fbpx
دراساتمجتمع

طبائع المصريين ـ الأصول والتطورات وعوامل التغير (1)

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مصر

مقدمة

من يسعى لقيادة الشعوب عليه أن يعرف نفسياتهم وطبائعهم. والغرب قبل أن يأتي لاحتلال بلاد المسلمين أرسل علماءه لدراسة بلادنا ومعرفة جوانب القوة والضعف فينا. وعندما توفرت لديهم المعلومات كانت جيوشهم قد استباحت ديارنا، وجثمت على صدورنا. وللأسف فإن الإسلاميين رغم أنهم يسعون لقيادة الشعوب العربية والإسلامية وحكم بلادهم، إلا أنهم لم يهتموا بدراسة طبائع الشعوب، فضلاً عن قراءة ما كُتب في هذا المجال. والطبائع منها المستقرة الثابتة، والمتغيرة المتبدلة.

والتبدل والتغير في الطبائع يعتمد على أحوال كثيرة، منها: تغير النشاطات الاجتماعية، والأنظمة السياسية، والهجرات الوافدة، والاحتلالات العسكرية، والغزو الثقافي، وتغير الهويات… إلخ. هي عوامل تؤثر في الشعوب وطبائعها.

والبحث عن الطبائع ورصدها ليست للتفتيش عن المعايب، أو لتضخيم الذات، بل لرسم خريطة ذهنية عن كيفية التعامل مع الشعوب، وكيفية الاستفادة القصوى من قدراتهم وتوظيفها التوظيف الأمثل.

وقد اهتم نفر من علماء الاجتماع بدراسة جوانب الشخصية المصرية، والسمات العامة التي تميزت بها، وهذه الدراسات قد غطت جانباً كبيراً وفترة زمنية ممتدة، لكن التطورات المتلاحقة ترغم الباحثين على إعادة النظر فيما تمت كتابته ونقده والإضافة عليه.

وزوايا النظر تختلف من باحث لآخر، والخلفية الفكرية تؤثر كذلك تأثيراً عظيماً في كيفية التناول.

لكن ضمّ تلك الأعمال بعضها إلى جانب بعض، والمقارنة بينها تضيء وتكشف عن جوانب خفية في الشخصية المصرية، أو من خلالها تُعرف جذور بعض الصفات فتعرف كيف تتعامل معها تقويماً أو استفادة أو تهذيباً.

إنه فرض على الساسة والدعاة أن يدرسوا أخلاق شعوبهم؛ حتى يكون التعامل معهم على بصيرة، فنرتقي من كيفية التعامل إلى فن التعامل.

والباحثون العرب مدعوون للكتابة عن شخصيات شعوبهم، وكيفية تكونها وانحرافاتها وتطوراتها وعوامل ثباتها وعوامل تغيرها…. إلخ.

فالشخصية السودانية على سبيل المثال تحتاج لمن يكتب عنها، وكذلك الجزائرية، والعراقية، واليمنية… إلخ. دراسات متعددة معمقة حتى يتم مل الفراغ الموجود في أمثال هذه الدراسات.

وفي هذا العمل عن الشخصية المصرية لم نألُ جهداً في الرجوع إلى المصادر التي تناولت تلك الشخصية، مع تقليب النظر ورصد الأحداث والتحركات والأفعال؛ فلم نكن حبيسي الكتب نأخذ منها ونمزج بينها، بل مزجنا ذلك بوجهة نظرنا، والتي قد نكون أصبنا في عرضها، وقد نكون أخطأنا.

جغرافيا مصر وشخصيتها

للجغرافية والبيئة تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على الإنسان في تفكيره وخياراته وسلوكياته وثقافته، وذهب البعض إلى تأثيرها في دينه ومذهبه.

فالبيئة الصحراوية -مثلاً- تطبع ساكنيها بطباع تختلف عن طباع أهل الوديان ومجاري الأنهار.

وساكنو الجبال لهم من الطباع ما يختلفون بها عن ساكني شواطئ البحار. ومن يعيش بين الحيوانات المستأنسة غير الذي يعيش بين وحوش البرّيّة.

فطبيعة الأرض والمناخ والموقع والموارد ركن أساسي في تشكيل شخصية الأفراد، وتحديد الخصائص النفسية والاجتماعية والسلوكية للسكان، وتكوين ثقافة المجتمعات، ورسم سياسات الدول، وصولاً إلى تفسير أنماط الحكم والإدارة.

لذا فإنه لا بد في البداية من أن نتكلم عن الموقع الجغرافي لمصر، ومعرفة حجم تأثيره على الشخصية المصرية.

فمصر بحكم موقعها الجغرافي المتوسط بين آسيا وإفريقيا، والقريب من أوروبا، لها عدة انتماءات جغرافية أثّرت على تكوين وتشكيل الشخصية المصرية.

يقول د. جمال حمدان عن جغرافية مصر وتأثرها بموقعها: “هي في قاع أوروبا أو عند نهايتها، وعلى قمة إفريقيا وعند بدايتها. هي إذن أول الجنوب وآخر الشمال، أو آخر الجنوب وأول الشمال، إنها تقع على قمة، وفي قلب (خط الاستواء البشري) في العالم. هذا بالعرض.

أما بالطول؛ فإنها تقع على خط الزوال العالمي أو الكوكبي نصّاً ورأساً، أي: في صميم منطقة الانتقال بين الشرق والغرب، والتي تنحصر كما رأينا بين البحر المتوسط والصحراء الكبرى.

إنها آخر الغرب وأول الشرق، مثلما هي آخر الشمال وأول الجنوب، أو آخر الشرق وأول الغرب مثلما هي آخر الجنوب وأول الشمال.

ذلك أن مصر -التي تصنف عادة في الشرق- تقف بقدميها في الشرق، ولكنها تواجه الغرب وتكاد تراه، وفي علاقاتها التاريخية مدت يداً إلى الشرق ويداً إلى الغرب، أو أحياناً يداً إلى الشمال وأخرى إلى الجنوب.

وهذه الوسطية الحضارية والتاريخية قد لا تخرجنا كلية من الشرق ولا تدخلنا بالطبع في الغرب، ولكنها تجعلنا كاللفانت[1]، والمغرب من أقل أجزاء الشرق الأدنى والأوسط شرقية ومن أكثرها غربية، تجعلنا في الشرق وبنفس الدرجة حلقة وصل بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب.

مصر إذن -بسهولة تامة، بل بسهولة محيرة مربكة- مجمع التقاء الشرق بالغرب عالميّاً، مثلما هي مجمع التقاء المشرق بالمغرب عربيّاً”[2].

ولا يخفى أن عُقدتنا من تقدِّم الغرب جعلتنا ننظر لأنفسنا بدونية، وللشرق عموماً، ونعظّم الغرب ونتمنى الانتماء إليه، وهذا لم يكن من قبل في هذه الأمة. يقول المسعودي: “وأما أهل الربع الشمالي، وهم الذين بعدت الشمس عن سمتهم من الواغلين في الشمال كالصقالبة والإفرنجة ومن جاورهم من الأمم، فإن سلطان الشمس ضعف عندهم؛ لبعدهم عنها فغلب على نواحيهم البرد والرطوبة وتواترت الثلوج عندهم والجليد، فقل مزاج الحرارة فيهم فعظمت أجسامهم وجفت طبائعهم وتوعرت أخلاقهم وتبلدت أفهامهم وثقلت ألسنتهم، وابيضت ألوانهم ورقت جلودهم وغلظت لحومهم، وازرقت أعينهم، ولم يكن في مذاهبهم متانة. وذلك لطباع البرد وعدم الحرارة، ومن كان منهم أوغل في الشمال فالغالب عليه الغباوة والجفاء والبهائمية”[3].

ونتيجة لذلك الموقع المشار إليه آنفاً كانت مصر نقطة التقاء للعديد من الحضارات، والتي ساهمت كل واحدة منها بجزء في عملية التكوين الحضاري الذي مرت به مصر خلال العصور المختلفة. وقد مرت مصر بالعديد من العصور الزاهرة، وعايشت حقباً من الاضمحلال والهبوط، وقد تركت كل حقبة وحضارة نشأت على أرض مصر أثراً وجزءاً في تكوين الشخصية المصرية.

يقول الدكتور ميلاد حنا عن الجغرافيا المصرية: “تنتمي مصر إلى مجموعة شعوب ودول حوض البحر الأبيض المتوسط جغرافيّاً وتاريخيّاً، وقد انعكس ذلك على كافة صور الحضارة، وعلى التركيبة النفسية للإنسان المصري، فوجد في نفسه تشابهاً مع كثير من شعوب البحر المتوسط، فمن يدرس بتمعن التركيبة النفسية وملابس وعادات أهالي الإسكندرية وبورسعيد ورشيد ودمياط يجد تشابهاً مع أهالي قبرص واليونان وتركيا وإيطاليا وغيرها، فضلاً عن بعض الدول العربية المطلة على البحر المتوسط، والتي تأثرت بحضارات البحر المتوسط كذلك. وإنني أرى في انتماء مصر إلى إفريقيا هو انتماء المستقبل لمصر.

وقد عبّر د. جمال حمدان عن ذلك فقال: فمصر إن تكن إفريقية بأرضها ومائها، إلا أنها قوقازية أوروبية بجنسها ودمائها، والمصريون بهذا المعنى أنصاف أو أشباه أوروبيين. هي إذن قطعة من إفريقيا، غير أنها إلى ذلك آسيوية التوجه والتاريخ والتأثير والمصير، إنها بآسيا وإليها. وفي المحصلة الصافية فإن مصر نصف أوروبية، ثلث آسيوية، سدس إفريقية، وفي داخلها تبدأ أوروبا عند الإسكندرية، وآسيا عند القاهرة، وإفريقيا عند أسوان”[4]. وبالطبع فإن المتحدث عن شخصية مصر ينطلق -في الغالب- من رؤيته وفكره وأيديولوجيته التي يعتنقها، ويحاول توظيف هذه الرؤية عند الحديث عن الشخصية، وإسقاطها من خلال توجيهه لبعض السمات التي يراها، أو يحاول إظهارها وتسليط الضوء عليها.

الكثافة السكانية في مصر: أزمة حقيقية أم مفتعلة؟

من الأهمية بمكان -وقبل المضي قدماً في بحثنا- إلقاء نظرة سريعة على السكان في مصر من ناحية العدد والتوزيع؛ لما لذلك من أهمية في فهم نشوء عدد من الظواهر -لم تكن موجودة من قبل 1952 بهذا الشكل- وتمكنها من الشخصية المصرية خاصة في منتصف القرن الماضي.

وترجع تلك التأثيرات إلى زيادة عدد السكان بشكل كبير، مع عدم القيام بما يلزم لتلك الزيادة من جانب الدولة متمثلاً في عملية استصلاح الأراضي الزراعية، والتوسع العمراني بما يتواءم مع الوضع الجديد.

“يعيش المصريون على مساحة قدرها مليون كيلو متر مربع بكثافة سكانية قدرها 89.2 لكل كيلو متر مربع كما ورد في تقرير سنة 2016، واحتلت مصر المرتبة 115 من حيث الكثافة السكانية على الرغم من حقيقة مفادها أن المصريين يعيشون على قرابة 8٪ من إجمالي مساحة مصر، وتتركز المناطق السكنية حول ضفاف نهر النيل من الجنوب إلى الشمال.

وفي ضوء هذا التركز السكاني بهذه المنطقة الضيقة، تعد الكثافة السكانية عالية للغاية في المناطق المأهولة بالسكان. ارتفعت الكثافة السكانية سنة 2016م لتصل إلى 1136.5 شخص لكل كيلو متر مربع تقريباً، وذلك بعد أن أخذنا المناطق المأهولة فقط في الحسبان. وبناء على ذلك انتقلت مصر من المرتبة 115 إلى المرتبة 114 على الصعيد العالمي من حيث الكثافة السكانية. ويمكن ربط الكثافة السكانية بتدني المستويات المعيشية وتدني جودة الخدمات المقدمة خاصة إن كانت تلك المدن تعاني من فقر البنى التحتية”[5].

وأرى أن الدولة من قديم لها رغبة في هذا التركز في وادي النيل؛ حتى تكون القبضة الأمنية مُحكمة على الشعب، وأن يكون الشعب تحت سمعها وبصرها. ويلاحظ أن القبضة الأمنية للدولة في الأطراف ضعيفة ورخوة؛ فقوة الدولة -مثلاً- في سيناء -وهي البوابة الشرقية- ليست كقوتها في الوجه البحري، وكذا الحال في الحدود الغربية والجنوب.

حتى عندما تُظهر الدولة أنها تحاول معالجة هذه الكثافة العالية فإنها لا تتوسع أفقيّاً في الظهير الصحراوي، وتجعل الفرد من أفراد الشعب من يمتلك الأراضي التي يمكنه البناء عليها، ومن خلالها يؤمن له ولأسرته ولأولاده من بعده مسكناً واسعاً مريحاً.

ولكنها تتوسع رأسيّاً؛ فتبني العمارات المتعددة الطوابق ذات الشقق الضيقة، فيكون الشعب تحت عينها، فلا يمكنه الفرار منها عند طلبه وملاحقته؛ فبيته معلوم المداخل والمخارج. لكنه إن بنى على الأرض بغير مشاركة أحد فقد يجعل لبيته مداخل ومخارج سرية، فلا تتمكن منه الدولة حين طلبها له. وهذه المساكن الضيقة لا تعالج المشكلة كليّاً، بل تظل المشكلة قائمة؛ إذ إن الأولاد يحتاجون لمساكن مستقلة لإنشاء وبناء أسر جديدة لهم. فيظل الشعب في ضيق، وتحت عين الدولة، وفي قبضتها.

تضاعف عدد السكان وتأثيره على الشخصية المصرية

إن الدولة لا تنظر بعين الرضا لهذا الكنز وتلك الثروة البشرية، بل تعتبرها معوقاً عظيماً من معوقات التنمية، وتعلق على الزيادة السكانية فشلها الاقتصادي والاجتماعي.

وتفاقمت تلك الأزمة لعدم قيام الدولة بدورها من استصلاح أراض زراعية تتناسب مع الزيادة، والتوسع في الظهير الصحراوي وإعمار سيناء، وعدم توفير المساكن التي تستوعب الزيادة السكانية.

وقد “تضاعف معدل تعداد سكان مصر خلال الفترة من عام 1897 إلى 2015 تسع مرات، وخلال الخمسين سنة الأولى من القرن الماضي، تضاعف عدد السكان في مصر، وعلى أية حال، فقد تضاعف تعداد سكان مصر خمس مرات خلال الفترة الأخيرة من سنة 1947م إلى سنة 2015 وهو نفس معدل الزيادة الذي بدأت به مصر في بدايات خمسينيات القرن الماضي”[6].

والمصريون يشكّلون ثلث العرب، وهذه قوة عظيمة إن أُحسن استغلالها والاستفادة منها؛ فالدول لكي تكون عظمى تحتاج إلى قوة بشرية عظيمة، ومساحة كبيرة شاسعة، وموارد متوفرة.

وهذا كله متحقق في مصر ليجعلها قوة إقليمية يُعمل لها ألف حساب.

لكن الدولة حشرت الشعب في مساحات ضيقة، ولم تجعل له متنفساً، وضيّقت عليه الأرزاق، كل ذلك وغيره تولّد عنه أخلاق ذميمة، وتزداد هذه الأخلاق سوءاً في الأماكن العشوائية الفوضوية، حتى إنه يمكن أن نسميها: أخلاق العشوائيات.

يقول د. محمد المهدي أستاذ الطب النفسي: “أدى الزحام الشديد في المدن والقرى إلى الإحساس بالضيق والاختناق والحرارة الزائدة خاصة في الصيف، إضافة إلى ارتفاع معدلات التلوث السمعي والبصري، كل ذلك أدى إلى تنامي حالة من العصبية وسرعة الاستثارة والعدوان لدى المصريين بشكل لم يكن معهوداً من قبل”[7].

التركيبة الإثنية للشعب المصري

لمصر حالة فريدة من التركيبة العرقية قد لا تجد لها نظيراً في أي مكان آخر في العالم، فرغم تعدد تركيبتها الإثنية والعرقية، إلا أنها في النهاية تذوب جميعاً وتنصهر في بوتقة واحدة، وتصب في قالب يخرج لنا ما قد نصطلح عليه “المواطن المصري” المنفرد بملامحه المعهودة، وبشرته المعروفة، وطباعه المشتهرة. ولعل هذا ما دعا بعض أهل العلم إلى القول: “لم يبق من العجم أمة إلا وقد اختلطت بغيرها إلا قبط مصر”[8].

وقد بدأ تكوّن الركيزة الأساسية للبنية المصرية منذ آلاف السنين، ولم يعترها تغيير حاد انحرف بها عما بدأته.

فقد توافد على مصر طوال عصورها التاريخية غزوات متعددة وهجرات وافدة، منها على سبيل المثال الغزوات الآسيوية (الهكسوس – الفرس)، والغزوات الأوروبية (اليونان – الرومان)، ثم جاء الفتح الإسلامي فدخل العرب المسلمون.

وقد هاجر إلى مصر كثير من الأعراق واستوطنوها، مثل: الأتراك والشركس والسودان والأرمن، وقد كانت هناك هجرات أندلسية قبل وبعد سقوط غرناطة 1492 ميلاديّاً… إلخ. وقد كان فيها اليهود الذين استوطنوها فترة طويلة حتى خرجوا في القرن الماضي وذهبوا إلى الكيان الإسرائيلي.

وكانت هناك هجرات داخلية؛ إذ لم تكن هناك فكرة الحدود بين بلاد المسلمين؛ فكانت هناك هجرات من الجزيرة العربية، ومن بلاد الشام، وبلاد المغرب العربي.

كل تلك الغزوات والهجرات شاركت في تشكيل البنية السكانية للشعب المصري، مع التذكير بوجود شعب أصلي (الفراعنة) استوطن مصر منذ عصور سحيقة.

لكن الملاحظ أن أهم تلك الهجرات أو الغزوات التي كان لها الأثر الأكبر هو الفتح الإسلامي، الذي ساهم في تغيير النمط المصري تماماً إلى النمط العربي؛ فتحولت اللغة إلى العربية، والدين إلى الإسلام، وأصبحت مصر بشكل أو بآخر دولة عربية اللسان والتوجه، بل حاملة لواء العروبة والإسلام.

ومن الصعب أن نجزم بوجود عنصر بشري سائد في مصر على حساب عنصر آخر؛ فالمزية التي حظيت بها مصر منذ دهور هي عملية الانصهار والدمج التي اعتصرت كل تلك الأعراق البشرية ومزجتها فيما يسمى: الشعب المصري.

الانصهار في بوتقة الشعب المصري

يقول د. جمال حمدان: “منذ فجر التاريخ يبرز الشعب المصري كوحدة جنسية واحدة الأصل، متجانسة بقوة في الصفات والملامح الجسمانية، وقد ظل محافظاً على هذا التجانس حتى اليوم دون أن تحدث أي ابتعادات ملموسة عن النمط الأول أو تتنافر معه تخصصات محلية ضيقة. والواقع أن من أطرف الحقائق الأنثروبولوجية بقاء أو ثبات النمط المصري عبر العصور؛ إذ لم يكد يتحرك منذ آلاف السنين، حتى إن ثمة من التماثيل الفرعونية من عصر الأهرامات حين كشفت في القرن الماضي تعرف الفلاحون وعمال الحفائر على بعضه كشبيه وممثل لبعض أفراد من بينهم”[9].

ويقول الدكتور ميلاد حنا مؤكداً على ما ذهب إليه د. جمال حمدان: “إذا كانت أمريكا تدّعي أنها بوتقة الانصهار للجنسيات والشعوب التي غادرت إليها عبر القرون الأربعة الأخيرة، وتزعم أنها قد كونت من هذا الخليط العجيب ما يسمى بـ(الشخصية الأمريكية)، فلمصر أن تتباهى بأنها أقدم (بوتقة انصهار) في العالم، وأن نتاج هذا الانصهار هو سبيكة واحدة متجانسة؛ نظراً للعمق التاريخي لهذا الانصهار، ولأنه تم عبر قرون أطول.

ولذلك فإن الحديث عن النقاء العرقي في مصر هو حديث سخيف وغير مقبول؛ لأن الواقع يدحضه، فلا يوجد قوم يزعمون أنهم من (سلالة نقية للفراعنة)، كما لا يوجد من يزعم أنه يحمل (دماء عربية نقية) أو أنه (تركي لحماً ودماً). فقد ذابت تلك العناصر التي دخلت في ظروف مختلفة وامتزجت، فتولدت شخصية مصرية تحمل بعض الملامح أو الخلفيات أو الانتماءات من هنا وهناك”[10].

وهذا التنوع العرقي والثقافي الذي تفتخر به أمريكا وأوروبا تستخدمه لشق الصف وإثارة النعرات الطائفة في البلدان العربية؛ فعملت على تذكية روح العداء بين السنة والشيعة، أو بين العرب والأكراد، أو بين العرب والبربر (الأمازيغ).

وفي مصر يحاولون النفخ في قضية النوبيين الذين ظلمتهم دولة العسكر منذ انقلاب يوليو 1952م، لكن الأمر ما زال في دوائر ضيقة.

أما النصارى الأقباط فإنهم قد زاد فيهم التعصب، وقادهم آباء وقسس يطعنون في الإسلام والعروبة، ويذكرون أن مصر قبطية، وأن العرب غزاة، وهذا الخطاب في حدة وازدياد منذ شنودة واستمر في عهد تواضروس.

ولو استمر هذا الخطاب على هذه الشاكلة فإن العواقب وخيمة، وستكون عاقبته على النصارى أشد؛ لأنهم الأقلية، ولن ينفعهم نظام يحميهم، أو دولة عظمى ترعاهم؛ فالشعوب إذا شبت بينهم الفتنة أكلت نيرانها الأخضر واليابس.

ورغم ما سبق فإنه تجدر بنا الإشارة إلى أن مصر إلى الآن ما زالت تتفرد بتلك المزية دون باقي الدول العربية، فتكاد تكون هي الدولة الوحيدة التي لا تعاني من صراع ضخم -طائفي أو قبلي أو عشائري – أو أن يكون لذلك الوجود الطائفي أو القبلي تأثير في توجيه دفة الدولة ناحية سياسة معينة، أو اتجاه ما كالحالة اللبنانية -مثلاً.

أو مثل الصراع بين العرب والأمازيغ في المغرب العربي الذي تغذيه فرنسا وتشعل فيه النار، واصطنعت فئة من الأمازيغ تكره العروبة والإسلام، وتدعو للانفصال عن دولهم الوطنية.

أو مثل السنة والشيعة في العراق من ناحية والعرب والأكراد من ناحية أخرى، وقامت السياسية على المحاصصة، وبلغت إلى الحكم الذاتي للأكراد في شمال العراق.

أما دول الخليج -وعلى الرغم من التطور الذي شهدته معظمها مؤخراً- فما زال للعصبية القبلية والعنصرية العربية وجود وتأثير كبير داخل المجتمع، وهو ما سنعرض له لاحقاً عند تناولنا لتلك الدول.

لكن في مصر بعض الأمور يجب أن نشير إليها؛ فالوجه البحري كثير التندر على الوجه القبلي، ولا تكون نكاته إلا عن الصعيدي الغبي أو الأبله أو الساذج، وهذا فيه شيء من الشعور بأفضلية أهل الشمال عن أهل الجنوب.

وعند بعض الصعايدة فكرة الافتخار بالأنساب ويقسّمون الناس إلى عربي وفلاح؛ فالفلاح هو المصري القديم، والشريف أو السيد هو العربي.

والعربي قد يتزوج من بنات الفلاحين؛ لأنه يرفع من خسيستها، لكن لا تتزوج بناتهم من أبناء الفلاحين ولو بقيت في دارها حتى الممات.

وهذه ظاهرة ملموسة في الصعيد، على العكس من الوجه البحري الذي لا يقف عند هذه الأمور، ومقياس التفاضل عنده بعيد إلى حدٍّ كبير عن قضية العرق والنسب.

مكونات الشخصية المصرية

قد مرت الشخصية المصرية بمراحل تكوين عديدة متتابعة تركت كل مرحلة أثرها -الإيجابي أو السلبي- على الشخصية والعقلية المصرية.

فقد حدثت حالة من التمازج العرقي والثقافي مع عدة حضارات مختلفة، ونهلت مصر من منابع ثقافية عديدة، وانصهر بداخلها أجناس شتى كوّنوا على مدار آلاف السنين ما يعرف باسم “المصري”.

يقول د. ميلاد حنا: “من الناحية التاريخية لا بد أن تكون الشخصية المصرية قد تأثرت بالرقائق المتتالية للحضارات التي عاصرتها مصر، والتي تمثلت في الحقبة الفرعونية بمراحلها المختلفة، وما تلاها من الحقبة اليونانية – الرومانية وهي متداخلة في المرحلة القبطية، ثم الحقبة الإسلامية بمراحلها المختلفة.

وفي هذه المراحل المتتالية غيرت مصر لغتها وديانتها ثلاث مرات؛ فكانت -أولاً- اللغة المصرية القديمة، والتي كانت بحروف هيروغليفية، ثم تلا ذلك أن غيرت مصر لغتها إلى اللغة القبطية، وقد صاحب ذلك تغيير الديانة إلى المسيحية، ومع دخول العرب إلى مصر وتدريجيّاً تم التغيير الثالث والأخير فتحولت أغلبية من الشعب المصري إلى الإسلام، وبقيت أقلية مسيحية، ولكن شعب مصر بأسره تحول إلى اللغة العربية، ومن ثم تكون شعب واحد يتحدث لغة واحدة وله خصائص حضارية وإنسانية واجتماعية واحدة، وإن كانت هناك ديانتان تعايشتا قروناً طويلة”[11].

وتكلم د. جمال حمدان عن التركيبة العرقية الأساسية للمصريين، وكيف تكوّنت الفرشة الأساسية لها، ثم حدد ما اعتراها من تغيرات ثانوية وأساسية فقال: “استمدت مصر الفرشة الأساسية القاعدية الدائمة والباقية في تعميرها من الجنوب، من الحاميين، من إفريقيا.

وإذا كان يقال عادة: إن تاريخ إفريقيا إنما هو أساساً تاريخ الحاميين؛ فإن هذه المقولة لا تصدق كما تصدق على مصر.

وبحكم تعميرها الأساسي هذا فإن التكوين الجوهري للشعب المصري تم قبل الفراعنة؛ ففي عصر ما قبل الأسرات كان العنصر الجوهر في جسم الشعب قد نشأ وتبلور واتخذ قالبه وشكله الذي استمر بعد ذلك دون تعديل جذري إلا من إضافات وتغييرات ثانوية، أي أن الشعب المصري التاريخي أصله يرجع إلى ما قبل التاريخ.

وبحكم تعميرها الأساسي هذا -أيضاً- فإن مصر القديمة بدأت وهي تبدي قدراً نادراً من التجانس الجنسي؛ إذ لا دليل على أن مصريي ما قبل أو قبيل الأسرات كانوا مخلطين أو مختلطين بدرجة مذكورة أو غير عادية”[12].

وحدد د. جمال حمدان ثلاث فترات أساسية كان لها الأثر الأكبر في تبلور التكوين الجنسي للشعب المصري فقال: “هناك بعد هذا ثلاث فترات أساسية وحاسمة في تكوين مصر الجنسي والثقافي تبرز تماماً كالقمم فوق كل تاريخها الطويل المعقد بكل مؤثراته الثانوية الجانبية والهامشية.

تلك الفترات هي مرحلة ما قبل الأسرات، ثم الفتح العربي في القرن السابع، ثم موجة بني هلال وسليم في القرن الحادي عشر.

فالأولى هي التي وضعت أساس تكوين مصر الجنسي ذاته، والثانية هي التي عرّبت مصر، والثالثة هي التي أكدت هذا التعريب بصفة حاسمة وقاطعة.

وقد يفضل البعض أن يدمج المرحلتين الأخيرتين في مرحلة واحدة ذات قمتين ثانويتين، وفي هذه الحال تكون الفترتان الحاسمتان في تكوين مصر كشعب هما الفترة ما قبل الفرعونية والفترة العربية عموماً”[13].

أما الموجات البشرية الهائلة التي هاجرت إلى مصر ووفدت عليها واستوطنتها وحملت معها أجناساً وأعراقاً شتى، امتزجت كغيرها بالشعب المصري وانصهرت داخله، فقد ساهمت -أيضاً- في تكوين الشكل الجنسي للمصريين، وقد بلغ عدد الموجات البشرية إليها حوالي 40 موجة، منها ثلاث هجرات حقيقية هي: الهكسوس – الإسرائيليون – العرب.

انتهت الهجرتان الأولى والثانية تماماً بخروج الهكسوس والإسرائيليين بدون ترْك أي أثر عرقي أو جنسي لهم، وبقيت الهجرة الأخيرة هي المؤثرة والفاعلة.

كما أتت بعد الهجرة العربية ما سمي بالموجة المغولية، جامعة تحتها العناصر الآسيوية الوافدة طوال العصور الوسطى من: الأتراك والأكراد والشراكسة والغز والديلم، وهي التي تتراوح أصلاً ما بين الغزو والتسلل[14].

وهناك نوع آخر من الانتقال البشري كان له أثر محدود في التكوين الجنسي للشعب المصري، إلا أن التطرق إليه مهم للغاية؛ وهي الغزوات الحربية التي جاءت بأعداد ضخمة من الجنود، وإن كان أثرها الجنسي محدوداً إلا أن أثرها الفكري والثقافي ما زال مترسخاً في كيان الشعب المصري حتى الآن؛ وهذا ما سنعرض له لاحقاً في بحثنا هذا عند تناولنا التراث المملوكي.

ويفرّق د. جمال حمدان ما بين الغزوات الحربية والهجرات البشرية فيقول: “الأولى -أي: الهجرات- تتغلغل وتسري غالباً في الريف كما تسري في المدن. أما الثانية -أي: الغزوات- فتقتصر على المدن تقريباً. الأولى تمثل حركات ضخمة كمّاً، أما كيفاً فهي (هجرات كلية)، أي: تشمل الجنسين، ولهذا يكون تأثيرها الجنسي محققاً. أما الثانية فبضعة محدودة من حركة (ذكورية) بحتة، ولذا تذوب إن لم تبد، وإذا كان من المسلم به أن الأثر الجنسي للغزوات الحربية محدود للغاية في الأساس، فربما كان من المغالاة أن نغفله تماماً، لا سيما أن بعض الغزوات كان يتحول إلى استعمار طويل العمر نسبيّاً”[15].

وإلى جانب الهجرات والغزوات يضيف د. جمال حمدان نوعاً ثالثاً من الحركات الوافدة، “ليس له قوة الهجرات البشرية، ولا وقع الغزوات عسكريّاً، ولكنه قد لا يقل خطراً جنسيّاً، ذلك هو التسرب أو التسلل السلمي الهادئ البطيء المستمر غير الملحوظ الذي عرفته تخوم مصر عبر العصور بلا انقطاع”[16].

ومن أنواع التسرب الرقيق الذين كان لهم سوق رائجة في مصر، ولقد “كان عامل الرقيق أشبه باللحن الخلفي، ولكن المستمر الإيقاع طوال العصور الوسطى وحتى القرن الماضي نفسه.

لذا فإن هذه العناصر التي وصلت أحياناً إلى أرقام لا يستهان بها، والتي استوطنت نهائيّاً ولم تغادر البلاد في الأعم الأغلب، لا يمكن إلا أن تكون قد ذهبت في تكوين السكان العام، وساهمت في تلوين النمط الجنسي بعد أن انصهرت في البوتقة المصرية”[17].

وعليه فإن الغزو الخارجي لمصر والهجرات والتسلل كل هذه العوامل كان لها الأثر القليل أو الكثير على الشخصية المصرية المتوطنة حول ضفاف النيل من آلاف السنين.

التأثير العربي

على الرغم من أنه المرحلة الأخيرة في عملية التأثيرات التي أصابت المجتمع المصري إلا أنه الأقوى والأبقى أثراً، فمن خلاله تغيرت الديانة من المسيحية إلى الإسلام، و تحولت اللغة إلى العربية، وصارت مصر جزءاً ومكوّناً أساسيّاً من العالم العربي والإسلامي.

“ولا يمكن المبالغة في قيمة وخطر هذه الموجة من الناحية اللغوية، فهي التي غيرت لسان مصر القديمة وعربتها كليّاً ونهائيّاً”[18].

ويرجع د. جمال حمدان قوة ذلك التأثير العربي ونجاحه في عملية التغيير تلك إلى التشابه بين العرب الساميين والمصريين الحاميين من عدة جوانب عرقية ولغوية؛ لكونهما فرعين من شجرة واحدة. كما أنه “من المسلّم به أن الهجرة العربية إلى مصر سبقت الإسلام بكثير”[19]، فاستقرار الكثير من القبائل العربية في مصر قبل الفتح الإسلامي ساهم بشكل كبير في تقبل وسرعة عملية الامتزاج.

يقول حمدان: “عرب الجزيرة من الساميين، بل هم قلب السامية إن لم يكونوا أصلها، وليس من شك أن الساميين والحاميين الذين ينتمي المصريون إلى المجموعة الأخيرة منهم، هما تعديلان من عرق جنسي مشترك أو فرعان من شجرة واحدة، وأن التمايز بينهما إنما تم في زمن ليس بالبعيد جدّاً، بدليل أوجه التشابه العديدة بينهما لغويّاً وحضاريّاً، فضلاً عن الصفات الجسمية ذاتها التي تجعلهما معاً أقارب للأوروبيين من جنس البحر المتوسط. إنهما أقارب بعيدون.

وعند هذه المرحلة نتفهم لماذا نجحت موجة الهجرة العربية في مصر وفشلت سابقتاها أو سابقاتها، أمن المبالغة أن نقول: إنها مسألة قرابة عائلية؟

نريد أن نقول: إن من الراجح جدّاً أن جزءاً من تقبل المصريين للعرب الوافدين يرجع إلى إحساسهم وإدراكهم بأنهم بعض أقاربهم وأصولهم وليسوا بغرباء أجانب حقّاً أو تماماً كسابقيهم، إنهم من الناحية الشكلية على الأقل -أي: من حيث اللون- بنو جلدتهم، كذلك فلا شك أن حاجز اللغة فضلاً عن الدين، ساعد على إزالة حاجز الجنس، بمعنى أن قرب اللغة العربية السامية من اللغة المصرية القديمة الحامية السامية -عدَّ البعض 10 آلاف كلمة مشتركة بينهما- قد سهل التقريب بين العنصرين وشجع الامتزاج الكامل بينهما بحيث تحول التعريب إلى بوتقة للشعبين”[20].

“وإذا أردنا في النهاية الصافية تقييماً شاملاً لدور الموجة العربية ووزنها في تكوين مصر البشري، فلنا أن نقول: إنه إذا كان العرب قد عرّبوا مصر ثقافيّاً، فإن مصر قد مصرّتهم جنسيّاً، وأن التعريب (تعريب المصريين) تحول في النهاية إلى تمصير (تمصير العرب)”[21]؛ إذ سرعان ما اندمجوا وامتزجوا بالمصريين وانخرطوا في حياة الزراعة والاستقرار.

ورغم ما أسلفنا من امتزاج وانصهار الأجناس كلها في بوتقة واحدة، إلا أن بعض الصفات الوراثية المكتسبة من تراث تلك الشعوب ما زالت باقية، وإن كانت غير مؤثرة كما أسلفنا في توجيه دفة الدولة وسياستها، ومن الممكن اعتمادها كتقاليد وعادات شعبية متوارثة.

ويلقي الدكتور ميلاد حنا الضوء على بعض التأثيرات القديمة التي لا زالت بادية في بعض مناطق مصر موضحاً تأثرها بها فيقول: “ورغم أن شعب مصر كله شعب واحد، ولكن لبعض مناطقه وأقاليمه خصائص تؤكد قربه إلى عمود -يقصد عمود حضاري- دون آخر؛ فشعب منطقة السواحل المطلة على البحر المتوسط تشعرك بالحقبة اليونانية الرومانية التي تؤكد الانتماء إلى شعوب البحر المتوسط أكثر من غيرها.

كما أن أهالي بلاد النوبة ومحافظة أسوان يشعرونك بقربهم من أهالي السودان حيث توجد بالفعل عائلات يعيش جزء منها في مصر وجزء آخر في شمال السودان، ومن ثم فهم أقرب إلى الإحساس بإفريقيا.

كما أن أهالي الصحراء الغربية هم بدو يعيشون على الرعي، وهم عرقيّاً امتداد لقبائل تعيش في ليبيا.

وكذلك بدو سيناء وأهالي الشرقية لهم أصول وعادات عربية تلمسها في زيهم وطريقة النطق لمخارج بعض الكلمات العربية مما يدل على انتماء عربي قوي.

خلاصة القول إذن، هي أن الشخصية المصرية الوطنية قد تأثرت تاريخيّاً بهذه الرقائق الأربع من الفرعونية إلى الإسلامية، فضلاً عن تأثرها بالانتماءات الجغرافية؛ لأنها تقع في قلب البلاد العربية، فضلاً عن تأثرها بحضارات حوض البحر المتوسط ثم إفريقيا”[22].

ومن الملاحظ أنه يتكلم عن أطراف الدولة وحواشيها، ومصر ليست بدعاً في ذلك عن غيرها، فكل الدول تجد تشابكات وعلاقات أسرية على حدودها حتى إنك تجد العائلة منقسمة بين دولتين، وكذا القبيلة؛ لذا يكون التشابه بينهما أكثر متانة ووضوحاً.

لكن الداخل والذي يمثل الثقل والوجه الحقيقي للدولة، يبقى له ملامحه التي تنم عن شخصية مستقلة إلى حد كبير عن جيرانها.

بيئة النيل الاجتماعية المجتمع المائي (النهري)

تعتبر البيئة الطبيعية أحد العوامل الأساسية في تكوين شخصية الشعوب وتحديد مساراتها واختياراتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

والبيئة المصرية ساهمت بشكل مؤثر في بناء شخصية المواطن المصري، والأكثر منه تحديد شكل الدولة التي يعيش في كنفها ذلك المواطن.

فمنذ العصور التاريخية السحيقة، عُرف عن المصري ارتباطه بالأرض وعدم ميله إلى الترحال والتنقل، ويرجع ذلك لعوامل عديدة، منها: اعتماده الأساسي في غذائه وحياته على ما تجود به الأرض من محاصيل، تلزمه -أولاً- برعايتها والاستقرار بجوارها، ولذا كان تمركز السكان دائماً على امتداد خط نهر النيل.

فالفلاحة والاعتناء بالأرض متناقضة تماماً مع الحركة الدائبة والتنقل المستمر؛ لذا نجد معظم من يعمل بها يميل إلى السكينة والهدوء، والرغبة الكبيرة في الاستقرار.

وقد رسمت تلك الصفات وحددت ملامح الشخصية المصرية، المسالمة، الوادعة، والتي تميل إلى الخضوع لأي سلطة كانت، سواء كانت سلطة الطبيعة متمثلة في الأرض والتي تجبره دائماً على البقاء بها وعدم مفارقتها، وبين سلطة الدولة التي تملك بحكم القوة السيطرة على مياه النيل ومنحها ومنعها إذا شاءت.

ومن هنا تبلورت السلطة وأخذت شكلها ونمطها.

يقول حمدان: “في ظل هذا الإطار الطبيعي يصبح التنظيم الاجتماعي شرطاً أساسيّاً للحياة، ويتحتم على الجميع أن يتنازل طواعية عن كثير من حريته؛ ليخضع لسلطة أعلى توزع العدل والماء بين الجميع، سلطة عامة أقوى بكثير مما يمكن أن تتطلبه بيئة لا تعتمد على نهر فيضي في حياتها ومصيرها”[23].

ولم تكن الصورة عن مصر فقط أنها بلد نهري زراعي، بل كانت هناك رؤية أخرى وردت عن الجاحظ؛ إذ قال: “الأمصار عشرة: فالصناعة بالبصرة، والفصاحة بالكوفة، والخير ببغداد، والغدر بالري، والحسد بهراة، والجفاء بنيسابور، والبخل بمرو، والطرمذة[24] بسمرقند، والمروءة ببلخ، والتجارة بمصر”[25].

طبيعة البيئة المصرية

المتتبع لتاريخ نشأة الدول يجد أن عامل البيئة من أكثر العوامل الحاسمة في إقامة الدولة المركزية وتوطيد سلطانها؛ فالبيئات الزراعية المستقرة قامت فيها دول مركزية قبل البيئات الصحراوية بفترات زمنية طويلة.

فحين عرفت مصر الدولة المركزية منذ فجر التاريخ لم تعرف دول الخليج -على سبيل المثال- الدولة المركزية إلا حديثاً منذ حوالي نصف قرن، ويرجع ذلك إلى الطبيعة الصحراوية لتلك البلاد وصعوبة ربط مناطقها ببعضها البعض، وأيضاً لصعوبة التحكم في السكان في تلك البيئة الجافة القاحلة, بينما نهر النيل في مصر منح الحاكم سلطة لا تفوقها سلطة من خلال تحكمه في النهر بجريانه ومنعه؛ فكان باستطاعته شق الترع والمصارف وإقامة السدود لتوصيل المياه لأماكن بعينها، كذلك كان قادراً على فعل العكس والتضييق على سكان مناطق بعينها.

وانظر إلى تفاخر فرعون في القرآن واعتزازه بسلطته الجبارة على المصريين وهو يهتف: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: 51].

طبيعة البيئة المصرية النهرية جعلت السكان في حالة رضوخ وإذعان كلي للسلطة الحاكمة منذ فجر التاريخ وحتى الآن.

ويصف د. جمال حمدان في موسوعته “شخصية مصر” توصيفاً دقيقاً طبيعة البيئة المصرية وأحوالها، وكيف أنها كانت المتحكم الأول في تكوين العقلية المصرية، وحدد الأطر التي قامت عليها الدولة المركزية منذ فجر التاريخ.

فيقول: “الحقيقة الكبرى في كيان مصر هي أنها بيئة فيضية لا تعتمد على المطر الطبيعي في حياتها، وإنما على ماء النهر، وقوامها هو زراعة الري، الري الصناعي، لا الزراعة المطرية.

ومن هنا بالدقة يبدأ كل الفرق في حياة المجتمع النهري وطبيعته؛ ففي البلاد التي تعيش على الأمطار مباشرة يختزل المجهود البشري إلى حده الأدنى، فبعد قليل من إعداد الأرض والبذر يتوقف العمل أو يكاد حتى الحصاد، وبين هذا وذاك فليس هناك من يحفر الترع والمصارف أو يقيم الجسور والسدود، وأهم من ذلك كله أن ليس هناك من يمكنه أن يحبس عنك المطر، أو أن يتحكم في توزيعه.

من هنا فقد تكون الطبيعة هي سيدة الفلاح، ولكن الفلاح بعد ذلك سيد نفسه، وهذا في نفس الوقت يمنح الفلاح فرصة للفردية بدرجة أو بأخرى.

أما في بيئة الري فالأمر مختلف كل الاختلاف؛ فالوادي في فجر تاريخه ليس مصرفاً طبيعيّاً ولكنه مستنقع إسفنجي ملاري مشبع، ولا زراعة ولا تعمير إلا بعد التصريف و”التقنيل” لا بد يعني من مجهود بشري جماعي ضخم حتى تعد الأرض مجرد إعداد لاستقبال البذرة، وبعد هذا فلا بذر حتى توصل المياه إلى الحقول، أي: لابد من شبكة غطائية كثيفة من الترع.

ثم ما جدوى تلك الشبكة إذا لم تسيطر على أعناقها أو رؤوسها بالنواظم والقناطر والسدود؟

أعني: أي جدوى فيها بغير ضبط النهر؟

وأكثر من هذا ما جدوى الجميع بغير ضبط الناس؟

المحصلة واضحة، بغير ضبط النهر يتحول النيل النبيل إلى شلال حطم جارف، وبغير ضبط الناس يتحول توزيع الماء إلى عملية دموية، ويسيطر على الحقول قانون الغاب.

والواقع أن البيئة الفيضية يمكن أن تجعل من المجتمع الهيدرولوجي مجموعة من المصالح المتعارضة، فتصبح سلسلة الأحواض سلسلة من المتنافسين، ومما له مغزاه أن كلمة منافس في اللاتينية مشتقة من كلمة نهر rivalus , rivus، ولعلها ليست صدفة كذلك أن المصريين القدماء اشتهروا بكثرة الخصام والتقاضي، وفيما بعد بالأخذ بالثأر.

وكمجرد مثال، كان رفاعة الطهطاوي على وعي كامل بضرورة الوحدة المائية؛ فهو يذكر عصر المماليك فيربط بين تفككه السياسي (السناجق) وبين تضاربه المائي؛ فكان في أيامهم لكل قسم وكل قرية ترع وجسور خصوصية لا ينتفع من السقي منها إلا أهاليها، ولم يكن بينهم روابط عمومية، فكان أصحاب الأراضي والمزارعون لها المجاورون شطوط الماء يحتكرون الري والسقي، ويختلسون من المياه ما هو قريب منهم ويمنعون الأراضي البعيدة من ذلك مع كونها لها حق في مشاركتهم في المياه عند الفيضان. فكان ينشأ من هذا ما لا مزيد عليه من عداوة قرية لأخرى، وربما ترتب على ذلك القتال وسفك الدماء.

في ظل هذا الإطار الطبيعي يصبح التنظيم الاجتماعي شرطاً أساسيّاً للحياة، ويتحتم على الجميع أن يتنازل طواعية عن كثير من حريته؛ ليخضع لسلطة أعلى توزع العدل والماء بين الجميع، سلطة عامة أقوى بكثير مما يمكن أن تتطلبه بيئة لا تعتمد على نهر فيضي في حياتها ومصيرها، وبذلك لا تكون الطبيعة وحدها سيدة الفلاح، وإنما بين الاثنين يضيف الري سيداً آخر هو الحاكم”[26].

تلك الصورة السابقة للبيئة المصرية فرضت شكلاً ونمطاً من الحياة الجماعية على المجتمع المصري، فبدون الجماعية وفرض النظام تنتشر الفوضى والنزاعات، لكن النيل كان له القرار الحاسم في خلق جماعية المصريين.

الجماعية المصرية

المتتبع لتاريخ الكثير من الشعوب يجد أن اختيارها لنظامها الإداري وشكل الدولة قد مر بعدة مناحي وتطورات مختلفة, وذلك طبقاً لطبيعة البيئة التي يعيشون فيها، بينما البيئة المصرية قد فرضت إطاراً ونمطاً معيناً ألزمت به المصريين منذ بداية التاريخ، كان ذلك النمط هو الجماعية وما تفرضه عليهم من التزام وتعاون ووجود ضابط ورابط لذلك التعاون والالتزام.

يقول د. جمال: “أما عن المجتمع فهو أساساً مجتمع تعاوني منظم لا يعرف من الفردية صورتها الضارية أو الدموية المتوحشة. ويدرك قيمة وحتمية العمل الجماعي المنسق، وأن مصلحته ووجوده رهن بالتضامن والتكافل الاجتماعي، بالنظرة المتفتحة بلا أنانيات محلية أو نعرات ضيقة أو نزعات عدوانية.

ويعبر إميل لودڤيج عن هذا بصيغة أخرى هي صيغة الكثافة، كثافة السكان، فيقول: هذه الكثافة التي حتى منذ آلاف السنين كانت تتناسب مع مجموعة السكان، كان لا يمكن إلا أن تخلق قوماً إما اجتماعيين للغاية أو غير اجتماعيين على الإطلاق، ولقد قرر النيل الاحتمال الأول”[27].

وهذا الكلام ليس على إطلاقه؛ فهو ينطبق على البيئات الزراعية  الريفية أكثر مما ينطبق على المدن والمجتمعات الحضرية التي يقل فيها التعاون إلى درجات متدنية.

فالقرية تشابكات النسب والمصاهرة فيها كبيرة، حتى إنك تجد أن أهل القرية وإن لم يكونوا من قبيلة واحدة، إلا أن صلات القرابة بينهم موجودة بدرجات متفاوتة.

هذا إلى جانب أن القرى مجتمعات زراعية تجعل قواسم التعاون بين أصحابها أكثر من قواسم التباعد والتنافر.

يقول حمدان: “نجد في القرية المصرية في صميم تركيبتها وسيكولوجيتها وزراعتها قدراً كبيراً متوطناً ومتأصلاً من التعاونية والمشاركة التلقائية؛ فالقرية المصرية بالضرورة الجغرافية نووية مجمعة، فهي خلية بشرية متلاصقة متلاحمة، ثم إن أغلب حياة الفلاح هي -تحت مناخ مصر المشرق- في الهواء الطلق خارج المسكن، وهذا ابتداء يجعله كائناً اجتماعيّاً غير منعزل أو انطوائي.

ثم تبدأ التعاونية من البداية الأولى مع العمل الجماعي في إقامة أساس الحلة نفسها، وهو التل أو الكومة الصناعية الرافعة عن مستوى النهر، فضلاً عن شق الترع والمصارف، وتمتد بعد ذلك إلى التجمع والتكتل في وجه أخطار الفيضان بحماية الجسور وتعليتها، ثم تتدرج إلى تنسيق مناوبات الري وجزئيات العمل الحقلي اليومي… إلخ”[28].

فلم تكن الجماعية المصرية في المجتمعات الزراعية خياراً بل كانت ضرورة للحياة والاستقرار، وقد أدرك الفلاح المصري ذلك الأمر وسعى إليه؛ ضماناً لحياته ومعيشته، وقد دفعه ذلك إلى التغاضي عن الكثير من المظالم والمساوئ، بل وربما تقبّل بعضها واستساغها على أنها من ضروريات الحياة.

فمثلاً “في وجه خطر الفيضان تتبدى وتتحدد طبيعة وحتمية التعاونية كحقيقة واقعة تكاد تتحول من الجبر الجماعي إلى الاختيار الفردي، قل إلى نوع من الجبر الذاتي؛ ذلك لأن التعاون حينئذ قد يكون شرط البقاء ذاته.

ولهذا كانت السخرة على كراهيتها وبغضها من حيث المبدأ وقسوتها وأهوالها أحياناً وانحرافاتها ومظالمهما غالباً من حيث التطبيق، مقبولة كبديهية عند الفلاح مثلما هي عند الحاكم؛ فإنها هي إما السخرة وإما ألا نكون جميعاً، السخرة أبغض التعاون إلى الفلاح، ولكنها ألزمه للبقاء”[29].

وأوجه التعاون تختلف في القرى والأرياف من عصر لعصر؛ فالحرائق -مثلاً- في الأرياف يهب الناس لنجدة المنكوب مهما كان، ولا ينتظرون وحدات الإطفاء التي تكون في المدن وبعيدة عنهم، ولو انتظروها لأتت النيران على كل شيء في طريقها؛ لذا كان التعاون على إطفائها هو سبيل النجاة الأمثل.

وهذا لا يوجد في المدن التي تقف موقف المتفرج، وتنتظر مجيء المطافي.

ومن أشكال الجماعية والترابط في الأرياف الخروج بأعداد غفيرة في الجنائز، سواء أعرفوا المتوفى أم لم يعرفوه، وسواء أكان صغيراً أم كبيراً، عظيماً أم بسيطاً، رجلاً أم امرأة، ويتعاونون على إطعام أهل البيت، بل وإطعام من يأتي للتعزية في المتوفى.

وهذه الصور لا تلمسها في المدن كما تلمسها في الأرياف؛ فقد يموت الجار ولا يعرف جاره بموته، ويمشي في الجنائز أعداد قليلة قد لا تتجاوز أصابع اليدين.

وخلاصة القول: إن طبيعة البيئة المصرية الزراعية أسست لظاهرتين حتميتين في كيان مصر الفيضية كما يقول د. جمال حمدان: “الحكومة المركزية والمجتمع التعاوني، هاتان إذن هما الظاهرتان الحتميتان في كيان مصر الفيضية.

فالظاهرتان نقط قوة لا ضعف لصاحبيهما، ولهذا فليس غريباً أن زراعة الري هي التي علمت مصر الحضارة والنظام والقانون، هي التي فجرت التاريخ والحضارة في مصر دون سواها لأول مرة، وهي التي وحدتها مبكراً ومنحتها النظام والقوة التي خلقت بها أول إمبراطورية في التاريخ”[30].

ولم يبق في العصر الحديث مما سبق إلا الحكومة المركزية المسيطرة المتحكمة، مع تفشي الفوضى وعدم الانضباط وتعمّد خرق القوانين من جهة الشعب، والحكومات والشعب لم يستطيعا أن يلحقا بركب الحضارة العالمي، بل أصبحوا عالة على حضارات الغير.

وقد ظهر الانقسام في الشعب المصري وعمقه الإعلام، وهذا الانقسام صنيعة دولة العسكر منذ 1952م، وبلغ ذروته في 2013م حين قبل المصري أن يُراق دم أخيه المصري لمجرد اختلافه معه في الرأي السياسي، ولم يقف الأمر عند مجرد الرضا والقبول، بل تجاوزه إلى الرقص على الدماء، والشماتة.


الهامش

[1]the Levant (noun): the eastern part of the Mediterranean

[2] جمال حمدان: شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان، (شخصية مصر الحضارية)، دار الهلال، (4/496-497).

[3] أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي: التنبيه والإشراف، تصحيح: عبد الله إسماعيل الصاوي، دار الصاوي، القاهرة، ص(23).

[4] د. ميلاد حنا: الأعمدة السبعة للشخصية المصرية، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الخامسة، فبراير 1999م، ص(61) باختصار.

[5] د. أحمد رجاء راغب وآخرون: تحليل الوضع السكاني مصر 2016م، إصدار ديسمبر 2016م, ص(5).

[6] السابق, نفس الصفحة.

[7] أ.د محمد المهدي: الشخصية المصرية (مقال)، موقع مجانين، الشبكة العربية للصحة النفسية الاجتماعية، نشرت بتاريخ: 26/03/2007م.

[8] عمر بن أبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي المصري: فضائل مصر المحروسة، تحقيق: د. علي محمد عمر، مكتبة الخانجي، مصر، الطبعة الأولى، 1417هـ – 1997م، ص(14).

[9] شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان (شخصية مصر البشرية)، (2/278-279).

[10] الأعمدة السبعة للشخصية المصرية، ص(118).

[11] السابق، ص(60) باختصار.

[12] شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان (شخصية مصر البشرية)، (2/308).

[13] السابق، (2/308-309).

[14] انظر: السابق، (2/281).

[15] السابق، (2/279).

[16] السابق، (2/279-280).

[17] السابق، (2/286).

[18] السابق، (2/295).

[19] السابق، (2/298).

[20] السابق، (2/296-297) باختصار.

[21] السابق، (2/306).

[22] الأعمدة السبعة للشخصية المصرية، ص(141-142).

[23] د. جمال حمدان: شخصية مصر، (2/539).

[24] “الطرمذة: ليس من كلام أهل البادية. والمطرمذ: الذي له كلام وليس له فعل” [إسماعيل بن حماد الجوهري: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الرابعة، 1407ه‍ – 1987م، (2/566)].

[25] أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي: تاريخ مدينة السلام وأخبار محدثيها وذكر قطانها العلماء من غير أهلها ووارديها، حققه وضبط نصه وعلق عليه: د.بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1422هـ – 2001م، (1/352).

[26] شخصية مصر، (2/537-539) باختصار.

[27] السابق، (2/543).

[28] السابق، نفس الصفحة.

[29] السابق، (2/544) باختصار.

[30] السابق، (2/544-545).

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close