fbpx
سياسةتقارير

فرنسا ومصر عملية سيرلي.. القتل الممنهج للمدنيين

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

توطئة

أحدثت عدّة تقارير مصوّرة وموثّقة كشف عنها أخيراً الموقع الاستقصائي الفرنسي الشهير  (ديسكلوز)، ضجّة كبرى في كلٍ من فرنسا و مصر بالخصوص، وهي تتعلق بتعاون أمني واستخباري سريّ بينهما بدأ في العام 2016، وما زال مستمراً رغم الكشف عنه على المستويين السياسي والإعلامي؛ وقد تسبّب هذا “التعاون”، الذي انطلق تحت مسمّى ( مهمة سيرلي)، بمقتل آلاف المدنيين المصريين، وذلك بذريعة “مكافحة الإرهاب” في مناطق الصحراء الغربية المصرية القريبة من الحدود الليبية. وكانت المصالح السياسية والأمنية والتجارية هي الدافع الأساس لتطوّر العلاقات بين دولة أجنبية “ديمقراطية” عريقة ونظام عربي إقليمي شبه عسكري.

تسريبات الموقع الفرنسي: مضامين ودلالات

يقول الموقع الفرنسي إن مصدراً أرسل إليه عدّة مئات من الوثائق المصّنفة على أنها “دفاع سريّ”. وتشمل ملاحظات متتالية من قصر الإليزيه ووزارة القوات المسلحة ومديرية المخابرات العسكرية الفرنسية، تكشف عن تجاوزات البعثة الاستخبارية الفرنسية، التي بدأت في فبراير/شباط 2016، تحت مبرّر مكافحة الإرهاب.

ويوضح هذا التسريب كيف حوّلت الدولة المصرية هذا التعاون المخفي عن الجمهور لصالح تنفيذ حملة إعدامات تعسفية، حسب وصف الموقع الفرنسي. وتمّ إبلاغ الرئيسين الفرنسيين، السابق فرانسوا هولاند وخلفه إيمانويل ماكرون، باستمرار، بالجرائم التي ارتُكبت، لكن دون عواقب(1).

وُلِد مشروع مهمة سيرلي في 25 يوليو/تموز 2015. في ذلك اليوم، سافر جان إيف لودريان، وزير الدفاع الفرنسي في عهد الرئيس فرانسوا هولاند آنذاك، إلى القاهرة برفقة مدير المخابرات العسكرية الجنرال كريستوف جومارت. وهناك التقى نظيره المصري، الوزير صدقي صبحي، بعد أن أبرم للتو عقود بيع طائرات رافال وفرقاطات فريم الفرنسية لمصر، حسبما أكدت مذكّرة دبلوماسية حصل عليها موقع ديسكلوز في شهر أبريل/نيسان، حيث اشترت مصر 24 طائرة مقاتلة من طراز رافال وسفينتين حربيتين مقابل 5.6 مليار يورو.

وجاء في جدول أعمال الاجتماع: تأمين 1200 كيلومتر من الحدود مع ليبيا وسط حالة من الفوضى التي تشهدها هذه البلاد المجاورة لمصر.

وذكر الوزير المصري الذي أُقيل بعد ذلك بسنوات، وجود “احتياجات مُلحّة” محدّدة بمجال الاستخبارات الجويّة.

في المقابل، تعهّد جان إيف لودريان بتنفيذ “تعاون عملي وفوري” في إطار “مناورة عالمية ضد الإرهاب”، سوف تأخذ شكل مهمة غير رسمية بقيادة مديرية المخابرات العسكرية الفرنسية إلى قاعدة عسكرية مصرية.

كل ما تبقّى هو توقيع اتفاقيّة فنيّة بين البلدين، يجب أن تحدّد هدف العملية، وتسمح للجيش الفرنسي بالرجوع إليها لمعرفة معالمها الدقيقة. ووفقاً لمعلومات الموقع،  لم تُوقّع مثل هذه الوثيقة قط.

من حيث المبدأ، كانت مهمة الفريق الفرنسي المُرسَل، الذي أُطلِق عليه اسم ELT 16 اختصاراً لـ “فريق” “الاتصال التقني 16″، هي مسح الصحراء الغربية بحثاً عن التهديدات الإرهابية المحتملة من ليبيا. وعند كلّ مخرج، يرافق الفرنسيين ضابط مصري. وهذا الأخير مسؤول عن الاستماع المباشر إلى المحادثات المعترَضة. من الناحية النظرية، يجب فحص البيانات المجمّعة من أجل تقييم حقيقة التهديد وهوية المشتبه بهم.

لكن سرعان ما أدرك الفريق الفرنسي أنَّ المعلومات الاستخباراتية المقدّمة للمصريين كانت تُستخدَم لقتل المدنيين المشتبه في قيامهم بالتهريب؛ وهي حقيقة نبّهوا قياداتهم لها على فترات منتظمة، بعد عام، ثم عامين، ثم ثلاثة، لكن دون جدوى.

ظهرت الشكوك الأولى بعد شهرين فقط من بدء المهمة، كما هو مبيّن في تقرير مديرية المخابرات العسكرية الفرنسية بتاريخ 20 أبريل/نيسان 2016. وفي هذه المذكّرة، حذّر ضابط الاتصال قائده من أنَّ المصريين يريدون “اتخاذ إجراءات مباشرة ضد المهربين”، مضيفاً أنَّ الحرب ضدّ الإرهاب تبدو بعيدة بالفعل عمّا يحدث على الأرض(2).

وفي يوليو/تموز 2020، أعلن مكتب الرئاسة المصري أنه على مدار السنوات السبع الماضية، دمّرت “10 آلاف مركبة مليئة بالإرهابيين والمهرّبين”، و”قتل 40 ألف شخص”!

لكن وفقاً لـ “جليل حرشاوي”، الباحث في “المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظّمة العابرة للحدود الوطنية”، وهي منظّمة سويسرية غير حكومية، فإن التهديد الإرهابي من ليبيا “يبالِغ الجيش المصري في تقديره إلى حد كبير من أجل الحصول على دعم المجتمع الدولي”.

ومنذ عام 2017، لم يُعرف عن أيّ جماعة إرهابية تمّ زرعها في شرق مصر.

ووفقاً لتقرير صدر في مايو/أيار 2020، عن المعهد الأوروبي للسلام، وهو مؤسسة مستقلة لحلّ النزاعات، لم يكن هناك أي دليل تقريباً يشير إلى أن تنظيم “الدولة”، أو الجماعات المسلّحة الأخرى، استخدمت تهريب المخدّرات لتمويل أنشطتها في ليبيا.

وفي نهاية صيف عام 2016، كان وكلاء “مديرية المخابرات العسكرية” واضحين في استنتاجهم أن المهمة لم تكن ذات أهمية، خاصة أن المناطق التي تم مسحها جواً ظلّت مقتصرة بشكل صارم على غرب البلاد، حيث تكاد تكون الجماعات المسلّحة معدومة.

وقد مُنعوا من تغطية الأراضي في ليبيا وسيناء حيث كان التهديد الإرهابي حقيقياً، حسبما أكد أحد أعضاء فريق “سيرلي” على ذلك، في تقرير صدر في سبتمبر/أيلول 2016.

ولإشباع هوسها الأمني، كانت “المؤسسة” العسكرية المصرية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، طلبت مثلاً “إنشاء حلقة قصيرة لنقل المعلومات” من الطائرة إلى القاعدة.

وكان الهدف من ذلك هو السماح للقوات الجوية المصرية بالتحليق إلى المنطقة “لمعالجة” الهدف في أسرع وقت ممكن.

وكان هذا الطلب مصدر قلق للأفراد الفرنسيين في الميدان، ولكن ليس لقيادة المخابرات العسكرية الفرنسية التي قبلت هذا التقليص في وقت نقل البيانات..(3)

ووفقاً للوثائق السريّة التي حصل عليها موقع “ديسكلوز”، ربما تكون القوات الفرنسية قد تورّطت فيما لا يقل عن 19 تفجيراً راح ضحيّتها مدنيون مصريون بين عامي 2016 و2018.

وغالباً ما دمّرت الغارات الجويّة الفرنسية عدة سيارات. وقد يصل عدد الضحايا إلى عدة مئات.

ووفقاً لمعايير قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 56/83، يمكن إثبات تواطؤ فرنسا في عمليات الإعدام خارج إطار القانون.

وبعد 3 أسابيع من بدء ولايته، أجرى “ماكرون” مكالمة هاتفية مع الرئيس المصري (عبد الفتاح) “السيسي”، عقب هجوم إرهابي في مصر قبلها بأيام ضد الطائفة المسيحية، والذي أعلن تنظيم “الدولة الإسلامية” مسؤوليته عنه.

وبحسب ملخّص الحديث، سرعان ما ركّز الحديث على الشراكة العسكرية بين باريس والقاهرة، وأكد “ماكرون” لـ “السيسي” أنه “على علم تام بالعمليات الجارية” في مصر!

في اليوم التالي، تلقّى رئيس أركان القوات المسلحة الفرنسية “بيير دي فيلييه”، الخاضع لسلطة الرئيس الفرنسي، تقريراً صُنّف على أنه “سريّ”، كتبه مدير المخابرات العسكرية، وفيه أن “معظم شاحنات البيك أب التي تمّ رصدها في الصحراء المصرية لم تكن مرتبطة بجماعات إرهابية”.

ثم أكد رئيس مديرية المخابرات العسكرية، أن “ترتيب الأولويات” في مصر هو الهدف، وجاءت مكافحة الإرهاب في المرتبة الثالثة.

في 6 يونيو/حزيران 2017، سافرت “سيلفي جولارد”، التي عملت لفترة وجيزة فقط كوزيرة للقوات المسلّحة في حكومة “ماكرون” (تركت المنصب في 21 يونيو/حزيران)، إلى القاهرة للقاء “السيسي”.

وعلى الرغم من التجاوزات الواضحة التي حدثت في العملية، شدّدت على أن “ماكرون مستعد لدراسة إمكانية زيادة استخدام طائرة الاستطلاع”، التي وصفت نتائجها بأنها “استثنائية”(4).

بعد يومين من زيارة “جولار”، قام وزير الخارجية الفرنسي المعيّن حديثاً “جان إيف لودريان” (وزير الدفاع السابق برئاسة هولاند)، بزيارة القاهرة أيضاً، وهناك التقى للمرّة الثامنة في أقل من 3 سنوات وزير الدفاع المصري “صدقي صبحي”.

وبعد تهنئة أنفسهم على “مستوى الثقة الذي وصلوا إليه”، أجرى الرجلان تحديثاً حول الجوانب السريّة للشراكة العسكرية الثنائية.

ما يقرب من شهر واحد في اليوم التالي لهذا العرض المتبادل للارتداد، قتلت القوات الجويّة المصرية ثلاثة عمّال، بينهم والد لأربعة أطفال “أحمد الفقي”، مهندس من القاهرة(5).

 كان الفقي واثنان من زملائه يعملون على رصف الطرق بالقرب من مدينة الواحات البحرية. أثناء سفرهم في شاحنة صغيرة، توقف الرجال الثلاثة عند مبنى للحديد، حيث حصلوا على إذن من إدارة الموقع لملء إمدادات المياه؛ وبعد وصوله مباشرة، نزلت طائرة تابعة لسلاح الجو المصري من السماء وفجّرت السيارة، ممّا أدّى إلى مقتل الفقي واثنين من زملائه. وتحدث موقع مدى مصر، وقناة الجزيرة الإخبارية  عن الحدث، ولم ترد تقارير أخرى، بعد أن خنق الجيش المصري القضية؛ ونقل شخص للموقع الفرنسي أنه في المشرحة هدّد رجال ملثّمون يرتدون ملابس سوداء الأُسرة؛ حتى إن شهادة وفاة أحمد تشير إلى أن سبب الوفاة غير معروف(6).

في أوائل عام 2019، قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، برفقة وزيرة القوات المسلحة فلورنس بارلي، بزيارة رسمية إلى مصر، حيث تم تزويدهما  بتقارير مع الملاحظات الرسمية مسبقاً؛ وتمّت كتابة إحداها في 19 يناير من قِبل مكتب إفريقيا في المكتب الرئاسي الفرنسي، قصر الإليزيه، وأبلغت الرئيس الفرنسي بـضرورة التوصل إلى اتفاق يضمن إطاراً قضائياً متيناً للفريق على الأرض. وأوصى تقرير آخر موجّه إلى بارلي بوضع حدٍ للممارسات التعسفية للعملية.

لكن لن يتم التوقيع على أي اتفاق، ولن يتم التشكيك في البعثة، وسيبقى دعم الديكتاتورية العسكرية المصرية هو الأولوية مهما كان الثمن. ففي الخامس من ديسمبر 2020، قلّد إيمانويل ماكرون عبد الفتّاح السيسي وسام جوقة الشرف الأكبر من جوقة الشرف الفرنسي، وذلك خلال مأدبة عشاء على شرفه في قصر الإليزيه بمناسبة زيارته التي استمرت ثلاثة أيام؛ وبعد أربعة أشهر من ذلك الحفل، اشترت “الدولة” المصرية سراً 30 طائرة مقاتلة أخرى من طراز رافال من فرنسا، في صفقة قيمتها 3.6 مليار يورو(7).

كذلك، يكشف تحقيق ديسكلوز أنه بعد شهرين فقط من بدء عملية “سيرلي”، توصَّلت إدارة الاستخبارات العسكرية الفرنسية، من خلال تقرير أصدره ضابط فرنسي بتاريخ 20 إبريل/نيسان 2016، إلى أن الجانب المصري أراد تنفيذ عمليات مباشرة ضد المهرِّبين، وأنه لا توجد أي رغبة حقيقية لديه في استغلال عمليات المسح التي قامت بها طائرة المراقبة في البحث عن عناصر إرهابية بالفعل. تكرَّر الأمر نفسه بعد 4 أشهر من التقرير الأول، إذ صدر تقرير جديد مفاده أن النظام المصري استهدف المُهرِّبين لا الإرهابيين وأنه يُصِرُّ على ذلك، وهؤلاء المُهرِّبون هم شباب تتراوح أعمارهم ما بين 18-30 سنة يُهرِّبون المخدّرات والأسلحة أحياناً، ويُهرِّبون الحبوب كالقمح والأرز ومساحيق التجميل في أحيان أخرى، بهدف البحث عن لقمة العيش..(8)

وقد صرَّح موقع “ديسكلوز” في بلاغ نشره بعد هذا التحقيق أن الدافع الحقيقي وراء إخراج هذه المعلومات إلى النور قانوني في المقام الأول ويمس طبيعة هذه العمليات العسكرية، إلى جانب حقيقة أن تمويل هذه العمليات يأتي من ميزانية وزارة الدفاع، ما يعني ضرورة كشف جميع المعلومات المتاحة حول “سيرلي” للنوّاب البرلمانيين بوصفهم ممثّلين للشعب الفرنسي.

 من جهتها، لم تُعلِّق مصر رسمياً حتى الآن على ما تداولته وسائل الإعلام الفرنسية، بل اكتفت بأن أضافت موقع “ديسكلوز” إلى قائمة مواقعها المحظور دخولها عبر الإنترنت داخل مصر(9).

التعاون الأمني يتوسع: برامج تنصّت وصفقات سلاح

في سياق توسيع مجالات التعاون الأمني والاستخباري والعسكري بين فرنسا ومصر، نشر موقع «ديسلكوز» حلقة جديدة من سلسلة تحقيقات «أوراق مصر Egypt Papers»، تحت عنوان «مراقبة صُنعت في فرنسا».

وقد كشفت الحلقة الجديدة أن ثلاث شركات فرنسية نقلت تكنولوجيا برامج التجسس إلى الحكومة المصرية، وأشرفت على تشغيل شبكة مراقبة تهدف إلى جمع المعلومات بشكل جماعي من شبكات الاتصالات في مصر.

ووفقاً لمئات المستندات التي حصل عليها «ديسلكوز»، في تحقيقه المشترك مع موقع Télérama، فازت شركة Nexa Technologies بعقد قيمته 11.4 مليون يورو عام 2014 لتثبيت برنامج مراقبة على الإنترنت يسمّى Cerebro، بينما فازت Ercom-Suneris بعقد تقارب قيمته 15 مليون يورو في نفس العام لتثبيت جهاز تنصّت وتحديد الموقع الجغرافي يسمّى Cortex vortex. كما تم التعاقد مع شركة الأسلحة الفرنسية العملاقة Dassault Système لتوفير برنامج بحث والوصول إلى المعلومات لربط البيانات المزمع جمعها بقاعدة البيانات الوطنية المصرية.

وDassault Système هي شركة تابعة لمجموعة «داسو» المالكة للشركة المصنّعة لطائرات رافال، وكذلك المالكة لطائرات فالكون، التي اشترت منها الرئاسة المصرية أربع طائرات عام 2018؛ كما أنها تمتلك صحيفة «لوفيجارو» الفرنسية.

وأضاف تقرير «ديسكلوز» أن مصر قامت أيضاً ببناء خادم بيانات (Server) عملاق بالتعاون مع شركة DataDirect Networks الأمريكية، واشترت أجهزة كمبيوتر Dell جديدة، وسيطرت على حركة المرور من كابلات الإنترنت البحرية التي تربط البلاد بأوروبا من أجل تحليل البيانات.

ووفقاً لمعاهدات الأسلحة للاتحاد الأوروبي التي تُعدّ فرنسا طرفاً فيها، يجب الموافقة على تصدير التقنيّات ذات الاستخدام المزدوج من خلال عملية تنظيمية على مستوى الدولة. وبحسب ما كشف «ديسكلوز»، تمّت الموافقة على تصدير Cerebro وCortex من قِبل هيئة تابعة لوزارة الاقتصاد الفرنسية مكلّفة بتنظيم تقنيّات الاستخدام المزدوج.

وبحسب وثائق موقع «ديسكلوز»، فإن طلب Nexa أشار إلى الموافقة على «توفير خدمات [لمصر] تتعلق بتنفيذ نظام اعتراض قانوني للملكية الفكرية في سياق مكافحة الإرهاب والجريمة». وتضمّن العقد 550 يوم تركيب و200 ساعة تدريب.

وفي تعليقها لـ «ديسكلوز»، قالت شركة Nexa: «لو كان لدى الدولة الفرنسية أدنى شك بشأن توريد سيريبرو Cerebro إلى الدولة المصرية، لكانت قد رفضت تصدير التكنولوجيا وعارضت البيع»(10).

وفي حلقة أخرى من «أوراق مصر Egypt Papers»، نشرها «ديسكلوز» تحت عنوان «في خدمة مبيعات السلاح»، كشف أن الدولة الفرنسية جنّبت دبلوماسييها وأبعدتهم عن مشهد العلاقات مع القاهرة، فيما تصدّر المشهد وزير الدفاع حينها، ووزير الخارجية الآن، جان إيف لودريان.

وقال التقرير في 14 نوفمبر 2013، وخوفاً من تفويت ما وصف بأنه «منجم تجاري لصناعة السلاح الفرنسي»، سافر طاقم عسكري فرنسي إلى مصر لخوض مناورات دبلوماسية. أرسل المستشارون العسكريون للحكومة الفرنسية مذكّرة إلى مديرية التعاون الأمني والدفاع في وزارة الخارجية، أكدوا فيها على الفرص التجارية مع مصر، قائلين: «لبيع الأسلحة عليك أن تغضّ النظر عن قمع النظام السياسي».

وأشار التقرير إلى أن المهندس الرئيسي لهذه الدبلوماسية السريّة كان جان إيف لودريان، وزير الدفاع في حكومة الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، ووزير الخارجية الحالي. وبالفعل أثمرت جهوده على الفور؛ فبين عامي 2014 و2015، أبرم مندوب المبيعات المتجوّل (بحسب وصف التقرير) عقوداً لتوريد أربع طرّادات وفرقاطتين بحريتين، بالإضافة إلى طائرات رافال؛ وجاءت قيمة تلك العقود بالمليارات من اليوروهات، ليتجاوز في ذلك صلاحيات الدبلوماسيين ووزير الخارجية حينها، لوران فابيوس.

وأورد الموقع أنه في هذا الصدد قد طُلب من الدبلوماسيين الفرنسيين التزام الصمت بشأن «القمع الذي لا ينتهي، ويعطي الفرصة للجماعات الجهادية المحلية للتجنيد والاستقطاب»، وأن ذلك طُبّق حتى في الاجتماعات «السريّة» للجنة المشتركة بين الوزارات لتصدير المعدّات الحربية، والتي كانت منهمكة في ذلك الوقت في النظر في طلبات تصدير السلاح إلى مصر.

وضرب الموقع مثلاً باجتماع يوم 26 مايو 2016، والذي كان مخصّصاً لبحث طلب بيع 25 ناقلة جنود مصفّحة مزوّدة بأبراج للمدافع بقيمة 34.4 مليون يورو. فقد عارضت وزارة الخارجية طلب التصدير، بسبب الخوف من استخدام المدرّعات في القمع الداخلي؛ غير أن مكتب وزير الدفاع تجاهل تلك المخاوف، وأكد أن تلك المدرّعات مخصّصة للوحدات المنتشرة في سيناء وتساهم في الحرب على الإرهاب(11).

ردود فعل باهتة على تحقيق “ديسكلوز”

لم تصدر مواقف أو ردود فعل دولية أو عربية مؤثّرة فيما يتعلق بفضيحة استهداف الجيش المصري لمدنيين خلال عدة أعوام قرب الحدود المصرية – الليبية، وذلك تبعاً للتجانس القائم بين أغلب الدول الغربية والعربية، ضمناً، سواء لجهة طبيعة الأنظمة الحاكمة فيها وسياساتها القمعية، أو لتقاطع مصالح حيوية فيما بينها، وبما فرض تجاهلاً أو تعتيماً مقصوداً من قِبل تلك الدول على الفضيحة الفرنسية – المصرية؛ وهذا أمر متوقع وغير مفاجئ في إطار العلاقات الدولية والإقليمية منذ زمن بعيد!

 وفي سياق ردود الفعل الدولية الباهتة على فضيحة التعاون الأمني غير المقيّد بين فرنسا ومصر،  فقد طالبت منظمة “هيومن رايتس ووتش” الحقوقية، باريس بالتحقيق الفوري في ادعاءات المهمة الاستخبارية الفرنسية في مصر، ودعتها إلى وقف بيع الأسلحة إلى الحكومة المصرية.

جاء ذلك في معرض تعليق المنظمة الدولية على تحقيق استقصائي عن “تواطؤ الاستخبارات الفرنسية مع الجيش المصري بتوجيه ضربات جويّة ضد المدنيين في مصر بين عامي 2016 و2018”.

وأوضحت المنظمة أنها “ليست المرّة الأولى التي تساهم فيها فرنسا في السجل الحقوقي المروّع للحكومة المصرية”، وفق ما ورد في البيان.

وأضافت أن “فرنسا تستمر في توقيع عقود تسليح مهمة مع حكومة (الرئيس) عبد الفتّاح السيسي تحت ذريعة الأمن ومكافحة الإرهاب، رغم الأدلّة أن بعض الأسلحة الفرنسية استُخدمت لقمع الاحتجاجات وارتكاب انتهاكات عنيفة أخرى لحقوق الإنسان”(12).

قراءة تحليلية: غايات أمنية.. وتجارية!

وفقاً لما ورد في التحقيق المذكور آنفاً، فإن الفريق التقني الفرنسي قد عرض على المسؤولين الفرنسيين في الجيش أن تتحوّل مهامهم الاستطلاعية من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق؛ يعني، بدلاً من التورّط في قتل المهرّبين والشباب من تجّار المخدّرات والسلع التموينية ومستحضرات التجميل، أن يشارك في قتال تنظيم الدولة الإسلامية المعروف بولاية سيناء على الحدود الشرقية؛ ولكن هذا الطلب قوبل بالرفض!

في البداية، نحتاج إلى معرفة لمَ استعان الجيش المصري بنظيره الفرنسي تحديداً لتقديم يد العون في مسح الحدود الشاسعة بين مصر وليبيا دون غيره؟ والإجابة أنه علاوة على العلاقات المتميزة بين الطرفين، مدنياً وعسكرياً، فإن المؤسسة العسكرية في مصر تدرك مدى اهتمام الدولة الفرنسية بتلك البقعة تحديداً، لاعتبارات الجغرافيا السياسية والتاريخ الاستعماري، إذ تُعدّ هذه البقعة بوّابة للبحر المتوسط، وأوروبا، وما يُعرف بدول الساحل والصحراء، التي تعدّ على سلّم أولويات أجندة مكافحة الإرهاب لدى باريس؛ علاوة على أسباب أخرى، من بينها التنافس التركي- الفرنسي على ليبيا، ووجود أنشطة استخبارية فعلية لباريس في تلك المنطقة بغرض رصد أنشطة الجماعات الإسلامية المسلحة هناك، بالتزامن مع فترة ازدهار تنظيم الدولة.

ولكن السؤال: إذا كان الأمر هكذا، أن الجيش المصري يفتقد، في هذا الوقت على الأقل، إلى معدّات الرصد المتقدمة لمسح المكالمات والأنشطة في تلك المنطقة، وفي نفس الوقت قرّر الاعتماد على باريس لمساعدته في تدبير أمر الحدود الغربية، فلمَ رفض التوسع في تعميق هذا التعاون ليشمل الجبهة الشرقية أيضاً؟

والإجابة ببساطة أن التعاون الاستخباري “السريّ”، ولنركّز على مفردة السريّ تلك، فيما يخص إدارة أعمال القتال على الحدود الشرقية مقصور حصراً على طرفين: الطرف الأول، هو الولايات المتحدة التي تمدّ الجيش المصري بين الحين والآخر بأنظمة متقدمة بغرض تطوير إدارة أعمال القتال ضد تنظيم الدولة، بما في ذلك أنظمة اتصالات ورصد ومراقبة وطائرات مروحية هجومية ومركبات مدرّعة، خاصة بعد التقارير المتناثرة عن عدم كفاءة الجيش المصري – دون دعم – لتولّي هذه المعارك.

الطرف الثاني المنوط به مساعدة الجيش المصري في تلك المعركة ميدانياً دون غيره، لأسباب على رأسها تعميق التعاون الأمني، الذي يعدّ هدفاً مطلوباً لذاته، نظراً لكونه مدخلاً أيضاً لتعميق العلاقات مع واشنطن، هو دولة الاحتلال، وذلك أيضاً لامتلاكها تكنولوجيا متقدمة، بعضها ربما ليس موجوداً لدى فرنسا نفسها.

لدى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مصلحة مزدوجة لتثبيت الأمن في سيناء لصالح الجيش المصري؛ الأولى هي ضبط الحدود بعيداً عن فوضى التنظيمات المقرّبة من “داعش”، والتي تفتقد إلى ثقافة “التنسيق الأمني” مع الاحتلال، وتعدُّ سلوكياتها معظم الوقت في دائرة “غير المتوقع”. الثانية، هي منع تدفق الأسلحة إلى حركة حماس في قطاع غزة عبر الحدود المصرية، أو الأنفاق.

لذلك، فقد عمل الجيش الإسرائيلي خلال الأعوام العشرة الأخيرة على المشاركة الميدانية، بتنسيق ودون تنسيق، مع الجانب المصري لحفظ الأمن في سيناء ومنع تدهور الأوضاع على الحدود قدر الإمكان. وتبرز هنا في هذا السياق كلمات مفتاحيّة لتلخيص طبيعة السلوك الأمني الإسرائيلي في سيناء، هي: الطائرات المسيّرة، والدعم الجويّ للجيش المصري في الأوقات الحرجة، والعملاء الميدانيُّون على الأرض، وقطف الرؤوس الكبيرة، والحفاظ على سريّة هذا الدور قدر الإمكان لتلافي إحراج الجانب المصري.

لدينا في هذا السياق رقم مهم، هو رقم 100، والذي قالت “نيويورك تايمز” إنه العدد التقريبي للطلعات الجويّة القتالية لسلاح الجو الإسرائيلي على الحدود الشرقية لمصر خلال عامين، وهي المدّة التي كانت البعثة الفرنسية خلالها ناشطة لتقديم الدعم اللوجيستي للجيش المصري غرباً، من 2016 إلى 2018.

ومن المعلوم بالضرورة حالياً لدى المهتمين بتقييم تجربة الجيش المصري في مكافحة التمرد بشمال سيناء خلال الأعوام الأخيرة، أن سلاح الجو الإسرائيلي لعب دوراً شديد الأهمية لتأمين ظهر الجيش المصري خلال معاركه مع تنظيم ولاية سيناء، وبالأخص خلال معارك محاولة الاستيلاء على رفح والشيخ زويد عام 2015، ومقتل أفراد وحدة الصاعقة في كمين البرث لاحقاً.

لذلك كلّه، لم يكن من الضروري الاستعانة بحليف خارجي في تلك المنطقة، ميدانياً أو سياسياً، خاصة أن السردية الرسمية التي تروّجها الدولة المصرية بخصوص أعمال القتال في شبه جزيرة سيناء هي: أن الجيش المصري يحارب الإرهاب، نيابة عن العالم كلّه، وأنه – على الصعيد الرسمي – لم يستعِن بأي قوة خارجية كما فعلت الدول الكبرى في مناسبات سابقة. ومن جهة أخرى في نفس السياق، فإن التنسيق السريّ مع الاحتلال يساعد في تعظيم الدور المصري لدى واشنطن في لقاءات الغرف المغلقة.

كذلك، من المفترض أن هناك طرقاً حازمة أقل من القتل لضبط الحدود الطويلة بين البلاد، كالتحذير والقصف غير القاتل وتوسيع الانتشار الأمني واستخدام التكنولوجيا والتعاون مع الشركاء على الجهة المقابلة؛ كما يُفترض أنّ المؤسسة العسكرية المصرية ليس لديها أزمة كبيرة مع نشاط التهريب نفسه، إذ يمكن أن تسمح به بضوابط تتعلق بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية وتقاسم العوائد.

ففي مقطع قديم نسبياً للّواء كامل الوزير حينما كان مسؤولاً عن الهيئة الهندسية للقوات المسلّحة، يُطمئن الوزير عدداً من “عرب مطروح” بأن بإمكانهم الاستمرار في العمل “بالتهريب” وفقاً للضوابط السابقة، وهي التنسيق مع الجيش وتقاسم العوائد، وذلك في معرض تشجيعه لهم على الانخراط في المشروعات الجديدة للجيش بالاتجاه الغربي، خاصة إذا تمكّنوا من “غسيل” تلك الأموال القادمة من عوائد التهريب، بحيث تصبح أنشطتهم مع الجيش أقلّ إثارة للشبهات، وفقاً لنص كلام الوزير.

وفي سيناء، سبق أن تحدثت مصادر قبيليّة معتبرة عن مشاركة وإشراف الضابط المرموق في المخابرات العامة ونجل الرئيس السيسي، محمود السيسي، في عمليات التهريب العابرة للحدود من وإلى الأراضي المصرية وقطاع غزة، بحيث تكون هذه الأنشطة تحت أعين الدولة من جهة، ويحقّق من خلالها بعض كبار الضّباط أرباحاً شخصية طائلة من جهة أخرى.. فلماذا توسّع الجيش المصري في القتل العشوائي على الحدود الغربية كما يوضح التحقيق؟

على الأرجح، يتعلق الأمر بالتوقيت. ففي تلك الفترة، كانت هناك خشية لدى السلطات المصرية من انفلات الأمور في الجهة الغربية، في ظل الانشغال بالقتال على الجهة الشرقية، وحالة الفراغ الأمني الذي سبّبها سقوط نظام العقيد معمّر القذافي، وبالأخص أن تلك الفترة كان يُطلِق عليها الرئيس السيسي: “مرحلة تثبيت أركان الدولة”، وذلك عبر تدشين برنامج الإصلاح الاقتصادي، وإعادة نشر الأمن بقوّة على الاتجاهات الاستراتيجية الأربعة.

في أكثر من مقابلة تلفزيونية، ذكر عبد الفتاح السيسي في زهو شديد أن القوات الخاصة المصرية تمكنت من الدخول إلى نطاقات في الاتجاه الغربي لم يسبق لها الدخول إليها من قبل، وذلك في محاولة لكبح أنشطة التهريب غير القانونية ومنع تدفق الجماعات المسلّحة الناشطة في الجانب الليبي إلى مصر. كما أن الرئاسة المصرية هي من بادرت بالحديث عن رقم 10 آلاف عربة مدمّرة وقتل 40 ألف عنصر على الحدود المصرية- الليبية؛ وهو ما ذكره السيسي أيضاً في مداخلة هاتفية سابقة مع عمرو أديب في برنامج “الحكاية” على “إم بي سي مصر”.

باختصار، كان هناك قلق كبير من أن تتسرّب هذه الشحنات من الأسلحة والمتفجرات إلى أيدي خصوم النظام المصري، من الجماعات المتمردة التي ظلّت ناشطة شرقاً وغرباً وفي الوادي في تلك الفترة؛ فكان القرار الاستراتيجي الصادر للمنطقة الغربية العسكرية والقواعد الجويّة الموجودة على الاتجاه الغربي باستهداف أي جسم متحرك يتم الاشتباه به بالطيران المقاتل والمروحيّ؛ وهو ما تسبّب في حادثة الواحات التي قتِل فيها عدد من السيّاح المكسيكيين، وحادثة مقتل المهندس أحمد الفقي، التي ذكرها التحقيق الفرنسي، الشابّ الذي قتِل وأصدقاؤه بعد ثلث ساعة فقط من تحرّكهم من أحد المناجم بالواحات البحرية لفحص ماكينة ضخّ المياه التي ورد إليهم إفادة بخصوص تعطُّلها، ففوجئ الجميع بقتلهم. 

السبب الثاني، أن الدولة المصرية، ممثّلة في شخص السيسي، كانت تخطّط حتى من أيام حكم الإخوان لإعادة هندسة الاتجاه الاستراتيجي الغربي ديموغرافياً، وذلك من خلال سلسلة مشروعات حكومية عملاقة، تُقدّر ميزانيتها بمليارات الدولارات، وعلى رأسها مشروع محطة الضبعة النووية والعلمين الجديدة، وبناء عدد من القواعد العسكرية ومشروع “مستقبل مصر” الزراعي الضخم الذي تُشرف عليه القوات الجويّة حالياً، وهو ما يتطلب “تطهير” وضمان أمن ذلك النطاق على أكمل وجه.

خلال حكم الإخوان عام 2012 وما تلاه مباشرة، أصدر السيسي بصفته وزيراً للدفاع قائداً عاماً للقوات المسلّحة عدة قرارات تتعلق بإعادة ترتيب الأوضاع الأمنية على الاتجاهات الاستراتيجية الأساسية؛ كان على رأسها قرار بمنع تملّك الأراضي في نطاقات معيّنة بشمال سيناء، والدعوة إلى نزع السلاح، قدر الإمكان، من المنطقة الغربية، وتقديم حوافز لمن يبادر لذلك طواعية، وهي القرارات التي تكشف بوضوح وجود نيّة مبكرة لإعادة هندسة ديموغرافيا تلك المناطق.

السبب الثالث، أن اتّباع تلك السياسة، سياسة “القوّة الغاشمة”، كما يُسمّيها عبد الفتاح السيسي، يأتي رديفاً ومرتبطاً بعملية تدشين عقد اجتماعي جديد بين السلطة في مصر وبين المجتمع على أساس مخرجات أحداث الثالث من يوليو/تموز 2013 وما تلاها، والتي تتلخص في استعمال السلطة لفوائض هائلة من العنف لإعادة ضبط المجتمع المنفلت بعد أحداث يناير/كانون الثاني 2011، ومعاودة بسط هيبة الدولة بصورة أكثر وضوحاً من ذي قبل بما يتلاءم مع التطورات الأخيرة، وتعويد المجتمع على إمكانية الاستخدام المفرط للقوة ضد وحدات اجتماعية وثقافية أصغر، شرقاً وغرباً، في سيناء ومطروح والوادي؛ وهو ما يُيسّر أيضاً عمليات صدام مشابهة أقل عنفاً، مثل نزع الملكيات من المناطق المختلف عليها بين الدولة والمواطنين، بغرض إعادة التخطيط والطروح الاستثمارية كما جرى في مناطق الوراق وماسبيرو والسمّان لاحقاً.(13).

وفي الخلاصة، يبدو أن الطرفين المصري والفرنسي قد اتفقا سوياً سراً، على أن يكون منهج التعامل مع مخرجات تحقيق “ديسكلوز” هو التجاهل وإماتة الجدل الإعلامي حيالها، وذلك بعد أن قام النظام المصري بحجب الوصول إلى رابط “أوراق مصر” الذي يتضمن الحلقة الأولى من تلك التسريبات على “ديسكلوز”، وقرّرت البيروقراطية الفرنسية الإشعار بكونها على علم بهذه التحديثات، ولكنها تُفضّل  ترحيل ملف متابعة القضية من جهة لأخرى، حيث أرسل مكتب ماكرون الملف إلى وزارة الجيوش، التي صرّحت بدورها في بيان لها بأن بين مصر وفرنسا تعاوناً وثيقاً في ملف مكافحة الإرهاب. ومع ذلك، فإننا سنتنزَّلُ ونبحث في هذه التسريبات؛ دون أي عبارة إدانة من أي نوع، ودون أي إيضاح لمدى وإطار هذه التحقيقات.

لكن، رغم كلّ شيء، يظل من المفيد والضروري إلقاء الضوء على الأدوار المشبوهة للأنظمة الحاكمة، والتي ترقى إلى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بالمصطلح القانوني، إذ يُعدّ هذا الدور أحد أبرز الممكنات من موقع المعارضة، دور التوثيق والرصد وتحديد المتّهمين بدقة، عسى أن يأتي يوم يُدان خلاله قانونياً كلُّ من تساهل في إراقة دماء المصريين بهذه البشاعة وإلى هذا الحد؛ كما حدث في تجارب تاريخية سابقة على مستوى العالم، ليست كثيرة حقاً، ولكنها موجودة ومعتبرة(14).

خاتمة

 في ضوء كلّ تلك المعطيات الخطيرة والموثّقة، والتي لم تنفِها المصادر الرسمية الفرنسية والمصرية، بل حاولت حرْف مضامينها أو غاياتها فحسب، فإن الدعوة موجّهة بقوّة وإلحاح للدول كافة، التي تدّعي أنها تلتزم بالديمقراطية وحقوق الإنسان، كما للمنظمات والمؤسسات الدولية والإقليمية والعربية ذات الصلة(مثل منظمة العفو الدولية ولجنة حقوق الإنسان الأمميّة)، وجامعة الدول العربية، والهيئات القانونية والحقوقية غير الحكومية في مصر وخارجها، لمتابعة مختلف جوانب وتفاصيل العمليات أو الجرائم التي ارتكبها النظام المصري ضد مئات أو ربما آلاف المدنيين العزّل، بذريعة مكافحة الإرهاب والتهريب في صحراء مصر الغربية، خلال السنوات الأخيرة، والتي لا يمكن تبرير معظمها على أي حال، سواء سياسياً أو قانونياً أو إنسانياً، بُغية رفع ملفات متكاملة ودقيقة للمؤسسات أو المراجع القانونية والحقوقية المعنيّة، وتقديم دعاوى، جماعية أو إفرادية، ضد هذا النظام، كما ضد الدولة الفرنسية، تمهيداً لإدانتهما، والمطالبة بتعويضات معنوية ومالية لأهالي الضحايا المصريين، تتناسب-ولو إلى حدٍ ما- مع حجم الجرائم التي كشف عن بعضها الموقع الاستقصائي الفرنسي أخيراً.

الهوامش

1ـ قتلت مدنيين بعلم ماكرون.. تحقيق يكشف كيف استغلّت مصر فرنسا لاستهداف مهرّبين بدل الإرهابيين، موقع عربي بوست، 22/11/2021.

2ـ المرجع السابق.

3ـ كيف ساعدت فرنسا في إعدام مدنيين في مصر؟ موقع الخليج الجديد، 23نوفمبر2021.

4ـ المرجع السابق.

5ـ م. س.

(6) بالفيديو والوثائق: “العملية سيرلي”.. كيف تورّط السيسي في تصفية مئات المصريين؟ موقع بوّابة التحرير والعدالة، 23 نوفمبر 2021.

(7) المرجع السابق.

(8) فضيحة التسريبات الفرنسية.. ما قصّة العملية “سيرلي” التي شاركت فيها باريس لتصفية مدنيين بمصر؟،المهدي الزايداوي، الجزيرة نت، 25/11/2021.

(9) المرجع السابق.

 (10) “ديسكلوز”: فرنسا زوّدت مصر بتقنيّات «مراقبة وتجسس شاملة» للإنترنت والاتصالات، موقع مدى مصر،25 نوفمبر 2021.

(11) المرجع السابق.

(12) “رايتس ووتش” تطالب فرنسا بالتحقيق بمهمتها “الاستخبارية” في مصر، موقع وكالة الأناضول، 24/11/2021.

(13) تغيّرت قواعد اللعبة بعد سنوات من التنسيق.. لماذا استهدف الجيش المصري المهرّبين بمعاونة فرنسية؟ موقع عربي بوست، 2021/11/28.

(14)  المرجع السابق.

تواطؤ فرنسا في جرائم الحرب بمصر

تواطؤ فرنسا في جرائم الحرب بمصر – “لم يعد الصمت خياراً”

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close