fbpx
تقديرات

عوائق الحوار الليبي.. ومواقف الإخوان المسلمين

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تمهيد

على الرغم من نجاح ثورة 17 فبراير الليبية في تحقيق هدف القضاء على نظام القذافي، وما أعقب ذلك من إجراء انتخابات تشريعية لوضع أسس إدارة المرحلة الانتقالية في البلاد، فإن الدولة شهدت تفاقم الخلافات السياسية لدرجة أخفقت معها جلسات الحوار المرعية من جانب الأمم المتحدة في التوصل إلى حل للأزمة الليبية من خلال تشكيل حكومة ائتلاف وطني تضم الأطياف الليبية المختلفة، وخصوصاً أن ذلك الخلاف السياسي تواكب مع تدهور الوضع الأمني الذي أخذ أبعاداً جديدة منذ الانقلاب الذي قاده اللواء المتقاعد خليفة حفتر في 14 فبراير 2014 في مواجهة القوى الإسلامية، وإطلاقه “عملية كرامة ليبيا” في 16 مايو من ذلك العام، مما أثر سلباً على فرص نجاح الحوار.

وذلك ما يثير التساؤل عن أبعاد ومظاهر تفاقم مشكلات الداخل الليبي، وتأثير الأزمة على مواقف جماعة الإخوان المسلين في ليبيا ممثلة في حزب العدالة والبناء- الجناح السياسي للجماعة، وعلى الأطراف المقربة منها، والأسباب الرئيسية لتعثر الوضع على الساحة الليبية، وأخيراً رؤى الجماعة لآلية الحل في إطار جلسات الحوار الوطني.

أولاً: تفاقم مشكلات الداخل الليبي وتعثر الحوار:

بعد أن أسفرت الانتخابات الليبية لعام 2012 عن انتخاب “المؤتمر الوطني العام” لإدارة المرحلة الانتقالية، فإن ذلك لم يكن كفيلاً بذاته في حل مشكلات تلك المرحلة، ولاسيما بعد القرار الخاص بتمديد فترة عمل المؤتمر الوطني، الأمر الذي قوبل بمعارضة عدد من الأطياف السياسية التي طالبت بضرورة اللجوء إلى انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة(1).

واستمرت المشكلات على الساحة الليبية حتى بعد إجراء الانتخابات البرلمانية في يونيو 2014، وحيث قضت الدائرة الدستورية للمحكمة العليا الليبية يوم 6 نوفمبر من ذلك العام، حكماً يقضي “بعدم دستورية الفقرة الحادية عشر من التعديل الدستوري السابع الصادر في مارس 2014 وما ترتب عليه من آثار”، مما فُسر على أنه حلّ لمجلس النواب الذي تشكل اثر الانتخابات، وذلك على خلفية “بطلان” تعديل الإعلان الدستوري المؤقت الذي انتخب بموجبه المجلس، وأيضاً بسبب مخالفات دستورية متعلقة بانعقاده خارج مدينة بنغازي، المقر المنصوص عليه بموجب التعديل السابع للإعلان الدستوري.

وقد رفض مجلس النواب الليبي وتيارات سياسية ذلك الحكم، في حين أكدت عدة بلدان ومنظمات دولية اعترافها بمجلس النواب باعتباره الجهة المنتخبة، في حين رحبت قوات “فجر ليبيا” التي تسيطر على مدينة طرابلس وجهات أخرى بالحكم معتبرة المجلس في إطار (المنحل)(2) ، وسط مطالبات بعض القوى والتيارات بعودة المؤتمر الوطني العام السابق باعتباره صاحب الولاية التشريعية، لحين تصحيح الوضع الدستوري لمجلس النواب الليبي المنعقد بطبرق شرقي البلاد. وقد شكَّل المؤتمر الوطني بالفعل حكومة إنقاذ وطني في 25 أغسطس 2014، سلَّمتها قوات “فجر ليبيا” مقار الوزارات بالعاصمة طرابلس، في حين وافق مجلس النواب بطبرق على التشكيلة الوزارية التي قدمها له عبد الله الثني في 22 سبتمبر 2014، والتي بدأت تمارس مهامها من مدينة البيضاء غربي طبرق (3).

وبذلك تعزز الانقسام السياسي وأضحى هناك طرفين رئيسيين للصراع الآن في ليبيا، الطرف الأول هو حكومة طرابلس برئاسة خليفة محمد الغويل وبرلمانها المتمثل في المؤتمر الوطني العام، ولأعضاء حزب “العدالة والبناء” المنبثق من جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا تمثيل فيه، ويدعمه عدد من الفصائل الليبية المسلحة مثل قوات “فجر ليبيا” التي تسيطر على العاصمة طرابلس ولها صلة قوية بمدينة مصراتة، وهي من أبرز وأقوى الفصائل الليبية المسلحة التي ارتبط اسمها بالثورة التي قامت ضد الرئيس السابق معمر القذافي في 2011 بالإضافة إلى عدد من الجماعات والكتائب المسلحة الأخرى، مثل “كتيبة 17 فبراير” وكتيبة “أنصار الشريعة” وغيرها.

الطرف الثاني هو حكومة عبد الله الثني الممثل لبرلمان طبرق المعترف به دولياً ولكنه غير معترف به محلياً بعدما أصدرت المحكمة العليا في طرابلس حكماً ينزع الشرعية منه، ويدعم هذا الطرف عسكرياً اللواء خليفة حفتر، الذي عينه برلمان طبرق وزيراً للدفاع، والذي قاد ما يسمى بـ”عمليات الكرامة” في مايو 2014 والتي وصفها البعض بأنها تمثل انقلاباً عسكرياً ضد الثورة الليبية. وما بين الطرفين أنصار “تنظيم الدولة الإسلامية” التي تقاتل طرفي الصراع فتهاجم قوات حفتر تارة وتستهدف ثوار فجر ليبيا تارة أخرى(4) .

وإزاء هذا الوضع كانت جلسات الحوار التي رعتها بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا التي يقودها برناردينو ليون، وخلال هذه الجلسات تم طرح خمس مسودات للحل السياسي، تقوم على أساس أن تكون هناك في النهاية ثلاث مؤسسات شرعية، هي: مجلس النواب ومجلس الدولة وحكومة جديدة. ولكن حتى بعد أن اقترحت البعثة في 8 أكتوبر 2015، تشكيلة لحكومة وفاق وطني تقود مرحلة انتقالية لمدة عامين تبدأ في 20 أكتوبر، ولكن ظلت العثرات تحول دون التفاهم على الحلول الاستراتيجية.

ورفض مجلس النواب المنحل في 19 أكتوبر بالإجماع تشكيلة حكومة الوفاق الوطني ومسودة الاتفاق الجديدة اللتين عرضهما المبعوث الأممي إلى ليبيا، وذلك قبل يوم من انتهاء المهلة التي حددها ليون للرد على مسودة الاتفاق، وأعلن المجلس تمسكه بالمسودة الرابعة للاتفاق السياسي, ورفضه المسودة (المعدلة) التي أعلنها ليون في الصخيرات عقب جولات من الحوار بين مجلس النواب المنحل والمؤتمر الوطني العام في العاصمة الليبية طرابلس، بحجة أنها تضمنت تغييرات قال إنها جاءت لإرضاء الحكومة المنبثقة عن المؤتمر الوطني العام بعد أن كان المجلس المنحل قد قبل بالفعل بالاتفاق المبدئي في وقت سابق من العام.

في حين أكدت حكومة طرابلس رفضها لحكومة الوفاق الوطني المقترحة، معتبرة أنها تدفع نحو “تعميق الانقسام”، مطالبة بإدخال تعديلات على مسودة الاتفاق السياسي للتوقيع عليها، وأضافت في بيان نشرته في 11 أكتوبر، أن حكومة الوفاق والاتفاق السياسي الذي يحكم عملها يهدفان إلى “تمرير برنامج وصاية على الوطن”، واعتبر المؤتمر مسودة الاتفاق التي عرضها ليون لا تحقق التوازن بين الطرفين المتصارعين في ليبيا بما لا يضمن استمرار تطبيقه، وخصوصاً مع اعترافه المسبق بسلطات مجلس النواب. وكان ليون قد تجاهل تعديلات طلب المؤتمر الوطني بإدراجها في المسودة الرابعة التي وقعها الطرف الآخر بالأحرف الأولى في يوليو 2015 بالصخيرات، كما أبدى المؤتمر معارضته تدخل ليون في اقتراح أسماء أعضاء حكومة الوفاق، مع اشتراطه استبعاد اللواء المتقاعد خليفة حفتر -المعين من قبل مجلس النواب المنحل قائد للجيش- من المشهد العام (5).

ثانياً: امتداد الخلاف إلى التكتل المقرب من الإخوان المسلمين:

مع تعقد الوضع الليبي وتعثر جهود الحل، فقد امتدت تلك الأزمة بنطاقها إلى داخل المؤتمر الوطني وإلى داخل حزب العدالة والبناء الذي يمثل الإخوان المسلمين ويشكل فاعل مؤثر داخل المؤتمر، وكان لذلك التأثير نواحٍ عدة.

فمن ناحية أولى: تباينت مواقف حزب العدالة والبناء مع تيارات أخرى داخل المؤتمر، بشأن المساعي الأممية لإنهاء الصراع في ليبيا؛ ففي حين تحفظت بعض التيارات على مواقف الجهات الراعية للحوار، فقد أبدت كتلة الحزب داخل المؤتمر استعداد لقبول المسودة المعدلة والمعلن عنها يوم 8 أكتوبر “في حال استمرار عجز المؤتمر عن اتخاذ أي قرار حيالها”. وفي بيان منشور للكتلة أوضحت أن إعلان رئاسة المؤتمر عن موقف رافض لمخرجات الحوار، من خلال اللجنة السياسية للمؤتمر، لا يمثل موقف المؤتمر الوطني العام الرسمي، وأبدت الكتلة النيابية تمسكها “بوجوب أن تتخذ قرارات المؤتمر داخل القاعة، وبطريق التصويت وفق آليات القرار المتعارف عليها”(6) .

ومن ناحية ثانية: استقال أعضاء بارزين في الكتلة الحزبية للعدالة والبناء بعد اتهامهم لقيادة الحزب بالانحراف عن مساره وتوجهاته، والانفراد بالقرار دون الرجوع إلى قاعدة التشاور ودون الرجوع إلى كتلة الحزب داخل المؤتمر الوطني، وذلك بحسب عضو الجماعة البارز الدكتور محمود الورفلي، الذي خرج على شاشة قناة “النبأ” الإخبارية المحسوبة على تيار الإسلام السياسي، وأعلن استقالته و8 أعضاء من حزب العدالة والبناء، بسبب تحميل الحزب المؤتمر الوطني والحكومة المنبثقة عنه مسؤولية سقوط طائرة مروحية غرب العاصمة، الأمر الذي رآه إشارة واضحة للنيل من الشرعية، على حد وصفه(7).

وقد سارع الحزب من جهته، إلى نفي الاستقالة الجماعية لأعضائه باستثناء استقالة عبد العزيز الورفلي، وإن أكد رئيس المكتب السياسي للحزب نزار كعوان، حقيقة الخلافات حول المشهد السياسي في ليبيا، والتي اعتبرها الحزب “شيء طبيعي في ظل هذه الظروف، وهو دليل على أن الحزب مؤسسة حية تتفاعل بإيجابية إزاء ما يجري من أحداث، وتسمح بتعدد الآراء واختلاف وجهات النظر داخلها، كما للحزب الآليات الصحيحة للتواصل والتفاهم، وقد تمت الدعوة إلى لقاء عاجل لبحث هذا الأمر”. وأضاف كعوان -حول اتهام الحزب للمؤتمر وحكومة طرابلس حول مسؤولية سقوط الطائرة- “نعم للأسف المؤتمر وحكومة الانقاذ يتحملان المسؤولية كاملة حول سقوطها، كون الحادثة امتداد لأزمة مستمرة منذ أشهر، لم يتمكنا خلالها من إنهاء التوتر غرب البلاد، ولم يقدما معالجة حقيقية للأزمة في ليبيا”(8) .

ومن ناحية ثالثة: كشفت مصادر ليبية النقاب عن استقالة عدد من مسؤولي الحكومة المنبثقة عن المؤتمر الوطني في طرابلس، وقالت المصادر إن 4 وزراء ووكيلين قدموا استقالاتهم في 12 نوفمبر إلى الحكومة على خلفية خلافات شديدة مع رئيس الحكومة خليفة الغويل، الذي ينحدر من مدينة مصراتة المنشقة عن حلف “فجر ليبيا”. وأوضحت المصادر أن المسؤولين المستقيلين وعلى رأسهم وزير الأوقاف الإسلامي “مبارك الفطماني” ينتمون لتيار موال لعناصر إسلامية متشددة داخل المؤتمر معارض لقيادات مصراتة وتوجهها نحو المشاركة في العملية السياسية ضمن الحوارات السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة.

وجاءت الاستقالة في إطار التصدعات التي شهدها حلف “فجر ليبيا” منذ بداية عام 2015، حيث انسحبت ميليشيات مصراتة من الحلف، ولكنها لاتزال تتسمك بمناصب حساسة داخل طرابلس منها الحكومة وعدد كبير من المعسكرات بالعاصمة (9). ومع ذلك أعلنت قوات “فجر ليبيا”، وعلى نحو مفاجئ، تأييدها ودعمها لحكومة الوفاق الوطني ورئيسها فايز السراج، التي أعلنتها البعثة الأممية الراعية للحوار في ليبيا، واعتبر بيان للثوة أن السراج شخصية مدنية قادرة على بناء دولة قانون ومؤسسات بعيداً عن “أحلام المتقاعد خليفة حفتر” (10).

ثالثاً: أسباب الإخفاق في التوصل إلى توافق ليبي:

هناك عدد من الأسباب التي تفسر الأزمة الليبية التي امتدت بتأثيرها إلى داخل المؤتمر الوطني وحزب العدالة والبناء التابع للإخوان المسلمين، وتتراوح تلك الأسباب بين مسؤولية البعثة الأممية ذاتها في تعميق الانقسام، ومشكلات الداخل الليبي، فضلاً عن تأثير العامل الخارجي وخصوصاً الدور السلبي لدولة الإمارات.

البعثة الأممية وتأزيم الحوار:

انطلق الحوار الذي رعته الأمم المتحدة من قاعدتين أساسيتين، الأولى: أن مجلس النواب الليبي المنعقد بطبرق هو صاحب الشرعية الكاملة، باعتباره نتاج انتخابات 25 يونيو 2014، متجاهلاً بذلك قرار المحكمة العليا الليبية بحقه. والثانية: احترام الإعلان الدستوري الليبي وتعديلاته، واعتباره مرجعية عليا لحل جميع الخلافات الدستورية والقانونية العالقة. وبدا من المنطلق الذي خطَّه برناردينو ليون لسير الحوار، أنه من الطبيعي أن يكون مقتصراً على نواب مؤيدين لانعقاد البرلمان بطبرق، مستبعداً في ذات الوقت أطراف الأزمة السياسية والأمنية الليبية المؤثرين، والمكونين بالأساس من تنظيمات مسلحة مسيطرة على الأرض كقوات “فجر ليبيا” بالغرب، ومجلس شورى ثوار بنغازي بالشرق (11).

والملاحظ أن المسودات التي طرحتها الأمم المتحدة، في أثناء مشوار الحوار الوطني اتسمت بالجمود والمناورة، فمن جهة الجمود لم يستجب المبعوث الأممي للمقترحات الجوهرية الخاصة بتعزيز إجراءات بناء الثقة، وخصوصاً ما يتعلق بالترتيبات العسكرية وسياسة دمج المسلحين. ويعكس مضمون المقترحات غياب ضمانات الوصول إلى حل نهائي، مما أثار مخاوف من أن تكون الحكومة التوافقية “آلية جديدة لتعزيز الصراع المسلح، عبر استمرار تعيينات مجلس النواب” في الجيش، والتي هي في مجملها تفرض الصراع المسلح حلاً وحيداً للأزمة السياسية.

وقد صدرت مسودة الحوار الخامسة من دون الأخذ في الاعتبار الملاحظات التي أبدتها الأطراف المختلفة وخصوصاً المؤتمر الوطني العام، وأقرت في النهاية بانفراد المجلس بالسلطة التشريعية، واختيار رئيس الحكومة، في مقابل دور مجلس الدولة وتهميشه كمؤسسة منبثقة عن “المؤتمر”، فضلاً عن توسيع دور مجلس النواب في اختيار الحكومة، وعدم إلغاء القرارات الصادرة عنه. والسياق العام للمسودات يفيد بأن عمل الحكومة (السلطة التنفيذية) تحت مظلة مجلس النواب يزيد من احتمال إثارة نزاع حول الجهة التي تمنح الثقة لمجلس رئاسة الوزراء، خصوصاً أنها هيئة سيادية ناتجة عن الحوار السياسي، وليست عن طريق الانتخابات.

وتشير التطورات السياسية الموازية للحوار الوطني إلى تهيئة البيئة السياسية للنتائج المخططة، والتي تقوم على إضعاف دور المؤتمر الوطني في المرحلة التالية للاتفاق، وقد شملت تلك التطورات محاولات السيطرة على درنة، وترويج انتشار التنظيمات الجهادية في ليبيا، كما أنه في المنطقة الغربية تحاول حكومة عبد الله الثني زيادة الأهمية الاستراتيجية لمدينة الزنتان، بإنشاء مطار دولي، كما تسعى الكيانات القبلية التقليدية بعمل تسويات سياسية، يبدو أن هدفها تفريغ الظهير الاجتماعي المؤيد لعملية “فجر ليبيا”. فما يحدث من حوارات بين الزنتان ووجهاء بعض المدن يصب في اتجاه تكوين مظلة اجتماعية وسياسية جديدة، لا ترتبط مصالحها بما كانت تعرف بـ”غرفة ثوار ليبيا”، أو المؤتمر الوطني. وهنا، تتضح المعضلة في أن المسار الجديد يمكن أن يضيف أطرافاً جديدة للصراع، أو على الأقل يزيد من الانقسامات داخل المدن نفسها (12).

وإزاء المعضلات المشار إليها وإخفاق جلسات الحوار إلى الآن، أعربت اللجنة السياسية في المؤتمر الوطني العام  عن استغرابها من إصرار الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون على استمرار دعمه للمبعوث الأممي برناردينو ليون في رعاية عملية الحوار السياسي في ليبيا رغم انتهاء ولايته، كما استغربت اللجنة في بيان لها في الثالث من نوفمبر 2015، من تصريحات بان الداعمة لبقاء ليون في مهمته “رغم فشله الظاهر في رعاية الحوار”، رغم انتهاء ولايته وصدور قرار أممي بتكليف الألماني مارتن كوبلر بالمهمة من بعده، حتى كان الكشف عن ارتباط ليون الواضح بدولة الإمارات خدمة لمصالحها الخاصة، ولتنتهي مهمته في ليبيا، الأمر الذي سيتم توضيحه لاحقاً (13).

واقع الانقسام الليبي:

المسألة الأساسية هنا تتعلق بمدى انعكاس ميراث الفترات الانتقالية على فرص تحقيق السلام، فهذه المسألة سوف تظل عاملاً مهماً في استقرار ليبيا، وهي لا تتعلق فقط بنتائج حوار الأمم المتحدة، ولكن أيضاً بقدرة الأطراف الليبية على وضع السياسات اللازمة للانتقال، في ظل المعضلات الآتية:

ضعف المؤسسات الليبية:

تواجه ليبيا معضلة مؤسسية ترتبط بمحدودية القدرة على تحديد دور المؤسسات في الفترة الانتقالية، وهنا نكون أمام بديلين، إما التعامل معها على قدم المساواة وصولاً إلى دمجها في مؤسسة سيادية واحدة، أو إلغاؤها والتفكير في بدء مرحلة جديدة وفق إطار دستوري يتخلص من المعوقات التي شهدتها الفترات الانتقالية السابقة. وكان من اللافت، أنه على الرغم من تباين موقفي المؤتمر الوطني ومجلس النواب من أداء بعثة الأمم المتحدة برئاسة برناردينو ليون، ولأسباب مختلفة، فقد رفضا معاً التوقيع على “الاتفاق السياسي”، وتبدو الدلالة المهمة هنا في تشكك الأطراف الليبية في وجود قوة ملزمة لتنفيذ الاتفاق، يعززها تأكيد “الجيش الليبي” أنه غير ملتزم بنتائج الحوار. وعلى الرغم من انتهاء ولاية “مجلس النواب” في 20 أكتوبر 2015، لم تحدث تغيرات جوهرية في الصراع، وظلت الخلافات قائمة بين السلطات، وبينما يتهم “النواب” “المؤتمر” بدعم مجموعات من “الإرهابيين” ومنظمة القاعدة، فقد وجه “المؤتمر” انتقادات للمجلس وصفته بـ”المنعدم”(14) .

تنازع القبيلة الدور السياسي:

لا تعكس الخلافات السابقة تدهور الثقة بين مؤسستسن سياسيتين بقدر ما تعكس حقيقة الانقسام الاجتماعي القائم في الدولة، وكمثال على ذلك القبيلة ودورها السياسي الذي لم ينقطع منذ ثورة فبراير، لكنه تنامى مع تعثر الفترة الانتقالية، وخصوصاً مع تركيز معارضو “المؤتمر الوطني” على تعزيز دور القبيلة. وقد شكّل انعقاد مؤتمر القبائل في مدينة الزنتان في 6 يوليو 2013 المرحلة الأساسية لطرح القبيلة فاعلاً سياسياً وبديلاً عن الأحزاب السياسية، وفي هذا السياق انعقدت مؤتمرات في ورشفانة، غرب ليبيا (مايو 2014)، وفي القاهرة (مايو 2015)، وفي الجنوب الليبي (سبتمبر 2015) ومصراتة ( أكتوبر 2015).

ولعلّ السمة المشتركة بين هذه المؤتمرات تتمثل في المطالبة بإلغاء النتائج التي ترتبت على انتخابات يوليو 2012 (المؤتمر الوطني)، وخصوصاً الكيانات العسكرية والأمنية، فقد ركز بيان “ورشفانة” على ضرورة تجاوز مرحلة المؤتمر الوطني، على الرغم من أن التعديلات الدستورية في مارس 2014 رتبت مرحلة ما بعد المؤتمر، غير أنه يمكن فهم البيان في إطار الانقسام السياسي السائد وانحياز القبائل المجتمعة للخيارات السياسية ضد “غرفة ثوار ليبيا”، والكتائب العسكرية التي تشكلت بعد الثورة. وركز مؤتمر للقبائل الليبية في القاهرة على دعم مصر مجلس النواب ورفع حظر السلاح، لكنه لم يمنع ظهور مواقف مختلفة، كشفت أن المؤتمر لم يعبر عن كل القبائل الليبية، بسبب عدم توجيه دعوات إلى القبائل الفاعلة في الجنوب والغرب والوسط وتهميش عدد من مشايخ القبائل.

وكان التطور اللافت في المؤتمرات القبلية ماثلاً في الانتقال من شعارات الحراك الوطني “لا للتمديد”، لطرح ثورة الفاتح حلاً للخروج من الأزمة، وهو الاتجاه العام للنقاش في مؤتمر القبائل والمدن الليبية (الجنوب) في 14 سبتمبر 2015، والذي اعتبر أن ثورة فبراير مؤامرة دولية شارك فيها الإسلاميون، وخلص إلى أن استعادة الاستقرار تتطلب بناء الجيش بدون “المليشيات المتطرفة” ومحاكمة المشاركين في “فبراير”، ودمج القبائل في العمل المسلح تحت مظلة “الجيش الليبي”، وهي فكرة تم تطبيقها في بنغازي تحت مسمى “الصحوات”، لكنها لم تضفِ على “الجيش” قدرة في حسم المعارك في المنطقة الشرقية أو الغربية، وتظل نقطة محورية في تعميق الانقسام والثأر الاجتماعي.

والملاحظ كذلك أن المجالس القبلية المتعددة تعبر عن كيانات جهوية أو جماعات سكانية يتنبى كل منها رؤية مختلفة؛ فهناك المجالس العليا لجماعات الأمازيغ (التبو‏) والطوارق، بالإضافة إلى مجالس القبائل والمجالس البلدية، وتمثل هذه التكوينات الأشكال التقليدية للعمل السياسي، لكنها لم تتصدّ لمعضلات بناء الدولة. وبشكل عام، تكشف مؤتمرات القبائل عن معضلة الانتقال السياسي، فهي تثير الجدل على جانبين؛ مدى توافر فرص التوافق حول الدور السياسي لثلاثة مكونات، القبيلة، الأحزاب، والمؤسسات العامة، ففي الفترات الانتقالية السابقة شكّل التنافر بين هذه المكونات عاملاً أساسياً لظهور صراعات أدت إلى تعطيل المؤسسات المنتخبة وأجهزة الدولة، وتعزّزت التناقضات بمضي الوقت، بسبب بروز فكرة الثأر في الخطاب السياسي، وتعميق الصراع الاجتماعي(15) .

الدور السلبي لميليشيا حفتر:

المشكلة الأخطر في ليبيا ترتبط بانتشار السلاح منذ ثورة فبراير بين العديد من الكتائب التي تختلف في التوجه والأهداف، ورغم دور هذه الكتائب في القضاء على نظام القذافي فإن تنازعها وفي إطار امتلاكها السلاح يؤثر بالسلب على فرص نجاح الحوار. ولعلّ الدور الأخطر يرتبط هنا بالميليشيا التابعة لخليفة حفتر، حتى أن بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا اتهمت في 20 سبتمبر 2015، قوات حفتر بـ”عرقلة الحوار السياسي بين الأطراف الليبية من خلال تصعيد العمل العسكري في بنغازي، حيث هدف توقيت الضربات الجوية بشكل واضح إلى تقويض الجهود المستمرة لإنهاء الصراع وعرقلتها في الوقت الذي وصلت فيه المفاوضات إلى مرحلة نهائية وحرجة”، داعية الأطراف المتحاربة إلى وقف الاقتتال فوراً في جميع أنحاء ليبيا.

وكان خليفة حفتر، أعلن انطلاق عملية عسكرية جديدة في بنغازي أطلق عليها اسم “الحتف”. وذكرت وكالة الأنباء الرسمية القريبة من هذه الحكومة أن حفتر “أعطى تعليماته للطيارين وقادة المحور الغربي بقصف أهم وآخر معاقل الجماعات التي تقاتل قواته في بنغازي”، وبينها جماعة “أنصار الشريعة” القريبة من تنظيم القاعدة، وتنظيم “الدولة الإسلامية”، ومجموعات موالية للسلطات في طرابلس، مما أسفر عن وقوع ضحايا من المدنيين(16) .

تأثير التدخل الخارجي:

قد يكون لذلك العامل التأثير الأكبر في مشكلات الداخل الليبي، وخصوصاً مع الدور السلبي لدولة الإمارات في تغذية الانقلاب الليبي ومعها مصر. ويكفي الإشارة هنا إلى تسريب صحيفة “ذي غارديان” البريطانية خبراً عن تولي المبعوث برناردينو ليون مهمة إدارة أكاديمية دبلوماسية بدولة الإمارات، إضافة إلى مراسلات بينه وبين وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، الأمر الذي ألقى بشكوك قوية حول مدى حياد البعثة الدولية (17).

وكان ليون انتدب بالأساس إلى ليبيا للتوفيق بين الأطراف الليبية المتصارعة لكنه تحدث بشكل واضح عن انحيازه لمجلس نواب طبرق واللواء خليفة حفتر والسعي لحصول دعم دولي له في مواجهة المؤتمر الوطني العام، وقال: “لا أعمل على خطة سياسية من شأنها أن تشمل الجميع وتعامل كل الأطراف بشكل متساوٍ.. وأعمل وفق خطة استراتيجية لـنزع الشرعية تماماً عن المؤتمر الوطني العام”، وذلك بحسب رسالة بريدية “مسربة” لليون أرسلها إلى وزير الخارجية الإمارتي عبد الله بن زايد آل نهيان مؤرخة بتاريخ 31 ديسمبر 2014، أي بعد استلام ليون مهامه بـ5 أشهر. والرسالة المسربة تكشف بكل صراحة ووضوح انحياز ليون لأحد أطراف الصراع وفقاً لما يتسق مع الرغبات الإماراتية، وحيث أضاف: “خطتي تهدف لكسر تحالف خطير جداً بين التجار الأثرياء من مصراتة والإسلاميين الذين يحافظون على قوة المؤتمر الوطني العام، وتعزيز الحكومة المعترف بها دولياً والمدعومة من الإمارات ومصر”.

وقد تخلى ليون عن دوره الأممي يوم 12 نوفمبر 2015 دون الوصول لاتفاق نهائي في ليبيا، ولولا تسريب “ذي غارديان” كان يفترض أن يستمر حتى توقيع الاتفاق النهائي، وأن يبدأ المبعوث الألماني مارتن كوبلر في مهمته المتمثلة في الإشراف على تنفيذ بنود الاتفاق، إلا أنه من الصعب الآن تحقيق ذلك في ظل اتهامات لليون بعدم الحياد وفقدان النزاهة، بعد أن أمضى ليون صيفه –بحسب صحيفة “زي غارديان”- في التفاوض مع الإمارات على وظيفة براتب 35 ألف جنيه إسترليني شهرياً (53 ألف دولار)، يشغل بموجبها منصب مدير عام “أكاديمية الإمارات الدبلوماسية”، التي تهدف إلى تطوير علاقات الإمارات مع العالم، والترويج لسياساتها الخارجية، إضافة إلى تدريب الكادر العامل في السلك الدبلوماسي.

ويرى محللون أن وظيفة ليون الأخيرة تُعد مكافأة إماراتية له على الدور الذي لعبه في ليبيا، وتحفيزاً له على الدور الذي سيلعبه لاحقاً للدبلوماسية الإماراتية، وخصوصاً أن الراتب ضخم ويتعدى راتب الرئيس الأمريكي باراك أوباما، بحسب تقارير أمريكية. وقالت “ذي غارديان” أن ليون أرسل بريداً الكترونياً للخارجية الإماراتية في أغسطس 2015 قال فيه إنه بصدد الحصول على نقلة مرموقة في الأمم المتحدة، ليكون مستشاراً رفيع المستوى لجميع وسطاء الأمم المتحدة، وهو ما يساعد الدبلوماسيين الإماراتيين في المستقبل للتفاعل مع الوسطاء الأكثر أهمية في العالم.

في وقت تم الكشف فيه بوضوح عن انتهاك الإمارات قرار مجلس الأمن الخاص بليبيا، وهي مستمرة في انتهاكه بإرسال السلاح، بحسب رسالة الكترونية سربتها صحيفة “نيويورك تايمز” في 13 نوفمبر ويعود تاريخها إلى الرابع من أغسطس 2015 للدبلوماسي الإماراتي الرفيع أحمد القاسمي، كتبها إلى لانا نسيبة سفيرة الإمارات بالأمم المتحدة، متحدثاً عن انتهاك قرار الحظر الدولي للسلاح وشحن أسلحة لحلفاء الإمارات في ليبيا. وأوضح القاسمي: “الإجابة على التساؤلات والالتزام بالإجراءات التي وضعتها الأمم المتحدة سيكشف مدى تورطنا في ليبيا، علينا أن نحاول توفير غطاء ليخفف من الأضرار الناتجة”.

هذا، ويبدو أن الدور الإماراتي لم يقتصر على توريد الأسلحة، فوفقاً لمسؤولين في حكومة طرابلس، فقد تم إلقاء القبض على جندي إماراتي في ليبيا يدعى يوسف مبارك، واتهم بالتجسس. وكشفت التحقيقات التي لاتزال جارية معه أن المخابرات كشفت أنشطته وأظهرت معلومات على جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص به عن معلومات ووثائق تفيد أن مبارك كان يتجسس لصالح بلد أجنبي.

والمعلومات السابقة لا تثير الدهشة، فمنذ ظهور اللواء المتقاعد خليفة حفتر على الساحة الليبية أُثيرت الشكوك حول مدى الدعم الإماراتي له سياسياً وعسكرياً ومادياً لكي يتم التخلص من المؤتمر الوطني العام والفصائل الإسلامية المسلحة، وخصوصاً مع نشر عدد من التقارير العربية والأجنبية تسريبات عدة حول هذا الأمر. إذ تحدثت صحيفة “نيويورك تايمز” في أغسطس 2014، عن ضلوع كل من مصر والإمارات في اتفاق سري بينهما أدى لشن غارة جوية في طرابلس كتصعيد عسكري –لم يكن معلناً آنذاك– ضد المؤتمر الوطني العام وما يدعمه من مجموعات مسلحة إسلامية، وتعدى الأمر صحيفة “نيويورك تايمز” لتؤكد الولايات المتحدة الأمريكية، عبر تصريحات رسمية في عام 2014، أن الإمارات ومصر شنتا غارات جوية على ليبيا ولكن الإمارات نفت ذلك.

جاء ذلك في الوقت الذي أفادت فيه تقارير صحفية أن محمد دحلان مستشار ولي عهد إمارة أبو ظبي محمد بن زايد، يمثل رأس الحربة للإمارات بالداخل الليبي، يساعده في ذلك محمد إسماعيل المستشار الأمني الأسبق لنجل معمر القذافي سيف الإسلام. ومما أكد دور دحلان في ليبيا تسريب لمكتب عبد الفتاح السيسي نشر في فبراير 2015 ويرجع إلى فبراير 2014 ويتحدث عن مساعٍ مصرية للوقوف ضد المؤتمر الليبي العام بالاستعانة بأحمد قذاف الدم لدعم التحرك على الأرض في ليبيا. وتطرق التسريب في نفس الإطار إلى زيارة “سرية” قام بها محمد دحلان ومحمد إسماعيل وغيرهما إلى مصر، وأكد فيها مدير مكتب السيسي عباس كامل على ضرورة خروج ذلك الفوج من المطار سراً (18).

وإزاء ما سبق، أدان حزب العدالة والبناء، في 16 نوفمبر 2015، ما وصفه بـ”السلوك المشين” لحكومة دولة الإمارات، مؤكداً “انتهاكها لسيادة الدولة الليبية، ومخالفة كافة المواثيق والمعاهدات الدولية، بالتدخل فى الشأن الليبي”، ودعا الحزب فى بيان له كافة الجهات المعنية، ومنها الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الافريقي بضرورة وضع حد لهذا التدخل. وقال الحزب “إن بعض الأحداث كشفت تورط حكومة الإمارات العربية المتحدة في تأجيج الصراع وزعزعة استقرار البلاد، ابتداءً من تنفيذ غارات جوية أودت بحياة عشرات الليبيين، مروراً بما كشفته بعض التقارير الصحفية عن تزويد تلك الحكومة أحد طرفي النزاع بالسلاح”، وأضاف بيان الحزب أن “من صور التدخل الإمارتي استمرار اعتقال رجال أعمال ليبيين لمدة تزيد عن سنة تقريباً دون وجه حق، وتعريضهم لأبشع أنواع التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان، وصولاً إلى ما كشف عنه مكتب النائب العام من القبض على رجل أمن إماراتي متورط في أعمال تجسس داخل ليبيا”(19) .

رابعاً: إخوان ليبيا وأطر الخروج من المأزق الليبي:

في ضوء الأبعاد الرئيسية للأزمة الليبية وأسباب تعقد الوضع السياسي والأمن في البلاد التي امتدت بتأثيراتها حتى إلى التحالف المقرب من إخوان ليبيا، يكون التساؤل عن موقف الجماعة من تلك الأزمة ممثلة في حزب العدالة والبناء. ويمكن توضيح الأطر العامة لموقف الجماعة في في البيان الذي تبناه الحزب في مساء الخامس من نوفمبر 2015، وكان أبرز ما فيه التشديد على أهمية الحوار والحل السلمي للأزمة الليبية.

وذلك رغم إدراك الحزب في بيانه أنه واعٍ من البداية بانحياز المجتمع الدولي، مستدلاً بعدم اعترافه بحكم المحكمة العليا التي قضت بحل مجلس النواب في طبرق، مشيراً إلى أن إدارة الحوار ومعايير اختيار أطراف الحوار كانت غير مبررة، إلا أنه اختار السير في الحوار والوصول به بجهود المشاركين إلى صيغة وصفها الحزب بأنها “مقبولة” إلى حد ما، وعبر عن “إيمانه الكامل بالحوار كسبيل للخروج من الأزمة السياسية الحادة التي تعصف بالبلاد وتهدد أمنها واستقراراها ووجودها كدولة موحدة ذات سيادة”.

ورغم التشكك في النوايا الأممية، فإن الحزب لم يأخذ موقفاً جامداً من كل مقترحات المبعوث الأممي، فدعا في بيانه للنظر إلى إعلان ليون على أنه “خروج بالبلاد من الانزلاق في أتون حرب مفتوحة لا تُبقي ولا تذر”، داعياً إلى “التركيز على مضمون الاتفاق ومخرجات الحوار باعتباره تم برعاية منظمة دولية أممية، والابتعاد عن شخص المبعوث “لأننا نتعامل مع مجتمع دولي بمؤسساته وأطرافه وليس مع أشخاص”، بحسب ما ورد في نص البيان، الذي أكد على ضرورة تمتع أي مبعوث أممي لليبيا بقدر من الحيادية والنزاهة تمكنه من الابتعاد عن التجاذبات السياسية (20).

ويمكن القول أن هذا الموقف المتوازن لإخوان ليبيا يظهر حيادية الجماعة نحو أطر حل الأزمة في ليبيا والانفتاح على حوار جدي بين الأطراف المختلفة، ولكنه على الجانب الآخر أثار خلاف حتى بين حلفاء الجماعة السياسيين، الأمر الذي يتطلب تعاطي حذر للحفاظ على الإجماع بين الكتلة المتضامنة مع الجماعة والانتقال بذلك نحو إجماع عام، وقد يكون مفيداً في هذا الصدد مراعاة الآتي:

من الأهمية بمكان معالجة الخلاف الداخلي وعدم خسارة الأطراف الحليفة بالارتكاز على قاعدة التشاور والتنسيق واعتماد التصويت الجماعي كآلية لاتخاذ أي قرار، وبحيث تكون القرارات واحدة للكتل المتقاربة ولا تثير الخلاف فيما بينها، والابتعاد قدر الإمكان عن إثارة قضايا خلافية قد لا تساعد على تحقيق التوافق المطلوب، كتحميل المؤتمر الوطني مسؤولية سقوط طائرة في غرب البلاد، لعدم نجاحه في حل الأزمة الأمنية والسياسية القائمة بالغرب.

الانتقال من الوفاق الداخلي إلى محاولة تحقيق الوفاق مع الأطراف الخارجية، ويمكن البدء بوضع تصور للقضايا التي لا تحمل خلافاً كبيراً في وجهات النظر، أيضاً باعتماد التصويت ورؤى الغالية كآلية لاتخاذ القرارات، وأخذ تعهدات مكتوبة ومسجلة إعلامياً بالقبول بالإجراءات التي يمكن تبنيها وما تتمخض عنه من نتائج، بحيث لا يتسنى الرجوع عنها.

قد لا تكون النتيجة في صالح الإسلاميين دائماً بالنظر إلى الإطار الإقليمي العام، ولكن في كل الأحوال يجب القبول بها والاهتمام بوضع ضمانات لنزاهة اي إجراء سياسي توازياً مع الاستمرار في البعد الخدمي والاجتماعي بما يضمن عودة الشعبية للجماعة ويخدم الهدف الأول للإخوان المسلمين بإصلاح المجتمعات. وعودة الشعبية للجماعة هو الذي يضمن لها بالدرجة الأولى بالقيام بدور سياسي فاعل، ولذلك لا ينبغى إهمال الجانب الخدمي في ظل الصعوبات السياسية والتضييق الذي تعانيه الجماعة.

استغلال الجانب الإعلامي جيداً، لتأثيره الملحوظ في توجيه الرأي العام، وفي إطار ذلك ينبغي العمل على استغلال المنابر الإعلامية لإلقاء الضوء على الدور السلبي للتدخل الخارجي، وخصوصاً من جانب الإمارات، وإبراز الوثائق والتسريبات التي تؤكد هذا الأمر، وتوضيح مدى الدعم الخارجي المقدم للعناصر الداخلية الرئيسية المتسببة في الأزمة التي تشهدها البلاد، استغلالاً للمنابر الإعلام المختلفة، المقروءة منها والمسموعة.

أن يكون التعاون في سياق الأطروحات المقدمة من الأمم المتحدة لتسوية الصراع الليبي في إطار حذر، فلا مانع من الاستفادة من الرؤى الجيدة التي يمكن الاستناد إليها في إطار جهود حل الخلاف، وخصوصاً إذا كانت تلك الرؤى تقوم على أسس جيدة ومدروسة، ولقدرة المؤسسة الدولية على التواصل مع الأطراف الليبية المختلفة رغم اختلافاتها، ولكن أن يكون ذلك بوعي وحذر بحدود لعدم ضمان حقيقة النوايا الغربية ومؤشرات اختراق الهيئة الدولية لصالح أحد الفاعلين على الساحة الليبية.

في الواقع لا يمكن إغفال دور القبيلة في السياسة الليبية، الأمر الذي ينبغي معه ضمان تمثيل متوازن للقبائل الليبية المختلفة في جلسات الحوار الوطني بحيث لا يتسنى الخروج لاحقاً من مخرجات الحوار. وصحيح أن تشكيل الحكومات التوافقية على أساس مناطقي أو جهوي يعمل في ذاته على إثارة التوتر والنزاعات، ولكن من الأهمية بمكان العمل على تصميم فترة انتقالية قصيرة تمهد لنظام سياسي متوازن ومستقل يحترم دور القبيلة وخصوصاً في الأجل القصير ويعزز المؤسسية بالدرجة الأكبر على الأجلين المتوسط والبعيد.

دعم جهود نزع السلاح الذي يعد انتشاره من الأسباب الرئيسية لتعثر جهود الحل السياسي في ليبيا، ولكن على أن يكون ذلك بطريقة متوازنة وحصره بالجيش، الأمر الذي قد يتطلب واقعاً تحقيق تمثيل متوازن وحذر ومحدود للجماعات المسلحة القائمة بالفعل في الجيش، ودعم أي قرارات في سبيل دعم هذه المؤسسة والارتقاء بمستواها لتكون كفيلة بذاتها لمواجهة التحديات الأمنية الداخلية والخارجية، في ظل أن وجود الجماعات المسلحة في جانب منه هو لتحقيق أمن المجتمعات التي تشكو ضعف الدور الأمني للدولة، وأيضاً مناظرتها وأحياناً تفوقها على القوات الحكومية، الأمر الذي ينبغي معالجته، مع العمل على ضمان عدم تسيسس الجيش على الأجلين المتوسط والبعيد.

وأخيراً مع استبعاد البعض أن تضطلع الأطر السياسية والدستورية القائمة بتوفير حل يتجاوز الأزمات المعقدة، والتي تتزايد بمرور الوقت، فإن هناك رؤية تدعو إلى البحث عن إطار سياسي مختلف، بالرجوع مثلاً إلى المبادرات السياسية التي طرحت في النصف الثاني من عام 2013، حيث توافقت مقترحاتها على أن العودة إلى العمل بدستور الاستقلال (1951) وتعديلاته اللاحقة لفترة انتقالية، من أربع إلى خمس سنوات، يشكل مخرجاً من حالة الاستقطاب في ذاك الوقت، لكن تفاقم الأزمة السياسية دفع باتجاه إجراء تعديلات مارس 2014، من دون التوافق على الإطار السياسي الشامل، مما جعل الفترة الانتقالية الثانية امتداداً للفترة الأولى، بكل تناقضاتها وعثراتها.

وقد يشكل العمل على إحياء تلك المبادرات فرصة للخروج من الأفكار التقليدية، خصوصاً وأنها تشكل حلاً محايداً لتصحيح الأوضاع التي ترتبت على انقلاب سبتمبر 1969 في ليبيا، وهو ما يمثل الهدف المشترك لثورة فبراير 2011، ويحظى بدعم أطراف سياسية كثيرة في ليبيا(12).

الهامش

(1) محمد السنوسي الداودي، “فجوة الأمن: تداعيات انفجار الأوضاع في ليبيا”، مجلة السياسة الدولية، العدد 197، يوليو 2014، ص 130

(2) مجلس النواب الليبي، موقع ويكيبيديا، على الرابط الالكتروني: الرابط

(3) “تطورات الأوضاع في ليبيا”، المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، 27 ديسمبر 2014 : الرابط

(4) أحمد عمارة، ما الذي تفعله الإمارات في ليبيا؟، موقع الحدث نيوز الالكتروني، 18/11/2015

(5) موقع الجزيرة. نت، 19/10/2015. موقع العربية. نت، 12/10/2015

(6) موقع الجزيرة. نت، 20/10/2015

(7) كانت قد شهدت سواحل بلدة “الماية” غرب العاصمة طرابلس سقوط طائرة مروحية ووفاة 23 راكباً كانوا على متنها، من بينهم قيادات بارزة لمليشيات “فجر ليبيا” ورئاسة الأركان التابعة للمؤتمر الوطني. واتهم المؤتمر الوطني ووزارة الدفاع المنبثقة عن حكومته، ما أسماهم بـ”جيش القبائل” بإسقاط الطائرة عبر مضادات للطيران، مطالبين بملاحقة المسؤولين وشن عملية عسكرية لضبطهم والقضاء عليهم.

(8) شبكة إرم الإخبارية، 1/11/2015

(9) موقع العربية. نت، 15/11/2015

(10) موقع العربية. نت، 12/10/2015

(11) “تطورات الأوضاع في ليبيا”، مرجع سابق

(12) خيري عمر، الأفق المسدود للحوار الوطني في ليبيا، صحيفة العربي الجديد، 21/7/2015

(13) موقع الجزيرة. نت، 3/11/2015

(14) خيري عمر، الانقسامات الاجتماعية والسياسية وعملية السلام في ليبيا، موقع مصر العربية الالكتروني، 9/11/2015

(15) المرجع السابق

(16) 20/9/2015 : الرابط

(17)  6/11/2015 : الرابط

(18) أحمد عمارة، مرجع سابق

(19) 16/11/2015 : الرابط

(20) موقع أخبار ليبيا الالكتروني، 5/11/2015

(21) قدم هذه الرؤية، خيري عمر، في مقاله: الأفق المسدود للحوار الوطني في ليبيا، مرجع سابق

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close