fbpx
تحليلاتقلم وميدان

صفقة الجزيرتين: التداعيات والدلالات الاستراتيجية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تتركز ردود الفعل حول “صفقة الجزيرتين” على أمرين: الأول يروجه النظام ويدافع به عن نفسه وهو أن الجزيرتين ملكية سعودية. الأمر الثاني: ينطلق منه هجوم ورفض المعارضين للاتفاقية (المجهولة حتى الآن) وهو المساس بالسيادة المصرية وسلامة أراضيها وطريقة صنع القرار وكيفية الإعلان عنه ومبررات دفاع الحكومة والخارجية ثم السيسي (13/ 4/ 2016) عنه.

وبغض النظر عن تفاصيل كل من الأمرين وحججه، والتي تمتلئ بها الساحات الإعلامية، إلا أنه رغم أهميتها وضرورتها إلا أن السؤال الواجب طرحه بقوة والتصدي له بطريقة مباشرة، لأنه يأتي متناثراً في أطروحات الفريق الثاني، فهو بمثابة الحاضر الغائب هو: ما الدلالة الاستراتيجية الإقليمية في خضم سياسات وخطابات إقليمية وعالمية حول “إعادة تشكيل أو تقسيم المنطقة؟ وينبثق عن هذا السؤال الرئيس منظومة من الأسئلة أكتفي الآن بطرحها، ولابد وأن تقدم الأيام التالية مؤشرات عن كيفية الإجابة عليها بصورة “دقيقة” استراتيجية، وليس تأويلية أو تلفيقية، ومن هذه الأسئلة ما يلي:

أولاً: ما تداعيات هذه الصفقة في حد ذاتها؟ وفي قلب منظومة نتائج الزيارة بالنسبة للاستراتيجية الإقليمية للدولتين، فإن النقلة النوعية لنتائج الزيارة التي يصور الطرفان حدوثها في العلاقات بين البلدين، ليست ذات أبعاد داخلية فقط وخاصة بالنسبة لمصر ولكن الأبعاد الإقليمية والعالمية لا تقل أهمية، فهل تتحرك مواقف الطرفان تجاه الصراعات الإقليمية والتسويات الجارية في ليبيا واليمن وسوريا والعراق نحو نقاط التقاء أم يتحرك الموقف السعودي نحو مواقف مصرية أو العكس صحيح؟ )مثلاً: وقف نايل سات بث قناة المنار، وتصريحات الجبير خلال زيارة الملك سلمان عن تجريم السعودية الإخوان بتهمة الإرهاب وعدم التعامل مع إخوان اليمن، وهل نجح الملك سلمان في تجسير الفجوة بين مصر وتركيا، وخاصة وقد كانت أنقرة الجهة الثانية مباشرة لسلمان بعد زيارته القاهرة؟ ولماذا؟ ألم تكن ثلاثية التحالف السني )السعودي التركي القطري( كافية؟

ثانياً: ما المردود العملي في شكل سياسات ومواقف محددة خلال الأسابيع التالية، التي تدخل فيها التسويات في اليمن وليبيا وسوريا مرحلة حرجة يرتهن بها الاستمرار أو الانقطاع؟ وهل تتراجع السعودية سلمان عن تحركاتها المنفردة والمبادرة تجاه اليمن، وسوريا بصفة خاصة، والتي أثارت التوتر في العلاقات المصرية السعودية )الإحجام المصري عن المشاركة بقوة في عاصفة الحزم، ومساندة السيسي لنظام الأسد(؟ ألم يعد النظام السعودي قادراً بمفرده على تحمل أعباء الدور القيادي الذي انتهجه، سواء ماليًا أو دبلوماسيًا؟ أم أن الغطاء الإسرائيلي الأمريكي لنظام السيسي (مهما رأينا أو سمعنا عن عدم رضاء أمريكي وعدم رضاء أوربي عن نظامه بصفة خاصة عن حالة حقوق الإنسان) يمارس تأثيره على حسابات السعودية سلمان الإقليمية في اتجاه معاكس لما كانت عليه منذ أكثر من عام؟ أولا ينعكس ذلك سلبًا بدوره على آفاق الدور التركي في مساندة الثورات، وخاصة وأن تركيا تعرضت ومازالت تتعرض بدورها لضغوط شديدة بورقة الأكراد وورقة داعش؟

ثالثاً: لماذا هذا التوقيت بالنسبة للسعودية؟ وما النتائج بالنسبة للالتزامات السعودية الإقليمية وخاصة في مواجهة إسرائيل؟ وما التداعيات بالنسبة لاتفاقية “كامب ديفيد” حيث إن الجزيرتين تقعان في المنطقة “ج”؟ وهل سيتم تعديل الاتفاقية؟ هل ستدخل فيها السعودية أم سيتم الاكتفاء بما أعلنت عنه السعودية عن التزامها بموقع الجزيرتين من الاتفاقية، وكذلك الاكتفاء بالتنسيق الرباعي، المصري السعودي الإسرائيلي الأمريكي، الذي وافق على نقل السيادة على الجزيرتين للسعودية، وذلك وفقًا لتصريح وزير الدفاع الإسرائيلي في نفس اليوم؟ وألا يتحقق مع هذا لإسرائيل خطوة نحو التطبيع مع السعودية، ولو من خلال مفاوضات غير مباشرة؟ وألا تسعى إسرائيل لذلك منذ زمن؟ وألا تتردد تحليلات عن التوافق الضمني في المصالح الآن بين السعودية واسرائيل في مواجهة إيران بعد الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب بقيادة أمريكية وما صاحبه من جفوة في العلاقات الأمريكية مع السعودية ومع إسرائيل، في ظل توالي التحليلات والتصريحات عن تراجع المنطقة وخاصة الخليج في قائمة أولويات السياسة الأمريكية المتجهة نحو آسيا؟

رابعاً: ألن تكون هذه فرصة لإجراء تعديل آخر بشأن القوات الدولية وبشأن ما يجري في شمال سيناء من تواجد عسكري مصري كثيف ومن تنسيق عسكري أمني وسياسي متنامي بين مصر واسرائيل جعل البعض يطلق عليه تحالفا استراتيجيًا غير مسبوق والعصر الذهبي للعلاقات المصرية الإسرائيلية؟ ولهذا واذا كانت مصر قد نسقت مع إسرائيل وتشاورت معها، ووفق التغيير في العقيدة العسكرية المصرية، العدو الأول في الداخل وهو الإرهاب، إذن أليس ومع هذا التغيير في المفهوم عن مصدر التهديد الأساسي يمكن القول إن الأهمية الاستراتيجية الأمنية للجزيرتين في الدفاع عن أمن مصر وخاصة في مواجهة إسرائيل، باعتبارها كانت العدو الأول في العقيدة العسكرية المصرية، قد انتهت وفق رؤية السيسي وعلى ضوء سياساته… مما يمكنه من التخلي عن الجزيرتين ليحقق  مآرب أخرى تجاه السعودية، وهي العون المالي والاقتصادي المُلح، واستمرار الإدانة السعودية للإخوان بالإرهاب وعدم الضغط من أجل مصالحة سياسية داخلية في مصر، كما كان يتردد منذ تولي الملك سلمان، وأخيراً التنسيق إقليميًا مع السعودية؟

خامساً: ألا تُعد صفقة الجزيرتين أول تعديل رسمي في الحدود في المنطقة في نفس الوقت الذي تدور الخطابات الرسمية وغير الرسمية، الإقليمية منها والعالمية، عن احتمالات وآفاق أو مخاطر وعواقب إعادة تقسيم، كاملة أو كامنة، في المنطقة عبر الحدود أو نطاق الدولة الواحدة (سوريا، اليمن، ليبيا، العراق)؟ وألا يتصل الأمر بتركيا وإيران وإسرائيل أيضًا؟ كما يقدم الكثير من الدلالات حول دور مصر الإقليمي الآن؟ ألا يمكن أن يكون هذا الترسيم سابقة يُعتد بها بل يحتج بها في حالات أخرى تنتظر فرض الحل أو الاتفاق من أعلى؟ وما الشكل العام للمنطقة في هذه الحالة من حيث توازنات القوى الإقليمية المتداعية على الأمة العربية، وخاصة من حيث انفتاح دول عربية أساسية، مثل السعودية، على إسرائيل، وهو ما يسعى إليه نظام السيسي بلا شك، وماذا عن مستقبل الدولة الفلسطينية )ولو في غزة فقط وبشروط على حماس( على ضوء التحليلات والتقارير عن صفقة يتم إعدادها منذ سنوات عن توسيع حدود غزة في سيناء بموافقة مصرية إسرائيلية أمريكية؟ وماذا عن الأكراد، و….؟

سؤال كبير ومنظومات للأسئلة الفرعية تحتاج لإجابات رشيدة ترصد، وتحلل، في إطار تصور استراتيجي متكامل، ماذا نواجه كشعوب وماذا علينا أن نفعل لنقاوم؟

وجميعها إجابات صعبة الآن ويزيد من صعوبتها ما تطرحه بشأن فهم حقيقة توجه واستراتيجية نظام 3 يوليو 2013 في مصر، فهذا المفتاح وهو المنطلق، ليس بالنسبة للشأن الداخلي المصري فقط، إجهاض ثورة 25 يناير، ولكن بالنسبة للسياق الإقليمي برمته، فهذا هو شأن تأثير مصر سلبًا أو إيجابًا على مستقبل التغيير في المنطقة، حرية – وحدة – استقلال أو العكس، وما كان مشهد صفقة الجزيرتين إلا ناقوسًا جديدًا يذكر بهذا الأمر.

إن نظام 3 يوليو ليس انقلابًا على ثورة مصر فقط، ولكن انقلابًا على كافة الثورات في المنطقة محليًا ا وقليميًا وعالميًا لإجهاض عملية التغيير الحقيقية التي بزغت منذ خمس سنوات لإجهاض مشروع الشرق الأوسط الكبير، وللأسف في بداية الانقلاب كان عتاة الانقلابين من الناصريين القوميين يزايدون في المقاربة بين السيسي وعبد الناصر باعتبارهما رموز الاستقلال ومقاومة المؤامرة الأمريكية الصهيونية.

إن تخاذل نظام 3 يوليو أمام قضايا استراتيجية مهمة من صميم الأمن القومي المصري مثل: أزمة سد النهضة الإثيوبي، وترسيم الحدود المصرية القبرصية اليونانية في البحر المتوسط، والإجراءات المصرية في شمال سيناء في رفح والعريش تحديدًا، والآن صفقة الجزيرتين، وجميعها مفاصل متراكمة عن تدشين مصر بنفسها وذاتها لخطط إعادة التشكيل والتقسيم في المنطقة وبرعاية إسرائيلية ومباركة أمريكية. فهل يكترس نظام يبيع حقوق وطنه السيادية وينتهك بنفسه وبطريقة انفرادية تسلطية سيادة وسلامة أراضي الوطن، هل يكترس بحال الأوطان العربية الأخرى ودولها، وحال شعوبها إلا بالقدر الذي يحفظ بقاءه في السلطة ويحفظ مصالحه المتحالفة والخادمة لمصالح الأعداء الحقيقيين لهذه الأوطان؟ الذين يراقبون مذابح شعوبنا بدم بارد ويتباكون على اللاجئين بدموع التماسيح ويتداعون على داعش ويتواطأون مع من لا يقل عنها إرهابًا، كنظم سوريا والعراق ومصر واليمن وليبيا المتحالفة ضد الثورات وحقوق الشعوب في التغيير من أجل العدالة والحرية والاستقلال والأمن والسلام.

أما آن أوان دق ناقوس خطر؟ أما آن أوان الآذان من أجل توافق وطني يعيد الحياة لمعنى الوطنية الحقيقي، المعنى الذي ابتذله الانقلابيون حين تباكوا على الوطن والدولة وهم يقتلون ويحرقون خصومهم السياسيين بذريعة الإرهاب وخيانة الوطن؟ والحمد لله وسبحان الله العظيم: فها هو مشهد صفقة الجزيرتين يكشف عورات وطنيتهم المزعومة ويكشف حقيقة هذا النظام(1).

—————————

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”، وتم نشر هذا المقال بالتنسيق مع مركز الحضارة للدراسات السياسية (مصر).

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close