fbpx
تقارير

غاز شرق المتوسط: ورقة أولية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تمهيد:

أدت اكتشافات حقول الغاز في منطقة شرق المتوسط إلى العديد من ردود الفعل الإقليمية المتباينة؛ ما بين مرحب بتلك الحقول باعتبارها نواة لتعاون إقليمي بين دول شرق المتوسط، وما بين توقعات باندلاع صراعات حول تلك الحقول وإعادة ترسيم الحدود البحرية، وتداخل نفوذ الدول الكبرى في المنطقة، من دول وكيانات في مقدمتها: الاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة، ومصر وتركيا، واليونان وقبرص وسوريا ولبنان وفسلطين، واصبح قضية ترسيم الحدود البحرية وأحقية الدول بتلك الحقول الغازية مقدمة لمشكلة كبرى قد تتطور إلى صراع محتدم، بالوضع في الاعتبار أيضًا تقاطع تلك الاكتشافات مع المشكلات التاريخية والدينية والحضارية في تلك المنطقة.

أولاً: حقول غاز شرق المتوسط:

هي حقول الغاز التي تقع ضمن الإطار الجغرافي لمنطقة شرق المتوسط، والتي تقع قبالة سواحل قبرص وإسرائيل ولبنان وغزة ومصر. وينظر إلى تلك المنطقة من منظور جغرافي وليس من منظور نظام إقليمي، وقد أشار إلى منطقة شرق المتوسط الأكاديمي ووزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو في كتابه “العمق الاستراتيجي”1، ومن الناحية الجغرافية فإن منطقة شرق المتوسط هي تلك المنطقة التي تمتد من هضبة الأناضول شمالاً ومصر جنوبًا ومنطقة الشام شرقًا، بما تحويه من دول تقع على النصف الشرقي للبحر المتوسط، وتمثلها الخريطة التالية:

خريطة: حقول غاز منطقة شرق المتوسط، المصدر: الإيكونوميست البريطانية2

وهناك الكثير من حقول الغاز في تلك المنطقة، وقد أظهرت شركة نوبل للطاقة3، أن حقل أفروديت يحتوي على ما بين 142 إلى 227 مليار متر مكعب من الغاز، وهو ما يقدر قيمته بـ 45 مليار دولار بالسعر العالمي الحالي، ويمكنها أن تحول البلاد من دولة مدينة إلى دولة مصدّرة للطاقة4.

وقد صرح الرئيس التركي السابق عبد الله جول في 10 مايو 2013 في مؤتمر بإسطنبول أن “اكتشافات الغاز في شرق المتوسط يمكن أن تساهم بصورة كبيرة في حل المشكلات السياسية في المنطقة”، وأضاف: “أعتقد أن أية مشاريع متعلقة بمصادر الطاقة في شرق المتوسط يجب أن تشترك فيها جميع دول المنطقة، بما في ذلك مصر ولبنان وإسرائيل وشطري قبرص وتركيا لحل المشكلات السياسية”5، في إشارة واضحة لمحاولة احتواء الصراعات المتوقعة على ترسيم الحدود البحرية بين دول تلك المنطقة ونزع فتيل الأزمات بها قبل تطورها إلى صراعات إقليمية. وقد اكتشف الجانب الإسرائيلي العديد من حقول الغاز في العقد الأخير، منها حقل لفياتان الذي يقدر مخزونه بـ 17 تريليون قدم مكعب (453 مليار متر مكعب)، مما قد يجعل “إسرائيل” تكتفي ذاتيًا لفترات طويلة من ذلك المخزون الغازي، وربما تتحول أيضًا إلى دولة مصدّرة للغاز في القريب العاجل6.

جدول: أهم حقول الغاز التي اكتشفها الكيان الصهيوني ما بين 1999 و2010

وتتمتع تركيا والكيان الصهيوني بدور مميز في هذه الصفقة على مستوى التوزيع في دول أوروبا الغربية. ويتضــــح أن المصالحة الاسرائيلية-التركية التي أشار إليها وزير الخارجية التركي في أبريل 2014 لم تـــــأت فقط بدافع الضغوط الأميركية ولا بدافع تقاسم الأدوار في سورية ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، بل يتيح إبرام صفقة بين اسرائيل وتركيا لكي تـوزع تل أبيب غازها عبر الأراضي التركية إلى أوروبا7.

وقد سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانيـاهو إلى الاعتذار لنظيره التركي رجب طيب أردوغــــان عما حدث لسفينة «مرمرة»، لكي يطوي هذا الملف بســـــرعة. وما التجاوب التركي مع هذه الخطوة سوى دليل على الرغبة في أخذ دور في صفقة الغاز. وتتوقع اسرائيل أن يؤدي الغاز إلى تحول في السياسة التركية تجاهها، سواء كان ذلك في الموضوع الفلسطيني أم في الموضوع السوري أم في الموضوع الايراني. وتأمل أن تحقق لها هذه الصفقة انطلاقة نحو اتفاقات جديدة وإحياء اتفاقات قديمة، بخاصة من ناحية الصفقات العسكرية والاسلحة والتدريبات العسكرية المشتركة.

وقال الخبير الاقتصادي “نحميا شتسلر” أن إسرائيل تستطيع تصدير الغاز إلى الأردن الذي أدى تفجير الأنابيب المصرية المتكرر إلى انقطاع الغاز عنه مراراً ولأسابيع طويلة، وكذلك إلى السلطة الفلسطينية التي تقيم محطة توليد كهرباء في جنين، تريد أن تستخدم الغاز بدلاً من الديزل، وهي معنية بشراء الغاز الاسرائيلي لأنه سيكون أدنى كلفة من الديزل، والوصول إليه أسهل، وكانت اسرائيل قد تعاقدت مع اليونان على بيعها الغاز، ولكنها تطمح إلى بلوغ أسواق أخرى في أوروبا، خصوصاً بعد نشوب الأزمة الاقتصادية الخطيرة وخفض تصنيف اليونان في سلّم ضمانات القروض، كما ان قبرص، المعنية بدورها بالتعاون مع اســـرائيل في موضوع الغاز وحمايته، تريد أن تتحول إلى مركز يستقطب صناعة الغاز الاسرائيلية بهدف توزيعه من أراضيها. وقد كانت أبرمت اتفاقاً مفاجئاً مع اسرائيل، يتيح للأخيرة أن تكون شريكة في أعمال التنقيب عن الغاز والنفط قبالة سواحل قبرص8.

وتدرك اسرائيل أن تغيير العلاقات مع تركيا في الاتجاه الايجابي، سيخفف الضغوط الأمنية عن آبار الغاز، فالمعروف أن اسرائيل، ومنذ اكتشاف حقلي الغاز «تامار» و «لفياتان»، وضعت قوات كبيرة من سلاح البحرية وسلاح الجو ووحدات الكوماندوز لحراستها من عمليات تفجير وهجمات مسلحة. وبدلاً من نقل الغاز بالأنابيب أو النقل البحري إلى أوروبا، وما ينطوي عليه ذلك من عمليات حراسة ضخمة، تفضل اسرائيل مد الانابيب في قاع البحر الى تركيا، كونها الوسيلة الاسهل والارخص والأكثر أماناً والأجدى اقتصادياً.

وتركيا من جهتها وكذلك دول أوروبا، تقع اليوم تحت طائلة الغاز الروسي، وتعاني من إملاء شروط روسية عليها، تتجاوز حدود «البائع المتحكم بمصير زبائنه»، إذ إن دول الغرب تحذر من الدخول في صدامات مع روسيا في قضايا سياسية شائكة، مثل الموضوع السوري والموضوع الايراني. ومن هنا، يخطّ تحول اسرائيل إلى دولة مصدرة للغاز معادلات جديدة، تضعف الموقف الروسي وتستبدله في مواقع عدة بنفوذ اسرائيلي9.

ومع صعود الدولة التركية واقتصادها وقدرتها على التصنيع ونموها كدولة تهدف إلى أن تكون دولة مركز في الإقليم، يزداد معه الطلب التركي على الطاقة، ومزيد من الاحتياجات لتلبية طموحاتها الاقتصادية والصناعية والاستراتيجية في مختلف المجالات، فتظهر الإحصاءات نموًا مضطردًا في استهلاك الطاقة التركي في مختلف القطاعات سواء الصناعية أو السكانية أو في مجالات النقل والمواصلات والزراعة من 50 ألف كيلو طن معادل نفطي KTOEعام 2000 إلى 120 ألف في عام 2102، ويتوقع أن يصل إلى 270 ألف في عام 2025، معظمها في مجال التصنيع، طبقًا للشكل التالي:

شكل: الاستهلاك التركي للطاقة من 1995 والمتوقع حتى 2025 طبقًا للقطاعات10

المصدر:

Turkey’s Projected Natural Gas Consumption by Sector Through 2025- Reference Case

شكل بياني: توقعات باستهلاك الغاز الطبيعي طبقًا للقطاع في تركيا حتى عام 2025

كما من المتوقع أن يزيد الاستهلاك التركي للغاز الطبيعي بمعدل متسارع لاسيما في مجال توليد الكهرباء، بالإضافة إلى الاستهلاك المنزلي والصناعي والتخصيب والنقل والمواصلات، انطلاقًا من 10 مليار متر مكعب في عام 2000 إلى 170 مليار متر مكعب عام 202511.

جدول: احتياطيات الغاز قبالة سواحل منطقة شرق المتوسط (المكتشفة والجاري اكتشافها) لكل من مصر وإسرائيل وقبرص وغزة ولبنان، بإجمالي 8014 مليار متر مكعب12

ثانيًا: مشكلات ترسيم الحدود:

تبرز مشكلة ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط كأحد عوامل النزاعات في المنطقة نظرًا لاكتشافات الغاز الهائلة والتي يقع بعضها في مناطق متنازع عليها، بين كل من قبرص وإسرائيل من جهة، وبين قبرص ومصر من جهة أخرى، وبين إسرائيل ولبنان من جهة ثالثة؛ فعدم ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل يطرح مشكلة مستقبلية وربما يمثل ذريعة لهجوم اسرائيلي آخر على لبنان، فبإمكان إسرائيل البدء بالتنقيب في المياه الحدودية التي هي ليست مرسومة بين البلدين، وإسرائيل غير موقعة على معاهدة قانون البحر، وقد أوكلت أمريكا لأحد دبلوماسيها وهو فريديريك هوف المهمة المعقدة للتوصل الى اتفاقية بين لبنان وإسرائيل بهذا الشأن13.

وقد قدرت المؤسسة الأمريكية للمسح الجيولوجي الموارد النفطية والغازية في شرق البحر المتوسط بأنه يحتوي على ١.٧ بليون برميل من النفط و١٢٢ تريليون قدم مكعب من الغاز. ويقول الخبير النفطي الفرنسي بيار ترزيان ان كل عناصر الخطر موجودة في هذه المنطقة حيث هناك تنافس كبير على الموارد الضخمة في هذه المنطقة التي تشمل لبنان وسورية وإسرائيل وقبرص وغزة.

وأشار الصحفي الأميركي كريستوفر ديكي في مقال على موقع «الديلي بيست» ان إسرائيل أنشأت الأسطول البحري الأكثر تقدماً تقنياً في شرق المتوسط وأن «حزب الله» يملك صواريخ بحرية استخدمها في الماضي عندما ضرب ناقلة بحرية إسرائيلية في حرب ٢٠٠٦14، وقال وزير الخارجية اللبناني، جبران باسيل: إن الغاز اللبناني بات مهدداً بالفعل بعدما اكتشفت إسرائيل حقل “كاريش” الذي يبعد عن المياه الإقليمية للبنان بنحو 4 كيلومترات فقط15.

وقال السفير حسين هريدي المدير السابق لإدارة إسرائيل في الخارجية المصرية، إن نزاعات ستنشأ في منطقة الشرق الأوسط حول استغلال ثروات الغاز البحرية خاصة بين إسرائيل ولبنان، ومن المتوقع أن تدخل مصر فيها، إذا لم تدخل الأطراف في مفاوضات من أجل الاتفاق على ترسيم حدود هذه منطقة شرق البحر المتوسط، بعد أن دفع اكتشاف حقل تمار إلي موجة من عمليات التنقيب في حوض المشرق- الذي تتقاسمه إسرائيل وقبرص ولبنان- والإعلان عن اكتشاف حقلي داليت وليفياثان وتلاها قيام تل أبيب بإنشاء صندوق لإدارة ثروة الغاز الطبيعي، وبعثت كل من لبنان وإسرائيل بخطابات إلى الأمم المتحدة لإعلامها بالحدود البحرية لكل منهما، لكن الدولتين لم يتفقا فيما بينهما على ترسيم للحدود رغم طلب الطرف اللبناني من إسرائيل ذلك16.

وقد أقام وكيل وزارة الخارجية المصرية الأسبق، السفير إبراهيم يسري، دعوى أمام محكمة القضاء الإداري، تطالب بإلغاء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الاقتصادية، التي وقعتها الحكومة المصرية مع نظيرتها القبرصية عام 2004. وقال أن تلك الاتفاقية ترتب عليها “استحواذ” كل من قبرص وإسرائيل على حقول غاز طبيعي بمساحات ضخمة، رغم أنها أقرب إلى السواحل المصرية منها إلى سواحل الدولة العبرية، وأكد يسري في دعواه أن هذه الحقول محل النزاع مصرية مائة في المائة، لأنها تبعد عن ميناء دمياط بنحو 190 كيلومتراً، بينما تبعد عن حيفا بحوالي 235 كيلومتراً، مشيراً إلى أن حدود المياه الاقتصادية 200 كيلومتراً، طبقاً للقانون الدولي.

كما أكدت الدعوى أن حقل “شمشون”، الذي تستغله إسرائيل، يبعد عن الساحل المصري بنحو 114 كيلو متراً فقط، وفقاً للتصوير الجوي، والأقمار الصناعية، والاستخبارات البحرية، وهو ما يجعله يقع ضمن المياه الاقتصادية المصرية، واستندت الدعوى إلى تقرير الدكتور إبراهيم عبد القادر عودة، أستاذ الجيولوجيا المتفرغ بجامعة أسيوط، وخرائط الدكتور نائل الشافعي، الباحث بجامعة ماساتشوستس الأمريكية، التي أكدت أن حقلي الغاز المتلاصقين “لڤياثان”، الذي اكتشفته إسرائيل في 2010، و”أفروديت”، الذي اكتشفته قبرص في 2011، باحتياطيات تُقدر قيمتها بقرابة 200 مليار دولار، يقعان في المياه الاقتصادية المصرية الخالصة17.

الهامش

(1)أحمد داود أوغلو، العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية، الدار العربية للعلوم ناشرون، ومركز الجزيرة للدراسات، الطبعة الثانية، 2011، ص195.

(2) “Gas in the eastern Mediterranean: Drill, or quarrel?”, The Economist, Jan 12th 2013, on: http://econ.st/Soa31l

(3) شركة أمريكية، مقرها ولاية هيوستن، وهي المسئولة عن التنقيب عن الغاز في المنطقة، وقد اكتشفت حقل “أفروديت” عام 2011، وحفرت بئرًا استرشاديًا واحدًا بعمق ميل في المياه على بعد مائة ميل من السواحل القبرصية.

(4) STANLEY REED, “For Cyprus, Gaslight at the End of Tunnel?”, The New York Times, April 5, 2013, on this link

(5)جريدة حرييت التركية، في 10 مايو2013، على الرابط

(6) حقل تمار يبدأ في ضخ الغاز الطبيعي ليصبح كيان إسرائيل دولة مصدرة للغاز الطبيعي، آرابيان بيزينيس نقلا عن رويترز في 30 مارس 2013، على الرابط

(7)داود أوغلو: العلاقات التركية الإسرائيلية ستشهد تطوراً إيجابياً، القدس العربي، 3 أبريل 2014، على الرابط

(8)”هل يعيد الغاز تموضع إسرائيل في خريطة الشرق الأوسط؟”، صحيفة الحياة اللندنية، 2 أبريل 2013، على الرابط

(9)المصدر السابق.

(10) Decision and Information Sciences, Argona, on this link: http://www.dis.anl.gov/news/Turkey.html

(11) Ibid.

(12) Towards a New Eastern Mediterranean Energy Corridor? Natural Gas Developments Between Market Opportunities and Geopolitical Risks, by Simone Tagliapietra, Fondazione Eni Enrico Mattei, on : link

(13)لبنان وترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، رندة تقي الدين، جريدة الحياة اللندنية، 18 فبراير 2014، على الرابط

(14)المصدر السابق.

(15)سرقة إسرائيل لغاز شرق المتوسط يهدد بنشوب حرب، اشرف عبد العزيز، العربي الجديد، 8 أبريل 2014، على الرابط

(16) الغاز بشرق المتوسط.. “بؤرة صراع جديدة”، 01 أبريل, 2013، عمرو عبد الحميد، سكاي نيوز عربية، على الرابط

(17) دعوى قضائية قد تجدد “حرب الغاز” بين مصر وإسرائيل، سي إن إن عربية، ، 07 شباط/فبراير 2013، على الرابط

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close