fbpx
دراساتسياسة

عشر سنوات بعد ثورة يناير: ماذا تبقى .. وأي مستقبل؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

من أجل تقييم مآل الربيع المصري يجدر أن نشير إلى الشعار الثلاثي لثورة يناير، والذي حكم تطلعات المصريين فعليا خلال فترة ما بعد رئاسيات 2005، وهو ما تجلّى في شعار ثورة يناير “عيش حرية كرامة إنسانية”؛ حتى قبيل الإضافة الصورية لبعد العدالة الاجتماعية الذي أعتبره بنيويا في مطالب العيش والكرامة. كانت المطالب الأساسية في مصر تتمثل في “سيادة القانون” على الجميع؛ باعتبار هذا المطلب الكفيل بتحقيق العدل وتكافؤ الفرص وحتى التقدم والتنمية والنهضة التي لا يمكن لها أن تتحقق من دون استقرار حكم القانون.

المطلب الثاني كان الحرية الحقيقية، والتي تكفُل في خاتمة المطاف مساءلة السلطة وتولي الأكفأ، وهما معياران ضروريان لأي بلد يرغب في تحقيق تنمية واستقرار حقيقيين. المعيار الثالث؛ والمتمثل في العيش كان إشارة لمطلب العدالة الاجتماعية الذي يعد معيارا بنيويا للتنمية، وكان كل من المعيارين السابقين متضمنا إياه، حيث كان مطلب الحرية كفيل ببلوغ هذا الهدف بالنظر لهيمنة فكر “يسار الوسط” على الأطروحات السياسية لغالبية التيارات الأساسية (بعيدا عن إرث مبارك الذي كانت تسيطر عليه نزعة نيوليبرالية مثل حكم النخبة العسكرية بعد يوليو 2013 امتدادا واضحا لها، وإن شابه شكل “رأسمالية الدولة” أو “رأسمالية المؤسسة العسكرية”)، كما كان مطلب الكرامة الإنسانية متضمنا مطلب العدالة الاجتماعية؛ بالنظر لكون هذه العدالة – جنبا إلى جنب مع سيادة القانون – قوام تحقيق الكرامة الإنسانية.

ويمكن اعتبار الشعار الثلاثي شعارا تعتمد كافة أركانه على بعضها البعض، فلا كرامة من دون حرية أو عدالة، ولا عدالة اجتماعية من دون حرية وسيادة للقانون، ولا حرية من دون كرامة تقوم على العدالة الاجتماعية وسيادة القانون، ولعل هذا ما جعل هذا الشعار أيقونيا ومحببا لقلوب المصريين منذ انطلاقه في 28 يناير. 

اليوم، يمكن الجزم بأن أي من هذه الأركان لم يتحقق في مصر، وبقي التساؤل حيال المستقبل. فماذا تبقى بعد الربيع العربي؟ وماذا حدث في مسارات الحفاظ على ما تبقى من الربيع؟ هذان هما سؤالا الدراسة.

تتحرك هذه الدراسة عبر محورين، أولهما التعرف على تصورات عدد من الخبراء والمراقبين العرب والمصريين والأجانب حيال المستقبل، واستيبار ما اتفقوا عليه وما اختلفوا فيه. وفي المحور الثاني يقدم الباحث قراءته للمشهد عبر محاور فرعية ثلاثة، ينطلق أولها من استقراء ملامح تعمق الانقسام الشعبي ومؤشراته، وثاني المحاور يتعلق بالتطورات التي شهدها المسرح السياسي المصري. أما المحور الثالث فيتمثل في اجريف المجتمع من مصادر القوة، مع تركيز على محاور رجال الأعمال والمجتمع المدني والأزهر. وتختتم الورقة بقراءة فيما يحمله المستقبل من احتمالات بالنظر لوجود متغيرات خارجية ذات صلة.

أولا: توجه المفكرين حيال المستقبل

تتنازع العالم العربي رؤيتان: أولاهما خارجية تحمل قدرا كبير من التشاؤم حيال المستقبل، والأخرى محلية تحمل قدرا من التفاؤل له مباعث عدة.

أما الرؤية المتشائمة، والتي يصدرها الآخر الحضاري، فيمكن اعتبار مقال الكاتب “ستيفن كوك” في مجلة “فورين بوليسي”، والتي حملت عنوان “نهاية الأمل في الشرق الأوسط” أو “The End of Hope in the Middle East”.

ففي هذه الورقة، ذكر “كوك” أن تنبؤات المراقبين والخبراء للتحولات في الشرق الأوسط بعد “الربيع العربي” باتجاه التقدم والمقرطة قد ولّت إلى غير رجعة. رأى “كوك” أن فشل مصر حيال خبرة ربيعها، أو “ثورة يناير” يتمثل في حالة مزمنة، أتت بأحد ممثلي النخبة العسكرية للسلطة مع انقلاب عسكري كان مدعوما شعبيا، دفع مصر لتشهد حالة فجة من هجوم السلطة على المجتمع، والشروع في إدخال البلاد لأكثر الحقب دموية وقمعا في تاريخها المعاصر. ويرى أن سقوط مصر أدى لخلق تحالف إقليمي للثورة المضادة تسبب في حالة من عدم الاستقرار في عدد من الدول، جنبا إلى جنب مع تأثير أنظمة مثل السعودية والإمارات وإيران التي لعبت دورا كبير بدورها في حالة عدم الاستقرار وفشل الربيع في كل من اليمن وسوريا[1].

يلفت “كوك” إلى أن ادعاء النخبة العسكرية الاستناد لمطالب شعبية هو ما أدى لتدخلهم في الشأن السياسي؛ لكنه أفضى إلى حالة ازدراء بادية تجاه المواطنين المصريين، وهو ما يجعل خيار استخدام الهراوات؛ بل والقوة النيرانية، مطروحا بقوة للتخلص من الضغوط الشعبية وإبقاء الأمور تحت السيطرة، وهو ما يبعث – بدوره – احتمال تجدد الاضطرابات السياسية، أو يؤدي إلى انقلاب ثان قد يفضي إلى حالة من التمزق، لكنه يرى أن هذه الاضطرابات لا يمكن التنبؤ بموعدها وكيفيتها.

انتقلت مصر في نظر “كوك” من مرحلة التخويف من “العدو الداخلي المزعوم” أو جماعة الإخوان، باتجاه مرحلة التأكيد على تركيا كـ “عدو خارجي”، ما اعتبره كوك “سؤال الحرب” الذي يلح على الخبراء وصانعي القرار في واشنطن، ومرد هذا التساؤل للنفوذ التركي المتصاعد لدى الجار الليبي، علاوة على أزمة شرق المتوسط، مصحوبا بإصرار القيادة السياسية التركية على تقويض الشرعية التي بذل السيسي مستقبل مصر في تحصيلها عبر بوابة انتزاع الاعتراف بالانقلاب، بالإضافة لملفات عدة ربما تجاوزها الظرف التاريخي كالاختلافات بين البلدين في الملف السوري والفلسطيني. وفي هذا الإطار، يرى “كوك” أن مصر تعاني مثل كثير من دول الربيع العربي من ظواهر “تنازع الهوية” و”تنازع السيادة” و”نموذج بالغ السوء للحوكمة”، ما يجعل مشكلاتها إلى تفاقم مستمر، ويجعل القدرة على التنبؤ بالمستقبل عسيرة، بالنظر لما يلوح في الأفق من تمزقات محتملة.

الوجه الآخر – المتفائل – يطرحه الأكاديمي المصري حسن نافعة، اليوم، الذي يرى أن العالم العربي ليس حالة عصية على التحول الديمقراطي، وأن عملية الانتقال إلى الحالة الديمقراطية قادمة حتما، لكن إنجازها سيستغرق وقتا طويلا وجهدا. وأن الثورات التي انطلقت في نهاية 2010 بداية. وأن انتكاسة الموجة الأولى منها لا يعني موتها أو نهايتها.

يدلل “نافعة” على الاستمرارية بحالة اندلاع موجة ثورية ثانية شملت السودان والجزائر، ثم ثالثة، شملت لبنان والعراق، ومن ثم يتوقع أن تتلاحق هذه الموجات إلى أن تنضج بنية المجتمعات العربية، وتصبح قابلة للتحول الديمقراطي. لكن طرح “نافعة” مشروط عنده بأن تطال إحدى هذه الموجات منطقة الخليج العربي، وخصوصا الدول النفطية الغنية[2].

ويأتي طرح نافعة في إطار ما لفت إليه من تجذر “الاستبداد” في البنية السياسية العربية، وتغلغله في أنسجة مؤسساتها ونظمها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ما يجعل من باب المستحيل القضاء عليه والانتقال إلى الحالة الديمقراطية بضربة واحدة قاصمة، بل إن تونس، البلد الوحيد بين دول الربيع العربي الذي نجح في مساره الديمقراطي، لا تزال البطالة والتهميش والتضخم وهي الملفات التي أوقدت فتيل الاحتجاجات في العام 2011، على حالها، فيما الطبقة السياسية في البلاد تنخرها التجاذبات السياسية الحادة[3].

يلفت نافعة لأحد المداخل الأساسية للإصلاح من بوابة الإشارة لأسباب تردي الأوضاع، ما تمثل في انغماس النخب الفكرية والسياسية التي كانت قد نجحت في تفجير ثورات “الربيع” في حملاتٍ لتبادل الاتهامات، حيث راح كل طرفٍ يلقي بمسؤولية الفشل على الطرف الآخر، المتهم بالعمالة أو بالكفر والإلحاد أو بخيانة العروبة والإسلام. لذا ظل معظم النخب، برأيه، متقوقعة داخل خنادق فكرية، وعازفة عن إجراء مراجعاتٍ حقيقيةٍ لمواقفها السياسية والفكرية السابقة، تساعدها على استخلاص الدروس المستفادة من الأخطاء المرتكبة.

ومما يدلل به “نافعة” على قدوم التغيير أن معظم النخب الحاكمة في المرحلة الراهنة لا تستمد سلطتها من إرادةٍ شعبيةٍ تعكسها صناديق الاقتراع، وأنها تعتمد في بقائها على قوى أجنبية، وتمارس سياساتٍ لن تمكنها من العثور على حلول حقيقية للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم ليس لديها سوى مزيد من القمع والاستبداد، للرد على مطالب شعوبها التي تزداد إلحاحا يوما بعد يوم، الأمر الذي سيدخلها، عاجلا أو آجلا، في مأزقٍ لا فكاك منه.

ويرسم نافعة الطريق للمستقبل عبر مسارين؛ أولهما أن تتمكن النخب الحاكمة من تغيير سياساتها وتوجهاتها، وتنفتح أكثر على شرائح أخرى من النخب السياسية والفكرية. أما المسار الثاني فيتمثل في النخب التي لديها مصلحة في تغيير الوضع الراهن، حيث ستضطر – بنظره – إلى الانعتاق من حالة الخوف التي تعتريها، أو من حالة التمزق والتشتت التي تمر بها، ومن ثم سوف تجد نفسها، آجلا أو عاجلا، مضطرة لمراجعة أخطائها والاقتراب من بعضها أكثر فأكثر، كي تصبح في وضعٍ يسمح لها بطرح رؤية مشتركة للتغيير تكون أكثر نضجا، وأكثر قابلية للتجاوب مع طموحات شعوبها[4].

وبرغم التباين في الموقف من احتمالات التغيير، فإن الوجهتين اتفقتا على عدد من الملامح، يمكن إيجازها فيما يلي:

أ. حالة عدم اليقين حيال المستقبل:

اتفقت الرؤيتان على وجود حالة من عدم اليقين. وبرغم تشاؤم “كوك” إلا أنه اقترابه كان وصفيا أكثر منه تحليليا بخلاف طرح “نافعة” الذي كان أكثر تحليلية واستبصارا لعمق الأوضاع في مصر. حالة عدم اليقين يؤكدها محللون صينيون مثل هوانج بيتساهو وجينج يوي ولي تشياو في صحيفة “Global Times”؛ حيث أشاروا إلى أنه “لم يتغير شيء يذكر في هذه البلدان العربية التي اجتاحها في يوم من الأيام ما يسمى بالعواصف الثورية، فبينما تخلصت هذه الدول من المستبدين المنتمين لمرحلة ما قبل الربيع العربي، فإنها تعيش مزيدا من عدم اليقين وعدم الاستقرار”، ويلفتون إلى أنه “على الرغم من أن هذه البلدان قد مرت بواحد من أكثر العقود تدميرا في العصر الحديث، فإن قراءة الوضع ما زالت لا تُظهِر أي علامة على التراجع، وفق الصحيفة الصينية”.

ويرون أن “الثورات أكسبت التونسيين بعض الحرية والديمقراطية في الحديث عن آرائهم، لكنها أضرت بالمصريين وبإحساسهم بالأمن”، وأن “الاضطرابات السياسية التي تبعت الثورة في مصر أعادت البلاد إلى الوراء 15-20 سنة”[5].

ب. دلائل تجذر وعي الشعوب بقدرتها:

يرى مراقبون أن الشعوب العربية اكتشفت خلال العقد الماضي قوتها، وأدركت أنها يمكن أن تغير وأن تؤثر، وأنها ليست مجرد هامش على المجال السياسي في المنطقة، بل إنها تستطيع أن تفرض رؤيتها إذا أتيحت الظروف لذلك، وإذا نضجت ثمرة الحراكات السياسية التي لم تتوقف تماما بعد هزيمة الموجة الأولى من الثورات[6]. وأشار مقال بصحيفة “إندبندنت” البريطانية إلى أنه برغم “عودة الأنظمة السلطوية للتحكم بالبلدان العربية بشكل أسوأ مما كان عليه الأمر قبل انطلاق الثورات، وذلك بدعم خارجي” إلا أنها وفرت سابقة لـ”كسر جدار الخوف”، وخلص الكاتب “كيم سينجوبتا” فيها إلى أن “ما حدث في بعض الدول يوضح مدى التأثير الكبير الذي تمارسه الدول الأجنبية في البلدان التي جرت فيها الثورات”[7].

ويجمع المراقبون على أن موجات الاحتجاجات، الثانية في السودان والجزائر، والثالثة في العراق ولبنان ما هي إلا ثمرة هذه الحالة من الوعي الشعبي بالقدرة على التغيير. لافت في هذا الإطار أن هذه الاحتجاجات توقفت جزئيا جراء الدعاية الضخمة حول تداعيات «جائحة كوفيد 19» وتأثيراتها، وهي للمفارقة دعاية يأتي جلها الأعظم من الدول الغربية لا من الدول العربية. وفي العالم العربي، تتعاظم الدعاية حول تداعيات هذه الجائحة في دول الخليج العربي؛ والأردن، أكثر من غيرها، فيما لا تتبدى بنفس الحجم في المنطقة الأفريقية من العالم العربي.

وبحسب أوس قاطرجي في مقاله بمجلة “فورن بوليسي” الأمريكية، تُظهر الاحتجاجات والصعوبات الاقتصادية المستمرة في لبنان والعراق (وحتى لبنان والسودان) أن شهية الجمهور للتغيير الديمقراطي لا تزال مشتعلة بقوة، حتى بعد عقد من الاحتجاجات الإقليمية المدمرة والنزوح الجماعي واللامبالاة الغربية.

تستمر المنظمات الشيعية الإقليمية شبه العسكرية الإيرانية وتقنياتها الوحشية في تصعيد التوترات، وتجد المنظمات الأصولية السنية غير الحكومية أرضا خصبة في وسط الفوضى. كما باتت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أدت لاندلاع ثورات الربيع العربي أسوأ بكثير مما كانت عليه في عام 2011، وذلك قبل أن تدرك المنطقة تماما التأثير المالي لوباء فيروس كورونا[8]. ويرى الأكاديمي المصري البارز خليل العناني أن حصيلة الربيع العربي قد تبدو هزيلة مقارنة بالتضحيات التي وقعت حتى الآن سواء في مصر أو ليبيا أو سوريا أو اليمن؛ لكن الحقيقة التي لا مفر منها هي أن “الربيع العربي” أصبح بمثابة مرجعية للشباب العربي، الذي يحلم بالحرية والكرامة والعدالة، والذي لن يتوقف حتى يحقق حلمه[9].

وفيما يتعلق بمصر، فإن بوادر أمارات هذا الوعي الشعبي، من جهة، وأمارات القدرة الشعبية من جهة ثانية، تجلت في حراك 20 سبتمبر 2019 أكثر مما تجلت في حراك رفض مخالفات البناء في سبتمبر 2020، حيث كان حراك 20 سبتمبر سياسيا أكثر منه مطلبيا، كما أن أحد أهم أماراته أنه تحدى السقوف التي وضعتها المعارضة نفسها، والتي كانت تحاول دفع المصريين للتظاهر بصورة تدريجية؛ بداية بالتجمع غير الاحتجاجي أمام المنازل، فإذا بالحراك يكسر هذه الصورة تماما، ويقتحم الميادين الأيقونية لثورة يناير[10]، وهي الميادين التي تحظى بتأمين يكاد يكون هيستيريا، يتعاظم خلال كل دعوة للاحتجاج. وهي إشارة – بتقدير الباحث – إلى أن المصرييين يؤكدون استعدادهم للخروج متى توفرت الشروط الموضوعية من وجهة نظرهم لإحداث حراك فعال ومؤثر.

وفي إطار الوعي أيضا، يضيف “العناني” أنه كان لافتا أن يستمر المحتجون الجزائريون خلال حراك 2019 في الشوارع حتى بعد مغادرة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة لمنصبه، رافضين تكرار أخطاء نظرائهم المصريين الذين غادروا ميدان التحرير بعد 18 يوما من الاحتجاجات عندما تنحى مبارك”، و”أصروا على تحويل السلطة إلى حكم مدني”[11].

الاعتبارات السابقة دفعت رئيس المعهد الأوروبي للقانون الدولي والعلاقات الدولية د. محمد رفعت للقول بأنه لا يمكن الجزم بأن الربيع العربي قد فشل تماما، خاصة مع حجم الدمار الذي وجد في سوريا وليبيا واليمن، وهو يجعل الشعوب تتراجع قبل النهوض مرة أخرى. ويرى رفعت أن هناك حالة من اليأس بعد 10 سنوات على اندلاع الربيع العربي، خاصة مع سيل التطبيع، وهو ما قد يخلق انتفاضة في أي وقت؛ لأن الشعوب العربية لم يعد لديها ما تخسره[12].

ج. الاتفاق على افتقاد سلطة 3 يوليو الشرعية الداخلية:

لافت أن التوجهين حيال المستقبل، المتشائم والمتفائل يرون أن أنظمة الثورة المضادة تعاني أزمة شرعية، وأنها تسعى للهروب من هذه الأزمة بافتعال مشكلات داخلية وخارجية، وأنه غير قابل للاستمرار إلا عبر الدعم الخارجي. ويشير مراقبون إلى أن الظروف التي أدت لاندلاع الثورات الشعبية العربية قبل عشر سنوات لم تتغير، بل ازدادت سوءا، وارتفعت البطالة، وتراجعت الحريات، وتضخم الفساد، وتعزز القمع والاستبداد، وهذه كلها ظروف مهيأة للثورة، وهي ظروف لا ينقصها سوى الشرارة التي لا يعرف أحد متى ستندلع. هي شرارة لن يقررها شخص أو كاتب أو سياسي أو مركز دراسات، لأن حركة الشعوب لا تستطيع مراكز الدراسات والأمن قراءتها، وبقدر ما هي حركة عظيمة بقدر ما هي مفاجئة و”غير متوقعة”[13]. وبحسب تحقيق لوكالة “أسوشيتيد بريس” في تحقيقها في هذا الصدد، تعاني المنطقة من الصدمة والإرهاق بسبب أكثر العقود تدميرا في العصر الحديث، وربما الأكثر تدميرا منذ قرون[14].

في هذا الإطار، لم يتمكن محور الثورة المضادة من المضي قدما من دون توفر دعم دولي قوي. فمع صمت المجتمع الدولي – وربما رضاؤه الضمني – تدخلت روسيا لدعم “بشار” في سوريا، وأقدمت فرنسا على دعم “حفتر” ليبيا”، واعتبرت “إدارة ترامب” السيسي ديكتاتورا مفضلا. ولم يكن تواطؤ الدور الدولي محفزا بما فيه الكفاية للنخبة المدنية المصرية على الانخراط في تواصل قابل للتوظيف الإعلامي أمام عامة المصريين؛ مظهرا التواصل باعتباره تعبيرا أو بلوغا لدرجة من النضج السياسي قد يمثل مدخلا لبناء “عقيدة خلاص وطنية” يمكن المراكمة عليها. وكفى مدعاة لقدر لا بأس به من الطمأنينة حيال مستقبل الحراك المصري أن نجاح الثورة المضادة في مصر لم يكن ممكنا إلا عبر تدخلات خارجية مالية استثنائية، علاوة على البيئة المحيطة غير المستقرة.

ومع هذه التوافقات بين الرؤيتين، ينبغي الوقوف عند وجهين للاختلافات بينهما؛ يمكن إرجاعهما للفارق في الموقف الحضاري للتوجهين الفكريين، وهما:

أ. الاهتمام بالعامل الدولي:

فمن جهة، نجد أن المفكرين المنتمين، سواء للمنطقة أو للحالة الحقوقية يهتمون بالموقف الدولي كأحد العوامل التي أدت لفشل الربيع العربي بعامة، وثورة يناير بشكل خاص. وكما أشرنا قبلا بشئ من التفصيل، فإن الثورة المضادة في أي من مساراتها لم تنجح في مساعيها من دون دعم دولي وإقليمي. وتبدو عبارة “ترامب” حول “الدكتاتور المفضل” عبارة أيقونية تصف الموقف الأمريكي بشكل خاص، لكنها لا تنفك عن الموقف الأوروبي كذلك.

جدير في هذا الإطار أن نلفت إلى واقعة إعداد جماعي شهدتها مصر في قضية “اغتيال النائب العام المصري” في عام 2015، حيث إن واقعة الإعدام[15] أتت في توقيت سبقتها فيه بأيام زيارة من الرئيس الفرنسي للقاهرة، وتلتها بأيام القمة العربية الأوروبية التي عقدت في مدينة شرم الشيخ، ولم تؤثر الواقعة في الموقف الأوروبي برغم ما شابها من تصويرات فيديو تكشف عن وقائع إجبار على الاعتراف.

وفيما يتجاهل المفكرون عبر العالم أثر العامل الخارجي في الإطاحة بآمال الشعوب العربية، فإن المفكرين الحقوقيين وكذا المفكرين الإقليميين الإصلاحيين المهتمين بوضع الديمقراطية وحقوق الإنسان والنهضة العربية يشيرون لهذا العامل، ويرون أنه عامل مساعد مهم في تمكين محور الثورة المضادة، وإن كانوا يرون العامل الداخلي حاسما في تحقيق الانتكاسة التي منيت بها تطلعات شعوب المنطقة في الانعتاق من عوامل الإفقار المادي والمعنوي.

ب. الموقف من البعد الجيوسياسي:

فارق آخر بين التوجهين، حيث إن المفكرين عبر العالم في نظرتهم للربيع العربي، يهتمون بالوضع الجيوسياسي أكثر مما يهتمون بالوضع الداخلي لدول الربيع العربي، فيما يبدو موقف المفكرين الإصلاحيين أكثر اهتماما بتقدير العوامل السياسية الداخلية أكثر من اهتمامهم بالوضع الجيوسياسي. وهو اقتراب يرجع لتفاوت الموقف الحضاري بين الطرفين.

فالمفكرون الخارجيون يهتمون أكثر لموقف الكيان الصهيوني، والصراع المصري التركي، والعلاقات الغربية – الروسية أو علاقات الغرب بالصين، ويصل الاهتمام بطبيعة الحال إلى موقف التنظيمات الإسلامية، وبخاصة تنظيم الدولة، ويرد بعضهم أحد عوامل فشل الربيع العربي إلى ظهور هذه الحركات وتمكنها بعد انتفاضة الشعوب العربية، ويبلغ الأمر في بعض الأحيان حد الاستغلال الدعائي لهذا الأمر على نحو ما تعرضه قناة “فرانس 24”.

والتي ترى أن تنظيم “الدولة الإسلامية” قد نجح في إثارة ذعر الدول الغربية خصوصا لناحية قدرته على تجنيد آلاف المقاتلين من أوروبا ومناطق أخرى، وهو ما أطفأ شعلة حماسة تلك الدول تجاه مطالب الديمقراطية في دول “الربيع العربي”، ودفعها لاحقا لصب جل اهتمامها بعد 2014 على قتال التنظيم المتطرف، وغض الغرب الطرف عن ممارسات الأنظمة الاستبدادية التي قدمت نفسها على أنها الحصن الأخير في مواجهة الجهاديين[16].

المفكرون الإصلاحيون على النقيض في الموقف، حيث يبدو لديهم التمييز واضحا بين “التيارات الراديكالية المصنوعة استخباراتيا”، والتي تحقق عملية المواجهة معها أهدافا إستراتيجية للعالم الغربي، يتمثل أهمها في السيطرة على البلدان العربية، وبين تلك التيارات الأصيلة النابعة من التطور التاريخي للمنطقة، مثل التيارات الإسلامية المعتدلة، والتي تروم إصلاح الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وحتى الثقافية، ويرى الإصلاحيون أن هذه التيارات المعتدلة – كما العلمانية – في حاجة إلى مراجعات قوية لأفكارها؛ بما يكفل بناء رؤية وطنية مشتركة تمثل مدخلا للإنقاذ القومي.

ثانيا: قراءة خاصة الوضع في مصر

في هذا الجزء من الدراسة، ينتقل الباحث من مربع قراءة الحراك الفكري المرتبط بالربيع العربي، إلى تقديم رؤيته الخاصة للمشهد السياسي المصري وما يرتبط بمستقبل مشروع يناير من محكّات تستدعي التأمل؟ وينطلق الباحث في هذا الإطار من التأكيد على ما بات مسلمة تحليلية تتعلق بالواقع المصري؛ قوامها أن التوق للديمقراطية كان أقل تحفيزا للنخبة من “مشروع الخوف” الذي أزجته “سلطة مبارك” لعقود بتخويف التيار العلماني والكنيسة المصرية من الإسلاميين وهيمنتهم. ولم تلبث تلك الأسطورة – التي لم تجتهد جماعة الإخوان لمحوها أو تخفيف وقعها على الوعي المدني المصري – أن أتت أكلها بعد رئاسيات 2012، حيث بات الطرفان “الخائفان” متفقان مع “النخبة العسكرية” على ضرورة الإطاحة بهذه التجربة، حتى وإن كان ذلك في مقابل عودة سلطوية عسكرية تناست الجموع – باستثناء الأقباط – وقعها على القوى المدنية التي غذتها ديمقراطية ما قبل انقلاب 23 يوليو، وبخاصة في إطار مجتمع دولي تواق لاستقرار مصر؛ أيا كان نموذج الاستقرار بها؛ طالما أنه لا يشكل خطرا على الكيان الصهيوني.

“مشروع الخوف” بات واضحا إلى حد ما من خلال ما سبق أن سطرته في الفقرة عاليه. ولمزيد تعريف، فإن تعبير “مشروع الخوف” ينصرف إلى ذلك المشروع السلطوي ذي النزوع الطائفي الاستقطابي، والذي يهدف لزرع الخوف في نفوس التيار العلماني وأقباط مصر من التيار الهوياتي الإسلامي، على نحو يكفل له التفرقة بين التيارات الثلاثة، ما يمكنه من دفع الأقباط لمربع الطائفة، ومن ثم تبنيهم، واحتكار الحديث باسمهم، وإبعادهم عن أية حاضنة وطنية ديمقراطية، كما يمكنه من الحفاظ على القوى العلمانية في مربع القوى التابعة غير القادرة على تحقيق مستوى قوة مجتمعية تكفل لها الاستقلال بإرادتها عنه، وبناء خطاب إنقاذ وطني مستقل عن إرادة هذا النظام السلطوي.

وفيما نجحت “سلطة مبارك” في مسعاها الخاص بالأقباط، فإنها نجحت جزئيا في مسعاها الخاص بالتيار العلماني. فمن جهة، لم تتمكن “سلطة مبارك” من منع التيار العلماني من بناء قوة ذاتية، حيث إن هذا التيار بممثليه يحوزون أكثر من القوة التصويتية في مصر، وهو ما عبرت عنه المرحلة الأولى من انتخابات الرئاسة في مصر عام 2012، والتي كشفت حجم مؤيدي التيارات المصرية المختلفة، الإسلامي والعلماني والدولتي. لكن سلطة مبارك نجحت في بناء وقيعة تاريخية بين التيارين الإسلامي والعلماني، وهي الوقيعة التي نجح الانقلاب العسكري والمال السياسي الإماراتي في استغلالها لإحباط مشروع يناير.

هذا عن إطار تراجع مشروع يناير. فماذا عن ملامح المشهد الراهن؟ هذا ما سنتناوله في المحاور التالية:

أ. استمرار حدة الانقسام الشعبي:

يتزامن مع استمرار التهاب المشهد الاقتصادي الاجتماعي الراهن في مصر استمرار من نوع رد الفعل على هذا الوضع، وهو ما تمثل في استمرار الانقسام السياسي الحاد في مصر برغم الجهود التي بذلتها سلطة 3 يوليو في التمكين لنفسها ولنخبتها. هذا الانقسام يمكن رصد ملامحه عبر آخر محك للفعاليات السياسية في مصر، وهي انتخابات مجلس النواب 2020.

وتعد انتخابات مجلس نواب 2020 أول ممارسة انتخابية لاختيار أعضاء هذا المجلس بعد تعديل الدستور المصري عام 2019، وهي التعديلات التي أقرت استحداث غرفة تشريع ثانية للبرلمان هي مجلس الشيوخ. أُجريت انتخابات مجلس النواب 2020 على مرحلتين؛ في الفترة من أكتوبر وحتى ديسمبر 2020؛ لتجنيد أعضاء مجلس النواب الذي يتشكل من 568 عضوا، ينتخبون بالاقتراع العام السري المباشر. وقد خصصت التعديلات الدستورية والقانونية الأخيرة للمرأة ما لا يقل عن 25% من إجمالي المقاعد. كما أنه لرئيس الجمهورية حق تعيين عدد من الأعضاء بالمجلس بنسبة لا تزيد على 5%َ. وينتهي الفصل التشريعي (2016-2021) لمجلس النواب 2015 في 9 يناير.

وبموجب التعديلات المقرة بموجب القانون رقم 140 لسنة 2020 بتعديل بعض أحكام قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية رقم 45 لسنة 2014، وقانون مجلس النواب رقم 46 لسنة 2014، والقانون رقم 198 لسنة 2017 بشأن الهيئة الوطنية للانتخابات[17]، يتكون مجلس النواب من 284 نائبًا يتم اختيارهم بنظام “القوائم المغلقة المطلقة”، و284 نائبًا يتم اختيارهم بنظام “الفردى” بإجمالي 568 نائبًا منتخبا، بينهم 142 امرأة وفقا لنسبة الـ 25% المخصصة لها، فيما يعين رئيس الجمهورية 28 عضوا بالمجلس؛ بينهم 7 نساء وفق نسبة 5 % المقررة له قانونا؛ ليصبح إجمالى عدد أعضاء مجلس النواب 596 عضوا[18].

كان من اللافت أن حصاد المشاركة في انتخابات مجلس النواب كان أقل من نيابيات 2016، حيث شارك في هذه الانتخابات 18 مليونا و359 ألف ناخب؛ من إجمالي 63 مليونا و157 ألف ناخب، بنسبة مشاركة بلغت 29%. النسبة المئوية الرسمية المعلنة للتصويت في المرحلة الأولى من النيابيات بلغت 28.06%، بتعدادا 9,069,729 ناخبا، وبلغت النسبة المئوية لمن تخلفوا عن التصويت 71.94%؛ بتعداد 22,649,495 ناخبا، فيما بلغ العدد الكلي للناخبين المسجلين في محافظات المرحلة الأولى 31,719,224 ناخبا[19].

ولم تزد النسبة المئوية للتصويت في المرحلة الثانية عن سابقتها إلا بمقدار 1.44%، حيث بلغت النسبة المئوية لمن حضروا للتصويت 29.5% تقريبا؛ بتعداد حضور بلغ 9,289,166 ناخبا، وبلغت النسبة المئوية لمن تخلفوا عن التصويت 70.5%، بتعداد بلغ 22,148,961 ناخبا، فيما بلغ العدد الكلي للناخبين المسجلين في محافظات المرحلة الثانية 31,438,127 ناخبا[20].

انخفاض مستوى المشاركة دعا المستشار لاشين إبراهيم رئيس “الهيئة الوطنية للانتخابات” لاختتام إعلانه لنتائج الجولة الأولى بتوجيه كلمة للمواطنين قال فيها: “اقبلوا على الانتخابات ولا تسمعوا لمروجي الشائعات أعداء الوطن والمواطنين الذين يستخدمون سلاح الكذب وتضليل عقول الناس; لذا يجب علينا ألا نجعل آذاننا محطة للشائعات وأن نجعل أعيننا ناظرة للإنجازات، ونصم آذاننا عن الأكاذيب التي يبثها أهل الشر ضد وطنهم والتي يبغون من ورائها التشكيك في كل أعمال البناء والتنمية في مصرنا الحديثة[21].

نسبة المشاركة الموضحة عاليه تعكس استمرار واستقرار حالة الانقسام التي تعيشها مصر منذ انقلاب يوليو 2013. وفي دراسة سبق للباحث إعدادها، ونشرت صحيفة العربي الجديد طرفا منها، نجد أن معيار التمييز بين الأوزان النسبية للقوى السياسية المختلفة يمكن تلمس المعيار المركزي له عبر “الجولة الأولى” من انتخابات الرئاسة في عام 2012، وهي انتخابات يمكن اعتبارها معيارية لعدة اعتبارات، هي:

أ. اتساع نطاق المشاركة السياسية في هذه الانتخابات بين المواطنين المصريين، لما اتسمت به هذه الانتخابات من نزاهة سياسية اعترف بها جميع المرشحين المشاركين فيها، وهو ما يمكن اعتباره دليلا لتقييم الأوزان النسبية للتيارات السياسية المختلفة.

ب. اتساع نطاق مشاركة التيارات السياسية المختلفة في هذه الانتخابات، وكان التمثيل أحيانا يتم عبر أكثر من مرشح ممثل للتيار الواحد، وهو ما جعل من اليسير، تجميع الأصوات التي حصل كل تيار على حدة.

ج. كما أن اختيار المرحلة الأولى يتيح لنا أن نتعرف على وزن كل من التيار الإسلامي بقواه المختلفة وكذلك التيار المدني منفردين. ففي المرحلة الثانية من هذه الانتخابات، انخفضت نسبة المشاركة، كما قام المرشحان الإسلامي محمد مرسي والدولتي أحمد شفيق ببناء منظومتي تحالف، ما يجعل هذه المرحلة غير كاشفة للأوزان النسبية للتيارات السياسية الكبرى في مصر بصورة جلية.

في الجولة الأولى من هذه الانتخابات، حصل الرئيس المصري الأسبق، محمد مرسي، على 24٫78% من إجمالي الأصوات الصحيحة، وحصل مرشح قوى ما قبل ثورة يناير، الفريق أحمد شفيق، على 23٫7% من هذه الأصوات، وحصل المرشح المدني حمدين صبّاحي على 20٫7%، وحل عبد المنعم أبو الفتوح رابعا بنسبة 17٫5%. وفي آخر الأرقام المعتبرة، حصل المرشح الدولتي عمرو موسى على 11% تقريبا. أما بقية المرشحين الثمانية فحصل أعلاهم المستشار محمد سليم العوا على نسبة 1٫01% من إجمالي الأصوات الصحيحة.

ولو أعدنا ترتيب هذه الأرقام وفق تداعيات الانقسام الذي بدأت تشهده مصر منذ نوفمبر 2012، سنجد أن نصيب التيار الإسلامي الديمقراطي قد يبلغ 33% من أصوات الناخبين، منهم 24% صوتوا لمرسي، و7% هي نسبة الأصوات السلفية والإسلامية التي ذهبت إلى أبو الفتوح، بالإضافة إلى أصوات المستشار محمد سليم العوا البالغة 1%، وأصوات ناخبي السفير عبد الله الأشعل (0.05%).

ولم يبتعد التيار العلماني الديمقراطي كثيرا عن هذا الرقم، إذ يحصد نحو 32% من  “الأصوات، منهم 20.7% هم حصيلة أصوات المرشح القومي حمدين صباحي، بالإضافة إلى أصوات اجتهاد الطرح المدني لعبد المنعم أبو الفتوح (10.5%)، فضلا عن حصيلة أصوات المحامي خالد علي (0.6%)، وكذلك 0.3% تمثل حصيلة أصوات كل من المرشح أبو العز الحريري (حصل منفردا على 0.17% من الأصوات الصحيحة) والمستشار هشام البسطويسي مرشح حزب التجمّع الوطني التقدمي الوحدوي (حصل منفردا على 0.13%). وجاءت أصوات الأقباط موزّعةً بين هذا التيار والتيار الدولتي التالي بيان وزنه.

أما التيار الدولتي، فإن حصته تبلغ 35% من الأصوات، حاصلا على أصوات الفريق أحمد شفيق البالغة 23.7%، بالإضافة إلى نسبة 11.13% هي حصيلة أصوات الدبلوماسي عمرو موسى، يُضاف إليها 0.3% من إجمالي الأصوات محصلة المرشح المستقل محمد حسام (ضابط شرطة سابق) ومرشح حزب الجيل محمد فوزي عيسى واللواء حسام خير الله (ضابط مخابرات سابق)[22].

من خلال تحليل الأرقام السابقة، نجد أن نسبة التأييد التي يتمتع بها التيار الدولتي، والتي كانت تبلغ نحو 35% خلال المرحلة الأولى من انتخابات قد انهارت إلى 29%، وهي نسبة تكاد تكون ثابتة خلال كل الفعاليات الانتخابية التي أجرتها سلطة 3 يوليو، وهو ما يعكس استمرار الانقسام، برغم مفاجآت أخرى عديدة كشفت عنها هذه الانتخابات.

ب. تطور حراك القوى السياسية المصرية:

انتقل المشهد السياسي المصري من مربع المقاومة إلى مربع تباين التوجهات:

المربع الأول: نشأ هذا المربع خلال المرحلة التي أعقبت مذبحتي “رابعة” و”النهضة” وأخواتهما، ثم خوض رأس سلطة 3 يوليو رئاسيات 2014، واتسمت ملامح المعارضة المصرية بما يلي:

  1. بدأت المعارضة المصرية تنقسم لقسمين رئيسيين، أولهما التوجه اليميني، ويضم التوجهين الإسلامي واليساري القومي، حيث بدأ هذان التوجهان في التقارب، وأطلقا معا عدة مبادرات مشتركة، وهي المبادرات التي أمكن للباحث – في دراسة سابقة – تقسيمها لتوجهين أساسيين: الوعي والإنقاذ[23]، وكان من نماذج مبادرات للوعي مبادرة حمدين صباحي “لنصنع البديل” أو مبادرة إبراهيم منير “حكماء مصر”، ومنها مبادرات الإنقاذ مثل “معصوم مرزوق” ومبادرة “سامي عنان”.

وأدى هذا الحراك لصدور عدة مبادرات مستقلة هدفها دعم هذا التوجه المبادر، وكان من أبرزها مبادرة العالم المصري البارز “عصام حجي”[24]، وقد أفرز الحراك في هذا الإطار تأسيس “الحركة المدنية الديمقراطية” كإطار أو مظلة حاولت أن تكون جامعة للتيار المدني[25]. وفي هذا الإطار، قامت جماعة الإخوان بإنشاء عدة منابر إعلامية، إحداها حملت خطابا إخوانيا قحا (مكملين)، فيما تركت كل من قناتي “الشرق” “وطن” تتبنى خطابا أكثر تقدمية، علاوة على منابر أخرى موجهة لغير مصر.

  1. استدعاء النموذج الإسباني: وعلى الاتجاه الآخر ضمن المعارضة المدنية، بدأ جناح من التيار الليبرالي المصري وآخر من اليسار الليبرالي في الدعوة لبناء القوة الذاتية؛ استعدادا للجولة القادمة من المواجهة مع سلطة 3 يوليو، وكان خطاب الحركتين يعلن الهدف من عملية بناء القوة الذاتية؛ والمتمثل في أن تكون الحركة المدنية قادرة على إدارة التفاوض مع التيار الإسلامي ومؤسسات الدولة على أساس من الندية لا الالتحاق[26].
  2. استنساخ سلطة 3 يوليو لنموذج الحزب الوطني الديمقراطي: وخلال هذه المرحلة، بدأت سلطة 3 يوليو في السعي لاستنساخ نموذج حزبي مماثل لنموذج “سلطة مبارك”، حيث بدا أن ثمة صراع بين اتجاهين؛ أولهما أمني سعى لبلورة النسخة الحزبية في “حزب حماة الوطن”، فيما ذهب فريق آخر، بظهير أمني وكوادر سياسية لبناء “حزب مستقبل وطن”، وهو النموذج الذي كانت له الغلبة في النهاية.
  3. اتساع نطاق الاعتقالات في الأوساط المدنية: وخلال هذه المرحلة، كان التيار العلماني الأكثر راديكالية في ديمقراطيته يتدفق على السجون بدءا من اليسار المصري وكانت أبرز حملات السجن الجماعية تلك المرتبطة باسم “خلية الأمل”، وحملة اعتقالات “محاميي حراك 20 سبتمبر”، علاوة على اعتقال عدد كبير من رموز المجال العام المصري، منهم السفير معصوم مرزوق والمستشار هشام جنينة والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح والمهندس يحيى عبد الهادي، ورموز وقامات مصرية عدة.

ومع التعديلات الدستورية، واستمرار سجن القيادات السياسية المصرية، آل المشهد السياسي المصري إلى مربع يبدو مختلفا بعض الشئ، يمكن إيجاز أهم ملامحه فيما يلي:

1. خفوت وتيرة المبادرات:

مع خروج التعديلات الدستورية للعلن، واستمرار سجن القيادات السياسية المصرية، ومحاولة سلطة 3 يوليو تصدير صورة اشتعال المواجهة بين مصر وتركيا، والتي سيبدو معها أي توجه نحو التلاقي مع معارضة الخارج وكأنه ضرب من الخيانة الوطنية. فمع تصاعد الاتصالات الأمنية بين مصر وتركيا، بدا أن وتيرة المبادرات المشتركة بدأت تتراجع على الصعيدين الكمي والكيفي، حيث لم يعد هناك حامل للواء التلاقي أو حامل للواء المبادرات المشتركة، بالرغم من خروج السفير معصوم مرزوق من السجن بعد مبادرته الشهيرة.

وبدا الوضع المصري في طريقه إلى ركود من نوع جديد، وعاود قطاع من المعارضة المصرية توقع النصرة من النصف الغربي من الكرة، وبخاصة مع قدوم الرئيس الأمريكي الجديد “جو بايدن”. وربما يترقب قطاع من القوى الوطنية ما ستسفر عنه الاتصالات الأمنية بين تركيا ومصر.

ويمكن القول بأن هذا الركود الحركي أتى على خلاف اتجاه الشارع المصري نحو الاشتعال، سواء عبر حراك 20 سبتمبر 2019، أو عبر حراك وقف البناء ومخالفاته في سبتمبر 2020، وإن لم يؤثر هذا الركود الحركي على تحرك بعض رموز القوى لتخفيف وطأة الاحتجاجات على الشارع المصري، وهو الأمر الذي قابلته سلطة 3 يوليو بحدة بلغت حد اعتقال المحامين المنافحين عن الشباب المشارك في الحراك، وكان أبرز هؤلاء المحامين محمد الباقر وماهينور المصري.

2. استنساخ سلطة 3 يوليو لنموذج الإخوان في العمل السياسي التعاوني:

من جهة أخرى، وكعادة سلطة 3 يوليو في استنساخ التجارب، اتجه حزب سلطة 3 يوليو “حزب مستقبل وطن” في استنساخ تجربة العمل السياسي التعاوني مع القوى السياسية غير القومية، حيث استضاف على قائمته الانتخابية “القائمة الوطنية من أجل مصر” عددا من الأحزاب، من بينها “حزب الوفد”، “حزب حماة الوطن”، “حزب مصر الحديثة”، “الحزب المصرى الديمقراطى الاجتماعي”، “حزب الشعب الجمهورى”، و”حزب الإصلاح والتنمية”، “حزب التجمع”، و”حزب إرادة جيل”، و”حزب الحرية المصري”، و”حزب العدل”، و”حزب المؤتمر”، بالإضافة إلى “تنسيقية شباب الأحزاب”[27].

وكان اللافت مشاركة أحزاب مثل “الحزب المصرى الديمقراطى الاجتماعي” و”حزب الإصلاح والتنمية” و”حزب العدل” في هذه القوائم بالنظر لمواقفها من تجربة 3 يوليو بعد ترشح رأس سلطة 3 يوليو للانتخابات الرئاسية. وكان الأكثر لفتا للمراقبين أن أحد أعضاء تكتل 25 – 30 قد قبل الانضمام للقائمة برغم توصية التكتل بعدم النزول على قوائم أحزاب السلطة، وهو النائب إيهاب منصور.

غير أن دخول هذه القوائم “براجماتياً” حصد لـ “حزب الإصلاح والتنمية” 9 مقاعد بعد أن خسر جميع مرشحيه بالنظام الفردي، وكان قد نال 3 مقاعد في مجلس 2016. أما حصة “الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي” فقفزت من 4 مقاعد في مجلس 2016 إلى 7 مقاعد في المجلس المرتقب، وكلها أتت بمرشحيه في نظام القائمة[28].

غير أن الانضواء تحت لواء قائمة “مستقبل وطن” لم يمنع مرشحي الأحزاب المدنية من تأييد رفاقهم الحزبيين المرشحين عبر النظام الفردي[29]. كما حصل “حزب الوفد” على نحو 10 مقاعد منها 6 مقاعد تقريبا بالقائمة المطلقة و4 بالفردي؛ في مقابل 35 مقعدا فى المجلس 2016، ما يعد تراجعا كبيرا للحزب الذي شهد انشقاقات واسعة بسبب تحالفاته[30]، ما قد يتيح له مقعدا في مستقبل مصر في حال شهد المستقبل تغيرا نوعيا.

ج. تجفيف منابع قوة المجتمع:

بصرف النظر عن منهج سلطة 3 يوليو المرتبط بالموقف الإماراتي من جماعة الإخوان، وشيطنة هذه الجماعة، لا لشئ إلا لمنع تأثيرها المتخوف منه على المجتمع فيما يتعلق بتمكينه؛ وتحميله برؤية اجتماعية – سياسية – اقتصادية، فإن سلطة 3 يوليو قد عملت على تجفيف أي منبع لدعم المجتمع، وقامت باستبدالها بمنابع جديدة تدعم المجتمع؛ لكنها تدعمه في اتجاه إحكام قبضة الدولة عليه لا من أجل عتقه أو تمكينه.

من بين القوى المجتمعية التي عملت سلطة 3 يوليو على احتوائها شريحة رجال الأعمال. ولا تنسى سلطة 3 يوليو أنها اعتمدت على هذه الفئة من أجل الإطاحة بالرئيس المنتخب ديمقراطيا محمد مرسي، حيث لعب رجال الأعمال دورا في تمويل مجموعات “بلاك بلوك” و”حركة تمرد”، والتي أتى تمويلها جزئيا عبر رجال أعمال معروفين، هذا فضلا عن علاقة رجال الأعمال بوسائل الإعلام التي استغلتها النخبة العسكرية للإطاحة بمرسي كذلك.

وكانت الخطوة الأولى في هذا الصدد العمل على تجريد رجال الأعمال من ملكية وسائل الإعلام، بما في ذلك الوسائط الاجنبية، حيث أجبرت سلطة 3 يوليو رجل الأعمال نجيب ساويرس على التنازل عن حصته في مجموعة “إن إس بي سي” الأوروبية، وضغطت على مجموعة قنوات الحياة حتى اشترتها من رئيس حزب الوفد “السيد البدوي”، وحصلت على تنازلات من رجال الأعمال عن حصص ملكيتهم في صحف ومواقع وقنوات إعلامية، أو تدخلت فيها كشريك مسيطر، ونقلت كل هذه الوسائل لـ”شركة إعلام المصريين”، ومنها إلى مجموعة “إيجل كابيتال” وغيرها من الشركات التي تحصر ملكيتها في جهاز المخابرات العامة أو المخابرات الحربية .

وعلاوة على ذلك اشتدت قبضة سلطة 3 يوليو على عدد كبير من رجال الأعمال مثل صلاح دياب وصفوان ثابت، وغيرهم، في إطار الضغط لمنع أي دور سياسي لرجال الأعمال، باستثناء مجموعة من رجال الأعمال المعروف عنهم التورط في قضايا فساد تمكن السلطات من رقابهم في حال خرجوا عن الخطوط المرسومة لحركاتهم، ومن أبرز هؤلاء رجل الأعمال محمد أبو العينين الذي صار مؤخرا وكيلا لمجلس النواب المصري.

القطاع الثاني الأبرز الذي جرى تكبيله هو المنظمات غير الحكومية التي يكبلها اليوم القانون رقم 149 لسنة 2019 بشأن تنظيم ممارسة العمل الأهلي، والذي خفف القيود الثقيلة التي حفل بها القانون القانون رقم 70 لسنة 2017، وصدرت قبل أيام اللائحة التنفيذية للقانون الجديد، وقيد القانون أي نشاط من أنشطة العمل الأهلي من دون إشهار جمعية تباشر هذا النشاط، وألغى عقوبة الحبس واكتفي بالغرامات المالية التي تبلغ مليون جنيه في بعض العقوبات، كما حظر على الجمعيات تلقي أية أموال من أي شخص طبيعي أو اعتباري بخلاف مصادر تمويلها المنصوص عليها بالتصريح الصادر لها إلا بعد موافقة الوزير المختص دون غيره[31].

ولم يمنع هذا القانون عقوبات مصادرة الأموال التي طالت النشطاء الحقوقيين، والمنشآت التي وهبوها للخدمة العامة مثل مكتبات “الكرامة” و”ألف” وغيرها، فيما لا يزال مالك سلسلة مكتبات “ألف” معتقلا ضمن اعتقالات “خلية الأمل” في 25 يونيو 2019، أي منذ ما يقرب العامين بدون أن يحاكم حتى هذه اللحظة[32].

يضاف لما سبق بطبيعة الحال ما تصادفه مشيخة الأزهر من تكبيل، وما تكابده من مواجهات مستمرة مع سلطة 3 يوليو، لتسير في هذه المواجهة على “أصرطة من اللهب”، وبخاصة مع قبول كل من وزير الأوقاف ومفتي الجمهورية بلعب دور الضاغط على هذه المؤسسة، والدافع لها نحو الزاوية من دون فاعلية تذكر في إدارة الحالة الدينية في مصر، اللهم إلا عبر البيانات المؤسسية وخطب الشيخ وحده، حيث باتت رموز الأزهر مرهوبة بعدما واجهه الشيخ عباس شومان، وكيل الأزهر سابقا من عنت وضغوط وإكراه على الاستقالة.

خاتمة: المستقبل

تدل على المسارات المستقبلية عدة مؤشرات، بعضها داخلي والبعض الآخر خارجي. وبرغم أن الاعتماد على المؤثرات الخارجية لا يصح اعتباره عاملا حاسما لأسباب بعضها يتعلق بالحس الوطني، وبعضها الآخر يتعلق بالاعتبارات الموضوعية التي لا تثق في حقيقة الضغوط الغربية ولا في قدرتها على إحداث فارق، إلا أن يكون من المهم إيراد هذه العوامل وفحص تأثيراتها باعتبارها أحد المؤشرات التي تؤثر على صناعة القرار في مصر، وتؤدي إلى حدوث تكيفات في سلوك سلطة 3 يوليو، من المهم التعاطي معها.

وتتمثل متغيرات الخارجية عدة عوامل، أولها متغير الإدارة الأمريكية الأمريكية؛ وما تمثله من تحد لسلطة 3 يوليو، وبخاصة خطاب الرئيس الأمريكي “جو بايدن” المتعلق بوضع ضوابط وقيود “خطابية” على تعاطي سلطة 3 يوليو مع القضايا الحقوقية، من دون توفير ضغوط حقيقية، وهو ما يعزى لأهمية التعاطي مع “أي سلطة” في مصر؛ بالنظر للأهمية الجيوسياسية لدولة مثل مصر.

هذا علاوة على موقف ترامب المهاجم للمعونة العسكرية لمصر، ومساومات الكونجرس بخصوص الحقوقيين والأقليات الدينية. هذا علاوة على قضية الباحث الإيطالي “جوليو ريجيني”، والذي قد يؤدي تطور الموقف الإيطالي حياله لتوفير قدر من الضغط على سلطة 3 يوليو؛ وهو ما افتتح بموقف البرلمان الأوروبي خلال ديسمبر 2020. ومن جهة أخرى، يبدو اختراق سلطة 3 يوليو لتكتل السلطة الدولية في كل من أوروبا وآسيا أحد أمارات التحضير الفعال لتجنب المفاجآت، وما يمثله هذا الاختراق من تعزيز لقدرة الانقلاب العسكري على إدارة آليات التعاطي مع المتغيرات.

ويُضاف لما سبق وجود العامل التركي الذي يمثل أبرز التحديات الإقليمية لمصر، مضافا إليه تحد “دومينو التطبيع” وتأثيراته التي تمثل حتى الآن داعما لسلطة 3 يوليو ومنهج التطبيع البارد الذي تنتهجه. كما تشهد المنطقة 4 توجهات للمصالحة، سواء بين السعودية وقطر، أو بين السعودية وتركيا، أو بين تركيا والكيان الصهيوني، أو بين مصر وليبيا، وهي توجهات قد تفضي لتأثيرات محدودة على الوضع في مصر.

وفي نفس الإطار الخارجي، فإن المعطيات الراهنة تتضمن متغيرات أخرى قد تؤدي لتطورات مستقبلية خطيرة، منها ملف سد النهضة الذي تواجه فيه مصر تحديات تتجاوز الفتور الأمريكي حيال الملف، باتجاه موقف عالمي واسع النطاق داعم لإثيوبيا سنعرض لتفاصيله، حيث لم يتبق لمصر إلا الموقف السوداني، وبخاصة بعد الاحتواء النسبي لأزمة التكامل التي وقعت لإثيوبيا مع إقليمي “تيجراي” و”بني شنقول”.

ويُضاف لهذا العامل ما يتعلق بالتأزم الاقتصادي الذي لمسه صندوق النقد الدولي والمتعلق بضعف قدرة الاقتصاد المصري على النمو في إطار الدور الاقتصادي القوي والمتنامي للمؤسسة العسكرية؛ والتي لم تثبت قدرتها على قطر الاقتصاد المصري. وتأثير نمط التسلح المصري المتسارع، والذي تجاوز مركزية السلاح الغربي باتجاه أسلحة ترد من كل من روسيا والصين. هذا علاوة على بدائل قناة السويس التي باتت متعددة (خط أنابيب عسقلان / حيفا – خط سكة حديد دبي / حيفا – خط سكة حديد إسطنبول / الفاو – خط سكة حديد إسطنبول / بكين) وتأثيرها المرتقب.

وتسم غالبية العوامل السابقة بأن لها تأثير مزدوج، حيث إن المحور الواحد يتضمن أوجه ضعف وقصور إلى جانب إمكانات قوة وتهيؤ لمواجهة المتغيرات. فالعوامل التي تحمل أوجه متباينة يمكن إجمالها في الضغوط الغربية بشكل عام، والوضع الاقتصادي وخطاب العداء لتركيا، والعمل الدؤوب للدبلوماسية المصرية. أما عن القضايا التي تحمل تأثيرا سلبيا مطلقا فتتمثل في جائحة «كوفيد 19»، وقضية بدائل قناة السويس.

تأثير هذه المعطيات على الوضع في مصر يمكن تلمسه من زاوية تأثيره على شرعية سلطة 3 يوليو، والتي تتأثر سلبا بتردي الوضع الاقتصادي وتدهور مكانة قناة السويس، وقضية مقتل ريجيني بسبب الضغوط التي قد تمس شرعية الانقلاب العسكري أمام جهاز الشرطة، لكنها إن مرت بدون إجراءات في مواجهة الضباط المتورطين في تعذيب ومقتل “ريجيني” فسوف تصب في مربع تعزيز شرعية هذه السلطة.

ويصب خطاب العداء لتركيا في صالح سلطة 3 يوليو من زاويتين أولاهما تعزيز تماسك القاعدة المؤيدة لهذه السلطة، فضلا عن مد السلطة جسور تواصل مع الأطراف القومية والعلمانية التي تنظر بمنتهى السلبية للحضور التركي؛ إما لأسباب سياسية أو ثقافية. كما أن تمدد النفوذ والقوة التركيين من شأنهما أن يفتحا الباب أمام إدماج مصر في تصورات متعددة لاحتواء تركيا، أحدها أمريكي والآخر فرنسي. هذا علاوة على تأثير تعامل إثيوبيا في مواجهة التحديات الداخلية فيها؛ واحتمالات استكمال ملء خزان سد النهضة.

فيما لا تبدو قضية “قطع المعونة” – إن حدثت – قضية قادرة على التأثير على شرعية سلطة أمام المؤسسة العسكرية، بل ستكون معززة لها، وبخاصة مع تمرير المشروع الأمريكي المزمع لكومنولث شرق المتوسط؛ والذي يضم مصر واليونان وقبرص والكيان الصهيوني.

ويُضاف لذلك احتمال نجاح الضغوط الأمريكية في الإطاحة بالرموز العسكرية الرافضة لمشروع الكومنولث المقترح. كما يفتح ملف “دومينو التطبيع” الباب أمام تعزيز شرعية سلطة 3 يوليو لدى مؤيديها ولدى الاتجاه القومي بالنظر لسياسة “التطبيع البارد” واحتمالات معاودة تسلم مصر للملف الفلسطيني مجددا بعد انقطاع لفترة ليست بالقصيرة، فضلا عن شرعيته أمام المؤسسة العسكرية – برغم تفريطه في تراب “تيران” و”صنافير”.

ويُؤدي تراجع الوضع الاقتصادي إلى تعزيز تآكل شعبية الانقلاب العسكري؛ لكنه تآكل يقف عند حدود شرعية المؤسسة العسكرية التي تتآكل لكن بصورة أضعف.

ويمكن – بشكل عام – تلمس تأثير المعطيات السابقة على استقرار الانقلاب العسكري في قاعدة عامة تتمثل في أن تأثير غياب الشرعية سيؤدي لتعزيز حالة عدم الاستقرار السياسي بالنسبة لشخوص سلطة 3 يوليو؛ إلا في حالة قدرة نخبة 3 يوليو على تثبيت أقدامها في مواجهة الأجهزة الأمنية بشكل خاص، وهو ما يرتبط باستمرار ضعف المعارضة الفعالة.

أما المتغيرات الداخلية فإنها تبدو أقل فاعلية في اللحظة الراهنة بالنظر لما تكابده الجبهة الداخلية من مصاعب عدة تتمثل في وجود عدد كبير من قيادات العمل السياسي الوطني في السجون؛ إما محكومين أو بدون محاكمات (وهم الغالبية الساحقة)، أو بسبب حالة السكون التي تلف مبادرات الحراك العام، وهو ما سبق أن أعزناه إلى عدة عوامل أهمها غياب من يقبل التعاطي معها من رموز العمل الوطني الذين يقبع أغلبهم في غياهب السجون، علاوة على التغيرات السياسية الحاصلة في العالم اليوم، وبخاصة على صعيد تداعيات وصول إدارة “جو بايدن” للسلطة، وحالة انعدام اليقين حيال مآل العلاقات المصرية التركية، بالإضافة لاتجاه حزب سلطة 3 يوليو لاستنساخ تجربة جماعة الإخوان في بناء علاقات تعاونية ذات سقف منخفض مع احزاب المعارضة، والتي انضوى تحت لوائها سياسيون سبق لهم أن مثلوا عناصر نشطة في تحالف 25 – 30 ذي النشاط السياسي المعارض.

ويبدو المتغير الاقتصادي أكثر المتغيرات قدرة على التأثير في المستقبل، برغم رؤية المراقبين لاستعداد سلطة 3 يوليو على توسيع نطاق اللقمع وادواته للسيطرة على أي حراك لا تحركه اطراف من جهاز الدولة يمكن التفاوض معها وشراء رضاها.

المتغير الأخير، والذي شكل رقما مهما خلال العامين الماضيين، والمتعلق بالحراك الشعبي، وقدرة أجنحة السلطة على توظيفه، احد أهم العوامل التي يمكن أن تمثل مفاجأة للمراقبين، وهي مسألة يجمع عليها الفرقاء المتشائمين والمتفائلين حيال المستقبل المصري، مستندين في ذلك لقضية التدهور البادي في مستوى المعيشة بالنسبة للشرائح الاجتماعية الوسيطة والبسيطة. فهذا المتغير عرضة للتأثر ببعض المتغيرات الخارجية، وأهمها الدعم المادي المستقبلي؛ والذي سيتوجه لسداد الديون، وقضية سد النهضة.


الهامش

[1] STEVEN A. COOK, The End of Hope in the Middle East, Foreign Policy Magazine, 5 SEPTEMBER 2020. http://bit.ly/3bCMQ8O

[2] حسن نافعة، العالم العربي بعد عشر سنوات من “ثورات الربيع”، صحيفة “العربي الجديد” اللندنية، 26 ديسمبر 2020. http://bit.ly/38G1M43

[3] المحرر، “أثبتت الثورة أن كل شيء ممكن”.. 10 سنوات على شرارة “الربيع العربي”، موقع “ارفع صوتك”، 19 ديسمبر 2020. http://bit.ly/3qlqNrh

[4] حسن نافعة، العالم العربي بعد عشر سنوات من “ثورات الربيع”، صحيفة “العربي الجديد” اللندنية، 26 ديسمبر 2020. http://bit.ly/38G1M43

[5] Huang Peizhao, Jing Yue and Li Xiao, Ten years since Arab Spring, the US leaves a mess, ruin in Middle East with interference, imposing ‘Western democracy’, Global Times, 16 December 2020. http://bit.ly/3nJxt0q

[6] فراس أبو هلال، ما تبقى من الربيع العربي بعد عشر سنوات، موقع “عربي 21″، 21 ديسمبر 2020. http://bit.ly/2XDwmEY

[7] Kim Sengupta, A decade on from the start of the Arab Spring, we must reflect on where it went wrong. Independent, 16 December 2020. http://bit.ly/3oFdWzy

[8] المترجم، 10 سنوات على الربيع العربي: مجلة أمريكية تفضح تواطؤ الغرب.. وحصار العالم العربي، موقع “أورينت نت”، 19 ديسمبر 2020. http://bit.ly/38HF6jX

[9] خليل العناني، تأملات حول “الربيع العربي”، الجزيرة نت، 20 ديسمبر 2020. http://bit.ly/38DnFAM

[10] وسام فؤاد، مصر.. الاحتجاج المشروط: قراءة في حراك 20 سبتمبر، المعهد المصري للدراسات، 25 أكتوبر 2019. https://eipss-eg.org/?p=41000

[11] Khalil al-Anani, Warning to all tyrants: The Arab Spring lives on, Middle East Eye, 17 December 2020. http://bit.ly/2N1lnDn

[12] محمد أبو رزق، عشر سنوات على الربيع العربي.. أنظمة سقطت وأدوار خبيثة للإمارات، موقع “الخليج أونلاين”، 20 ديسمبر 2020. http://bit.ly/2Ka4W6v

[13] فراس أبو هلال، ما تبقى من الربيع العربي بعد عشر سنوات، موقع “عربي 21″، 21 ديسمبر 2020. http://bit.ly/2XDwmEY

[14]

[15] المحرر، إعدام 9 شبان في مصر “قتل جماعي” أم “تحقيق للعدالة”؟، موقع “قناة بي بي سي” بالعربية، 21 فبراير 2019. http://bbc.in/2LHi2cf

[16] المحرر، ما الذي تحقق من أحلام “الربيع العربي” بعد مرور عشر سنوات على انطلاقه؟، موقع “قناة فرانس 24” بالعربية، 17 ديسمبر 2020. https://bit.ly/35C1zgq

[17] هشام عبد الجليل، تعرف على تعديلات قانون مجلس النواب فى 23 معلومة بعد تصديق الرئيس، صحيفة “اليوم السابع” المصرية، 2 يوليو 2020. https://bit.ly/37xxLTu

[18] إبراهيم قاسم، إعلان نتيجة آخر مراحل انتخابات مجلس النواب 2020.. الاثنين المقبل، صحيفة “اليوم السابع” المصرية، 12 ديسمبر 2020. https://bit.ly/37v1QTs

[19] شريف أبو الفضل، إعلان نتيجة الجولة الأولى من المرحلة الثانية لانتخابات النواب.. اليومن صحيفة الأهرام المصرية، 15 نوفمبر 2020. http://bit.ly/3amxjJz

[20] الهيئة العامة للاستعلامات، الوطنية للانتخابات تعلن نتائج المرحلة الثانية من انتخابات النواب، 15 نوفمبر 2020. http://bit.ly/3pbjlyl

[21] الهيئة العامة للاستعلامات، الوطنية للانتخابات تعلن نتائج المرحلة الثانية من انتخابات النواب، 15 نوفمبر 2020. http://bit.ly/3pbjlyl

[22] وسام فؤاد، في وزن القوى المدنية الديمقراطية المصرية، صحيفة “العربي الجديد” اللندنية، 6 سبتمبر 2018. http://bit.ly/3aB2d0K

[23] وسام فؤاد، مصر: المبادرات.. الركن الثالث أو الموات، المعهد المصري للدراسات، 9 يناير 2017. http://bit.ly/35QtMQC

[24] وسام فؤاد، مصر: مبادرة حجي والتحولات الإقليمية والدولية، المعهد المصري للدراسات، 25 أغسطس 2016. https://bit.ly/3qrIt4o

[25] وسام فؤاد، الحركة المدنية الديمقراطية: السياقات والدلالات، المعهد المصري للدراسات، 24 ديسمبر 2017. https://bit.ly/35Pz0Ms

[26] وسام فؤاد، مصر: مبادرة أيمن نور وصدمة النموذج الإسباني، المعهد المصري للدراسات، 17 مايو 2019. http://bit.ly/2LOsJZT

[27] القائمة الوطنية.. سابقة تنجح للمرة الأولى فى تمثيل توجهات مختلفة بالبرلمان، صحيفة “اليوم السابع” المصرية، 15 ديسمبر 2020. https://bit.ly/2LLeTrr

[28] إيمان علي، التركيبة النهائية لـ”النواب” تظهر حصول”مستقبل وطن” على أغلبية محدودة فى برلمان 2021.. الحزب حرص على تكوين قائمة ضمنت تمثيل أحزاب المعارضة وإيجاد تعددية.. تجربة انتخابات “الشيوخ” خير دليل على عدم رغبة الاستحواذ

الثلاثاء، صحيفة “اليوم السابع” المصرية، 15 ديسمبر 2020. https://bit.ly/3nCBO6k

[29] مريم يوسف، النائب إيهاب منصور يدعم مرشحى حزبه عن دائرة العمرانية والطالبية، موقع “مبتدأ” الإخباري المصري، 14 أكتوبر 2020. http://bit.ly/3rkDl39

[30] عمرو هاشم ربيع، تشكيل مجلس النواب الجديد، صحيفة “الشروق” المصرية، 17 ديسمبر 2020. http://bit.ly/35T22Lg

[31] محمد نصار، “مليون جنيه غرامة”.. كل ما تريد معرفته عن قانون الجمعيات الأهلية، موقع “مصراوي”، 16 يوليو 2019. http://bit.ly/3oYQr4H

[32] المحرر، متهمون بالأمل..عمر الشنيطي “بروفايل”، موقع “المركز المصرى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية”، 22 أغسطس 2019. http://bit.ly/38U2kU1

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
Close
زر الذهاب إلى الأعلى
Close