fbpx
قلم وميدان

سيرة علم المقـاصد وتحولاته الكبرى

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

تمهيد

معرفة المقاصد في الإسلام حقيقة موضوعية كامنة فيه وبادية عليه، إنها روح هذا الدين، والحكمة من شريعته، يقول العلامة ابن القيم في إعلام الموقعين إن “الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد. وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل…”، فلا تجلب الشريعة إلا كل مصلحة ولا تدفع إلا كل مفسدة، وبعض مجتهدي العصر يعتبرونها الفقه الأكبر، وبعضهم يسميها فقه الفقه، وآخرون ينعتونها بروح الشرع.

أولاً: جوهر المقاصد:

يقول محمد كمال الدين إمام: “مقاصد الشريعة ليست جزءا من الفقه، بل هي الفقه الأكبر؛ لأنها أرحب وأوسع من أن تحصر في دائرة علم من علوم الشريعة، بل هي بمنزلة الروح من جسد هذه العلوم كلها”.1 إن هذا هو ما آمن به الصحابة من قبل – رضوان الله عليهم – والتابعون وأئمة المذاهب، وأجمعت عليه الأمة .

ويقول الشيخ القرضاوي: “من استقرأ ما أُثر من فقهاء الصحابة – رضي الله عنهم- مثل الخلفاء الراشدين، وفقههم وتأمله بعمق تبين له أنهم كانوا ينظرون إلى ما وراء الأحكام، فابن عباس، وابن عمر، وعائشة، ومعاذ بن ثابت، نظروا إلى ما وراء الأحكام من علل ومصالح وما تحمله الأوامر والنواهي من حكم ومقاصد”2، فمن المقرر شرعا وعقلا وإجمالا وتفصيلا أن النص الوحيوي- قرآنا كريما وسنة نبوية – ينطوي على كبريات المقاصد وأرقاها.

“فجميع المقاصد الشرعية المعتبرة والمعلومة والمقررة في الدراسات الشرعية، إنما راجعة في جملتها أو تفصيلها، تصريحا أو تضمينا إلى هدي القرآن وتعاليمه وأسراره وتوجيهاته”.3 وكذلك كان النص النبوي الشارح للقرآن الكريم، وهو السنة المطهرة، والشواهد في السنة كثيرة، ويكفي موقف الرسول – صلى الله عليه وسلم- من المرأة المخزومية (فاطمة بنت الأسود)، التي سرقت وأراد أسامة بن زيد أن يشفع لها لإسقاط الحد عنها، فزجره النبي – صلى الله عليه وسلم- لأن الحدود المفروضة فرضت لتحقيق مقاصد عامة فقال له “إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد” رواه البخاري، والأحاديث الشريفة لا تكاد تعد، لكن عمدتها – في نظري- ما رواه البخاري” كما دل سائر أقواله وأفعاله على حثه للصحابة باستتباع مقاصد الدين التي من صميمها وسرها وحكمتها درء المفسدة واستجلاب المنفعة، ففي حديث إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى….”. النية هي القصد في الأغراض والإرادات، وفي الحديث دعوة للمسلمين كي يتحملوا مسئولية ما يقصدون ويريدون، ولو في دواخلهم، كذلك حديث أبي هريرة عن رسول – الله صلى الله عليه – فيما رواه البخاري- قال: “أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: “يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا، إني بما تعملون عليم” وقال: “يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم” ثم كرر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يارب يارب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وغُذي بالحرام فأنى يستجاب له” وهو حديث يوجه المسلمين لتصويب مقاصدهم بتصويب ما هم عليه في المبنى والمعنى.

وعلى هذا الدرب القويم سار الصحابة – رضوان الله عليهم- فعلموا من الشريعة أسرارها ومعانيها وحكمها فطبقوها في سلوكهم اليومي وفي السلم والحرب، حتى أنه في غزوة بدر وافق مقصد عمر بن الخطاب آيات نزلت ويتعبد بها ليوم الناس هذا، وذلك إذ طلب عمر من الرسول – صلى الله عليه وسلم- قتل الأسرى لإرهاب المشركين المعتدين والذود عن بيضة أصحاب الدين الجديد المستضعفين، وكذلك كانت إسهامات الصحابة والتابعين ثم أئمة المذاهب – عدا أصحاب المذهب الظاهري- كلهم أدركوا أن عقل المسلم بالضرورة تعليلي مقاصدي، فقرأوا جيدا كتاب الله المسطور الذي هو القرآن الكريم جنبا إلى جنب وبنفس الأداة المقاصدية قرأوا كتاب الله المنظور الذي هو الكون والوجود والحياة والملكوت.

ويعتبر الترمذي (الحكيم الذي عاش أواخر القرن الثالث الهجري) أول من استعمل اللفط في عناوين مؤلفاته مثل “الصلاة ومقاصدها” مستخدما المنهج التعليلي ومحررا العقل الأصولي من شتات الفكر وتضارب الآراء، فقبله كانت تستخدم كلمات مثل “المعاني، الغرض، الحكمة”، لتدل على المقاصد، مما أحدث اختلافات في الأفهام لاختلاف دلالات المفردات.

ثانياً: مراحل سيرة مصطلح مقاصد الشريعة:

يمكن رصد سيرة المصطلح (مقاصد الشريعة) عبر أربع مراحل إجمالا على النحو التالي:

المرحلة الأولى: مرحلة نشأته؛ وذلك باقترانه بنصوص الكتاب والسُّنَّة، وأقوالوفتاوى الصَّحابة وأعمالهم، وأقوال السَّلف لكنه لم يفرد بمؤلَّفٍ يبيِّن حقيقته، أو يبرز قواعده، ويعتبر الترمذي أول من استعمل اللفط في عناوين مؤلفاته. وظلت القيمة الكبرى للترمذي في النزعةالتعليلية والتبريرية، بغض النظر عن تعليلاته ذاتها، وكذلك القفال الكبير، والشيخ الصدوق أبو الحسن العامري (ت381هـ) الذي سبق إلى ذكر الضرورياتالخمس، التي هي للآن محور الكلام في مقاصد الشريعة، وامتدت هذه المرحلة الأولى من نزول الوحي إلى عصر إماملحرمين أبي المعالي الجويني.

المرحلة الثانية: مرحلة بثّ المقاصد في المدوّنات الأصولية: وتتمثل هذه المرحلة بما قام به علماء الأصول من الإشارة إلى مقاصد الشريعة في تصانيفهم،(من الجويني وحتى الشاطبي). ومن أبرز أولئك: إمام الحرمين أبو المعالي الجويني(ت487) في كتابه: “البرهان”، وفيه قال: “معظم المتلقبين بالتصنيف في هذا الزمان السخيف يكتفون بتبويب أبواب وترتيب كتاب متضمنة كلام من مضى وعلوم من تصرم وانقضى”. ويرى أن القياس الجزئي وإن كان جلياً إذا صادم القاعدة الكلية ترك القياس للقاعدة الكلية. فهو ينتصر للمصالح على القياس، وينص صراحة بالقول:” من لم يتفطن لوقوع المقاصد في الأوامر والنواهي فليس على بصيرة في وضع الشريعة”. والحاصل أن مقاصد الشريعة عند المقاصد الشرعية المستقرأة غير المنصوص عليها، والتي تشكل أصول المصالح في الشرع، والمقاصد الشرعية المستفادة من القرائن التي تحتفي بالنصوص الشرعية”4

وعلى النهج سار فخر الدين الرازي(606هـ) في كتابه المحصول في علم الأصول، وسيف الدين الآمدي (631هـ) في كتابه الإحكام في أصول الأحكام” ويرى الحسيني أن الجديد لديه هو إدخال أصول المصالح الشرعية في الترجيح بين الأقيسة وتصريحه بحصر الضرورية في خمسة”.5

وظلت الكتابات عن مقاصد الشريعة فيما بعد الجويني، وإلى الشاطبي، مضاءة بدرجةجيدة بفضل الأبحاث والدراسات الكثيرة التي أنجزت حول هذه الحقبة وأعلامها، ابتداءبأبي حامد الغزالي وانتهاء بأبي إسحاق الشاطبي، مرورا بأبي الوليد بن رشد، وأبيبكر بن العربي، وفخر الدين الرازي، وسيف الدين الآمدي، وعز الدين بن عبد السلام(ت660)، وشهاب الدين احمد بن ادريس القرافي(ت685)، ونجم الدين الطوفي (ت716)، وابن تيمية(728)، وابن قيم الجوزية(ت751)، وهي المرحلة التدوينية التي مهدت لفتح عظيم في مسيرة مقاصد الشريعة على يد الإمام أبو إسحاقالشاطبي.

وقد كان كتاب “الموافقات” لأبي إسحاقإبراهيم بن موسى الشاطبي المالكي، نقلة نوعية في دراسة المبحث المقاصدي، وظل الموافقات، ولما يزل عمدة لمن يأتي بعده، فقد جمع ما تفرق عند غيره،وما تراكم وتطور عند سابقيه، لكن جمعه هذا كان عملا بنائيا منسقا، مع مزيد منالبيان والتتميم، ليخرج ذلك كله على ما يشبه نظرية متكاملة في مقاصدالشريعة، ما هيألاكتمال هذا البناء على يد الشاطبي، إلى حد أصبحنا معه اليوم نتحدث عن”علم المقاصد، كونه افتتح الكلام في أبواب جديدة تتعلق بمقاصد الشريعة،منها: مقاصد المكلف في علاقتها بمقاصدالشارع، وعلاقة المقاصد بالاجتهادومدى توقفه عليها، ومنها طرق إثباتالمقاصد، فهو في هذه المباحث كلها مبتكرومجدد ومؤسس هذا الفن بالتدوين، في القرون التي أعقبته، لأن الزمن الإسلامي كان قد توقف وتجمد، إلى أن جاء ابن عاشور.

ثالثاً: علم المقاصد واسهامات ابن عاشور:

هو محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور، الشهيرالطاهر بن عاشور، ولد بتونس في (1296هـ) في أسرة علمية عريقة تمتد أصولها إلىبلاد الأندلس. وقد استقرت هذه الأسرة في تونس بعد حملات التنصير ومحاكم التفتيشالتي تعرض لها مسلمو الأندلس، وقد أهدت هذه الأسرة للعالم الإسلامي علمين هما “الطاهر بن عاشور” وابنه “الفاضل بن عاشور” الذي مات في حياة والده رحمهماالله، أتم الطاهر القرآن الكريم، وتعلم اللغة الفرنسية، والتحق بجامعالزيتونة سنة (1310هـ = 1892م) وهو في الـرابعة عشر من عمره، وأظهر نبوغًا منقطعالنظير وتخرج من الزيتونة عام (1317هـ = 1896م)، والتحق بسلك التدريسفي هذا الجامع العريق، ولم تمض إلاّ سنوات قليلة حتى عين مدرسًا من الطبقة الأولىبعد اجتياز اختبارها سنة (1324هـ = 1903م).

وكان قد اختير للتدريس فيالمدرسة الصادقية سنة (1321هـ = 1900م)، وكان لهذه التجربة المبكرة في التدريس بينالزيتونة ـ ذات المنهج التقليدي ـ والصادقية ـ ذات التعليم العصري المتطور ـ أثرهافي حياته، إذ فتحت وعيه على ضرورة ردم الهوة بين تيارين فكريين ما زالا في طورالتكوين، ويقبلان أن يكونا خطوط انقسام ثقافي وفكري في المجتمع التونسي، وهما: تيارالأصالة الممثل في الزيتونة، وتيار المعاصرة الممثل في الصادقية، ودوّن آراءه هذهفي كتابه النفيس (أليس الصبح بقريب؟) من خلال الرؤية الحضارية التاريخية الشاملةالتي تدرك التحولات العميقة التي يمر بها المجتمع الإسلامي والعالمي، وقدتوطدت العلاقة بينه وبين العلامة رشيد رضا، وكتب “ابن عاشور” في مجلة المنار، فتعرف عليه علماء الأزهر لاستنارة كتابته، ثم عين “الطاهر بن عاشور” نائبا أول لدى النظارة العلمية بجامع الزيتونة سنة (1325 هـ1907)؛ وكانت فرصة لإظهار الجانب الإصلاحي على مستوى الممارسة، فبدأ في تطبيق رؤيته الإصلاحية العلمية والتربوية، وأدخل بعض الإصلاحات علىالناحية التعليمية، وحرر لائحة في إصلاح التعليم وعرضها على الحكومة فنفذت بعض مافيها، وسعى إلى إحياء بعض العلوم العربية؛ فأكثر من دروس الصرف في مراحل التعليم،وكذلك دروس أدب اللغة، ودرس بنفسه شرح ديوان الحماسة لأبي تمام، وقام بتحقيق بعض كتب التراث والدواوين الشعرية.

ورأى ابن عاشور أنّتغيير نظام الحياة في أي ناحية من أنحاء العالم يتطلب استيعاب وتطوير وتبديل الأفكار والقيم العقلية،ويستدعي تغيير أساليب التعليم ذاتها، ووسائلها، وقد سعى الطاهر إلى إيجاد تعليم ابتدائي إسلامي فيالمدن الكبيرة في تونس على غرار ما يفعل الأزهر في مصر، ولكنه قوبل بعقبات كبيرة، وارتأى عاشور أن سبب الفساد الذي أصاب التعليم الإسلامي في تونس فساد المعلم، وفساد التآليف، وفساد النظام العام؛ وأعطى أولوية لإصلاح العلوم والتآليف، حتى تعافت العملية التعليمية بعض الشيء، ثم اختير ابن عاشور في لجنة إصلاح التعليم الأولى بالزيتونة في (صفر1328هـ)، وكذلك في لجنة الإصلاح الثانية (1342 هـ)، ثم اختير شيخالجامع الزيتونة في (1351 هـ)، كما كان شيخ الإسلام المالكي؛ فكان أول شيوخالزيتونة الذين جمعوا بين هذين المنصبين، ولم يلبث أن استقال من المشيخة بعدسنة ونصف السنة لعراقيل وضعت أمام برامجه وخططه لإصلاح الزيتونة، وبسبب اصطدامه ببعضالشيوخ عندما عزم على إصلاح التعليم في الزيتونة.

وأسندت إليه لدىاستقلال تونس رئاسة الجامعة الزيتونية سنة (1374هـ)، وفي المجال المقاصدي، وكان إنتاجه وإنجازه لا يقل عن عمل الشاطبي، من حيث طابعه التأسيسي، ولم لا وقد صرح بنفسه أنه يقتفي أثره، ويبني على ما أسسه، ثم يضيف ما عنده.

ولقد أحسن الأستاذ محمد الطاهرالميساوي حين وصف ابن عاشور بأنه “المعلم الثاني” بعد “المعلم الأول” الذي هوالشاطبي رحمهما الله. فابن عاشور الذي واصل الكلام في أهمية المقاصد ومدى احتياجالفقه والاجتهاد الفقهي إليها، كما واصلالكلام في طرق إثبات المقاصد، .بالإضافة إلى مزيد من التعمق في القضايا المألوفة، وأعاد بعض التصنيفات في الفروع بطرق منهجية.

إن الطفرة التي أحدثها ابن عاشور في مجال مقاصد الشريعة، لم تنبت من فراغ، ولم تأت بغتة،بل هي مسبوقة ومعززة بالحركة الإصلاحية التجديدية الشاملة التي كانت تعتمل آنذاك لدى علماء مصر وتونس والجزائر والمغرب وغيرهم. وتعززت كذلك بنشر كتاب (المواقفات)الذي طبع في حياته عدة مرات بتونس ومصر، وقام هو نفسه بتدريسه للطلبة الزيتونيين.

وكان ابن عاشور بداية لطفرة معرفية وفتح علمي ساهم فيه كثير من المفكرين في المشرق والمغرب على السواء، وظلت الكتابات المقاصدية تترى من بداية القرن العشرين من أجل استثمار الفكرة المقاصدية في أمور الشأن العام، وطغى الهم الإصلاحي والنهضوي في تلك الحقبة على ما سواه، والكتابات في تلك المرحلة كانت أكثر من أن تحصى.

وبالرغم من أن مباحث الشاطبي كانت المادة الخام التي انطلق منها السؤال النهضوي لحركة الإصلاح في بداية القرن العشرين، فإن الحس النقدي الذي ميز الطاهر بن عاشور جعله يدفع بالدرس المقاصدي إلى أبعد الحدود تفسيرا وتعليلا واستدلالا، ما أتاح للفكر الإسلامي عامة قدرات منهاجية إضافية، كما أتاح للخطاب الشرعي خاصة قدرات استيعابية أكبر للتاريخ وملابساته، من خلال توظيف المقاصد الشرعية للاستدلال على الأحكام، وقدم أدوات منهجية فعالة تساعد على التقريب بين مدارك الفقهاء وتجميع منطلقاتهم النظرية في أطر كلية ضابطة ومتوافق عليها بعيدا عن المقتضيات الجزئية للمذاهب الفقهية وتشنجاتها أحيانا.

رابعاً: السلفية الجديدة وعلم المقاصد:

في الستينيات من القرن العشرين انكمشت حركة علم المقاصد، وتوارت لصالح ما أسماه رضوان السيد بالسلفية الجديدة التي أشهرت سلاح السنة النبوية وفصلت علم الحديث عن محيطه من العلوم الأخري، ونأت عن الخوض في الشئون العامة مركزة على الخطاب التاريخي للرجال والمصطلحات في وجه دعاة المقاصد الملتصقون بالواقع، وأرجع رضوان ذلك إلى “اختلال علاقة الفقه بالدولة في حقبة ظهور السلطات الوطنية في عشرينيات هذا القرن” مخافة أن يتم التركيز على المقاصد وتتم الإطاحة باهتمامات الظاهريين لصالح أهل الفقه والسياسة الشرعية.

ثم تدريجيا ما لبثت أن انفصلت نخبة الدولة عن رجال الفقه عامة، وتم استحداث تعليم مدني منفصل عن التعليم الديني في المدارس والجامعات، ووضع قانون وضعي وكيانات وطنية خاصة على نهج الدولة الأوربية، فوجدت النخبة الإصلاحية المقاصدية نفسها معزولة عن السياق العام. فلم تستطع فعل شيء يذكر في هذا المضمار.

ولكن منذ التسعينيات من القرن العشرين، عادت الدراسات المقاصدية لاستكمال مساراتها، لا سيما بعد أن تبنتها كوكبة مبهرة من علماء عرب ومسلمين جمعتهم مؤسسة دولية شامخة هي مؤسسة المعهد العالمي للفكر الإسلامي الذي دفع بتلك الدراسات إلى آفاق بعيدة، وتنطلق الدراسات المقاصدية اليوم في مراكز دراسات دولية وأقسام كليات بعدد كبير من الدول العربية والإسلامية.

واليوم بات جليا اكتشاف أهداف عامة متجددة للشريعة، والبحث عن روحها النفاذة ودراسة مقاصدها الكلية ليست بحال من الأحوال تنظيرات أكاديمية فقط، بل هي من أهم الروافد لتغذية العصر باستنباطات يحتاجها الجميع لا محالة، إنها منهج لتجديد الفكر الإسلامي، ووسيلة أصيلة لمشروعات التنمية والتحرير والحريات العامة وحقوق الإنسان، وأسلوب فذ لاستدعاء تصور سياسي واجتماعي واقتصادي معاصر من منظور مختلف، وهي منطلق جامع لمختلف مذاهب الفقه، وفوق ذلك تحوي مقومات عامة صالحة للحوار بين الأديان لا سيما السماوية، وتمثل أرضية مشتركة لأهل الوطن الواحد.

بعد أن كانت معظم الأدبيات والمدونات الشرعية والفقهية تتجة للدين باعتباره خطابا للأفراد، لا خطاب للجماعات في شئونهم العامة، فلا تكاد تلمح – إلا ما ندر وتناثر- خطابا متجها لقضايا المجتمع والوحدة والعلاقات الدولية أو قضايا البيئة أو الطبيعة، ولقد عانى الواقع كثيرا – ولا يزال يعاني- من تلك النظرة الفردية الأحادية، واعتبار الخطاب الشرعي للآحاد من المكلفين فقط، فلم يزدهر علم أصول الفقه إلا في القرن الثالث والرابع والخامس هجرياً، وهي فترة ازدهار الحضارة الإسلامية بعلومها ومعارفها على العموم، ثم ما لبث أن غزت علم أصول الفقه تلك المباحث الكلامية وذاك المنطق اليوناني وهذه الدراسات اللغوية المتبحرة والغارقة في تفاصيلها، فتحول أصول الفقه لعلم تجريدي ذهني فقط، وانطمرت فكرة التعليل للنص والمقاصدية في زاوية ضيقة تعتمد مبحث القياس الذي هو دليل ظني، وليس دليلا قطعيا خلافا لنصوص القرآن الكريم والسنة الشريفةالمتواترة والإجماع، فإنهما مصادر قطعية.

ولذلك فإن القياس يأتي فيالمرتبة الثالثة من الأدلة بعد نصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة، ثمالإجماع الذي هو في المرتبة الثانية، حتى أتى الشاطبي في القرن الثامن، وهو من هو في الاجتهاد والتصنيف والتجديد يقول في موافقاته: كل مسألة أصولية ليس تحتها عمل فهي عارية”، فأصل وقعّد ونظّر وجدد، ولكن لم يستطع الانفلات من السياق العام وقتئذ، وما لبث أن عادت من بعده إدراجها الشريعة ومقاصدها العليا والعامة إلى الانعزال المقيت عن مستجدات الواقع وتقلبات الحياة، فانطبع أصول الفقه بأثر الظروف التاريخية التي نشأ فيها، وبطبيعة القضايا والمباحث التي كان يتوجه إليه البحث الفقهي، ولم يسلم من ذلك إلا القليل، حتى نال علم المقاصد استقلاله عن أصول الفقه في العصر الحديث.

خلاصة:

لقد مضى الآن نحو قرن أو يزيد على استقلال “علم المقاصد” عن أبيه الكبير “علم أصول الفقه”، ولما يزل عدد من الحركات الإسلامية تراوح مكانها إزاء عدد من القضايا التي لو عرضها على ذلك العلم لأراح واستراح. فعلم المقاصد بشموليته واشتباكه مع الواقع بطبيعته قادر أن يستجيب لحاجات الأفراد والجماعات والشعوب ويقدم إجابات شافية كافية لكل المتغيرات وشتى المستجدات، لاسيما تلك الحاجات الخاصة بشعوب بلادنا العربية التي ما فتأت تتنفس الحرية من احتلال أجنبي حتى جثم على صدرها أنظمة من بني جلدتنا، لكنها أقسى ما تكون فرعنة واستبدادا وقمعا وقهرا. (6).

—————————-

الهامش

(1) محمد كمال الدين إمام، الدليل الإرشادي إلى مقاصد الشريعة، مؤسسة الفرقان، لندن، ج1، 2007، ص82.

(2) يوسف القرضاوي، دراسة في فقه المقاصد ضمن كتاب” ندوة مقاصد الشريعة”،مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، لندن، ص70

(3) نور الدين الخادمي، الاجتهاد المقاصدي، كتاب الأمة، الدوحة، عدد65

(4) نقلا عن الوظيفة المقاصدية لمعتز الخطيب، مجلة اسلامية المعرفة، المعهد المعرفي للفكر الإسلامي عدد 48

(5) اسماعيل الحسيني، نظرية المقاصد عند الإمام الطاهر بن عاشور، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1995، ص45.

(6) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

 

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close