ترجمات

صعود الأوتوقراطية ونهاية الديمقراطية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

إعداد: ياسشا مونك وروبرتو ستيفان فوا – تقديم وترجمة: عادل رفيق

نشرت مجلة فورين أفيرز عدد مايو/ يونيو 2018 دراسة بعنوان: “نهاية قرن الديمقراطية”، قام بها ياسشا مونك وروبرتو ستيفان فوا، تنبأت فيه بأفول نجم الديمقراطية الغربية.. وخلصت إلى أن “القرن الطويل الذي هيمنت فيه الديمقراطيات الليبرالية الغربية على الكرة الأرضية قد انتهى إلى الأبد”. وكان تقرير نشرته مؤسسة بيت الحرية (فريدم هاوس) الأمريكية، في أوائل عام 2017 بعنوان “الحرية في العالم 2017: استمرار تراجع الحريات وسط تزايد النزعة الشعبوية والاستبداد” قد كشف عن تراجع ملحوظ في معدل الحريات حول العالم خلال العقد الأخير. ويقول آرت بودينجتون، أحد الذين شاركوا في إعداد هذا التقرير، “إننا نرى بوضوح كيف أن القادة والأمم يسعون لتحقيق مصالحهم الضيقة على حساب المصالح المشتركة في تحقيق السلام والحرية على مستوى العالم. وتسارعت وتيرة هذه التوجهات حتى بدأت بالفعل تنقض غزل النظام الدولي الذي ساد خلال ربع القرن الماضي من بعد قوة أنكاثاً، بما في ذلك الاحترام العام للمعايير الراسخة للحريات الأساسية والديمقراطية”. ويواصل بادينجتون القول بأنه “بينما شهد العالم خلال السنوات الماضية تدهوراً كبيراً في مستوى الحرية لدى الأنظمة الأوتوقراطية والديكتاتوريات، ففي عام 2016 تصدرت أنظمة ديمقراطية راسخة قائمة الدول التي تعاني من انتكاسات في مجال الحريات”. كما شهد العالم كذلك ما آل إليه حال “الربيع العربي” من فشل ذريع، والعودة المؤسفة لروسيا ودول أخرى في الاتحاد السوفييتي السابق إلى ممارسة الديكتاتورية. وبالإضافة لما سبق، يتزايد صعود الأحزاب الشعوبية غير الليبرالية في أوروبا، وتتنامى من جديد نزعة قوموية غاضبة في الولايات المتحدة. وإذا أخذنا كل هذا في الاعتبار، فمن الصعب ألا يقودنا ذلك إلى إدراك حقيقة واحدة مفادها أن الديمقراطية الآن في مهب الريح، وذلك على أقل تقدير”.

ونظراً لأهمية الدراسة التي نشرتها فورين أفيرز، وفي إطار نقل المعارف مع حفظ الحقوق الفكرية، فقد قام المعهد المصري للدراسات بترجمتها كاملة، وذلك على النحو التالي:

صعود الأوتوقراطية على مستوى العالم

عندما كانت الحرب العالمية الثانية على أشدها، قال هنري لوس، مؤسس مجلة تايم، أن القرن العشرين سيُصبح “القرن الأمريكي” بلا منازع، لما حازته الولايات المتحدة حينئذٍ من الثروة والقوة. وقد أثبتت الأيام صدق نبوءته؛ فعلى الرغم من أن ألمانيا النازية، وبعدها الاتحاد السوفييتي، قد نازعتا الولايات المتحدة السيادة، فإنها تغلبت على جميع خصومها. ومع مطلع الألفية، أصبح وضعها، كأقوى دولة في العالم وأكثرها نفوذاً، لا ينازعها فيه أحد. وترتب على هذه الهيمنة بالضرورة قيام الولايات المتحدة بنشر نظامها السياسي على مستوى العالم، وهو “الديمقراطية الليبرالية”.

وقد أدى ازدهار الديمقراطية في جميع أنحاء العالم إلى إغراء البعض بأن ينسب انتشارها إلى إقبال الشعوب عليها للجذب الذي تمثله الديمقراطية في ذاتها. فإذا أبدى المواطنون في الهند أو إيطاليا أو فنزويلا إخلاصاً لنظامهم السياسي، فلابد أن ذلك يرجع إلى تنامي التزام عميق لديهم بمراعاة حقوق الأفراد وحق تقرير المصير للشعوب. وإذا ما شرع البولنديون والفلبينيون في التحول من الديكتاتورية إلى الديمقراطية، فإن ذلك بالتأكيد، من وجهة نظرهم، يعني أنهم كانوا يتشاركون في الرغبة الإنسانية العامة لتحقيق الديمقراطية الليبرالية.

لكن الأحداث التي وقعت خلال النصف الثاني من القرن العشرين تجعلنا نفسر هذه الظاهرة بطريقة مختلفة للغاية. فلم تكن معايير وقيم الديمقراطية الليبرالية فحسب هي ما جذب المواطنين إليها في جميع أنحاء العالم، لكنها ترجع كذلك إلى تقديمها لأبرز نموذج للنجاح الاقتصادي والجيوسياسي على وجه البسيطة. وقد تكون القيم المدنية قد لعبت دورها في تحويل قناعات مواطني الأنظمة السلطوية في السابق، حتى أصبحوا ديمقراطيين عن قناعة، لكن النمو الاقتصادي المذهل لأوروبا الغربية خلال خمسينيات وستينات القرن الماضي، والانتصارات التي حققتها الدول الديمقراطية في الحرب الباردة، بالإضافة إلى الهزيمة التي ألحقتها الديمقراطية بأعتى أعدائها من المنافسين الأوتوقراطيين – كانت بنفس القدر من الأهمية.

إن التركيز على الأسس المادية فقط لهيمنة الديمقراطية يطرح قصة النجاحات الكبرى للديمقراطية من زاوية مختلفة، كما أنه بالتأكيد يُغير الطريقة التي يمكن أن يفكر بها المرء حيال أزمة الديمقراطية الحالية. ومع تزايد فشل الديموقراطية الليبرالية في تحسين مستويات المعيشة لمواطنيها، ظهرت حركات شعبوية تنبذ الليبرالية وامتدت من بروكسل إلى برازيليا، ومن وارسو إلى واشنطن. وأصبح عدد مذهل من المواطنين لا يعطي أهمية كبيرة لقيمة العيش في دولة ديمقراطية: وبينما يقول ثلثا الأمريكيين – فوق سن 65 سنة – أنه من المهم جداً بالنسبة لهم أن يعيشوا تحت ظلال الديمقراطية، فهناك، على سبيل المثال، أقل من الثلث فقط ممن تقل أعمارهم عن 35 سنة من يقولون الشيء نفسه. بل هناك أقلية متصاعدة منفتحة حتى على البدائل الاستبدادية: فمنذ عام 1995 إلى عام 2017، زادت نسبة من يفضلون الحكم العسكري في فرنسا وألمانيا وإيطاليا بأكثر من ثلاثة أضعاف.

وكما تشير الانتخابات الأخيرة حول العالم، فإن هذه الآراء ليست مجرد اختيارات مجردة؛ فهي تعكس موجة عنيفة من المشاعر المعادية التي يمكن شحنها بسهولة من قبل المرشحين والأحزاب السياسية المتطرفة. ونتيجة لذلك، حقق كثير من الشعوبيين الاستبداديين الذين لا يحترمون أبسط القواعد الديمقراطية أو المعايير الأساسية للنظام الديمقراطي، تقدمًا سريعًا في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية على مدى العقدين الماضيين. وفي نفس الوقت، كان لبعض الحكام الاستبداديين الأقوياء دور هام في تراجع التقدم الديمقراطي في معظم دول آسيا وأوروبا الشرقية. هل يمكن أن تُعزى هذه التطورات غير المتوقعة إلى التغير في ميزان القوة الاقتصادية والعسكرية في العالم؟

يبدو أن هذا السؤال هو الأكثر إلحاحا اليوم في ظل قرب نهاية عصر الهيمنة طويلة الأمد للديمقراطيات الموحدة ذات الاقتصاديات المتقدمة التي يجمعها تحالف مشترك. فمنذ العقد الأخير من القرن التاسع عشر، كانت الديمقراطيات التي شكلت تحالف الغرب في الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي – وتشمل أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية وأستراليا واليابان ما بعد الحرب – تدير معظم دخل العالم. وفي أواخر القرن التاسع عشر، شكلت النظم الديمقراطية الراسخة مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة الجزء الأكبر من الناتج المحلي الإجمالي للعالم. أما في النصف الثاني من القرن العشرين، ومع اتساع النطاق الجغرافي للحكم الديمقراطي ليشمل اليابان وألمانيا في ظل التحالف الذي كانت تقوده الولايات المتحدة، أصبحت قوة هذا التحالف الديمقراطي الليبرالي أكثر هيمنة. أما في الوقت الحالي، وللمرة الأولى منذ أكثر من مائة عام، فقد انخفضت حصة هذا التحالف من الناتج المحلي الإجمالي للعالم إلى ما دون النصف. ووفقا لتوقعات صندوق النقد الدولي، فسوف تنخفض هذه النسبة إلى الثلث خلال السنوات العشر المقبلة.

وفي الوقت الذي تلاشت فيه هيمنة الديمقراطيات على مستوى العالم، ازدادت حصة الدول السلطوية في الناتج الاقتصادي بسرعة. ففي عام 1990، كانت الدول التي صنفتها مؤسسة فريدم هاوس على أنها “غير حرة” (وهي الفئة الأدنى، والتي لا تشمل الدول المصنفة “حرة جزئيًا” مثل سنغافورة) تمثل 12٪ فقط من الدخل العالمي. أما الآن، فهي تستحوذ على نسبة 33 %، مطابقة بذلك النسبة التي حققتها في أوائل 1930، خلال صعود الفاشية في أوروبا، ومتجاوزة في نفس الوقت لأقصى نسبة وصلت إليها إبان الحرب الباردة حيث كان الاتحاد السوفييتي في أوج قوته.

ونتيجة لذلك، فإن العالم على أبواب محطة هامة: فخلال السنوات الخمس المقبلة، ستتجاوز حصة تلك الدول – التي تعتبر “غير حرة”، مثل الصين وروسيا والسعودية – من الدخل العالمي النسبة التي تسيطر عليها النظم الديمقراطية الليبرالية الغربية. ففي غضون ربع قرن فقط، انتقلت الديمقراطيات الليبرالية من وضع “القوة الاقتصادية غير المسبوقة” إلى وضع “الضعف الاقتصادي الذي لم يسبق له مثيل”.

ويبدو أن الاحتمالات تتضاءل في أن تتمكن بلدان أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية، التي كانت تشكل المعقل التقليدي للديمقراطية الليبرالية، من استعادة سيطرتها السابقة، في ظل انحصار نظمها الديمقراطية في الداخل واستمرار انكماش الحصة التي تهيمن عليها من الاقتصاد العالمي. لذا فإن المستقبل يشي بأن هناك سيناريوهين واقعيين يمكن حدوثهما: إما أن تتحول بعض أقوى الدول الاستبدادية في العالم إلى الديمقراطية الليبرالية، أو أن تبقى الهيمنة الديمقراطية – التي كان من المخطط لها أن تستمر طويلاً – لمرحلة انتقالية فقط قبل الدخول إلى عهد جديد من التدافع بين النظم السياسية المتصارعة.

نفوذ الثروة

من بين أهم الوسائل التي يمكن أن يؤدي عن طريقها الازدهار الاقتصادي إلى إكساب الدول القوة والنفوذ هو خلق جو من الاستقرار داخل البلاد. وكما أوضح آدم برزورسكي وفيرناندو ليمونجي، من علماء السياسة، فإن الأنظمة الديمقراطية الفقيرة غالباً ما يكون مصيرها الانهيار. أما الديمقراطيات الثرية فقط – تلك التي يربو فيها نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي على 14000 دولار، وفقاً لما توصلا إليه من نتائج – فهي التي يمكنها أن تبقى في أمان تام بمعزل عن أي مخاطر: فمنذ تشكيل تحالف ما بعد الحرب الذي جمع بين الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا الغربية، لم تشهد أي دولة عضو في التحالف انهياراً للحكم الديمقراطي فيها.

وتوفر القوة الاقتصادية – بالإضافة إلى الحفاظ على استقرار الأنظمة الديمقراطية – عدداً من الأدوات التي يمكن أن تستخدمها هذه الأنظمة للتأثير على الدول الأخرى. ويُعد النفوذ الثقافي من أهم هذه الأدوات: فعندما كانت الديمقراطية الليبرالية الغربية في أوج ازدهارها، كانت الولايات المتحدة – وكذلك أوروبا الغربية بدرجة أقل – موطنا لأكثر الكتاب والموسيقيين شهرة في العالم، وأكثر البرامج التلفزيونية والأفلام مشاهدة، وأكثر الصناعات تقدما، وأعرق الجامعات. وخلال تسعينات القرن الماضي، تمثلت كل هذه الأشياء في أذهان كثير من الشباب في أفريقيا أو آسيا وكأنها شيء واحد: فمع تطلعهم أن ينهلوا من ثروات الغرب المتضخمة، توفرت لديهم الرغبة في تبني أسلوب الحياة الغربية، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى استنساخ النظام السياسي الغربي.

هذا المزيج من القوة الاقتصادية والمكانة الثقافية سهّل بسط النفوذ السياسي إلى درجة كبيرة. فعندما بدأ بث مسلسل دالاس الأمريكي في الاتحاد السوفيتي في ثمانينيات القرن الماضي، على سبيل المثال، فمن الطبيعي أن المواطنين السوفييت كانوا يقارنون بين الثروة الضخمة لسكان الأحياء الراقية في الولايات المتحدة وبين الحرمان المادي الذي يعيشون فيه، ويتساءلون عن سبب التراجع الكبير لنظامهم الاقتصادي. وكان لاري هاجمان، أحد نجوم المسلسل البارزين، بعد ذلك بسنوات يتباهى قائلاً: “لقد كنا مسؤولين بشكل مباشر أو غير مباشر عن سقوط الإمبراطورية [السوفيتية].” وأضاف إنه لا يعزي الأمر إلى “تطلع للمثالية من جانب المواطنين السوفييت، ولكنه كان جشعاُ من الطراز القديم لديهم، وهو الذي دفعهم إلى الشك في سلطة بلادهم.”

وتستطيع الديمقراطيات الغربية بتفوقها الاقتصادي أن تتخذ مواقف أكثر خشونة، كأن تؤثر على الأحداث السياسية في الدول الأخرى عن طريق إطلاق الوعود بإدراج هذه الدول في النظام الاقتصادي العالمي أو من خلال التهديد باستبعادها منه. ففي تسعينيات القرن العشرين وخلال العقد الأول من هذا القرن، مثَّل احتمال الانضمام إلى منظمات مثل الاتحاد الأوروبي ومنظمة التجارة العالمية حوافز قوية للإصلاحات الديمقراطية في أوروبا الشرقية وتركيا وأجزاء من آسيا، بما في ذلك تايلاند وكوريا الجنوبية. وفي نفس الوقت، ساعدت العقوبات الغربية – التي حرمت بعض الدول من الاستفادة من الاقتصاد العالمي – في احتواء الرئيس العراقي صدام حسين خلال السنوات التي أعقبت حرب الخليج، وفي سقوط الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش بعد الحرب في كوسوفو، حسب زعم البعض.

وأخيراً، فإنه يمكن تحويل القوة الاقتصادية بسهولة إلى قوة عسكرية. وقد أدى هذا أيضا إلى تعزيز موقف الديمقراطيات الليبرالية كثيراً على مستوى العالم، وضمن كذلك عدم تمكن الدول الأخرى من إسقاط الأنظمة الديمقراطية بالقوة، ورفع من شأن الشرعية المحلية لهذه الأنظمة من خلال جعل اللجوء لاستخدام القوة العسكرية أمراً نادراً. وفي الوقت نفسه، شجع ذلك على نشر الديمقراطية من خلال النفوذ الدبلوماسي، والبقاء في حالة تأهب دائم على الأرض. وقد تأثرت الدول التي كانت تقع جغرافياً بين قوة ديمقراطية كبرى وقوة سلطوية رئيسية، مثل بولندا وأوكرانيا – بشكل كبير بالمزايا المادية والعسكرية الكبيرة التي كان يوفرها التحالف مع الغرب. وقامت المستعمرات السابقة بتقليد الأنظمة السياسية لحكامهم السابقين بعد أن حصلوا على الاستقلال، مما نتج عنه انتشار الديمقراطيات البرلمانية من جزر الكاريبي إلى مرتفعات شرق إفريقيا. وفي حالتين كبيرتين على الأقل – ألمانيا واليابان – مهد الاحتلال العسكري الغربي الطريق أمام إدخال دستور ديمقراطي نموذجي.

باختصار، لا يمكن أن نفهم قصة القرن الديمقراطي دون أن ننظر بجدية إلى الدور الذي لعبته القوة الاقتصادية في نشر قيم الديمقراطية الليبرالية حول العالم. وهذا يعني أيضا أنه من المستحيل إجراء قراءات مستنيرة بشأن مستقبل الديمقراطية الليبرالية دون التفكير جدياً في الآثار التي قد يحدثها التناقص النسبي المتوقع لقوة الحلف الديمقراطي الاقتصادية خلال السنوات والعقود القادمة.

مخاطر التدهور

يبدو للوهلة الأولى أن فرضية “الثراء يولّد الاستقرار” تبشر بمستقبل جيد لأمريكا الشمالية وأوروبا الغربية، حيث كانت ولا زالت مؤسسات الديمقراطية الليبرالية هي الأكثر رسوخاً. وحتى في حال هبوط معدلات قوتها نسبياً، فمن غير المرجح أن ينخفض ​​المستوى المطلق للثروة في كندا أو فرنسا على سبيل المثال إلى ما دون العتبة التي تتجه فيها الديمقراطيات إلى الفشل. لكن يبقى القول بأن مستوى الثروة قد يكون مجرد سمة واحدة من السمات الاقتصادية العديدة التي أبقت الأنظمة الديمقراطية الغربية مستقرة بعد الحرب العالمية الثانية. وبالفعل، فإن هناك ثلاث سمات اقتصادية أخرى كانت تتوفر في الديمقراطيات المستقرة في تلك الحقبة، وهو ما قد يساعد على تفسير نجاحها في الماضي، وهي: المساواة النسبية بين الأفراد، والدخول سريعة النمو لمعظم المواطنين، وحقيقة أن الأنظمة الأوتوقراطية كانت أقل ثراء عن الأنظمة الديمقراطية بشكل ملحوظ.

وقد بدأت كل هذه السمات تتآكل في السنوات الأخيرة. ولنأخذ ما حدث في الولايات المتحدة على سبيل المثال: ففي السبعينيات من القرن الماضي، كان أصحاب الدخل الأعلى، الذين لا يتجاوزون نسبة واحد في المائة من السكان، يحصدون ثمانية في المائة من الدخل قبل الضريبة؛ أما الآن، فهم يستحوذون على أكثر من 20 بالمائة من الدخل. وخلال معظم القرن العشرين، تضاعفت الأجور تقريباً من جيل إلى جيل لتعويض نسبة التضخم؛ بينما ظلت الأجور ثابتة خلال الثلاثين سنة الماضية. وظل الاقتصاد الأمريكي طوال فترة الحرب الباردة متفوقاً على اقتصاد الاتحاد السوفييتي بنسبة الضعفين أو الثلاثة أضعاف، بينما هو الآن يقل عن اقتصاد الصين بنسبة السدس.

تُعتبر قدرة الأنظمة الأوتوقراطية على منافسة الأداء الاقتصادي للأنظمة الديمقراطية الليبرالية تطوراً جديداً ومهماً للغاية. فبينما تمكنت الشيوعية وهي في ذروة نفوذها من منافسة الديمقراطية الليبرالية أيدولوجياً في أجزاء كبيرة من الدول النامية، فهي في الوقت نفسه، لم تستطع تقديم بديل اقتصادي قوي مقابل الرأسمالية. في الحقيقة، لم تتجاوز حصة الاتحاد السوفيتي والدول التابعة له في ناتج الدخل العالمي حد الـ 13 في المائة على أقصى تقدير في منتصف الخمسينات، ثم انخفضت بشكل مطرد على مدى العقود التالية؛ ووصلت إلى عشرة في المائة فقط في عام 1989. وكذلك لم تستطع الدول الشيوعية أن توفر لمواطنيها أسلوب حياة مريح ينافس أسلوب الحياة في الغرب الرأسمالي. ففي الفترة من 1950 إلى 1989، انخفض نصيب الفرد من الدخل في الاتحاد السوفييتي من ثلثي مستوى الدخل في أوروبا الغربية إلى أقل من النصف. وكما قال الكاتب الألماني هانز ماجنوس إنزنسبيرجر، في تلاعب واضح بعنوان مقال كتبه لينين، “إن اشتراكية الاتحاد السوفيتي كانت تمثل [أرقى مراحل التخلف]”.

قد تتعرض نظم جديدة تتبنى الرأسمالية الاستبدادية في نهاية المطاف إلى أشكال مشابهة من الركود الاقتصادي: لكن الرأسمالية الاستبدادية التي برزت في دول الخليج العربي وشرق آسيا – والتي تجمع بين الدولة القوية والأسواق الحرة نسبياً وحقوق الملكية المضمونة إلى حد معقول – تتميز بتقديم أداء (اقتصادي) جيد حتى الآن. ومن بين 15 دولة في العالم ذات أعلى دخل للفرد، نجد أن الثلثين منهم تقريبًا لأنظمة غير ديمقراطية. وحتى تلك الدول الاستبدادية غير الناجحة نسبيا، مثل إيران، وكازاخستان، وروسيا، فيمكنها أن تفخر بارتفاع نصيب الفرد فيها من الدخل إلى أكثر من 20 ألف دولار. أما الصين، التي كان دخل الفرد فيها منخفضاً إلى حد كبير حتى قبل عقدين من الزمن، فقد بدأت في اللحاق بالركب بسرعة؛ فعلى الرغم من أن متوسط ​​الدخل في مناطقها الريفية لا يزال منخفضًا، إلا أن البلاد أثبتت قدرتها على توفير مستوى أعلى من الثروة لمواطنيها في المناطق الحضرية؛ حيث تضم المنطقة الساحلية في الصين الآن حوالي 420 مليون شخص، بمتوسط ​​دخل يبلغ 23000 دولاراً، وهو في تزايد مستمر. وبعبارة أخرى، فإن مئات الملايين من الصينيين يعيشون الآن في ظل ظروف يمكن أن نطلق عليها “الحداثة الاستبدادية”. وترى الدول الأقل ثراء في جميع أنحاء العالم، والتي تقلد الصين، أن هذا الازدهار الرائع للاقتصاد الصيني هو بمثابة شهادة على حقيقة أن الطريق إلى تحقيق الرخاء لم يعد بحاجة إلى خوض غمار الديمقراطية الليبرالية.

القوة الناعمة للاستبداد

كان من أبرز نتائج هذا التحول هو تحقيق درجة أكبر من الثقة في أيديولوجيات الأنظمة الأوتوقراطية – وعلاوة على ذلك، فقد تولدت الرغبة لدى هذه الأنظمة للتدخل في شؤون الديمقراطيات الغربية. وقد حازت محاولات روسيا للتأثير على الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016 على أكبر قدر من الاهتمام خلال العامين الماضيين. لكن تأثير روسيا على السياسة في جميع أنحاء أوروبا الغربية كان أكبر. ففي إيطاليا وفرنسا، على سبيل المثال، ساعدت روسيا في تمويل الأحزاب المتطرفة في كلا الاتجاهين من التوجهات السياسية على مدى عقود. وفي بلدان أوروبية أخرى، حققت روسيا نجاحاً ملحوظاً في تجنيد قادة سياسيين متقاعدين لممارسة الضغط نيابة عنها، بما في ذلك المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر والمستشار النمساوي السابق ألفريد جوسينباور.

والسؤال الكبير الآن هو: هل ستظل روسيا وحيدة في سعيها للتأثير على سياسات الأنظمة الديمقراطية الليبرالية؟ من المؤكد تقريباً أن الإجابة هي: لا.. فقد أثبتت حملاتها أن التدخل الخارجي من قبل القوى السلطوية في النظم الديمقراطية شديدة الانقسام داخلياً هو أمر سهل نسبياً وشديد الفاعلية، مما يجذب كثيراً أشباه روسيا من الأنظمة السلطوية لكي يحذوا حذوها. وتقوم الصين فعلياً بتكثيف الضغط الايديولوجي على مواطنيها في الخارج، وتأسيس معاهد الكونفوشيوسية (نسبة إلى كونفوشيوس، وهو الاسم الغربي لكونج تشيو، الفيلسوف الصيني المؤثر الذي عاش من 551 حتى 479 قبل الميلاد) ذات النفوذ في مراكز التعلم الرئيسية. وخلال العامين الماضيين، رفعت المملكة العربية السعودية بشكل كبير حجم المبالغ التي تدفعها لجماعات الضغط المسجلة في الولايات المتحدة، مما زاد عدد الوكلاء الأجانب المسجلين الذين يعملون لحسابها من 25 إلى 145.

وإذا كان تغير التوازن في القوة الاقتصادية والتكنولوجية بين الديمقراطيات الغربية والدول الاستبدادية يجعل الأولى أكثر عرضة للتدخل الخارجي، فإنه يجعل من السهل كثيراً على الأخيرة القيام بنشر قيمها. ويظهر صعود القوة الناعمة للدول الاستبدادية بالفعل في عدد كبير من المجالات، بما في ذلك الأوساط الأكاديمية، والثقافة الشعبية، والاستثمار الأجنبي، والمساعدات الإنمائية. فقبل ​​بضع سنوات، على سبيل المثال، كانت جميع الجامعات الرائدة في العالم موجودة في الأنظمة الديمقراطية الليبرالية، لكن الدول الاستبدادية بدأت مؤخراً في سد هذه الفجوة. ووفقًا لآخر استطلاع لـ “تايمز” للتعليم العالي، فإن 16 من أفضل 250 مؤسسة في العالم موجودة في نظم غير ديمقراطية، بما في ذلك الصين وروسيا والمملكة العربية السعودية وسنغافورة.

ربما يكون أهم شكل من أشكال القوة الاستبدادية الناعمة هو القدرة المتصاعدة للأنظمة الديكتاتورية على التقليل من حجم السيطرة التي كانت تتمتع بها الأنظمة الديمقراطية في السابق على نشر الأخبار وطرق استقائها. وفي حين لم يكن من الممكن أبداً أن تحلم صحيفة “برافدا” الناطقة باسم الاتحاد السوفيتي أن تجذب جمهوراً واسعاً في الولايات المتحدة، فإن المقاطع التي تنتجها اليوم القنوات الإخبارية التي تمولها الدول، بما في ذلك قناة الجزيرة في قطر، و (CCTV ) في الصين و (RT ) في روسيا، تجد الملايين من الأمريكيين يشاهدونها بانتظام. والنتيجة هي نهاية احتكار الغرب للرسالة الإعلامية، فضلاً عن إنهاء قدرته على المحافظة على مجتمع مدني لا تؤثر فيه الحكومات الأجنبية.

هل هي بداية النهاية؟

خلال فترة طويلة من الاستقرار الديمقراطي، كانت الولايات المتحدة هي القوة العظمى المهيمنة: ثقافياً واقتصادياً. بينما كانت الدول الاستبدادية المنافسة، مثل الاتحاد السوفيتي، قد فقدت مصداقيتها أيديولوجياً، في ظل الركود اقتصادي الذي كانت تعيش فيه. ونتيجة لذلك، أصبحت الديمقراطية لا تُعطي فقط وعوداً بدرجة أكبر من الحرية الفردية وتقرير المصير الجماعي، بل كانت أيضاً تبعث الأمل في معيشة أكثر ثراء. ولم يكن من المفترض فقط أن تبقى الديمقراطية آمنة في معاقلها التقليدية – طالما ظلت تلك الظروف قائمة – بل كانت هناك أيضاً أسباب معقولة للتطلع إلى تحول عدد كبير من الدول الأوتوقراطية إلى صف الدول الديمقراطية.

لكن الفترة الطويلة التي ظلت فيها الديمقراطيات الليبرالية الغربية هي الأقوى ثقافياً واقتصادياً على مستوى العالم تكاد تقترب الآن من نهايتها. ففي الوقت الذي ظهرت فيه مؤشرات قوية على تآكل المؤسسات في الدول الديمقراطية الليبرالية، بدأ الشعبويون الاستبداديون في تطوير بديل أيديولوجي عبر شكل “ديمقراطية غير ليبرالية”، وأصبح بعض الحكام المستبدين يقدمون لمواطنيهم مستويات معيشية تُنافس بشكل كبير المستويات المعيشية في أغنى الدول الغربية.

قد يكون من الطبيعي أن نتطلع إلى أن تستعيد الديمقراطيات الليبرالية الغربية هيمنتها. لكن أهم الطرق التي تقود إلى تحقيق هذه الغاية هو المسار الاقتصادي بلا منازع؛ حيث من الممكن أن يكون النجاحات الاقتصادية الأخيرة للدول الاستبدادية قصيرة الأجل: فلا تزال روسيا والمملكة العربية السعودية تعتمدان بشكل مفرط على النفط كمصدر للدخل. أما النمو الاقتصادي الأخير في الصين فقد اعتمد بشكل كبير على الديون المتصاعدة، والتركيبة السكانية المواتية؛ وقد ينتهي الأمر إلى صعوبة الحفاظ على هذا النمو بمجرد أن تُضطر الدولة إلى التحرك للتخلص من ديونها، بالإضافة إلى الآثار الناجمة عن ارتفاع معدلات الشيخوخة في البلاد. وفي نفس الوقت، فإذا كانت هناك إمكانية لتحسن أداء اقتصادات الدول الغربية المتقدمة، وتلاشي الآثار المتبقية للركود الكبير، وعودة الاقتصادات الأوروبية والأمريكية الشمالية إلى الحياة، فإن معاقل الديمقراطية الليبرالية قد تتفوق مرة أخرى على الأنظمة الاستبدادية الحديثة.

لذلك ينبغي أن تؤخذ التوقعات حول سرعة تحول ميزان القوى بين الدول الديمقراطية والاستبدادية بقدر كبير من الحذر. ومع ذلك، فإن مجرد إلقاء نظرة خاطفة على معدلات نمو إجمالي الناتج المحلي الغربي خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية ستُظهر أنه بسبب التراجع الديموجرافي وانخفاض نمو الإنتاجية، كانت الاقتصادات الغربية تعاني من الركود قبل الأزمة المالية بزمن طويل. وفي الوقت نفسه، لا تزال الصين والعديد من الاقتصادات الناشئة الأخرى تحظى بمساحات نمو ضخمة يُتوقع أن تشهد تطورًا كبيراً، الأمر الذي يوحي بأن هذه الدول يمكنها الاستمرار في تحقيق مكاسب كبيرة من خلال اتباع نفس نموذج النمو الحالي.

وهناك أمل آخر في أن تلعب الديمقراطيات الناشئة مثل البرازيل والهند وإندونيسيا دوراً أكثر نشاطاً في دعم تحالف الديمقراطيات الليبرالية ونشر قيمها حول العالم. لكن هذا يتطلب تغييرًا جذريًا في مسارها. وكما قال العالِم السياسي مارك بلاتنر، لم تفكر هذه الدول على مدار تاريخها في “الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية كمكون مهم في سياساتها الخارجية”. فبعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، على سبيل المثال، امتنعت البرازيل والهند وجنوب إفريقيا عن التصويت على قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة يدين هذه الخطوة. كما عارضت العقوبات التي كانت مقترحة ضد روسيا. ودعمت هذه الدول كذلك الأنظمة الاستبدادية في سعيها نحو تكريس دور أكبر للحكومات في وضع قوانين لتنظيم الإنترنت.

ومما يجعل الأمور أكثر سوءاً، أن الديمقراطيات الناشئة كانت تاريخياً أقل استقراراً من الديمقراطيات الراسخة في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية وأجزاء من شرق آسيا. وفي الحقيقة، يثير التراجع الديمقراطي الأخير في تركيا، وكذلك مؤشرات الانحراف عن الديمقراطية في الأرجنتين وإندونيسيا والمكسيك والفلبين، احتمالية أن تصبح بعض هذه الدول ديمقراطيات معيبة – أو أن تعود إلى حكم استبدادي مطلق – في العقود القادمة. وبدلاً من تعزيز القوى الديمقراطية المتآكلة أصلاً، فقد تختار بعض هذه الدول الوقوف إلى جانب القوى الاستبدادية.

إن عقد الآمال على احتمالية استعادة المجموعة الحالية من الدول الديمقراطية بطريقة ما موقعها العالمي السابق ربما يكون ضرباً من العبث. أما السيناريو الأكثر احتمالا فهو أن هذه الديمقراطيات سوف تبدو أقل جذباً لغيرها من الدول، حيث أنها لم تعد بنفس المستوى من الارتباط بالثروة والسلطة، وأنها لم تنجح حتى الآن في التصدي لتحدياتها.

ومع ذلك، فمن الممكن تصور أن يكون للمبادئ المحفزة للديمقراطية الليبرالية إمكانية جذب أكبر للمواطنين في الدول الاستبدادية حتى عندما يكون المستوى المعيشي لتلك الشعوب مساوياً للمستوى المعيشي في الدول الغربية. وفي حال قامت دول استبدادية كبيرة مثل إيران وروسيا والمملكة العربية السعودية بإصلاحات ديمقراطية، فإن ذلك سيعزز بشكل كبير القوة الكلية للنظم الديمقراطية. أما إذا كانت الصين هي من ستفعل ذلك، فإن مثل هذه الخطوة ستكون بمثابة الضربة القاضية لصعود النظم الأوتوقراطية.

وأخيراً، فإن هذه في الحقيقة طريقة أخرى للقول بأن القرن الطويل الذي هيمنت فيه الديمقراطيات الليبرالية الغربية على الكرة الأرضية قد انتهى إلى الأبد. والسؤال الوحيد المتبقي الآن هو: هل ستتمكن الديمقراطية من تخطى حدود الغرب الذي يُعتبر ركيزتها التقليدية الراسخة؟ وهو تحول من شأنه أن يهيئ الظروف لقرن ديمقراطي عالمي حقيقي أم هل ياتُرى ستبقى (الديمقراطية)، على أحسن تقدير، هي الشكل المستديم للحكم في جزء من العالم (الغرب) على الرغم من أنه يشهد الآن حالة من التراجع على المستوى الاقتصاديٍ والديموجرافي. (*).


(*) الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

المصدر
Foreign Affairs
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *