تقاريرسيناء

سيناء: كمين المطافئ واستمرار نزيف الدماء

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

جاءت حادثة كمين المطافئ بمدينة العريش، لتؤكد ما ذكرناه في تقارير سابقة، حول تطورات المشهد السيناوي، أن المشهد في شبه جزيرة سيناء سيظل متصدراً لفترة من الوقت في ظل تراجع المشهد السياسي المصري لصالح النظام العسكري الحاكم، وأيضاً في ظل تطورات العمليات العسكرية في شبه جزيرة سيناء، ولم يكن الهجوم مفاجئاً لا من حيث المكان أو الزمان لمن يتتبع تسلسل الأحداث في الفترة الزمنية التي سبقته والتي جاءت على انحو التالي:

1ـ بتاريخ 14 ديسمبر 2016، قام المسلحون بهجوم استهدف كمين المطافئ بحي المساعيد غرب العريش، أسفر حينها عن مقتل المجند سالم عطا محمود، 22 عاماً (الوطن)، ولقد رصدنا حينها ثناء الصحافة المصرية على أفراد الكمين ونجاحهم في التصدي للهجوم (كما حدث سابقاً مع كمين الغاز العسكري)، ورغم أن هذا الهجوم لم يكن الوحيد في تلك الفترة الذي استهدف كمائن وارتكازات أمنية أخرى، ولكن يتضح أن المسلحين صارت جزء من هجماتهم هي هجمات استكشافية لاستكشاف الأكمنة والتطورات التي تلحق بها والثغرات.

2ـ بتاريخ 1 يناير 2017، قام المسلحون بالاستيلاء على سيارة تابعة لشركة كير سيرفس بالعريش، واتجهوا بها لجهة غير معلومة (سيناء24) (اخبار اليوم).

3ـ بتاريخ 4 يناير 2017، وقع هجوم مسلح على مقر شركة “كير سيرفيس” بالعريش، أدى لحرق 32 سيارة للشركة، والاستيلاء على سيارتين جمع قمامة (الوطن).

4ـ بتاريخ 5 يناير 2017، قامت قوات الأمن بشن حملات مداهمة وتمشيط موسعة، استهدفت عدة قرى جنوب مدينة العريش، وحرقت بعض العشش وقبضت على عدد من المشتبه بهم (الوطن).

5ـ بتاريخ 6 يناير 2017، تم شن هجوم على كمين أمني على الطريق الدائري بنطاق حي المساعيد جنوب مدينة العريش، وإصابة المجند سيد حسين، 21 عام (اخبار اليوم).

6ـ بتاريخ 9 يناير 2017، استهدف هجوم عسكري كمين المطافئ جنوب مدينة العريش، وأصدرت وزارة الداخلية المصرية بياناً إعلامياً حول الهجوم الذي أسفر عن مقتل خمسة مسلحين وإصابة ثلاثة آخرين، ومقتل سبعة أفراد من رجال الشرطة (أمين شرطة وستة مجندين) بالإضافة إلى أحد المواطنين الذى تصادف مروره بنطاق الكمين، بالإضافة إلى تدمير مدرعة، بالإضافة إلى مقتل مجند آخر بمكين المساعيد (الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية المصرية).

ويتضح من هذا الخط الزمني المختصر التطورات التي سبقت الهجوم على كمين المطافئ حتى حدوث الهجوم، والآن ننتقل إلى الأحداث بشكل أكثر تفصيلاً لفهم آلية المواجهة التي حدثت قبل الهجوم وانتهاء به:

وكنا قد ذكرنا في التقارير الدورية السابقة أن الحملات العسكرية للجيش المصري قد نجحت في السيطرة على بعض مناطق نفوذ المسلحين شمال شرق سيناء، إلا اننا ذكرنا أيضاً في تقارير شهري نوفمبر وديسمبر 2016، أن منطقة جنوب مدينة العريش ما تزال منطقة غير مُسيطر عليها أمنياً بشكل مُحكم في ظل حملات أمنية وعسكرية مستمرة عليها، وهو ما يُشكل أيضاً عامل ضغط يدفع المسلحين للقيام بعمليات إغارة وتشتيت، وفي ظل تلك الحملة العسكرية وفي ظل رصدنا لتصريحات مسؤول تنظيم ولاية سيناء الجديد الذي قمنا بتحليله، ذكرنا في دلالات تطور شهر ديسمبر، على موقع المعهد المصري أن التنظيم يعترف بحجم الحملة العسكرية عليه ويحاول مواجهتها بالحفاظ على عناصره، ويحاول اقتناص أي فرصة للإغارة السريعة على الإرتكازات والكمائن العسكرية لتعويض خسائره من السلاح والذخيرة، وأن هدف المسلحين البقاء بفاعلية وجعل المعركة مع النظام العسكري المصري معركة استنزاف طويلة الأمد.

وفي هذا الإطار استهدف المسلحون في شهر ديسمبر كمين المطافئ وكمين المساعيد على الطريق الدائري، في هجمات أعلن عن افشالها حينها، ولكن بالرجوع والمقارنة بحوادث سابقة وتحديداً بالهجوم الذي حدث على كمين الغاز العسكري، سنجد تشابهاً في الأساليب حيث قام المسلحون باستهدافه مرة قبلها وقيل حينها أنه تم تدمير سيارة مفخخة وقتل وإصابة بعض المهاجمين، ولكن المسلحين عادوا بعدها ليقوموا بالهجوم على الكمين ويستولوا عليه وسط مقتل وفرار أفراد الكمين، وهو ما يعنى أن المسلحين يتعلمون من أخطائهم ويطورون من هجومهم مستغلين حالة النشوة التي يصبغها الإعلام على انتصارات الجيش الإعلامية في سيناء، وحالة غياب المحاسبة للقادة داخل المؤسسة العسكرية وما يفترض أن يرافقها من تطوير.

وفي هذا الإطار كان هجوم المسلحين على كمين المطافئ بتاريخ 14 ديسمبر 2016 فرصة استكشاف ورصد الثغرات الأمنية بالإضافة إلى رصد حجم التسليح بالكمين وتوزعه، ليقوم المسلحون بعدها بتاريخ 1 يناير بالاستيلاء عل سيارة تابعة لشركة كير سيرفس، ليستخدموها يوم 4 يناير في التنكر والتنقل بها داخل مدينة العريش، ثم يقومون باقتحام جراج ديوان عام المحافظة، حيث وصلوا إليه متنكرين في زي عمال نظافة مستقلين سيارة القمامة، ليقوم الأمن بفتح الباب فيخرج من صندوق السيارة بقية المسلحين ويقومون بافتحام المكان وحرق كل السيارات التي بداخله ويستولون على سيارتين إضافيتين وينطلقوا هاربين.

الملاحظ هنا وفق ما تم نشره في حينه أن العملية تمت بما يقارب العشرين مسلحاً، وهو نفس العدد الذي ذكره بيان وزارة الداخلية لاحقاً حول عدد المسلحين الذين هاجموا كمين المطافئ والمساعيد.

وقد قامت الأجهزة الأمنية بعدها بشن حملة اعتقالات ضد السكان المحليين تحت دعوى القبض على الفاعلين، ولكن وبصباح يوم الاثنين 9 يناير ومع ساعات الصباح الأولى، تقدم أحد المسلحين بإحدى سيارات النظافة المفخخة، واستطاع الوصول بها لحرم كمين المطافئ وسط اشتباكات مسلحة بين الطرفين، ليحاول بعدها قائد السيارة الانسحاب منها بعد أن وصل للنقطة المستهدفة، ولكن يتم قتله أثناء انسحابه وفق ما ظهر في الفيديو المذاع من قبل وزارة الداخلية المصرية.

وأظهر بيان وزارة الداخلية أن عدد المهاجمين كان 20 مسلحاً، وأن الهجوم حدث بعده هجوم آخر على كمين المساعيد، وأنها نجحت في التصدي له، ولكن يبدو أن الهجوم الآخر كان لنفس القوة التي هاجمت كمين المطافئ، وأنه قد جاء في إطار تنفيذها عملية الانسحاب.

وبذلك يتضح ان الهجوم قد سبقه رصد سابق واشتباك مع كمين المطافئ الذي تم استهدافه لاحقاً، وكمين المساعيد الذي يقع على خط طريق الانسحاب، وأن المسلحين قد خططوا للاستيلاء على سيارة شركة كير سيرفس بتاريخ 1 يناير 2017، من أجل تنفيذ عملية اقتحام جراج ديوان عام المحافظة والاستيلاء على سيارات إضافية في إطار الإعداد للهجوم، ثم قاموا بتنفيذ الهجوم على كمين المطافئ مستخدمين تلك السيارات، ثم قاموا بالتنفيذ وتعويض خسائرهم بالاستيلاء على الأسلحة والذخائر الخاصة بأفراد الكمين قبل انسحابهم، وبهذا يكونوا قد نفذوا الهجوم مستخدمين سيارات شركات تابعة للقوات المسلحة تم الاستيلاء عليها، ثم انسحبوا بعد ان عوضوا الذخيرة التي استخدموها في الهجوم مع الحصول على ذخيرة جديدة، ولكن وفي إطار الحرب الدائرة واستقرائنا للمشهد لم يكن المهم في هذا، بل المهم في تكرار مشهد هروب بعض الضباط وترك الجنود (سيناء24)، بل والأكثر هو خوف الأكمنة المجاورة للكمين المستهدف من نجدة الكمين وتركه لمصيره، حتى وصل الأمر إلى انسحاب قوات الشرطة من كمين بنزينة جلبانه القريبة من الكمين المستهدف وتركه لمصيره (سيناء24).

ويأتي هذا الهجوم ليخطف الأضواء من الهجمات التي حدثت بتاريخ 6 يناير على عدة ارتكازات عسكرية لقوات الجيش الثالث الميداني بوسط سيناء ومن ضمنها منطقة المالحة، والتي تم فرض تعتيم اعلامي شديد عليها، ماعدا ما نشره المتحدث العسكري حينها عن احباط هجوم على بعض ارتكازاتها الأمنية وقتل (9) مسلحين وإصابة (16) آخرين، تدمير عدد (2) عربة دفع رباعي وعدد (4) دراجة بخارية ،بعد أن قاموا بهجوم متزامن على عدة ارتكازات بعربات الدفع الرباعي ودراجات النارية (الصفحة الرسمية للمتحدث العسكري للقوات المسلحة).

ولكن صياغة المتحدث العسكري كشفت دون أن يقصد أن الهجمات كانت على عدة ارتكازات وبعدد كبير، وصور القتلى التي تم نشرها للمسلحين واضح فيها أنها قد حدثت في مكان واحد فقط، وأنه قد تم اقتحام أجزاء منه، فما مصير بقية الإرتكازات وما حجم خسائر قوات الجيش؟، وهو ما لم نستطع رصده في ظل منع النشر وفرض قوات الجيش حالة من التطويق والحصار على مناطق وسط سيناء بعد الهجمات.

وفي ظل ما سببته الهجمات الأخيرة من اهتزاز للصورة الذهنية التي يحاول النظام العسكري المصري فرضها داخلياً (وليس خارجياً)، حول السيطرة الأمنية، فلقد قام قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي بعمل مداخلة هاتفية مع إحدى القنوات الفضائية، كشف خلالها عما تمثله هاتين الهجمتين استنزاف مادي للنظام، وشبه أجواء ما يواجهه النظام لأجواء ما بعد حرب 67 (فيديو).

ووفق تطور العمليات العسكرية على الأرض، تسعى قوات الجيش والأمن المصري لفرض السيطرة على مناطق جنوب العريش بقرى السبيل، وزارع الخير، ومنطقة المسمى، وبعض المناطق المحيطة بمزارع الزيتون جنوب العريش، بالإضافة إلى استمرار محاولاتها إحكام السيطرة على مناطق العجراء والبرث والطايرة والياميت والأحراش والطويل والشلاق والملاحيس جنوب وغرب رفح والشيخ زويد، بالإضافة لشن حملات عسكرية وأمنية بمركز الحسنة بوسط سيناء ومركز بئر العبد بشمال سيناء.

وكما تناول التقرير، فقد جوبهت تلك الحملات العسكرية بسلسلة من الكمائن بالعبوات الناسفة والهجمات الخاطفة، منها 7 مرات اشتباك وإغارة، وعدد مرتين قنص لأفراد بكمائن ثابتة، بالإضافة لإعطاب وتدمير مدرعتين، هذا بخلاف الاستيلاء على السيارات التابعة لشركة كير سيرفس، وهو ما أسفر عن مقتل 13 فرد عسكري من بينهم ضابط واثنين أمناء شرطة، واصابة 23 عسكري من بينهم ضباط وأمين شرطة، وهذا كحد أدني، لتستمر خسائر العسكر دون معرفة الحجم الحقيقي لهذه الخسائر، كدليل عجز على فرض السيطرة رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات ونصف على بدء العمليات العسكرية في شبه جزيرة سيناء(1).

————————————–

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

 

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *