال السيسي استجاب للشارع المصري وأن حركة الجيش كانت دعما للديمقراطية”.

وفي بيان صدر عن لجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس الأميركي في 5 يوليو/ تموز 2013 حول الأوضاع في مصر، أكد على إخفاق جماعة الإخوان المسلمين في فهم الديمقراطية، وأنه يجب على الجيش والحكومة الانتقالية الراهنة تبني التحول الديمقراطي عن طريق إشراك الشعب في كتابة الدستور، وأن ما حدث في مصر ليس انقلاباً وإنما تطور ديمقراطي.

وفي الوقت الذي كانت فيه قوات تابعة للجيش المصري تفُض بالقوة اعتصام رابعة العدوية في أغسطس/آب 2013، كانت شركة “جنرال إلكتريك” الأمريكية تعقد صفقة مع المقاتلات الجوية المصرية بقيمة 14 مليون دولار.

فالولايات المتحدة مررت تحت إدارة أوباما وبايدن الانقلاب العسكري في مصر رغم خطابها الديمقراطي، وتغاضت عن إدانة مجزرة رابعة، رغم دعواتها المتكررة عن حماية حقوق الإنسان في ظل إدارة أميركية ديموقراطية، على رأسها باراك أوباما ونائبه جو بايدن، الذي عاد بعد 4 سنوات للإدارة ولكن هذه المرة رئيساً للولايات المتحدة، متبنياً نفس الخطاب ونفس الدعوات عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.

لقد جمعت بايدن علاقات طويلة امتدت لسنوات، خلال عمله كسيناتور ديمقراطي فى لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، والرئيس المصرى السابق حسنى مبارك وأركان نظامه فى مجال السياسة الخارجية، لذا لم يكن مرحباً بثورة 25 يناير ولا بالحراك الشعبى ضد مبارك.

وخلال أيام الثورة نفى بايدن أن يكون الرئيس مبارك ديكتاتورا، قائلاً: “إنه يعرف مبارك جيداً، وأضاف أعتقد أن الوقت حان لكى يتحرك مبارك فى الطريق الذى يلبى مطالب شعبه، وهناك الكثير من أفراد الطبقة الوسطى ممن يبحثون عن ظروف أفضل وفرص أكثر، وأود أن أؤكد أن هناك شيئين هامين، الأول هو أن العنف ليس وسيلة مناسبة، والثاني أن الشعب له الحق فى التظاهر، ونحن نعتقد أن الرئيس مبارك سوف يلبى بعض المطالب المشروعة التى عبر عنها المتظاهرون”[36].

وفي رده على سؤال إذا كان مبارك يجب النظر إليه كديكتاتور، قال بايدن: “مبارك كان حليفا لنا فى العديد من القضايا، وكان حليفا مسئولا..  ولن أصف مبارك بأنه ديكتاتور». وقال «على الناس فى الشارع أن تكون حذرة أيضا وعدم اللجوء إلى العنف، وأعتقد أنه من المهم جدا أن يتوفر للشعب الآلية للتعبير عن مطالبهم المشروعة”.

وفي اتصاله مع عمر سليمان، نائب مبارك آنذاك، دعا بايدن إلى التزام ضبط النفس، والشروع فوراً فى مفاوضات شاملة وذات مصداقية لكى تنتقل مصر إلى حكم ديمقراطي يلبى تطلعات الشعب المصرى. وشدد على أن الحكومة المصرية مسئولة عن ضمان أن المظاهرات السلمية لا تؤدى إلى العنف والترهيب والسماح للصحفيين ودعاة حقوق الإنسان بالقيام بعملهم المهم، بما فى ذلك الإفراج فورا عن المحتجزين”[37].

وهذه المواقف الأميركية بشكل عام، ومن إدارة أوباما (الرئيس) بشكل خاص، ومن جو بايدن (نائب الرئيس) بشكل خاص، يمكن أن تكون لها امتداداتها وبالتالي تأثيراتها على سياسة بايدن (الرئيس) تجاه مصر ونظام السيسي، خاصة في ضوء اختيارات بايدن لفريقه في إدارة السياسة الخارجية والذي لا يعدو أكثر من إعادة تدوير لأغلب أعضاء الفريق وقت إدارة أوباما[38].

ثانياً: بايدن والإسلاميين في مصر

عقب فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن بالانتخابات الأمريكية تعددت التحليلات حول مستقبل الجماعات الإسلامية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، وافترضت معظم التحليلات أن مقاربة بايدن ستختلف جذرياً عن مقاربة ترامب، إلا أن ذلك يحتاج إلى الوقوف على المحددات الاستراتيجية للرؤية الأمريكية لهذه الجماعات، والتي تأتي في إطار سياساتها في الشرق الأوسط، وعلاقاتها بالنظم السياسية في المنطقة، ومصالحها فيها.

وتأتي رؤية بايدن، في الجانب الأكبر منها، امتداداً لسياسة أوباما، الذي كان بايدن نائباً له عندما انطلقت ثورات الربيع العربي في 2011[39].

فرغم ترحيب إدارة أوباما بهذه الثورات، والتعامل معها كشكل من أشكال التغيير السياسي في المنطقة، إلا أنه بعد الانقلاب العسكري في مصر سنة 2013، تبددت شعارات دعم الديمقراطية في العالم العربي، ولم يكن لإدارة أوباما موقفاً حاسماً ضد عزل واعتقال الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي، أو ضد مجزرة رابعة العدوية ( 14 أغسطس 2013) وتصنيف الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، ليس في مصر فقط ولكن في عدد من الدول العربية، حيث صنفت السعودية والإمارات الإخوان جماعة إرهابية سنة 2014.

فالجدل حول تصنيف الإخوان المسلمين جماعة إرهابية تم في عهد أوباما، عندما قام عدة أعضاء في الكونجرس عام 2015 بتقديم مسودة قانون لتصنيف الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية أجنبية (إلا أن التقرير الذي قدمه وزير الخارجية جون كيري وزير الخارجية الأمريكي في ذلك الوقت لم يدعم هذا القانون لأسباب كثيرة)، وبعد فوز ترامب في الانتخابات، تجددت المساعي بتصنيف الجماعة ضمن القائمة السوداء عام 2017، وبعد انتخابات 2020، وخسارة ترامب، أعاد السيناتور الجمهوري، تيد كروز، تقديم مشروع قانون يصنف الإخوان المسلمين جماعة إرهابية في الثاني من ديسمبر 2020، لكن ترامب لم يقم بتصنيف الإخوان منظمة إرهابية، الأمر الذي يكشف أن سياسة الولايات المتحدة تجاه الجماعة لم تختلف باختلاف الإدارة[40].

ويبدو أن بايدن لا يمتلك مقاربة واضحة حول التعامل مع الحركات الإسلامية، وأقصى ما يمكن أن يذهب إليه هو تخفيف الضغوطات التي تمارسها الدكتاتوريات المحلية على هذه الحركات، خوفاً من حدوث انفجارات اجتماعية تعيد صياغة ثورات شعبية، قد تؤثر على المصالح الأمريكية في المنطقة[41].

لا يبدي بايدن عداء مبدئيا للمسلمين، بل إنه سعى كثيرا للتواصل معهم في الولايات المتحدة من أجل كسب أصواتهم ووجه لهم تسجيلاً خاصاً، وكان لهم دور مهم في دعم حملته الانتخابية، كما أنه ليس لديه تحفظات محددة في التعامل مع الحركات الإسلامية، ولكن المؤكد أن لديه مشاعر قلق من التوجهات السياسية للإخوان، ومن إمكانية تأثير وصولهم للسلطة في أية دولة عربية على المصالح الأمريكية، وخاصة إذا تولى الإخوان السلطة في بلد محوري كمصر، وما تعتبره إسرائيل تهديدا استراتيجيا نتيجة لذلك.

وفي هذا السياق يمكن القول أنه من المستبعد أن تستجيب إدارة بايدن للمطالب التي قد يتقدم بها النظام المصري وحلفاؤه الإقليميون لتصنيف الإخوان كجماعة إرهابية، لاسيما أن ترامب ذاته، لم يتمكن من تنفيذ هذه الخطوة رغم حماسه لها، بسبب التعقيدات التي يمكن أن يتركها مثل هذا القرار على علاقات واشنطن بدول عربية وإسلامية تشكل الحركات والجماعات المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين فيها مكوناً أساسياً لا غنى عن التواصل معه، بالإضافة للتعقيدات المتعلقة بتأثير ذلك على المسلمين الأمريكيين وبعض مؤسسات المجتمع المدني الأمريكية ذات الصبغة الإسلامية، والتي كان لها دور هام في تحقيق بايدن فوزا حاسما في بعض الولايات المتأرجحة مثل ولاية ميتشجان.

وإذا كان بايدن لا يُبدي عداء مبدئيا لجماعة لإخوان، إلا أنه من المتوقع أيضاً ألا تُبدي إدارته حماساً لأي لقاءات رسمية مباشرة مع الجماعة أو رموزها البارزة، حفاظاً على علاقة الإدارة بالنظام. ومن هنا فإن اللقاءات غير المباشرة بين الطرفين قد تكون الوسيلة المناسبة للتواصل، ومنها التواصل مع بعض أعضاء الكونجرس والمؤسسات غير الحكومية ومراكز الدراسات والجامعات ووسائل الإعلام الأمريكية[42]، وإن كنا نرى أن تأثير مثل هذه اللقاءات سيكون محدودا في تغيير أي من السياسات.

إن السياسة الأمريكية التي ستنتهجها إدارة بايدن تجاه الإسلاميين لن تكون محكومة بمنطق السياسة العامة التي تنسحب على كل الإسلاميين، وإنما سيتم التعامل مع كل حالة على حدة، بحسب المحددات التفصيلية للمصلحة الأمريكية في كل بيئة سياسية، وبالتالي ليس مستبعداً أن تستفيد بعض التيارات السياسية ذات المرجعية الإسلامية، من حرية الحركة التي يمكن أن يتم فتحها في ظل إدارة بايدن، وخاصة في النظم السياسية العربية التي تعاني من أزمات حقيقية.

أي أن السياسة الأمريكية تجاه الإسلاميين لن تكون واحدة، بل سيكون بعضها محكوماً بالمصلحة الأمريكية المناسبة لكل بيئة سياسية، وسيكون البعض الآخر، متكيفاً مع المتغيرات التي ستحدث جراء سنّ سياسات أخرى في المنطقة، وستبقى مصر، منطقة الثقل الاستراتيجي، محكومة بمنطق حذر، تزاوج فيها السياسة الأمريكية بين الضغط السياسي والحقوقي، وبين مراقبة الكسب السياسي المتوقع من قبل الإسلاميين، وردود الفعل الإسرائيلية[43].

وفي هذا السياق جاء البيان الصادر عن جماعة الإخوان المسلمين والموجه إلى  جو بايدن بعد إعلان فوزه في انتخابات الرئاسة الأميركية، نوفمبر 2020، والذي دعت فيه الإدارة الأمريكية الجديدة بمراجعة “سياسات دعم ومساندة الدكتاتوريات، وما ترتكبه الأنظمة المستبدة حول العالم من جرائم وانتهاكات في حق الشعوب”، وأكد البيان على أن “أي سياسات يتم فيها تجاهل الشعوب وخياراتها الحرة والاكتفاء ببناء علاقاتها مع مؤسسات الاستبداد الحاكمة، ستكون اختيارا في غير محله، ووقوفا على الجانب الخاطئ من التاريخ”[44].

وهو البيان الذي جرى تفسيره من جانب الإعلام الحكومي الموالي للنظام في مصر على أنه استقواء بإدارة بايدن، والقول بوجود علاقات قوية بين الإخوان المسلمين والحزب الديمقراطي الأميركي، وهو تقييم غير دقيق ولا يستند إلى أسس موضوعية أو مؤشرات عملية، فإذا كان الحزب الديمقراطي له موقف إيجابي من الأقليات عموماً في المجتمع الأميركي بما فيهم الأقليات المسلمة ورموزها الدينية والتعاطف معهم في وجه التمييز والانتهاكات التي قد تلحق بهم، ويتم التعامل مع المنظمات الأميركية المدافعة عن حقوق المسلمين، فهذا لا يعني دعما للإسلاميين خارج الولايات المتحدة.

وبعض هذه المنظمات ربما يكون لها صلات غير عضوية بالإخوان المسلمين أو غيرهم من الجماعات ذات المرجعية الإسلامية، لكن هذا لا يعني تعاطفاً من الحزب الديمقراطي مع هذه الجماعات، لأن برامج وأفكار الحزب أبعد ما تكون عن أفكار وبرامج الإخوان المسلمين، لأنها يغلب عليه الطابع الليبرالي المفرط، والطابع اللاديني في الكثير من الأحيان، وغالبية “المسلمين المحافظين” في أميركا كانوا تقليديا يصوتون للحزب الجمهوري لأنهم يجدون قيمه أكثر تناسباً مع قيمهم، حتى حدث التحول نحو الحزب الديمقراطي بعد إفراط إدارة بوش الابن (2001 ـ 2008) في استهداف وانتهاك حقوق وحريات المسلمين بعد أحداث 11 سبتمبر 2001[45]، وجاءت إدارة ترامب الجمهورية كذلك لتتوسع في هذه الانتهاكات وفي دعم الديكتاتوريات العربية، لذا جاء تصويت المسلمين في انتخابات 2020 في غالبيته لصالح الديمقراطيين.

ثالثاً: بايدن ونظام السيسي

في ٢٢ ديسمبر  ٢٠١٦، كان دونالد ترامب قد نجح في الانتخابات الرئاسية الأميركية، لكن لم يتول الحكم رسمياً، وكان الرئيس باراك أوباما ونائبه جو بايدن أرادا إصدار قرار من الأمم المتحدة بإدانة المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة بعد يونيو 1967. وكان الاتفاق أن تتقدم مصر بالقرار إلى مجلس الأمن وأن الولايات المتحدة لن تستخدم حق الفيتو، وتم إرسال القرار رقم ٢٣٣٤ إلى مجلس الأمن وتحدد يوم ٢٣ ديسمبر لمناقشته، لكن ترامب اتصل بالسيسي، وتم سحب مشروع القرار من مجلس الأمن[46].

كان لهذا الموقف انعكاساته على موقف أوباما وبايدن من عبد الفتاح السيسي، الذي التقاه أوباما على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2015، ولم يلتق به بايدن، وكان هذا اللقاء أول لقاء بعد تولي السيسي الرئاسة في مصر بعد انقلاب 2013، ونظر إليه السيسي على أنه المصدر الرئيس لتعزيز شرعية نظامه بعد الانقلاب.

والتوتر في العلاقة بين الديمقراطيين والسيسي بدأ قبل انتخابات 2016 في الولايات المتحدة، حين هاجمته هيلاري كلينتون، التي كانت مرشحة الحزب الديمقراطي آنذاك، في 25 ديسمبر 2015، واصفة نظامه بـ “الديكتاتوري العسكري[47]، وهو ما دفعه لإعلان دعمه بوضوح للمرشح الجمهوري قائلًا “لا يوجد شك دونالد ترامب سيكون قائدًا قويًا” وذلك أثناء لقائه التلفزيوني مع شبكة CNN الإخبارية، على هامش مشاركته في أعمال الدورة الـ71 للجمعية العامة للأمم المتحدة[48].

وأصبح ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، وتعززت علاقات السيسي/ ترامب، وهو ما ساهم إلى حد كبير في دعم الاعتراف الدولي بنظام السيسي وترسيخ أقدامه، كما نجح ترامب في وقف محاولات الكونجرس فرض عقوبات على مصر على خلفية ملف حقوق الإنسان.

وأثناء حملته الانتخابية، هاجم بايدن في تغريدتين عن مصر على حسابه على تويتر، النظام المصري بسبب انتهاكاته في الملف الحقوقي، وكانت التغريدة الأولى في 16 يناير 2020 بمناسبة وفاة المعتقل المصري الأمريكي مصطفى قاسم بعد ست سنوات من السجن في مصر، وقال بايدن في حينها “إنه أمر شائن” وأضاف أن الأمريكيين المحتجزين ظلما في أي مكان في العالم يستحقون دعم حكومتنا الكامل والجهود الحثيثة لتأمين إطلاق سراحهم[49].

التغريدة الثانية في 12 يوليو 2020 بعد عودة المواطن المصري الأمريكي محمد عماشة بعد سجنه 486 يوما في مصر بسبب حمله لافتة للاحتجاج، وهاجم فيها بايدن السيسي نفسه بوصفه “الدكتاتور المفضل” لترامب، وقال إن “اعتقال وتعذيب ونفي ناشطين مثل سارة حجازي ومحمد سلطان أو تهديد عائلاتهم أمر غير مقبول. لا مزيد من الشيكات الفارغة لـ “الديكتاتور المفضل لترامب[50].

وفي أكتوبر 2020 ظهرت أزمة جديدة بين السيسي والديمقراطيين حين نشرت شبكة CNN  تقريرًا عن تحقيقات فيدرالية جرت حول حقيقة حصول حملة دونالد ترامب على 10 ملايين دولار من أحد البنوك الحكومية المصرية قبيل انتخابات 2016[51].

وفي كتابه “أرض الميعاد”، كتب أوباما أنه استشار فريق الأمن القومي الخاص به عام 2011، وذلك لتحضير استجابة فعالة للأحداث التي شهدتها مصر في ثورة 25 يناير، وقال إن فريقه انقسم إلى قسمين:

الأول: ضم بايدن وهيلاري كلينتون ووزير الدفاع ليون بانيتا: ودعا هذا القسم إلى الحذر، واعتبر أن مبارك لعب دوراً في حفظ السلام مع إسرائيل ومحاربة الإرهاب، والشراكة مع الولايات المتحدة في مجموعة من القضايا الإقليمية الأخرى، كما أقر هذا القسم بضرورة الضغط على مبارك بشأن الإصلاح، محذرين من أنه لا توجد طريقة لمعرفة من أو ما يمكن أن يحل محله.

الثاني: شمل بلينكن (المرشح لتولي وزارة الخارجية في إدارة بايدن) ومستشارة الأمن القومي السابقة سوزان رايس ومساعده بن رودس، وكان هذا القسم مقتنعاً بأن مبارك فقد شرعيته لدى الشعب المصري إلى الأبد، ولا يجب أن تكون الولايات المتحدة مُقيّدة بنظام استبدادي فاسد على وشك الانهيار”.

وتأكيداً على هذا الموقف، دعا بلينكن في نوفمبر 2020، إلى ضرورة تبني سياسة أمريكية أكثر صرامة تجاه مصر، متهماً ترامب بتقويض “مكانتنا الأخلاقية عالمياً وقدرتنا على القيادة”، من خلال علاقته بعبد الفتاح السيسي، وانتقد بلينكن حديث ترامب أن مصر سوف تُفجر سد النهضة، قائلاً: “الكلمات مهمة خاصة من الرئيس، لكنها تصريحات متهورة وتُقوض دور الولايات المتحدة كمراقب في مفاوضات سد النهضة بين مصر وإثيوبيا والسودان”.

كما غرّد بلينكن على حسابه الشخصي، معبراً عن قلقه من اعتقال مصر لثلاثة من موظفي “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”. وقال: “نتشارك القلق بشأن اعتقال ثلاثة من موظفي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية. الاجتماع مع الدبلوماسيين الأجانب ليس جريمة، ولا المناصرة السلمية لحقوق الإنسان[52].

ويشكل توني بلينكن أحد أهم الشخصيات التي تم الإعلان عنها في فريق بايدن، بجانب بروز أسماء أخرى ضمن الفريق المرشح لإدارة ملفات السياسة الخارجية والأمن القومي وقضايا الشرق الأوسط، وتنتمي الكتلة الأكبر منه إلى إدارة أوباما، مثل جاك سوليفان وفيليب جوردون وروبرت مالي وبرت ماكجورك، وآيان جولدبيرج وسوزان رايس وغيرهم، فضلا عن ويليام بيرنز على رأس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وسامنثتا باور على رأس هيئة المعونة الأمريكية، والذين سيكون لهم دور كبير في إدارة الشأن الخارجي، الأمر الذي يمكن من خلاله استشراف طبيعة مواقفهم من الأوضاع في مصر، والتي قد لا تختلف كثيراً عن مواقفهم أثناء إدارة أوباما.

وفي المقابل، يُدرك النظام المصري أن ما شهدته فترة ترامب من الدعم اللامتناهي واللامحدود الذي حصل عليه السيسي (باعتباره ديكتاتور ترامب المفضل) لن يستمر كما كان عليه، وأن هناك ضغوطًا سوف تمارَس على القاهرة في ملف الحريات بداية من قضايا المعتقلين على ذمة قضايا سياسية، مرورًا بالمجتمع المدني، وانتهاء بالصحافة والأحزاب، وقد تتجاوزها لملفات أخرى تتعلق بالتسليح ومكافحة الإرهاب وقضايا الإقليم، إلا أن السيسي يراهن في قدرته على التعاطي مع هذه الضغوط على عدة اعتبارات:

الأول: القول بأن إدارة بايدن تواجه مشاكل داخلية معقدة تتعلق بالصراع مع ترامب والجمهوريين، ومحاولته إعادة ترتيب البيت من فوضى إدارة ترامب، فضلًا عن التداعيات الاقتصادية والصحية الناتجة عن انتشار وباء كورونا والتي سوف تشغل حيزًا كبيرًا من اهتمام الإدارة الجديدة. وهو ما يعني أن الديمقراطيين أمامهم وقت ليس بالقليل قبل البدء في الاهتمام بملفات السياسة الخارجية، مما يعطي القاهرة مساحة من الوقت لإعادة تقييم الموقف.

الثاني: أنه مهما ساءت العلاقات بين الإدارتين المصرية والأمريكية فإن الأمور لن تصل إلى نقطة الانفجار، أو القطيعة، في ظل العلاقات الاستراتيجية التي تربط بين مصر والولايات المتحدة، وحرص الإدارات الأميركية المتعاقبة على الحفاظ على هذه العلاقات مهما كان حجم التوتر بين الإدارات المختلفة، وخاصة مع وجود تقاطع في مصالح السيسي مع بعض سياسات بايدن، خاصة فيما يتعلق بتركيا وإسرائيل، فالسيسي على خلاف مع أنقرة في الكثير من الملفات، أبرزها ترسيم الحدود البحرية، والغاز الطبيعي شرق البحر المتوسط، وليبيا، وسوريا، والمعارضة المصرية في تركيا .

وفيما يتعلق بإسرائيل، سيواصل السيسي النظر إلى علاقاته مع الكيان الصهيوني على أنها بوابته إلى التأثير في السياسات الأميركية، والتخفيف من أية ضغوط قد يتعرض لها بشأن حقوق الإنسان وغيرها من القضايا[53].

الثالث: الدور الذي يمكن أن يقوم به اللوبي الصهيوني والمنظمات اليهودية الأميركية وشركات العلاقات العامة الأميركية التي يتعاقد معها نظام السيسي، في دعم مواقفه، وتحسين صورته عند الإدارة الديمقراطية الجديدة، مثلما فعل في 2013 حينما تعاقد مع شركة العلاقات العامة Glover Park Group  لدعم موقفه لدى البيت الأبيض[54]. ثم تعاقد في نوفمبر 2020 مع شركة جديدة مقابل 65 ألف دولار شهريًا لتشكيل لوبي يدافع عن مصالح النظام في ظل إدارة بايدن، عن طريق فريق يشمل بعض وثيقي الصلة باللوبي الصهيوني “الأيباك”[55].

الرابع: يدرك السيسي أنه مع تولي بايدن، سيتراجع نمط العلاقة الشخصية التي أقامها السيسي مع ترامب، وأن يؤدي نزع الطابع الشخصي عن السياسة الأمريكية إلى اتجاه السيسي إلى تعزيز مصالحه عبر الاعتماد بشكل أعمق على العلاقات العسكرية، والاستفادة من علاقات المؤسسة العسكرية مع البنتاجون وإسرائيل، والسعي للحصول على دعم أمريكي عبر افتعال بعض العمليات الأمنية، في سيناء أو غيرها من مناطق الجمهورية، والترويج لفزاعة الإرهاب التي يروج لها منذ 2013[56].

نتائج وخلاصات

إن الرهان على اتجاه إدارة بايدن لممارسة ضغط حقيقي على نظام السيسي لإحداث تغيير في سياساته الاستبدادية، رهان يحتاج لإعادة نظر، استناداً لعدة اعتبارات من بينها:

1ـ العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن والقاهرة، حيث تشكل المصالح الاستراتيجية الأمريكية أولوية لأي إدارة أمريكية، حتى لو كان ذلك ينطوي على التعاون مع الأنظمة الاستبدادية.

2ـ أن لدى نظام السيسي مجالاً للمناورة، بما يدفع الولايات المتحدة للحرص على استمرار العلاقات معه، حيث اتجه منذ سنوات شرقاً نحو روسيا وأبرم العديد من الصفقات العسكرية والتجارية والاقتصادية، وأجرى الجيش المصري عدة أنشطة عسكرية مشتركة مع نظيره الروسي. كما عزز السيسي علاقاته مع الصين، خاصة في القضايا التجارية والمالية والاقتصادية، ورفع حجم التجارة والاستثمار بين البلدين ([57]).

3ـ  أن بايدن سيواجه شرق أوسط يعاني من استقطاب أشد مما كان عليه الوضع في ظل إدارة أوباما، وقد يواجه مقاومة من قبل حلفاء واشنطن في المنطقة، من أجل الاستمرار في انتهاج سياستهم الخاصة، ويمكن أن تجد الإدارة الجديدة نفسها مضطرة إلى التمسك الخطابي بمبادئ وقيم الديمقراطية، ولكن من دون تحقيق أي منها[58].

4ـ استمرار النهج الأوبامي في السياسة الخارجية، فكما فعل أوباما، يمكن أن تتحدث إدارة بايدن من وقت لآخر عن حالات فردية محددة يتردد صداها مع قطاعات من الجمهور الأمريكي، فقد سُجن محمد سلطان وتعرض للتعذيب في مصر من أغسطس 2013 إلى مايو 2015 بسبب احتجاجه على انقلاب 3 يوليو 2013، وتدخلت إدارة أوباما بقوة لتأمين إطلاق سراحه، لكن ذلك جاء بعد إضرابه عن الطعام لمدة 489 يوماً.

وفي يونيو 2020، رفع سلطان دعوى قضائية أمام محكمة أمريكية ضد رئيس الوزراء المصري الأسبق، حازم الببلاوي، الذي كان رئيساً للحكومة في مصر أثناء احتجاز سلطان في مصر، ورداً على رفع الدعوى، تم اعتقال خمسة من أقاربه، ولم يتم الإفراج عنهم إلا في 3 نوفمبر 2020، يوم الانتخابات في الولايات المتحدة.

وقبيل الانتخابات تحدث جو بايدن عن قضية أقارب محمد سلطان، لكنه يُعلق على اعتقال ثلاثة من أعضاء المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بعد الانتخابات الأميركية، وبالتالي، ومع تعيين مجموعة من أعضاء حقبة أوباما في المناصب السياسية الرئيسية لإدارة بايدن، فإنه من غير المرجح أن تتبنى إدارة بايدن منظوراً مختلفاً تماماً عن إدارة أوباما[59].

  1. انشغال بايدن بالتصدي للعديد من التحديات الجوهرية التى يواجهها داخليا، وهو ما ينتظره الشعب الأمريكي منه بصفة أساسية، بما يعني عدم إعطاء أية أولوية في المدى المنظور لإحداث تحولات ذات طبيعة جوهرية في ملفات السياسة الخارجية، بما فيها مصر، إلا إذا واجهت الولايات المتحدة تحديات كبرى تمس أمنها القومي.

ولكن في مقابل هذه الاعتبارات، هناك من يرى بإمكانية ممارسة إدارة بايدن لمستويات ما من الضغوط على نظام السيسي، استناداً إلى عدة تفسيرات، منها:

(أ) الشعور المتزايد في دوائر السياسة الخارجية لدى الحزب الديمقراطي بأن أهمية مصر أخذت تتضاءل كشريك للولايات المتحدة، وإذا كانت الولايات المتحدة تركز بشدة على مكافحة الإرهاب في سياستها الإقليمية، إلا أن بعض مستشاري بايدن يعتقدون أن نهج السيسي الخشن قد يؤدي إلى نتائج عكسية حيث قد يٌشجع على التطرف ومزيد من العنف وهو ما قد يهدد على المدى البعيد الأمن والاستقرار في مصر والمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة[60].

(ب) التحديات السياسية والاقتصادية التي يعاني منها نظام السيسي، فالشعبية التي كان يحظى بها السيسي قبل سبع سنوات تراجعت في ظل التدهور في الوضع المعيشي للمصريين، وإفراط السيسي في قمعهم من دون حساب، كما أن الدعم الخليجي الذي تدفق بشكل كبير خلال هذه السنوات تضرر بسبب الأزمة الهائلة التي تمر بها أغلبية الدول المصدرة للنفط في أعقاب الانهيار غير المسبوق لأسعاره في بداية العام 2020، وتحتاج عدة سنوات حتى تتعافي من تداعيات الأزمة، كما أن المصالحة الخليجية بعد أزمة حصار قطر، قد تنعكس سلباً على حجم هذا الدعم.

كذلك تواجه مصر أزمة اقتصادية غير مسبوقة، نتيجة انهيار عائداتها من العملات الأجنبية من قناة السويس والسياحة وتحويلات العاملين في الخارج، وهي الأزمة المرشّحة للتفاقم خلال عام 2021، مع استمرار وباء كوفيد 19، في وقت تضاعفت فيه ديونها الخارجية إلى 124 مليار دولار[61]. وهذه الانحدارات الاقتصادية الحادّة كان لسياسات وتوجهات نظام السيسي دورا حاسما في تفاقمها، خاصة مع التوسع الهائل للجيش في النشاط الاقتصادي[62].

(ج) وجود الجناح التقدمي الصاعد بقوة في الحزب الديمقراطي ومواقفه من الديكتاتوريات، من ناحية، ووجود اتجاه متنام في أميركا يعتقد أن الاطار الحالي لعلاقة الشراكة بين الولايات المتحدة ومصر ينتمي للماضي، ولا يجسده حاضر العلاقة وما تشهده من أزمات، وأن مصر فقدت، أهميتها الاستراتيجية في المنطقة والعالم، لحساب دول أصغر منها، من ناحية ثانية.

(د) الجدل الدائر في بعض الأوساط الأميركية أن مصر بسبيلها للانتقال من طور الدولة الكبيرة التي لا يجب أن يسمح العالم بتحولها إلى دولة فاشلة، إلى طور الدولة الكبيرة التي يصعب على المجتمع الدولي تحمل كلفة إنقاذها من فشلها الاقتصادي والسياسي المزمن، وإذا اتسع نطاق هذا الجدل، عند إعادة تقييم أولوية مصر في السياسة الخارجية لإدارة بايدن، فإن نظام السيسي سيواجه أزمة حقيقية، لن تقف عند حدود ملف المساعدات الاقتصادية أو العسكرية التي تحصل عليها من الولايات المتحدة، والتي يتم استخدامها كورقة بين الحين والآخر للضغط على النظم السياسية والعسكرية في مصر[63].

(ه) ما ذهب إليه البعض من أنه إذا كان بايدن فى برنامجه الانتخابي وفي تصريحاته وحواراته ومناظراته المتعددة قد تعهد بإعادة الديمقراطية إلى جدول الأعمال بعد أربع سنوات من ممارسات ترامب مع النظم الاستبدادية، كما وعد باستضافة تجمع لديمقراطيات العالم لإظهار التزامه بالقيم الديمقراطية في كل من الخارج والداخل، فإنه إذا كان جاداً في ذلك فإن البداية يجب أن تكون في الشرق الأوسط، ومن مصر، لأنها مفتاح التغيير الديمقراطي في المنطقة[64].

وأمام هذين التيارين (من يقول بدعم بايدن لتحول ديمقراطي وتغيير سياسي في مصر، ومن يرفض ذلك) يمكن القول أن الاحتمالات الأكبر هي أن تظل التغييرات في السياسة الخارجية الأميركية لإدارة بايدن تجاه مصر قاصرة على مستوى الخطاب ولن تشكل تغييراً حقيقياً في العلاقات السياسية معها، بحيث تقوم إدارة بايدن بتوجيه بعض الانتقادات بين الحين والآخر إلى سياسات القمع التي يقوم بها نظام السيسي لبعض شخصيات المعارضة والنشطاء السياسيين وخاصة من الليبراليين فقط، ولن تتعاطى بفاعلية مع أي ملفات تخص التيارات السياسية ذات المرجعية الإسلامية.

ويبقى الرهان الوحيد على قبول إدارة بايدن بتغيير حقيقي وانتقال ديمقراطي في مصر، على حدوث انتفاضة شعبية أو حراك سياسي فاعل ومؤثر في مصر، ووجود بديل سياسي قوى يمتلك مشروعاً واضحاً لإدارة وقيادة عملية الانتقال، هنا يمكن أن تتخلى إدارة بايدن عن السيسي، كما فعل أوباما مع مبارك عام 2011، ليس من باب دعم التغيير والانتقال الديمقراطي، ولكن من باب إدارة هذا الانتقال بما يتفق والمصالح الاستراتيجية الأميركية في مصر وفي المنطقة.


الهامش

[1] Dominic Tierney, In Search of the Biden Doctrine, Foreign Policy Research Institute, 9-11-2020, link: https://bit.ly/3hoPpvL

[2] Joseph R. Biden, Jr., “Why America Must Lead Again: Rescuing U.S. Foreign Policy After Trump,” Foreign Affairs (March-April 2020), accessed on 22/12/2020, at: https://fam.ag/33QH12Y 

[3] Family Separation under the Trump Administration – A Timeline,” Southern Poverty Law Center, 17/6/2020, accessed on 22/12/2020, at: https://bit.ly/2FnFWGw

[4] تشارلز دبليو دن، سياسة الولايات المتحدة الخارجية في انتخابات 2020: أي خيارات في الشرق الأوسط؟ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، تاريخ النشر 14 أكتوبر 2020، تاريخ التصفح 22 ديسمبر 2020، الرابط: https://bit.ly/3hfEPHt

[5] Richard Fontaine, “The Untapped Power of Trump’s Leverage“, Foreign Affairs, October 5, 2020.

[6] Joseph R. Biden, Jr., “Why America must Lead Again: Rescuing U.S. Foreign Policy after Trump, Foreign Affairs (March-April 2020) accessed on 20/12/2020, at: https://fam.ag/33QH12Y

[7] اتهم بايدن “ترامب” بالتخلي عن الحلفاء وإظهار الضعف أمام الخصوم؛ ما أضر بقدرة الولايات المتحدة على مواجهة تحديات الأمن القومي إزاء كوريا الشمالية وإيران وسورية وأفغانستان وفنزويلا وغيرها. كما اتهمه بشن حروب تجارية غير حكيمة، ضد أصدقاء الولايات المتحدة وخصومها على حد سواء، على نحو أضر بمصالح الشعب الأميركي.

[8] The Power of America’s Example: The Biden Plan for Leading the Democratic World to Meet the Challenges of the 21st Century, Joe Biden for President: Official Campaign Website, 11/7/2019, accessed on 20/12/2020, at: https://bit.ly/2UB9nJh

[9] وحدة الدراسات السياسية، السياسة الخارجية لإدارة بايدن ـ المقاربة الفكرية والملامح الرئيسة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تاريخ النشر 18 نوفمبر 2020، تاريخ التصفح 20 ديسمبر 2020، الرابط:

[10] Barak Ravid, Israel to push Biden to take it easy on Saudi Arabia, UAE and Egypt, Axios, Jan 13, 2021, visiting Jan 17, 2021, link: https://bit.ly/39E2HRG

[11] John J. Mearsheimer, Liberalism and Nationalism in Contemporary America, The James Madison Lecture, American Political Science Association (APSA) Annual Meeting, September 10, 2020

[12] تنتشر الحركة القومية المسيحية بشكل كبير في مختلف أرجاء الولايات المتحدة وخارجها أيضًا؛ ففي بعض التجمعات في شمال كاليفورنيا، يتعاون رجال الأعمال في قطاع الزراعة مع القساوسة الذين لديهم إمكانية الوصول المباشر إلى “ترامب” في لتحقيق مصالحهم وغاياتهم. وفي ولاية كارولينا الشمالية، يُجنِّد القادة القوميون المسيحيون رجال الدين إلى نشاطهم الحزبي. وفي أريزونا، يقوم مشغلو المدارس المستأجرة الذين لديهم أجندات طائفية بتلقين أطفال المدارس توجهاتهم المختلفة. وفي فيرونا في إيطاليا، يجتمع الممثلون الأمريكيون حول ما يسمونه “الحركة المحافظة العالمية” مع قادة اليمين المتطرف الدوليين لإعلان الحرب على الليبرالية العالمية، بجانب شبكة كثيفة ومترابطة من مراكز الفكر، وجماعات المناصرة، والمنظمات الرعوية التي تتوحد من خلال رؤية مشتركة مناهضة للديمقراطية وإرادة مشتركة للسلطة.

[13]  Katherine Stewart, The Power Worshippers: Inside the Dangerous Rise of Religious Nationalism, (London: Bloomsbury Publishing, 2020).

[14] جنازة حاشدة ومهيبة لجورج فلويد ضحية العنصرية، موقع عربي بوست تاريخ النشر، 10 يونيو 2020، تاريخ التصفح 28-12-2020 الرابط:  https://bit.ly/37RBOKs

[15] احتجاجات فلويد: نشر الحرس الوطني بالولايات والديمقراطيون يهاجمون ترامب، موقع الجزيرة نت، تاريخ النشر 2 يونيو 2020، تاريخ التصفح 25-12-2020،  الرابط: https://bit.ly/2UBqLOj

[16] JON PARTON, Minnesota Officials Link Arrested Looters to ‘White Supremacist’ Groups, 30 May 2020, CNS, https://bit.ly/2Yg0TbW

[17] أنتيفا تصنف بأنها حركة احتجاج يسارية متطرفة، تناهض الرأسمالية والنيوليبرالية والفاشية والنازية وكل القوى اليمينية والمحافظة، وفي أمريكا تشكلت تلك الجماعة من الأعضاء ذوي الميول اليسارية القريبة من الحزب الديمقراطي، المعادين للمحافظين الجدد؛ حيث أطلقوا عليهم النازيين الجدد، وبات هدفهم الأبرز مناهضة أصحاب تلك المعتقدات والأفكار، عبر تشكيل جماعات صغيرة منفصلة عن بعضها، تنتشر في بعض المدن وتتحرك وتنشط بصورة أكبر من خلال التنسيق عبر مواقع التواصل الاجتماعي. (أنتيفا .. الحركة التي أثارت قلق ترامب، نون بوست، تاريخ النشر 1 يونيو 2020، الرابط: https://bit.ly/30zTuqQ

[18] هشام ملحم، أمريكا تحترق، الحرة، 1 يونيو 2020، الرابط: https://arbne.ws/2YjgOX6

[19] خليل العناني، جورج فلويد والعنصرية البنيوية في أمريكا، العربي الجديد، 8 يونيو 2020، الرابط: https://bit.ly/2XPnMUL

[20] أندرو بانكومب، هل ستكون لحياة السود يومًا أهمية في أمريكا؟، إندبندنت عربية، 10 يونيو 2020، الرابط: https://bit.ly/3heknX2

[21] مقتل جورج فلويد: كيف يُعامل السود أمام القانون في الولايات المتحدة؟، BBC عربي، تاريخ النشر، 3 يونيو 2020، تاريخ التصفح 25-12-2020، الرابط: https://bbc.in/2AdQQwc

[22] جيمس مور، التخلص من التفاحة العفنة لن يوقف المؤسسات العنصرية عند حدها، إندبندنت عربية، 4 يونيو 2020، الرابط: https://bit.ly/2MSsHh3

[23] مركز رؤية للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، الاحتجاجات في الولايات المتحدة: قراءة في الخلفيات السياسية والثقافية والاجتماعية، تاريخ النشر، 22 يونيو 2020، تاريخ التصفح 28 ديسمبر 2020، الرابط: https://bit.ly/3rtlCqB

[24] أندروبانكومب، هل ستكون لحياة السود يومًا أهمية في أمريكا؟، إندبندنت عربية، 10 يونيو 2020، الرابط: https://bit.ly/3heknX2

[25] شريف عثمان، اضطرابات المدن الأمريكية .. فوارق الدخول ومعدلات الفقر والبطالة المرتفعة تغذي المحتجين، العربي الجديد، 2 يونيو 2020، الرابط: https://bit.ly/2zremFy

[26] مركز رؤية للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، الاحتجاجات في الولايات المتحدة: قراءة في الخلفيات السياسية والثقافية والاجتماعية، تاريخ النشر، 22 يونيو 2020، تاريخ التصفح 28 ديسمبر 2020، الرابط: https://bit.ly/3rtlCqB

[27] Editorial Board, “No, Pete Buttigieg and Joe Biden are not ‘Centrists’,” The Washington Post, 8/2/2020, accessed on 5/3/2020, at: https://wapo.st/3csJXoK

[28] Kathy Frankovic, “Are Democrats Socialists? Democrats Say No, But Republicans Say Yes,” YouGov, 25/7/2019, accessed on 5/3/2020, at: https://bit.ly/2uPgtk0

[29] جو معكرون، صعود اليسار يصطدم بجدار الوسط: ملامح الصراع داخل الحزب الديمقراطي في انتخابات أميركا، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تاريخ النشر 9 مارس 2020، تاريخ التصفح 9 يناير 2021، الرابط: https://bit.ly/3oBYQLq

[30] ستيفن كوفمن، كلينتون: التغيير الديمقراطي ضرورة استراتيجية، موقع أميركا دوت جوف، 5/2/2011.

[31] رويترز، 6/2/2011.

[32]http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2011/03/110310_us_tunis_egypt_fund.shtml

[33]http://www.america.gov/st/texttrans-arabic/2011/March/20110316112405×0.339851.html?CP.rss=true

[34] فيلتمان ـ القاهرة أهم شريك عربي لواشنطن، تاريخ النشر 6/1/2012.

[35] سامي القمحاوي، الرسائل السياسية في زيارة قاضية المحكمة الأمريكية لمصر، صحيفة الأهرام، السنة 136 العدد 45717، الاثنين 6 فبراير 2012.

[36] د. عصام عبد الشافي، السياسة الأميركية والثورة المصرية، القاهرة، دار البشير، الطبعة الأولى 2014.

[37] محمد المنشاوي ـ جو بايدن والشأن المصرى، صحيفة الشروق المصرية، تاريخ النشر 9 يوليه 2020، تاريخ التصفح 8 يناير 2021، الرابط: https://bit.ly/399R4lo

[38] للمزيد من التفاصيل حول تعامل إدارة اوباما مع الملف المصري منذ الثورة و حتى ما بعد الانقلاب (Kirkpatrick, D.D., Into the Hands of the Soldiers: Freedom and Chaos in Egypt and the Middle East, Penguin, 2018)

[39] في التعاطي مع فوز بايدن في الانتخابات الأميركية 2020، برزت رسالتان لهما دلالتان، الأولى ترحيب جماعة الإخوان المسلمين (في 7 نوفمبر 2020) بفوز بايدن داعيةً الإدارة الأمريكية المنتخبة إلى مراجعة “سياسات دعم ومساندة الدكتاتوريات”، والثانية بيان هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية (11 نوفمبر 2020) باعتبار الإخوان المسلمين “جماعة إرهابية لا تمثل نهج الإسلام”. وأن “الجماعة تتبع أهدافها الحزبية المخالفة لتعاليم الدين”.

[40] د. عمرو دراج، سياسات ترامب، ضد الإخوان أم ضد الإسلام، المعهد المصري للدراسات، تاريخ النشر 23 فبراير 2017، تاريخ التصفح 17 يناير 2021، الرابط: https://bit.ly/3inuKJh

[41] حسن أبو هنية، ما هي مقاربة بايدن تجاه الإسلام السياسي؟، موقع عربي 21، تاريخ النشر 13 ديسمبر 2020، تاريخ التصفح 24 ديسمبر 2020، الرابط: https://bit.ly/3rs271m

[42] أحمد أبو حمزة، انعكاسات فوز بايدن على الملف المصري والإخوان المسلمين، مركز المسار للدراسات الإنسانية، تاريخ النشر 8 نوفمبر 2020، تاريخ التصفح 10 يناير 2021، الرابط

[43] بلال التليدي، هل هناك أُفق للإسلاميين في بلادهم بعد فوز بايدن؟ موقع عربي بوست، تاريخ النشر، 26 نوفمبر 2020، تاريخ التصفح 20 ديسمبر 2020. الرابط

[44] وكالة الأناضول، الإخوان تطالب بايدن بمراجعة سياسات دعم الدكتاتوريات، تاريخ النشر 8 نوفمبر 2020، تاريخ التصفح 23/12/2020، الرابط: https://bit.ly/34yRakU

[45] عمران سلمان، الإخوان المسلمين والحزب الديمقراطي الأميركي، موقع الحرة، تاريخ النشر 4 ديسمبر 2020، تاريخ الزيارة 22 ديسمبر 2020، الرابط: https://arbne.ws/37EHRlv

[46] قامت إدارة أوباما بالاتصال ببعض الدول، وتقدمت أربع دول (ماليزيًا ونيوزيلاندا والسنغال وفنزويلا) بمشروع القرار وفاز ب١٤ عشر صوتاً مع امتناع الولايات المتحدة عن التصويت، للوقوف على نص القرار: الرابط

[47] Egypt’s Government ‘Basically An Army Dictatorship’ says Hillary Clinton, EGYPTIAN STREETS, DECEMBER 20, 2015, https://bit.ly/3rytEhZ

[48] https://www.youtube.com/watch?v=zj5ZDo-_ps0

[49] https://twitter.com/JoeBiden/status/1217604963825848320?s=20

[50] https://twitter.com/JoeBiden/status/1282419453939113989?s=20

[51] Katelyn Polantz, Evan Perez and Jeremy Herb, Exclusive: Feds chased suspected foreign link to Trump’s 2016 campaign cash for three years, CNN October 15, 2020, link: https://cnn.it/3imIp2Z

[52] Share concern re. Egypt’s arrests of three employees of the Egyptian Initiative for Personal Rights. Meeting with foreign diplomats is not a crime. Nor is peacefully advocating for human rights, https://twitter.com/ABlinken/status/1329876599441854465

[53] هيثم حسنين، المخاوف المصرية من رئاسة بايدن، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، تاريخ النشر 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، تاريخ التصفح 27-12-2020، الرابط

[54]  Al Kamen, Egypt junta hires Glover Park Group, Columnist, Washington Post Oct. 25, 2013 link

[55] Julian Pecquet,  Egypt assembles bipartisan powerhouse lobbying team for post-Trump era, November 11, 2020, visiting: 27-12-2020, link: https://bit.ly/2KW7jdd

[56] هيثم حسنين، المخاوف المصرية من رئاسة بايدن، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، تاريخ النشر 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، تاريخ التصفح 27-12-2020، الرابط

[57] Khalil al-Anani, The Biden Administration and Egypt: A New Course or Business as Usual? Arab Center, DECEMBER 01, 2020. Link: https://bit.ly/35junKh

[58] عز الدين فشير، كيف يستطيع بايدن مساعدة الديمقراطية في العالم العربي؟، واشنطن بوست، النسخة العربية، تم النشر في 29 ديسمبر 2020، تاريخ التصفح 7 يناير 2021، الرابط: https://wapo.st/2Lat6hO

[59] Joel Beinin, Don’t Expect Biden Administration to Change Fundamentals of US Middle East Policy, Democracy For The Arab World Now (DAWN), 22-12-2020. Link: https://bit.ly/3bfDiQM

[60] Asli Aydıntaşbaş (and others), How a Biden win could transform US policy in the Middle East and North Africa, The European Council on Foreign Relations (ECFR), 3-11-2020, link: https://bit.ly/2LukJgO

[61] شهد الدين الخارجي المصرى طفرات مستمرة بعد انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، حيث وصل إلى 123.5 مليار دولار بنهاية يونيو حزيران 2020، مقابل 43.2 مليار دولار بنهاية يونيو حزيران 2013، بارتفاع 80.3 مليار دولار خلال سبع سنوات بنسبة نمو 186%، وبمتوسط سنوي للزيادة بالدين الخارجي 11.5 مليار دولار خلال السنوات المالية السبع الماضية. أنظر: ممدوح الولي، الدين الخارجي المصري يتخطى 124 مليار دولار، تقارير اقتصادية، العهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، تركيا، تاريخ النشر 9-12-2020، تاريخ التصفح 27-12-2020، الرابط: https://bit.ly/34Ktf25

[62] يزيد صايغ، أولياء الجمهورية: تشريح الاقتصاد العسكري المصري، بيروت، مركز كارنيجي الشرق الأوسط، 2019، نسخة إلكترونية، الرابط

[63] بهي الدين حسن ، آفاق العلاقات المصرية الأميركية بعد انتخاب بايدن، العربي الجديد، تاريخ النشر 17 نوفمبر 2020، تاريخ التصفح 24 ديسمبر 2020، الرابط

[64] Michael Wahid Hanna, Biden Says No More Coddling Dictators. OK, Here’s Where to Start: The United States has been far too lenient with Egypt’s brutal dictator, New York Times, Dec. 7, 2020, link: https://www.nytimes.com/2020/12/07/opinion/biden-egypt-human-rights.html

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close