fbpx
تقارير

شباب الإخوان: الطريق نحو انتخابات 2012

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

قرر المجلس العسكري في الخامس عشر من فبراير عام 2011 تعيين القاضي المتقاعد المستشار طارق البشري رئيسا للجنة تعديل الدستور، وأمهل اللجنة عشرة أيام للانتهاء من تعديلات الدستور، وتحديد خارطة الطريق للمرحلة الانتقالية1 ، ركزت التعديلات على تهيئة المناخ بتعديلات محدودة تيسر إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وما يتعلق بمدة الولاية الدستورية، وآليات الانتخاب، والإشراف القضائي على الانتخابات، وآليات الطعن، والجهة المخولة بذلك، ومن يحق له الدعوة لإجراء تعديلات دستورية2 .

تفاعلت القوى السياسية مع التعديلات والاستفتاء عليها بحالة من الاستقطاب الحاد، “ورغم تصاعد مطالب اللّحظة الأخيرة بالتّأجيل أو الإلغاء واستبدال الاستفتاء بإعلان مبادئ دستورية أساسيّة يستند إلى شرعية الثّورة، إلاّ أنه من اللاّفت أنّ القوى السّياسية لم تطالبْ بمقاطعة الاستفتاء بل هناك دعوات للذّهاب إلى صناديق الاقتراع وممارسة حقّ الانتخاب والتصويت بـ “لا” أو “نعم”3 .

كانت جماعة الإخوان المسلمين قد أعلنت تأييدها للتعديلات الدستورية ولهذا المسار السياسي العام4 ، الذي سيعتمد بعد التعديلات الدستورية على سرعة إجراء انتخابات مجلسي الشعب والشورى ثم إجراء الانتخابات الرئاسية ثم الشروع في وضع دستور جديد للبلاد. ويرتكز هذا المسار على الاعتماد على شرعية اختيار الشعب لمن يمثله في إدارة المرحلة الانتقالية، وبالتالي فإن مهمة التعديلات الدستورية والانتخابات البرلمانية والرئاسية هي إنتاج شرعية حكم جديدة لمن سيدير دفة البلاد. بالتأكيد هذه الرؤية كانت تثير حفيظة آخرين، فهي تصرف الانتباه إلى الوزن النسبي في هذه المرحلة الحساسة، للقوى السياسية وبالتالي سينعكس ذلك على التمثيل في هذا الوقت الانتقالي ويحفز ظهور الاستقطاب مبكرا. ولم تنجح مختلف القوى والتيارات السياسية في محاولات تجنب هذا الاستقطاب الحاد أو تأخيره لحين الاطمئنان من تحييد المؤسسة العسكرية والتمكن من مفاصل السلطة السياسة.

أولاً: شباب الإخوان وتعديلات مارس 2011:

كانت التعديلات الدستورية هي أول تجربة حقيقية للتنافس السياسي في مناخ واسع من الحرية، ومع اندفاع الشباب بطاقة كبيرة وهائلة للمشاركة كان من الطبيعي أن يكون النقاش السياسي بين الشباب حيويا. وكانت الاتجاهات الغالبة لشباب الإخوان المسلمين-بحسب العينة- متفقة مع المسار العام الذي اتخذته الجماعة:

وتُبرز النسب أن 81 ٪ كانوا من الموافقين على مسار التعديلات الدستورية ثم إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية (منهم 66 ٪ موافقون بتحفظات)، وأن نسبة الرافضين لهذا المسار كانت 14 ٪.

كان غالب المؤيدين لمسار التعديلات لا يتوقعون خطورة كبيرة تتعلق بأثر الاستقطاب أو التنافس السياسي على المرحلة الانتقالية في مرحلة مبكرة، وبالتالي كان يمثل مسار التعديلات والانتخابات بالنسبة لهم خطوة سريعة نحو الوصول إلى سلطة منتخبة تكون مسئولة سياسيا بعد المجلس العسكري.

ومن بين الرافضين كان هناك شباب لديهم نقد واضح لهذا المسار، منهم قيادي شاب ومسئول عن شباب الإخوان والعمل الإخواني بإحدى جامعات مصر، وقد عبر عن هذه الرؤية في رسالة أرسلها إلى القيادي بالجماعة الدكتور عصام العريان في مارس 2011 قبل إجراء الاستفتاء على التعديلات الدستورية؛ يبين فيها نقده لهذ المسار ويؤكد “أن موقف دعم التعديلات الدستورية خطأ كبير، ورفضها أيضا خطأ كبير، والحل في رفض المبدأ أساسا مبدأ تعديل الدستور”، وهو يستند إلى عدة أمور منها أن “الثورة أسقطت الدستور بالفعل، فلا يوجد شيء في الدستور اسمه (تولي المجلس العسكري إدارة البلاد) ولا يوجد شيء في الدستور اسمه (تشكيل لجنة لتعديل الدستور والاستفتاء عليه في ظل غياب مجلس الشعب)”، لا تكتفي الرسالة بتبريرات عامة، ولكنها تعتبر هذا المسار خطرا كبيرا على الثورة، وبحسب وصف القيادي الشاب أن هذا المسار “استدراج وفخ، يُشغل المجتمع كله في سجالات الانتخابات والدعاية والتصويت والمعارك الانتخابية، بينما الجزء الأكبر من أهداف الثورة لم يتحقق بعد -لازال قيادات الحزب السابق أحرارا، ولازال الحزب نفسه قائما، ولا زال جهاز أمن الدولة وغيره من الأجهزة الأمنية عاملا، والمجالس المحلية والطوارئ، ولم يحاكم أحد حتى الآن بتهم القتل والقمع”، ويؤكد خطورة هذا المسار، ليس على الثورة فقط ولكن على تنظيم الإخوان أيضا على المدى البعيد، فستكون جماعة الإخوان في مواجهة القوى السياسية الأخرى، وحتى لو انتصرت رؤية الإخوان بقدرتهم على التعبئة والحشد الجماهيري “يضعنا-يقصد جماعة الإخوان- في وضع المنتصر المنهزم، كسبنا التصويت وخسرنا كل من قام بالثورة من غيرنا” فهذا المسار سيساهم في خسارة كتلة هامة من الشباب الثوريين الذين كانوا وقودا مهما في الضغط حتى رحيل مبارك ونجاح الانحياز الجماهيري لهم لاحقا، لذا يؤكد في ختام رسالته “نحن قمنا بثورة أزالت رأس النظام، فهل نعجز على الضغط على المجلس العسكري لينزل على مطالب الثورة بتغيير النظام؟ علينا الضغط عليه باستمرار ليقوم بالتغيير المطلوب، لا أن نرضخ لبرنامج وضعه المجلس العسكري لتسيير البلاد والتحكم في مصيرها”5 .

ثانياً: تغير الاتجاهات نحو المجلس العسكري:

بعد رحيل مبارك لم تستمر حالة الفرح والشعور العام بالانتصار طويلا، فقد دخلت البلاد في موجات من الاحتجاجات الفئوية، التي تتمنى أن ترى في الثورة منقذا لها ولأزماتها، “وقد ارتبطت تلك الاحتجاجات بشكل رئيسي بقطاعات أو طوائف معينة من المجتمع المصري، مثل العمال أو الموظفون بالقطاع الحكومي أو المدرسون أو سائقو الاتوبيسات، ثم سرعان ما أصبحت هذه الاحتجاجات هي السمة المميزة لمعظم القطاعات والطوائف العمالية”6 .

كما بدأ الاستقطاب السياسي مبكرا بين مختلف القوى السياسية وبين المؤسسة العسكرية. والأخطر هو ما زكّته ممارسات المجلس العسكري -شيئا فشيئا- بالتباطؤ والتلكؤ في محاكمة مبارك؛ مما زاد مشاعر الغضب وخرجت التظاهرات في ميدان التحرير تطالب بمحاكمة مبارك ووضعه في قفص الاتهام7 .

كما حدث تلكؤ وتباطؤ في إجراء الانتخابات وتسليم السلطة للمدنيين، وزاد السلوك العنيف والقمعي ضد المتظاهرين من قبل وزارة الداخلية وأحيانا من الشرطة العسكرية؛ مما أسفر بسبب استخدام القوة عن قتلى وجرحى بشكل مستمر، وبلغت تلك الأحداث ذروتها بنهاية عام 2011 في أحداث التظاهرات الغاضبة وفضها بالقوة وأبرزها أحداث ماسبيرو8 ، وأحداث محمد محمود9 ، ومجلس الوزراء10 ، وبدا أن الصورة الوردية التي كانت في مخيلة الكثيرين عن المؤسسة العسكرية غير دقيقة.

ظلت جماعة الإخوان المسلمين تحاول التركيز على انتقال السلطة عبر مسار الانتخابات لتضمن بذلك وجود شرعية منتخبة مدنية للحكم. وكانت الجماعة حريصة في خطابها على إبراز الثقة في المؤسسة العسكرية، وعدم إثارة أي خصومة أو عداوة يمكنها أن تعرقل سير المرحلة الانتقالية، وكان ذلك واضحا في خطابات وبيانات الجماعة الرسمية مثل البيان الذي صدر بعد رحيل مبارك: “إننا ونحن نثق في جيشنا العظيم والتزامه وضمانه للعهود التي قطعها على نفسه، إنما نتطلع إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لا تحتاج لوقت في إصدارها، ووضع برنامج زمني للخطوات التي أعلنها في الإعلان الدستوري الذي أصدره اليوم”11 ، وحاولت الجماعة الحفاظ على هذا الاتجاه؛ أملا في الانتهاء السريع من تسليم السلطة.

وعندما بدأ الاستقطاب السياسي مبكرا مع بدء التعديلات الدستورية، حاولت الجماعة الحفاظ على ذات الخطاب، والثقة بالمؤسسة العسكرية؛ محذرة ممن يحاولون إحداث الوقيعة مع المؤسسة العسكرية: “ويقدِّر الإخوان المسلمون الدور الكبير الذي قام به الجيش المصري البطل، الذي أثبت بالفعل أنه جيش الشعب وحامي الوطن ودرع الأمن القومي، في حماية الثورة، كما يقدِّر الإخوان المسلمون حرص الجيش على نقل السلطة للشعب نقلاً هادئًا سلميًّا وفي أسرع وقت ممكن … إن الإخوان يدينون أية محاولة لإضعاف هذا التلاحم، فضلاً عن إحداث شقاق أو وقيعة بين الشعب وجيشه”12 .

لكن بنهاية عام 2011 ومع تراكم الصدامات الدموية التي تمت بين الشرطة العسكرية أو الشرطة وبين المتظاهرين، حاولت الجماعة الجمع بين إدانة الأحداث وتحميل المجلس العسكري أحيانا المسئولية ومطالبته بالتحقيق: “ونطالبكم بالخروج عن صمتكم، والحديث إلى الناس بما تنوونه بشأن تسليم السلطة فذلك كفيل بطمأنة الناس، كما ندعوكم لكفِّ أيدي الشرطة عن العدوان على الشعب” 13.

“إن الإخوان المسلمين يطالبون المجلس الأعلى للقوات المسلحة؛ باعتباره مسئولاً عن كل ما حدث بـ: إيقاف القتل والعدوان على المتظاهرين في كل الميادين فورًا بدون إبطاء، وسحب كل الآليات والجنود من هذه الميادين …. والخروج عن الصمت والحوار مع القوى السياسية، بشأن الخروج من النفق المسدود الذي أُدخلت البلاد فيه.”14 ، “كانت صدمتنا عظيمةً حينما رأيناه يقتل المواطنين ويصيب كثيرين منهم في ماسبيرو وشارع محمد محمود، وأخيرًا في شارعي مجلس الشعب وقصر العيني، ولم تتم إدانة أي من العسكريين الذين أمروا أو نفذوا هذه الجرائم.

إن الإخوان المسلمين يطالبون: 1- باعتذار واضح وسريع من المجلس العسكري عن الجريمة التي تم ارتكابها اليوم. 2- التحقيق العادل من جهة مستقلة”15 ، وحرصت الجماعة -بجانب إدانة المجلس العسكري أو طلب التحقيق أو الاعتذار- على التمسك بسرعة تسليم السلطة من خلال إتمام مسار الانتخابات حتى النهاية: “فإننا نتوجه إلى الشعب المصري الحبيب أن يتمسك بثورته وأهدافه ومبادئه، ويحميها برفض أساليب الهدم والتخريب والعدوان، وعدم الانخداع بالشعارات الرنانة … وأن يحرص على إتمام المسيرة الديمقراطية، ونقل السلطة بطريقة سلمية هادئة؛ للتحول إلى حالة الاستقرار التي هي شرط للبناء والنهضة والتقدم”16 .

وسط هذه الأجواء ظهرت حملات شبابية تحت شعار “عسكر كاذبون” خلال شهري ديسمبر 2011 ويناير 2012 ، والتي ركزت على فضح الانتهاكات ضد الثورة والمتظاهرين17 ، وهي حملة بدت واضحة في رفضها للدور الذي يقوم به المجلس العسكري، واعتباره دورا قمعيا ضد الثورة، وكان من الطبيعي أن تتغير توجهات شباب الإخوان بنهاية عام 2011 والتي كانت كالتالي:

فقد أيد 79 ٪ حملات عسكر كاذبون التي تعبر عن رفضهم لدور المجلس العسكري وعن مسئوليته الكاملة عن سوء إدارته للمرحلة الانتقالية. وهي نسبة تغيرت من فبراير 2011 حيث كان الرافضون لدور المجلس العسكري لا يتجاوز 17 ٪ ليرتفع السخط ورفض دور المجلس العسكري إلى 79 ٪.

كما أكدت جميع المقابلات التي أجراها الباحث هذا الاتجاه بقوة وبيّنت أنه لم يكن موقفا عابرا، بل حالة غاضبة متراكمة لقيادات طلابية في محافظات مختلفة، بلغت ذروتها بأحداث محمد محمود في نوفمبر 2011 ، ووصفها الجميع أنها كانت لحظة فارقة تجاه المؤسسة العسكرية، وكانت لحظة بلوغ التوتر التنظيمي الداخلي لذروته بين الشباب -والقيادات الشابة خصوصا في المجال الطلابي- وبين القرارات التنظيمية الرسمية:

فمن جامعة الأزهر يقول أحد القادة الشباب “أتذكر أحداث محمد محمود، وكنا في حالة توتر شديدة قبلها، وكنا في صراع عنيف بين أهمية وضرورة دعم الميادين ضد ممارسات الداخلية والشرطة العسكرية، وضرورة مواجهة القمع والقتل في الشوارع، وبين الالتزام بقرار الإخوان، وكنا كمسئولين في الجامعة نمتص القرارات، ولا نبلغ بها عموم شباب الإخوان أحيانا، ولا نمنع أحدا من المشاركة”18 .

وفي الاسكندرية طلب ثلاث قيادات شبابية لقاءً مع أحد أعضاء مكتب الإرشاد في نوفمبر 2011 ، بعد أحداث محمد محمود مباشرة؛ لإيصال رسالة غاضبة واضحة: “نحن ننفصل عن الصف الثوري ولا نواجه الأجهزة القمعية بالطريقة الصحيحة”، وكان الرد التنظيمي الرسمي عليهم هو أن “الشباب الثائر لا يدركون المشهد بشكل جيد، ولا يفهمون ماذا يحدث”19 ، ويقول قيادي آخر بجامعة الاسكندرية “لأول مرة تخرج مظاهرة من الجامعة من غير الإخوان بهذه القوة في أحداث محمد محمود”.

كانت العلاقات التنظيمية لعموم القيادات الطلابية -التي أجرى الباحث معها المقابلات- جيدة وطبيعية قبل يناير 2011 وبعده، لكنها تحولت بنهاية عام 2011 -خاصة مع أحداث محمد محمود- وظهر التباين والتوتر والصراع الداخلي مع الوقت، كما عبّر بذلك قيادي شاب في الاسكندرية “العلاقة الرسمية مع التنظيم كانت طبيعية وجيدة في الإطار التنظيمي حتى أحداث محمد محمود وانتخابات الرئاسة”20 ، وفي المنصورة يقول قيادي آخر “لأول مرة تجد قيادات طلابية متعددة وفي محافظات مختلفة تخالف قرارا واضحا للجماعة”21 .

كان تنظيم الإخوان يرى أن دوره هو “محاولة التواصل مع المجلس العسكري وحفظ الأرواح والناس وليس النزول في التحرير”22 ، وبحسب قيادي شاب آخر فلم يكن قرار الإخوان وتلك التبريرات مقنعة “فعندما طلبنا التبرير، كان رد أحد أعضاء مكتب الإرشاد أن هذه مؤامرة ومعروفة الخيوط ولدينا معلومات، وهناك قصد ليكون هناك بحر من الدماء، ونريد تجنب ذلك، ولم يكن هذا التبرير مقنعا لنا، ولما سألنا لاحقا عن مشاركة رموز من الإخوان مثل الدكتور محمد البلتاجي فكانت الإجابة أنه أخطا وربما يتعرض للتحقيق”23 .

لقد عبّرت المقابلات مع القيادات الشابة في العمل الطلابي عن الحزن والأسى وبيّنت ارتفاع التوتر، حتى بلغ الأمر أن حجبت هذه القيادات الشابة -دون اتفاق بينهم وهم من محافظات وجامعات مختلفة- القرار التنظيمي الرسمي -الصادر من قيادات الجماعة ومكتب الإرشاد- عن عموم شباب الإخوان، وتركت لهم حرية القرار في التفاعل مع أحداث محمد محمود، كما شارك غالب تلك القيادات في دعم تظاهرات أحداث محمد محمود، يقول أحد قيادات جامعة الأزهر “كانت أحداث محمد محمود كأنها ٢٥ يناير جديدة، وكنّا في حالة توتر شديدة، وبدأ صراع عنيف بداخلنا بين دعم المتظاهرين في محمد محمود وبين انتظار قرار الإخوان الرسمي، ولما جاء القرار قررنا ألا نُبلّغ طلاب الإخوان بذلك ونترك لهم حرية القرار”24 .

وفي جامعة القاهرة يقول قيادي آخر “قررت أنا وغيرى من شباب الإخوان المشاركة بمبادرة فردية، قبل أن يقرر الإخوان عدم النزول للميدان، وبأعيننا رأينا العنف المفرط الذي تعمدت الشرطة التعامل به مع الشباب الثائر، وأنا ألتمس العذر للجماعة في رفضها المشاركة، وإن كنت أعتقد أن هذا القرار جانبه الصواب، ما يحزنني هو تشويه بعض قيادات الإخوان صورة الشباب في التحرير، أو نفى البعض الآخر لنزول أي من شباب الإخوان، في الوقت الذي أصيب فيه بعض شباب الإخوان بالرصاص، وحالتهم خطرة في المستشفيات”25 ، ويقول قيادي آخر من جامعة المنصورة “لحظة أحداث محمد محمود كانت لحظة صادمة في التعامل القمعي بشكل فج، ويبدو أن الممارسات القمعية حاولت تحقيق مكسبا بضرب حالة الزخم الثوري في الشوارع والميادين مع محاولة الفصل بين هذه الحالة وبين مواقف الجماعة السياسية، لتبدو الصورة كأنها مستوعبة من قبل السلطة او أنها تخلت عن الثورة وهذا غير صحيح”26 .

الترشح لرئاسة الجمهورية:

استمر مسار الانتخابات برغم تصاعد حدة السخط على ممارسات المجلس العسكري والأجهزة الأمنية، وزاد الاستقطاب السياسي، ولم تنجح القوى السياسية في التكتل خلف مرشح واحد، ومع توارد الأخبار عن عزم اللواء عمر سليمان -مدير جهاز المخابرات العامة ونائب الرئيس مبارك قبل رحيله- التقدم لترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية، وكذلك تقدم الفريق أحمد شفيق -رئيس الحكومة قبل رحيل مبارك- وعمرو موسى وزير خارجية سابق في عهد مبارك-، برزت لدى جماعة الإخوان تخوفات كبيرة، فالصف الثوري والقوى السياسية ليست موحدة، والإخوان هم القوة التنظيمية الأكبر بين القوى السياسية الأخرى، ولم تكن قيادات الجماعة راغبة في تقديم الدعم لأي من المرشحين الذين ينتمون إلى التيار الإسلامي أو القريبين من فكر الجماعة مثل الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح -وهو قيادي سابق وعضو في مكتب الإرشاد قبل أن يقرر الخروج من الجماعة وتقدمه لمنصب رئاسة الجمهورية منفردا- أو الدكتور محمد سليم العوا، أو الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل -كان مرشحا محتملا ولم يدرج ضمن القائمة النهائية- أو غيرهم ممن لهم علاقات جيدة بالجماعة، وقرر مكتب الإرشاد في مارس 2012 أن يتقدم بمرشح للرئاسة27 .

لقد كشف هذا الموقف مرة أخرى عن التوتر الداخلي الكامن داخل الجماعة، وعن تباين الاتجاهات بين قطاعات شبابية داخل الإخوان وبين الموقف الرسمي، فبين الرفض الواضح بنسبة كبيرة لقرار الإخوان أو التردد الشديد كانت الاتجاهات كالتالي:

بلغت نسبة المؤيدين لقرار الجماعة -بحسب العينة- 49 ٪ فقط ( 25 ٪ موافقة تامة و 24 ٪ موافقة بتحفظات)، ولأول مرة تكون اتجاهات التأييد لقرار الجماعة بهذه النسبة، وزادت نسبة التردد لأول مرة لتصل إلى 21 ٪، وبلغت نسبة الرافضين بشكل واضح 30 ٪.

شكلت هذه الحالة جدلا كبيرا داخل الأوساط السياسية وداخل شباب الإخوان أيضا، خاصة مع زيادة وتنوع عدد المرشحين، ومع تجاوز صدمة الإعلان ظل الجدل مستمرا، إذ يرى البعض إمكانية دعم مرشح آخر علاقته جيدة بالإخوان دون تورط الإخوان في أمر بهذا الحجم لم يكونوا مستعدين له، خاصة وأن الموقف السابق للجماعة كان واضحا قبل رحيل مبارك “إن الإخوان المسلمين يؤكدون على ما سبق أن أعلنوه بأنهم ليسوا طلاب سلطة، ولا منصب ولا جاه، ومن ثم فلن يرشحوا أحدًا منهم للرئاسة، ولن يزاحموا أحدًا”28 ، كان الجدل معبرا عن الصراع بين الحفاظ على موقف الجماعة ورؤيتها الأولى بعدم التقدم للمنافسة على رئاسة الجمهورية، أو أن تتقدم الجماعة وتنافس الجميع، وتتحمل هي المسئولية، وزاد هذا الجدل والتوتر مع اقتراب وقت التصويت -في مايو 2012 – ووضوح قائمة المرشحين النهائية29 ، لتكون اتجاهات شباب الإخوان كالتالي:

برغم تخطي الصدمة الأولى لإعلان الجماعة تقدمها للرئاسة في مارس 2012 ، ووضوح تبريرات الإخوان داخل التنظيم وخارجه، في مايو 2012 -ومع تأكد وجود مرشح ينتمي للجماعة في القائمة النهائية للمرشحين (الدكتور محمد مرسي) – كشف الاستبيان الذي أجراه الباحث عن مفاجأة، أن عدد المؤيدين لدعم مرشح جماعة الإخوان بعد إعلان الكشوف النهائية 27 ٪ فقط، وبلغت نسبة الراغبين في دعم مرشح آخر من غير الإخوان 63 ٪ -وهي نسبة كبيرة بلا شك-، وتعبر هذه النسبة الكبيرة عن حالة التوتر الداخلي تجاه قرار الجماعة بالتقدم بمرشح للرئاسة.

لكن برغم هذا التوتر والتباين الواضح، ووسط أجواء الاستقطاب والتوتر السياسي، رجّح غالب الشباب في لحظة التصويت دعم مرشح الجماعة برغم عدم موافقة غالبيتهم على ذلك:

فقد بلغت نسبة الموافقين على التصويت لمرشح الإخوان -ولم يكونوا راغبين في دعم أي مرشح آخر – 27 ٪، بينما بلغت نسبة الموافقين على التصويت لمرشح الإخوان -التزاما لقرار الجماعة فقط – لكنهم كانوا يرغبون في دعم مرشح آخر 61 ٪، وبلغت نسبة من صوتوا لمرشح آخر 2 ٪.

بتتبع مواقف الجماعة تجاه الترشح لرئاسة الجمهورية، من فبراير 2011 إلى مايو 2012 ، واتجاهات شباب الإخوان يمكننا ملاحظة تناقص الكتلة الصلبة المؤيدة بشكل واضح وقطعي لموقف الجماعة من 78 ٪ إلى 49 ٪ ثم إلى 27 ٪، وارتفاع حالات التردد والحيرة من 8 ٪ إلى ما بين 10 – 21 ٪، وارتفاع الاتجاهات المخالفة للموقف الرسمي من 14 ٪ إلى 30 ٪ ثم إلى 63 ٪، لكن مع ترجيح نهائي للالتزام التنظيمي الذي أوصل نسبة الدعم لموقف الإخوان وقت التصويت الفعلي إلى 88 ٪:

خاتمة:

* بدأت المرحلة الانتقالية في فبراير 2011 وغالب اتجاهات شباب الجماعة متوافقة مع القرار الرسمي للتنظيم، ولم تكن نسبة الاتجاهات الشبابية المخالفة لمواقف الجماعة تتجاوز 17 ٪.

* زاد التباين تدريجيا بين قطاعات الشباب وبين المواقف الرسمية للجماعة، وتبدلت اتجاهات غالب الشباب من المجلس العسكري وممارساته في المرحلة الانتقالية، ومثلت أحداث محمد محمود ذروة التوتر والغضب الشبابي المتراكم تجاه المؤسسة العسكرية، وتحول التنوع الهادئ إلى حالة من التوتر والصراع مع بعض مواقف الجماعة الرسمية، ولأول مرة تحدث مخالفات واضحة وكبيرة لقرار الجماعة الرسمي من شرائح شبابية وقيادات طلابية من جامعات ومحافظات مختلفة، بل إن قيادات شابة في عدة محافظات امتنعت عن إيصال القرار الإخواني للقواعد؛ لتترك لهم حرية الاختيار.

* ظل التباين والتوتر كامنا تحت السطح، وظهر بوضوح في تدني التأييد لموقف الجماعة بعد إعلانها التقدم للرئاسة إلى 49 ٪، ثم ارتفاع نسبة الاتجاهات المخالفة للموقف الرسمي -بشكل غير مسبوق- لتصل إلى 63 ٪، لكن الغالبية التزمت في النهاية بالقرار الرسمي ودعمت مرشح الإخوان.

* ساهمت أجواء الحرية في بروز مساحات من التباين والتمايز لاتجاهات الشباب عن المواقف الرسمية للجماعة، وظلت اتجاهات الشباب في حالة نمو وتفاعل مستمر -برغم التوترات التنظيمية- تنتظر استقرار المشهد السياسي وتَقَدمه خطوة نحو الانتقال الديمقراطي.

ملحق 1 :

رسالة من قيادي إخواني شاب -مسئول شباب الإخوان والعمل الإخواني بإحدى جامعات مصر- للدكتور عصام العريان بتاريخ 11 مارس 2011

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أستاذنا الكريم الدكتور عصام العريان

اسمح لي أن أبدي رأيا، كونته من مبدأ الثورة ومتابعة مواقف الإعلام ومعايشة للمجتمع -خصوصا الطلابي- فيما يخص التعديلات الدستورية، فأنا أرى أن موقف دعم التعديلات الدستورية خطأ كبير، ورفضها أيضا خطأ كبير، والحل في رفض المبدأ أساسا مبدأ تعديل الدستور أو اعتبار الدستور الحالي لم يسقط.

وأسباب ذلك الرأي تتلخص في التالي:

– الموافقة على تعديل الدستور تلغي فكرة أن ما حدث هو ثورة بكل المقاييس، والثورة أسقطت الدستور بالفعل، فلا يوجد شيء في الدستور اسمه (تولي المجلس العسكري إدارة البلاد) و لا يوجد شيء في الدستور اسمه (تشكيل لجنة لتعديل الدستور و الاستفتاء عليه في ظل غياب مجلس الشعب)، كل هذه أمور تتم خارج الدستور الحالي، فكيف تستخدم هذه الإجراءات في استمرار العمل بالدستور نفسه – ولو لفترة مؤقتة-.

الموافقة على تعديل الدستور تعني البدء في سلسلة إجراءات متتالية تباعا، منها إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، وهذا -في ظني- استدراج وفخ، يشغل المجتمع كله في سجالات الانتخابات والدعاية والتصويت والمعارك الانتخابية، بينما الجزء الأكبر من أهداف الثورة لم يتحقق بعد -لازال قيادات الحزب السابق أحرارا، ولازال الحزب نفسه قائما، ولا زال جهاز أمن الدولة وغيره من الأجهزة الأمنية عاملا، والمجالس المحلية والطوارئ، ولم يحاكم أحد حتى الآن بتهم القتل والقمع.

الموافقة على تعديل الدستور تعني انتخاب مجلس شعب معيب جدا، ففيه نسبة النصف من العمال والفلاحين وكوتة المرأة وما إلى ذلك، وبما أن الإخوان لن يدخلوا بأغلبية، فإن الأغلبية ستكون لرجال الأعمال والبلطجية، وهو مجلس سيستمر خمس سنوات، كما أنه سيضع القوى السياسية كلها في وضع تنافس وخصومة قبل أوانها، حيث يتطلب الوضع وحدة لتحقيق أهداف الثورة.

الموافقة على تعديل الدستور تضع الإخوان تحديدا في مقابلة كل القوى السياسية الأخرى، حيث الاتجاه العام هو لتغيير الدستور لا تعديله , و حتى لو استطعنا الحشد في التصويت و حصلنا على نسبة الأغلبية للموافقة، فإن تلك الأغلبية التي سنحشدها هي في غالبها أهل القرى والأرياف والبسطاء الذين لا دخل لهم بالسياسة، ولم يشاركوا بفعالية في الثورة، مما يضعنا في وضع المنتصر المنهزم، كسبنا التصويت وخسرنا كل من قام بالثورة غيرنا، واصطففنا في وضع مواجه للشعب مهما كانت نتيجة الاستفتاء، فستكون أغلبية خادعة -وإن كانت صحيحة عدديا-.

كما أن رفض التعديلات يعني استمرار العمل بالدستور القديم قبل التعديل، وهو الوضع الأسوأ.

ولا يمكن لشعب قام بثورة أن يسلم مصيره لتحكم المجلس العسكري مهما وصفه بأنه حامي الثورة، نحن قمنا بثورة أزالت رأس النظام، فهل نعجز على الضغط على المجلس العسكري لينزل على مطالب الثورة بتغيير النظام؟ علينا الضغط عليه باستمرار ليقوم بالتغيير المطلوب، لا أن نرضخ لبرنامج وضعه المجلس العسكري لتسيير البلاد والتحكم في مصيرها.

لابد أن نفرض رؤيتنا على المجلس العسكري لا أن نتجاوب مع رؤيته هو، إن كان الثوار يريدون مجلسا رئاسيا من مدنيين وعسكري يدير عملية تغيير الدستور واستكمال الثورة فيجب أن يرضخ المجلس لذلك، لا أن يتجاهل المطلب تماما، لكن قبل ذلك لا بديل عن توافق الثوار على رؤية واحدة لإدارة المرحلة، حتى لو لم تكن على هوانا، فالصواب نسبي ولا يمكن اكتشافه يقينا حاليا، لكن اليقين أن التجمع على مطالب والإصرار عليها مهما حدث ضرورة.

لذلك كل ما أتمناه أن نعلن يوم السبت موقفا واضحا صريحا ينحاز للثورة ويكسب احترام الجميع، الإخوان نبض الجماهير، والشعب يريد إكمال الثورة، وسنفرض مطالبنا على المجلس العسكري كما فرضناها على مبارك

دستور جديد، إنهاء الطوارئ، إطلاق الحريات، مجلس رئاسي مؤقت حتى إجراء الانتخابات.

ملحوظتان:

– يجب الفصل بين مطلبي تغيير الدستور وتغيير ترتيب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

– كما يجب عدم القلق من تغيير المادة الثانية في الدستور الجديد، فقد كانت المادة موجودة -بشكل مختلف- في دستور 23 بجهد عالم واحد، فما بالك بالصحوة الإسلامية الحالية؟ كما أنه حتى لو حدث إلغاؤها فإن رغبة الناس ستسود شئنا أم أبينا، ويكون علينا مشوار طويل شاق من العمل على إعادتها بشكل شعبي، وإن كان ليس من المتوقع إلغاؤها لأن هذا أمر يستفز عموم الناس.

وجزاكم الله خيرا (30 ).

—————

الهامش

1  الرابط

2  الرابط

3  نفس المصدر

4  الرابط

5  مسئول شباب الإخوان والعمل الإخواني بإحدى جامعات مصر، مقابلة أجراها الباحث يونيو 2017 ، الرسالة كاملة في الملحقات.

6  الرابط

7  الرابط

8  تظاهرات احتجاجية في 9 أكتوبر 2011 بسبب هدم كنيسة في أسوان واجهتها المؤسسة العسكرية بقوة وسقط فيها قتلى وجرحى.

9  تظاهرات احتجاجية بدأت في 19 نوفمبر 2011 بالقرب من مبنى وزارة الداخلية احتجاجا على الممارسات القمعية وفض اعتصام مصابي الثورة في ميدان التحرير بالقوة وشهدت قتلى وجرحى.

10  تظاهرات احتجاجية في 16 ديسمبر 2011 رافضة لتولى كمال الجنزوري رئاسة الحكومة، وشهدت صدامات دموية وسقوط قتلى وجرحى بسبب استخدام قوات الجيش للقوة.

11  بيان جماعة الإخوان المسلمين حول الإعلان الدستوري الصادر 13 فبراير 2011 ، الرابط

12  بيان جماعة الإخوان المسلمين الجيش والشعب يد واحدة، 9 أبريل 2011 ، الرابط

13  بيان جماعة الإخوان المسلمين بخصوص أحداث 19 نوفمبر 2011 ، الرابط

14  بيان جماعة الإخوان المسلمين حول أحداث 20 – 21 نوفمبر 2011 ، الرابط

15  بيان جماعة الإخوان المسلمين بخصوص أحداث مجلس الوزراء 17 ديسمبر 2011 ، الرابط

16  بيان جماعة الإخوان المسلمين بخصوص أحداث مجلس الشعب، 31 يناير 2012، الرابط

17  الرابط

18  مسئول العمل العام لشباب الإخوان بجامعة الأزهر- عام 2012 – ، مقابلة أجراها الباحث يونيو 2017 .

19  مسئول اللجان الفنية لشباب الإخوان بجامعة الإسكندرية -عام 2011 -، مقابلة أجراها الباحث يونيو 2017 .

20  مسئول شباب الإخوان والعمل الإخواني بجامعة الإسكندرية -عام 2012 – ومسئول الملف الإعلامي-عام 2011 -، مقابلة أجراها الباحث يونيو 2017 .

21  مشرف تربوي لطلاب الإخوان بكلية الهندسة والجامعات الخاصة في جامعة المنصورة، مقابلة أجراها الباحث، يونيو 2017 .

22  مسئول شباب الإخوان والعمل الإخواني بجامعة المنصورة في حواره بينه وبين أحد أعضاء مكتب الإرشاد في نوفمبر 2011 ، مقابلة أجراها الباحث، يونيو 2017 .

23  مسئول العمل الإخواني الطلابي بكلية الصيدلة جامعة المنصورة – عام 2011 – مقابلة أجراها الباحث يونيو 2017 .

24  مسئول العمل العام لشباب الإخوان بجامعة الأزهر- عام 2012 – ، مقابلة أجراها الباحث يونيو 2017 .

25  تصريح لأحد شباب الإخوان، المصري اليوم، 23 نوفمبر 2011 ، https://goo.gl/whXZpn

26  مشرف تربوي لطلاب الإخوان بكلية الصيدلة جامعة المنصورة، مقابلة أجراها الباحث، يونيو 2017 .

27  http://www.aljazeera.net/news/arabic/2012/4/1/خيرت-الشاطر-مرشح-الإخوان-لرئاسة-مصر.

28  بيان جماعة الإخوان المسلمين، 4 فبراير 2011 ، الرابط

29  الرابط

30 الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close