fbpx
تحليلاتقلم وميدان

علم نفس الثورة: سمات شخصية المصريين

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

(1) بذل كثير من الباحثين والدارسين جهدا كبيراً في معرفة عوامل تكوين الشخصية المصرية وأرجعوا ذلك التناقض في صفاتها وسماتها إلى تعاقب الحضارات والأديان والتغيرات السياسية والاجتماعية التي صاحبت انتقال المجتمع المصري من حضارة لأخرى. وقد حاول الدكتور ميلاد حنا في كتابه “الأعمدة السبعة للشخصية المصرية ” تفسير انتماء الشخصية المصرية لعدة حضارات أخرى بحكم تاريخ توحدها مع هذه الحضارات وبحكم موقعها الجغرافي الذي جعلها جزء من حضارات أخرى، فيقول في كتابه:

“من الناحية التاريخية تأثرت الشخصية المصرية بالرقائق المتتالية للحضارات التي عاصرتها مصر والتي تمثلت في الحقبة الفرعونية بمراحلها المختلفة وما تلاها من الحقبة اليونانية الرومانية وهى متداخلة في المرحلة القبطية ثم الحقبة الإسلامية بمراحلها المختلفة، وفى هذه المراحل المتتالية غيرت مصر لغتها وديانتها ثلاث مرات، فكانت أولا اللغة المصرية القديمة بحروفها الهيروغليفية، ثم غيرت مصر لغتها إلى اللغة القبطية وقد صاحبها تغير مصر للديانة المسيحية، ومع دخول العرب إلى مصر وتدريجيا تم التغيير الثالث في مصر والتحول للإسلام ثم أصبحت اللغة العربية هي اللغة التي يتكلم بها كل أفراد الشعب المصري”.

ويضيف: “أما من الناحية الجغرافية فقد انتمت مصر إلى مجموعة شعوب دول حوض البحر المتوسط، وقد انعكس ذلك على كافة صور الحضارة وعلى التركيبة النفسية للإنسان المصري فوجد في نفسه تشابها مع كثير من شعوب البحر المتوسط، فمن يدرس بتمعن التركيبة النفسية وعادات وتقاليد وملابس أهل الإسكندرية وبورسعيد ورشيد ودمياط يجد تشابها مثلا مع أهالي قبرص واليونان وتركيا وإيطاليا وغيرها من الدول العربية المطلة على البحر المتوسط، وهناك أيضا انتماء مصر الجغرافي لأفريقيا وتأثرها بشعوب هذه القارة وارتباطها بالدول المشتركة معها في وجود النيل.

ويوضح الدكتور ميلاد حنا في موضع آخر من كتابه أن هذه الانتماءات التي تأثرت بها الشخصية المصرية رغم تواجدها في كل منا بقدر أو بآخر، لكن كلا منا يفضل انتماء معين على آخر وفق ظروف النشأة والتركيبة النفسية والمستوى الثقافي والحضاري والانتماء الأيديولوجي.

وعن التركيبة النفسية للشخصية المصرية يتحدث الدكتور خليل فاضل فى محاولته للإجابة على سؤال: هل هناك بالفعل خصوصية لنفسية الإنسان المصري؟؟

فيقول:هذا موضوع خاص جداً، خاص بكل المقاييس لأنه يتناول أدق وأصعب مكونات الإنسـان، نفسه، المرآة التي تعكس كيـمياءه، روحه، انفعالاته، وحياته بشكل عام. نعم هناك خصوصية لنفسية الإنسان المصري، ببساطة لأن المصري يتكون من عجين تتمازج فيها مكونات كثيرة متنافرة ومتناغمة متقاربة ومتباينة، تاريخ وحضارة، سياسة وعلاقات داخلية وعربية، طريقة خاصة في التعبير، لغة الجسد، التلويح بالأيدي، طريقة الكلام، الصياح، الصراخ، البكاء، الضحك، إلقاء النكت، النواح، البوح، إمساك الكلام، الوجوم، الحزن الشفيف وذلك الدفين، الألم الذي يعتصر القلب، والذي يشدّ الرقبة والرأس، الإبداع بكل صوره، العنف بكل أشكاله، الطيبة والسماحة، الغلظة والفظاظة، التوتر اليومي الذي كاد أو بالفعل أن يصبح عادة، فقدان الأمن والأمان، التشتت والضياع، الأصول والثوابت، القِيَم والمحبة، التواجد والهجرة، الجنون والمجون، الشروخ التي بانت في ظهر البلد، والتجاعيد التي ظهرت على وجه الشباب، الفرحة والبهجة، التدني في الذوق ومحاولة التمسك بالرقي في المعاملة والفن، الفلوس وما جلبته من مصائب ومن غنائم، انعكاسات التغيرات في مظاهر الشوارع والنجوع والقرى، الأطباق الهوائية اللاقطة (الدِشَّات) وهوائيات التلفزيون، ماء الترعة وماء النهر ماء البحر. كل هذا وأكثر مما لا يتسع له المجال يشكل القاعدة الرئيسية لخارطة النفس في مصر.

لقد تميزت الشخصية المصرية في أغلب الفترات التاريخية بسمات أقرب إلى الثبات أو يمكن أن نطلق عليها السمات الأصيلة التقليدية، ومن هذه السمات الشائعة المعروفة عن الشخصية المصرية القديمة ما يلي:

أولاً: شخصية متغيرة:

من السمات التي تسبب الدهشة لكثير من الدارسين للشخصية المصرية كونها شخصية متغيرة على الدوام، ومن أهم المؤشرات التي يستدل بها الباحثين على وجود الاستعداد للتغير لدى الشخصية المصرية أن المجتمع المصري قد قام بتغيير لغته وديانته أكثر من مرة في العصور السابقة حتى استقر على لغته وديانته الحالية، والميل الطبيعي للاستقرار السياسي لدى الشخصية المصرية لا يتنافى مع كونها شخصية متغيره على مستوى القيم الاجتماعية والنفسية والسلوكية، فتغير اللغة أكثر من مرة بما تحمله كل لغة من معاني ومفردات وقيم ومدلولات قد ساهم في إحداث تغيرات كبرى للشخصية المصرية، وأيضا تغير الدين والتجاور الذي حدث فيما بعد بين الديانة الإسلامية والمسيحية كل ذلك جعل الشخصية المصرية متغيرة اجتماعيا ونفسيا على مر العصور ولا تحظى بقدر كبير من الثبات النسبي للقيم.

ففي كتاب الدكتور ميلاد حنا “الأعمدة السبعة للشخصية المصرية” يستعرض كيف تحولت مصر من دين لآخر ومن لغة لأخرى فيقول: “كانت عقيدتنا الدينية مبنية على أساطير قدماء المصريين والتي جعلت الحياة بعد الموت على نمط العالم الأرضي، ويستعد لذلك بالطعام وبمتاع هذا العالم كما كانوا يعرفونه فى ذلك الوقت، ويعمل على أن يحفظ الجسد من العطب بالتحنيط لأنه الجسد الذي سيعيش به بعد البعث، وكونوا المؤسسة الدينية من كهنة الإله آمون أو سواه لكي تكرس أسطورة أن فرعون هو ممثل الإله على الأرض.

وينقسم المجتمع إلى فئات حاكمة هي الملك الفرعون والأمراء الذين يحكمون الأقاليم ومعهم الكهنة الذين يكونون ” المؤسسة الدينية ” ويحافظون على تراث الأساطير، وتتوفر لهم الحكمة والمعرفة والعلوم والفنون وأدوات الكتابة وحفظ المعلومات وغيرها، ثم هناك الشعب على الجانب الآخر يزرع ويبنى ويعمر ويدفع خطر الفيضانات ويؤمن بالأساطير والآلهة.

ومن خلال كل ذلك تكونت حضارة هائلة امتدت من الملك مينا (عام 3100 ق.م ) إلى أن دخل الإسكندر مصر (عام 332 ق.م ) وهي حقبة طويلة غنية بالأحداث والآثار والمراحل المختلفة، وكانت لغة المصريين القدماء هي اللغة المصرية القديمة ولكنها تكتب بأشكال ثلاثة هي الهيروغليفية برموزها المشهورة وتعنى اللغة المقدسة، والتي تحولت إلى أبجدية فيما بعد ثم أمكن تبسيطها للكتابة فظهرت الهيراطيقية كأسلوب كتابة ابسط بدلا من الهيروغليفية ويستخدمها الحكام والكهنة، وأخيرا وفى نحو (عام 650 ق.م ) ابتكروا طريقة كتابة أخرى أكثر يسرا وهى لغة الشعب واسماها اليونانيون لذلك بالديموطيقية وهى أسلوب الكتابة المتعارف عليه في التعاملات والعقود والخطابات وغير ذلك وظلت الديموطيقية حتى عام 350 م.

ومع دخول الإسكندر دخلت مصر معه في مرحلة جديدة كانت في أولها مرتبطة باليونان ثم تحول ارتباطها بعد ذلك إلى الرومان ومن ثم تسمى بالمرحلة اليونانية – الرومانية ” كانت اللغة اليونانية قد فرضت نفسها لتكون لغة الدولة والمكاتبات الرسمية، ولذلك حاول بعض المصريين تعلمها ليحتفظوا بالوظائف الحكومية، أما عامة الشعب فقد استمروا في استخدام الكتابة بالديموطيقية، وهكذا تحول المصريون تدريجيا إلى اللغة القبطية بان كتبوا اللغة المصرية القديمة كما ينطقونها، بحروف يونانية، ولما لم تسعفهم الأبجدية اليونانية وحدها استعاروا من الكتابة الديموطيقية سبعة حروف لكي يتمكنوا من كتابة ونطق لغتهم المصرية كما يبغون، ومن الطبيعي أن تتأثر اللغة القبطية بكثير من ألفاظ ومعان موجودة في اللغة اليونانية.

وقد تصادف بعد دخول الإسكندر مصر بنحو ثلاثة قرون ونصف أن دخلت المسيحية مصر في عهدها الأول وسارع المصريون للإيمان بها ليتخلصوا من الاحتلال اليوناني ومن بعده الروماني إذ كانوا موضع اضطهاد شديد من اجل عقيدتهم الجديدة حتى استشهد منهم كثيرون فغيروا التقويم المصري القديم وبدئوا به تقويما جديدا أسموه ” تقويم الشهداء ” أو ” التقويم القبطي ” فبدأت بذلك حقبة حضارية جديدة هي العصر القبطي والذي يتسم بتغيير الدين إلى المسيحية وتغيير اللغة إلى القبطية وكان له طابع مميز من الفن والأدب والفكر والحضارة والعلاقات الإنسانية والقيم.

وفى القرن السابع دخل العرب إلى مصر في ظروف خاصة غير متكررة، إذ لم يتم الغزو بحد السيف، بل رحب المصريون بالعرب كجزء للخلاص من ” عهد الاضطهاد العظيم ” والذي كان قد سنه ” هرقل ” إمبراطور الرومان لإخضاع المصريين لعقيدة ومذهب مسيحي يختلف عن المذهب الأرثوذكسي الذي تمسكوا به وناضلوا في سبيل الاحتفاظ به.

وأخذ تحول المصريين من اللغة القبطية إلى اللغة العربية عدة قرون، لأن المصريين جميعا كانت لهم عبر العصور المختلفة لغة واحدة وعقيدة واحدة، واخذ المصريون لكي يتحول غالبية منهم إلى الإسلام خمسة أو ستة قرون، ولكن ظلت في مصر ولأسباب وظروف مختلفة أقلية آثرت البقاء على ديانتها المسيحية، واستمرت الديانتان معا إلى الآن وبأغلبية مسلمة وأقلية مسيحية ولكن بشعب له نفس التركيبة الأنثروبولوجية ونفس الثقافات والحضارة واللغة واللهجة.

ثانياً: شخصية انبساطية:

الانبساط هو النقيض التام للانطواء وكلاهما من أنماط الشخصية الإنسانية، ومن أهم سمات الانبساطي انه اجتماعي الاتجاه، واقعي التفكير، يميل إلى المرح، ينظر إلى الأشياء في محيطه كما هي من حيث قيمتها المادية الواقعية، لا لأهميتها ودلالاتها المثالية، وهو بذلك يتعامل مع الواقع الذي يعيشه بدون خيالات أو تأملات ويعالج أمور حياته بالممكن والمتاح من الطاقة الفعلية وينجح في اغلب الأحيان في إيجاد الحلول التي يتوافق من خلالها مع البيئة الاجتماعية.

وضع عالم النفس التحليلي ” كارل يونغ ” تقسيمات الانبساط والانطواء في الشخصية ورأى أن الانطوائي يكون أحيانا أكثر اهتماماً بالأحاسيس منه بالأفكار الواقعية، بينما الانبساطي يكون في أغلب الأحيان قليل الإحساس في أمور حياتية ذات صلة بالمشاعر المرهفة أو الإحساسات. انه بمعنى آخر يتعامل مع الواقع كما هو بدون تضخيم أو تأثيرات عاطفية.

يميل الشخص الانبساطي إلى العمل دائماً وخصوصاً المهن التي لها مساس مباشر مع البشر وتغلّب عليها صفة المكاسب المادية مثل البيع والشراء والمتاجرة بالسيارات القديمة أو بالعمل التجاري الحر أو المهن ذات العوائد المالية المتنوعة والوفيرة.

يتميز صاحب الشخصية الانبساطية بالقابلية العالية في التكيف السريع مع الأحداث والمواقف ويمتلك مرونة عالية حسب متطلبات الحياة وظروف التواصل الاجتماعي وتحقيق مكاسب مادية عالية ونجاحات تقترن بالرضا الذاتي والاجتماعي.

وهذا النمط من الشخصية يلاقي الإعجاب والقبول من الكثير من الناس ولعله الأوفق بين شرائح المجتمع، ويرى البعض من الناس بأنه شخصية طبيعية يمكن التعامل معها بشيء من المرونة من خلال الأخذ والعطاء بسهولة، وكان” كارل يونغ ” حينما وضع هذين التقسيمين للشخصية ” انطوائيـة Introvert ” وانبساطية أو اتصالية Extrovert” لم يكتف بهما، بل طور هذه الأنماط بتقسيمات إضافية لكل منهما إلى النوع الفكري والعاطفي والحسي والإلهامي، وكل هذه الأنماط ذات صلة بشخصيتي الانبساط والانطواء.

والمصري انبساطي بطبعه وهو أيضاً انطوائي، بمعنى آخر أن الظرف يخلق جوّه النفسي العام من فرح ومرح وابتهاج، كذلك فإن الظرف يجعله يحزن ويكتئب وقد ينبسط وينطوي في فترة زمنية قصيرة، وقد يكون انبساطه هذا يعبر أحيانا عن حالة مرضية بمعنى أنه نوع من الحيل الدفاعية ” الإنكار “، فقد يضحك على المُحزن ولا يبالي بالذي يدعو للترقب والحذر “تكوين عكسي”.

كل تلك الأمور تعتمد إلى حد كبير على الاتجاهات الداخلية والخارجية: الداخلية بمعنى عالمه الخاص، رؤاه، أحلامه، خيالاته، العوامل الوراثية التي تجري في دمه وتشكل طبعه، والخارجية بمعنى درجات تفاعله وردود فعله تجاه الحدث صغيراً كان أم كبيراً، ومدى توحده بما يستمتع به داخل بيته، في عمله، في الشارع وفي الوطن عموماً. ومن مؤشرات الانبساطية الاختلاط بالآخرين، النشاط الاجتماعي، الحيوية، الاندفاع، والسيطرة الوجدانية على المحيطين.

ثالثاً: شخصية عاطفية:

المصري عاطفي، رومانسي في آماله وأحلامه، رومانسي في حبه لمصر “وكأن مصر هي الكون كله”، ورغم المنغصات يتمسك، أو يحاول التمسك بهذه الرومانسية، لكنه تدريجيا يفقد الثقة في أحلامه وفي عاطفته، فنجده يُصفع من أصدقائه، يُهزم، ويحزن، وتدريجياً لسلْب عاطفته حتى يصبح خشنا وفظا، يائسا وفاقدا للحلم.

رابعاً: شخصية صبورة:

المصري صبور مثل الجمل، يحب اجترار أحزانه وأفراحه، يحزن، وينفجر فجأة، يتحمل حتى لو كان رقيقا، يخاف المستقبل ويخشاه ويعمل له ألف حساب، يتألم بشدة ويخشى الزمن وتقلباته، في داخله إحساس دفين بعدم الأمن والأمان، ولا يثق في الآخرين بسهولة على الرغم من أنه ـ أحيانا ـ قد يصدق، رغبة في التصديق، أو رغبة في الهروب.

خامساً: سمة التدين:

يلاحظ الكثير من الدارسين للشخصية المصرية التأثر العميق لدى الشخصية المصرية بالدين، وأن الدين عامل مهم وحيوي وفعال في تكوين اتجاهاتهم ووجهات نظرهم تجاه الحياة، وفى تشكيل منظومة القيم الخاصة بهم، ورغم تعدد صور الدين في المجتمع المصري واختلاف أنماطه إلا أن تأثيره ممتد إلى أغلب سلوكيات المصريين وهو يشكل جزء كبير من ثقافتهم الشعبية.

إلا أن بعض الباحثين المحدثين يذهبون إلى أن موقف الفلاح المصري من الدين يتسم بطابع نفعي، فهو حينما يؤدى الشعائر ويتقرب إلى الله فإنما بهدف أن يبارك له الله في محصوله وأمواله وماشيته ويستند أصحاب هذا الاتجاه في تفسيرهم لطبيعة تدين الفلاح المصري بما يرصدونه من أمثال شعبية تشكل موقف انتقادي من القدر، خاصة فيما يتعلق بالمفارقات التي يراها غير منطقيه في توزيع الثروة والجاه، وبعضها يصف القدر بالتقلب وأحيانا بالظلم، وحتى هذه الأمثال التي تستخدم لتعزية النفس أو الآخرين عندما يقع مكروه فهم يرون أنها تستخدم كتبرئة للإنسان من مسئولية ما وقع عليه من شر وتحميل المسئولية للقدر، ويقولون أن هذا الميل لدى الفلاح إلى تبرئة نفسه وتجريم القدر قد يبدو مستغربا من فلاح مؤمن ولكن الأمر قد يبدو واضحا إذا ما وضعنا في الاعتبار أن القدر ” تاريخيا ” كان يعنى مشيئة آلهة الأرستقراطية الحاكمة التي كانت مصدر المظالم والشرور التي عاناها الفلاح المصري في ثقافته القديمة.

سادساً: سمة التسامح:

يفترض التسامح أن هناك تنوعا وتعددا في المجتمع أيا كانت طبيعته، وان هذا التنوع تتم ترجمته في صورة آراء وأفكار وممارسات مختلفة، ويكمن أساس هذه الفكرة في ارتباط النشأة التاريخية للتسامح بتعدد الفرق والطوائف الدينية والصراع فيما بينهم، ومحاولة إيجاد طريقة بمقتضاها تتمكن هذه الطوائف والشيع المختلفة والمتناحرة من التعايش معا.

ولذلك يعبر التسامح عن الاحترام والقبول والتقدير لمختلف الثقافات في العالم، ولأشكال التعبير المختلفة الخاصة بكل منها، وللأساليب المختلفة في الحياة، فالتسامح يعنى التجانس مع الاختلاف، وهو يزداد مع المعرفة وانفتاح العقل والانفتاح على العالم وزيادة الاتصالات والتفاعلات مع ثقافات أخرى إلى جانب حرية التفكير والمعتقدات والممارسات، ومن ثم فان التسامح يعبر عن اتجاه نشط ينشأ ويزداد من خلال الاعتراف بالحقوق الإنسانية الكلية والحريات الأساسية للآخرين، وممارسة التسامح ليس معناها التسامح مع الظلم الاجتماعي أو الاستسلام أو الضعف، ولذلك فان هذا المفهوم لا يعد دائما مفهوما إيجابيا.

ويوضح ريشر rescher  أن التسامح عملية نسبية، لان الادعاء بأننا يجب أن نكون متسامحين ادعاء أخلاقي، بالإضافة إلى نسبية التقدير أو الحكم على الأشياء، فما يتسامح معه فرد قد لا يتسامح معه آخر، على الرغم من أن كليهما يستند إلى مسببات حقيقية من وجهة نظره، ولذلك يعبر التسامح عن طريقة في التعامل مع الناس الذين نختلف معهم أو نعتقد أنهم على خطا بدرجة أو بأخرى، ونحن عندما نتسامح مع الناس فإننا نسمح لهم بفعل ما نكرهه وعدم التدخل في أنشطتهم وممارساتهم حتى إذا اعتقدنا أنها خاطئة، وكذلك عدم معاقبتهم أو تجريمهم على رؤاهم الخاصة، مع ملاحظة أن التسامح مع هذه الرؤى المختلفة لا يؤكد صدقها.

ويعتبر بعض الباحثين أن المجتمع المصري يعتبر مدرسة في التسامح والتعايش وقبول الآخر على مدى تاريخه الممتد، فعلى الصعيد الاجتماعي استطاع أن يطور أشكال مدنية راقية أثبتت فعاليتها في شتى المجالات العائلية والمهنية والطبقية وغيرها، وعلى الصعيد الثقافي طور تراثا شعبيا غنيا يتبنى مواقف قمة في التسامح والبعد عن التعصب والقدرة على التعايش مع الآخر المختلف، وهكذا عاشت على الأرض المصرية طوال تلك السنوات جماعات تنتمي إلى شتى الأديان والأعراق، وأنماط الحياة والعادات والتقاليد واللغات.

ثامناً: شخصية ساخرة:

تتعدد أشكال التعبير الساخر أو الفكاهي التي يستخدمها الإنسان لتشمل الكاريكاتير والنكتة   والأفلام والمسرحيات والأمثال الشعبية الكوميدية والتلاعب بالألفاظ ” الإيفيهات”. والنكتة السريعة من أهم الخصائص التي ميزت الشخصية المصرية وارتبطت بحياتها الاجتماعية، فيبدو أن النكتة كانت تحدث للإنسان المصري ترضية ذاتيه تريحه وتريح غيره ممن يستمع إليها، ومن ثم كان كثير من النكات المصرية البارعة تعويضا عما أصاب الشعب من كبت سياسي واجتماعي وتنفيسا له من الضائقات.

كما أوضحت الدكتورة نعمات احمد فؤاد أن الشعب المصري يسخر من الحكام الغرباء بالنكتة تارة وبالقصص الشعبية تارة أخرى، فالنكتة المصرية وراءها بديهة حاضرة وذكاء لماح وقدرة على اصطناع التورية وتخديم الألفاظ في براعة وسرعة ولباقة أيضا، وقد ربط بعض الباحثين بين الحزن والفكاهة كإحدى سمات المصريين، فربما يتبادر إلى الذهن أن هناك تناقض بينهما ولكن الدراسة التحليلية للنكت المصرية وبخاصة السياسية والاجتماعية منها تبين أن هذه النكت برغم قوة تأثيرها في إضحاك المستمع إليها فهي تدلنا على أن شدة الألم والحزن الذي يشعر به المصري في فترات الشدائد هو سبب إطلاق النكت القوية، ويؤيد ذلك أيضا قلة تداول النكت في فترات الرخاء والانتصار.

تاسعاً: الميل للاستقرار:

الطبيعة التقليدية التي عاش فيها المصري على ضفتي النيل وتركت بصماتها على شخصيته في صورة ميل إلى الوداعة والطمأنينة والهدوء وطول البال والدعابة والمرح والتفاؤل والوسطية وحب الحياة، هذه السمات لا يمكن إدراكها بوضوح إلا إذا قارناها بسمات من يعيشون في بيئات مهددة مليئة بالعواصف والنوّات على سواحل البحار والمحيطات الهائجة، أو من يعيشون في بيئة صحراوية أو جبلية شديدة القسوة والفقر والجفاف، أو من يعيشون في غابات مليئة بالحيوانات المفترسة يتوقعون الخطر في كل لحظة، أو من يعيشون في القطبين تحت العواصف الثلجية ويلبسون ثيابا ثقيلة تحد من حركتهم وتلقائيتهم وتخنقهم تحت ثقلها.

وإذا كانت الطبيعة السمحة البسيطة المعطاءة قد أعطت للشخصية المصرية بعض الصفات الإيجابية فإن لها أيضا جانبا سلبيا، حيث منحت المصري شعورا زائدا بالطمأنينة والسكينة وصل به في بعض الأحيان إلى حالة من الكسل والتواكل والسلبية والتسليم للأمر الواقع والميل إلى الاستقرار الذي يصل أحيانا إلى حالة من الجمود، فالشخصية المصرية مثل الطبيعة المصرية لا تتغير بسهولة ولا تتغير بسرعة، بل تميل إلى الاستقرار والوداعة والمهادنة وتثبيت الوضع القائم كلما أمكن والتصادق معه وقبوله.

وهذه الصفات قد خدمت إلى حد كبير كل من حكموا مصر على مدار التاريخ حيث كان ميل المصري للوداعة والطمأنينة والاستقرار يفوق ميله للثورة والتغيير, وربما يكمن هذا العامل وراء الحالة المزمنة من الحكم الاستبدادي على مدار التاريخ المصري، فقد كان الحاكم يبدأ بسيطا متواضعا ثم بطول المدة واستقرار الأوضاع تتمدد ذاته على أرض الوادي الخصيب وسط أناس طيبين مسالمين وادعين، وشيئا فشيئا تتوحش هذه الذات الحاكمة وتحكم قبضتها على رقاب الشعب، والحاكم يعرف دائما أن الشعب المصري لا يميل إلى الثورة خاصة في أشكالها العنيفة، فخلو الطبيعة المصرية – نسبيا – من الزلازل والبراكين والنوّات والأعاصير الجارفة يقابله ميل شعبي لاستمرار الاستقرار واستقرار الاستمرار، وهذا شعار يرفعه كل حاكم استبد بحكم مصر واستغل هذه الرغبة الدفينة لدى المصريين في الاستقرار والوداعة وراحة البال.

——————————-

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

 

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close