fbpx
ترجمات

فورين أفيرز: كيف رسخت التكنولوجيا أنظمة الاستبداد

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

نشرت مجلة فورين أفيرز الأمريكية بتاريخ 6 فبراير 2020 تقريراً بعنوان: “الطغاة الرقميون: كيف تُرسخ التكنولوجيا الاستبداد”، من إعداد: أندريا كيندال تايلور، وهي زميل أول ومدير برنامج الأمن عبر الأطلسي بمركز الأمن الأمريكي الجديد؛ وإريكا فرانتز، وهي أستاذ مساعد للعلوم السياسية بجامعة ولاية ميتشجان؛ وجوزيف رايت، وهو أستاذ العلوم السياسية بجامعة ولاية بنسلفانيا. التقرير شديد الأهمية، حيث يستعرض بشكل تفصيلي مظاهر الاتجاه المتنامي للنظم الدكتاتورية لترسيخ أقدامها في الحكم وتقوية قبضتها الاستبدادية وإطالة فترة بقائها في السلطة وسيطرتها على المواطنين، و كيف أن هذه الأنظمة نجحت مؤخرا في الالتفاف على توظيف الشعوب لوسائط التواصل الاجتماعي، على سبيل المثال، في حراكها الداعي للحريات و إنهاء الحكم الدكتاتوري.

وقد جاء التقرير على النحو التالي:

ربما كان جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية، “ستاسي”، هو أحد أكثر أجهزة الشرطة السرية انتشاراً على الإطلاق، فقد كان سيئ السمعة لقدرته على مراقبة الأفراد والسيطرة على تدفق المعلومات. وكان لديه – بحلول عام 1989 – حوالي 100,000 مستخدَم يعمل لحسابه بشكل منتظم، وما بين 500,000 و2,000,000 مخبر، وذلك في دولة يبلغ عدد سكانها حوالي 16,000,000 نسمة. وقد مكّنته القوى التي تعمل لحسابه والموارد الهائلة التي يمتلكها من التغلغل في المجتمع وتتبع جميع جوانب حياة المواطنين في ألمانيا الشرقية تقريباً. حيث عمل الآلاف من العملاء على مراقبة الهواتف والتسلل إلى أعماق الحركات السياسية السرية والتبليغ عن العلاقات الشخصية والعائلية. وتم وضع بعض الضباط في مكاتب البريد للقيام بفتح الرسائل والطرود التي تأتي من أو تتجه إلى دول غير شيوعية. لذلك، كان جهاز “ستاسي” على مدار عقود من الزمان مثالاً على كيفية استخدم نظام مستبد ذي قدرة فائقة – للقمع من أجل ضمان استمرار سيطرته.

وفي أعقاب الانتصار الجلي للديمقراطية الليبرالية بعد الحرب الباردة، أصبح واضحاً أن الدول البوليسية من هذا النوع لم تعد قادرة على الاستمرار. فقد تغيرت القواعد العالمية حول ما يمكن أن يُشكل نظاماً شرعياً. وفي مطلع الألفية، بشّرت التكنولوجيات الجديدة، ومنها الإنترنت والهاتف الخلوي، بتمكين المواطنين، والسماح للأفراد بمزيد من الوصول إلى المعلومات وإمكانية تأمين ارتباطات جديدة وبناء مجتمعات جديدة.

لكن هذه الرؤية المستبشرة بمستقبل أكثر ديمقراطية أثبتت أنها رؤية ساذجة. فبدلاً من ذلك، توفر التقنيات الحديثة الآن للحكام أساليب جديدة للحفاظ على السلطة التي تنافس تكتيكات جهاز “ستاسي” بل قد تتفوق عليه في نواحٍ كثيرة. فالمراقبة المدعومة بإمكانيات الذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، تتيح للمستبدين أتمتة المراقبة لمعارضيهم وتتبعهم بشكل آلي وبطرق تبدو أقل تدخلاً إلى حد كبير عن أساليب المراقبة التقليدية. ولا تعمل هذه الأدوات الرقمية فقط على تمكين الأنظمة الاستبدادية من تكوين شبكة مراقبة أوسع من تلك التي كانت تحصل عليها من خلال الاعتماد على القوة البشرية؛ بل يمكنها أيضاً القيام بذلك باستخدام موارد أقل بكثير مما كانت تحتاجه في السابق: فلا يتحتم على أي شخص دفع مقابل لبرنامج على الحاسوب يُمَكّن مستخدمه من مراقبة الرسائل النصية للأشخاص، أو قراءة ما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بهم، أو تتبع تحركاتهم. وبمجرد أن يعلم المواطنون بأن كل هذه الأشياء تحدث لهم، فإنهم حتماً سيغيرون سلوكهم دون أن يلجأ النظام إلى استخدام أساليب القمع الجسدي ضدهم.

وتتعارض هذه الصورة المقلقة للغاية مع التفاؤل الذي صاحَب بداية انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من التقنيات الجديدة التي ظهرت منذ عام 2000. حيث بلغت هذه الآمال ذروتها في أوائل عام 2010 عندما أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تسهيل الإطاحة بأربعة من أطول الطُغاة بقاءً على كرسي الحكم على مستوى العالم، وذلك في مصر وليبيا وتونس واليمن. وكانت حجتهم في ذلك أنه في ظل عالم يوفر إمكانية الوصول اللامحدود إلى المعلومات وتعمل فيه التكنولوجيا على تمكين الأفراد، فلن تكون لدى الحكام المستبدين القدرة على الاستمرار في تركيز السلطة في أيديهم، الأمر الذي دائماً ما تعتمد عليه أنظمتهم. لكنه أصبح من الواضح الآن أن التكنولوجيا لا تعمل بالضرورة في صالح أولئك الذين يسعون لإسماع أصواتهم أو الوقوف أمام الأنظمة القمعية. ففي ظل الضغط المتزايد من شعوبها والخوف المتصاعد تجاههم، تقوم الأنظمة الاستبدادية بتطوير نفسها لمواجهة هذا الأمر؛ وذلك من خلال تبني التكنولوجيا واستغلالها لكي تتمكن من إعادة إنتاج الاستبداد في ثوب جديد يتناسب مع مقتضيات العصر الحديث.

وتستخدم الأنظمة الاستبدادية الرقمية اليوم، وعلى رأسها الصين، وسائل التكنولوجيا – الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي – في تفعيل أساليب استبدادية جديدة من أجل البقاء في السلطة لفترات طويلة. فيقومون باستغلال ترسانة جديدة من الأدوات الرقمية لمواجهة ما أصبح يُشكل أكبر تهديد لأي نظام سلطوي اليوم: وهو القوة المادية البشرية للاحتجاجات الجماهيرية المناهضة للحكومات. ونتيجة لذلك، أصبحت الأنظمة الاستبدادية الرقمية أكثر استمراراً في الحكم مقارنة بسابقاتها في فترة ما قبل دخول التكنولوجيا وأقرانها الأقل استخداماً للتقنيات الحديثة في الوقت الحاضر. وعلى عكس ما كان يتخيله المتفائلون مع بداية الولوج إلى عصر التكنولوجيا في فجر الألفية الحالية، فإن الأنظمة الاستبدادية أصبحت تستفيد من الإنترنت والتكنولوجيات الحديثة الأخرى لترسيخ سلطتها، بدلاً من أن تكون ضحية لها.

شبح الاحتجاجات

لقد غير العصر الرقمي السياق الذي تعمل فيه الأنظمة الاستبدادية، وأدت التكنولوجيات الحديثة مثل الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي إلى تقليص الحواجز التي كانت تقف حائلاً أمام إمكانية التنسيق (بين المحتجين)، الأمر الذي سهل على المواطنين العاديين القيام بحشد الجماهير وتحدي الحكومات القمعية التي لا تستجيب لمطالبهم. وتشير البيانات الواردة في “مشروع التعبئة الجماهيرية“، التي جمعها عالما السياسة ديفيد كلارك وباتريك ريجان، ومجموعة بيانات “الأنظمة الأوتوقراطية“، والتي ساعد اثنان منّا (إيريكا فرانتز وجوزيف رايت) على إنشائها – تشير إلى أن 60% من جميع الحكومات الديكتاتورية واجهت على الأقل احتجاجاً واحداً مناهضاً لها من 50 مشاركاً أو أكثر. وعلى الرغم من أن العديد من هذه التظاهرات كانت صغيرة ولا تشكل تهديداً ذا بال للنظام، إلا أن تواترها بشكل واضح يؤكد الاضطرابات المستمرة التي تواجهها العديد من الحكومات الاستبدادية.

والثابت أن العديد من هذه التحركات تنجح في إسقاط الأنظمة الاستبدادية. فما بين عامي 2000 و2017، أطاحت الاحتجاجات بعشرة أنظمة استبدادية، أو 23% من الأنظمة الاستبدادية الـــ 44 التي سقطت خلال تلك الفترة. وخسر 19 من الأنظمة الاستبدادية الأخرى السلطة عن طريق الانتخابات. وعلى الرغم من أن ضعف عدد الأنظمة التي أُطيح بها كان عن طريق الانتخابات مقارنة بتلك التي أطيح بها عن طريق الاحتجاجات، فقد جاءت العديد من هذه الانتخابات بعد حملات احتجاج جماهيرية.

ويمثل تنامي الاحتجاجات تغييراً كبيراً في سياسة الاستبداد. فقد كانت الانقلابات التي تقوم بها النخب والضباط العسكريون على مدى التاريخ تشكل أكبر تهديد للأنظمة الدكتاتورية. فما بين عامي 1946 و2000، أطاحت الانقلابات بما يقرب من ثلث الأنظمة الاستبدادية الـــ 198 التي انهارت في تلك الفترة. وعلى النقيض من ذلك، كانت الاحتجاجات أقل من ذلك بكثير، حيث تمثل حوالي 16% فقط من هذه النسبة. وندلف سريعا إلى هذا القرن لنرى أن هناك حقيقة مختلفة: فقد أطاحت الانقلابات بحوالي 9% فقط من الأنظمة الدكتاتورية التي سقطت بين عامي 2001 و2017، في حين أدت التحركات الجماهيرية إلى الإطاحة بحوالي ضعف عدد الحكومات التي سقطت عن طريق الانقلابات خلال نفس الفترة. وبالإضافة إلى الأنظمة التي سقطت إبّان فترة الربيع العربي، فقد أدت الاحتجاجات إلى الإطاحة بالأنظمة الدكتاتورية في بوركينا فاسو وجورجيا وقرغيزستان. لقد أصبحت الاحتجاجات أكبر تحد تواجهه الأنظمة المستبدة في القرن الحادي والعشرين.

ولا تزال الاحتجاجات تشكل تهديداً متزايداً على الحكام المستبدين حتى اليوم. وقد كان معظم هؤلاء القادة في الماضي يعتمدون على تكتيكات “تجنب وقوع انقلاب”، عندما كانوا يخشون من إمكانية حدوث انقلابات ضدهم، مثل صرف مبالغ مالية زائدة للأجهزة الأمنية لكسب ولائهم أو توزيع مناصب في السلطة على النخب بحيث لا يستطيع أحد منهم تطوير قاعدة دعم مستقلة له. ومع تزايد الاحتجاجات، قامت الأنظمة الاستبدادية بتكييف تكتيكات ضمان بقائهم في السلطة وتوجيهها للتركيز على تخفيف التهديد الذي تشكله التعبئة الجماهيرية. وتكشف البيانات التي جمعتها مؤسسة “فريدوم هاوس” أنه منذ عام 2000، زاد عدد القيود المفروضة على الحريات السياسية والمدنية على مستوى العالم. وقد وقع قسم كبير من هذه الزيادة في الدول الاستبدادية، حيث يفرض القادة فيها قيوداً على الحريات السياسية والمدنية، مما يجعل من الصعب على المواطنين تنظيم الاحتجاجات وحشد الجماهير ضد الدولة.

وبالإضافة إلى تضييق المجال أمام المجتمع المدني، فإن الدول الاستبدادية تعلمت أيضاً كيف تستخدم الأدوات الرقمية في قمع المعارضة. فعلى الرغم من أن التكنولوجيا قد ساعدت على تسهيل الاحتجاجات، إلا أن الأنظمة الاستبدادية التي أدركت أهمية التكنولوجيا الرقمية تستخدم اليوم بعضاً من هذه الابتكارات التكنولوجية ذاتها لمواجهة التعبئة الشعبية المهددة لها.

وسائل السيطرة

يوضح تحليلنا الذي اعتمدنا فيه على مجموعة بيانات مشروع “أصناف من الديمقراطية” (الذي يغطي 202 دولة) وكذلك مشروع “التعبئة الجماهيرية”، أن الأنظمة الاستبدادية التي تَستخدم القمع الرقمي تواجه خطر اندلاع احتجاجات ضدها بدرجة أقل مقارنة بالأنظمة الاستبدادية التي لا تستخدم تلك الأدوات نفسها. فالقمع الرقمي لا يقلل من احتمال حدوث احتجاجات فقط، بل يقلل أيضاً من احتمالات مواجهة الحكومة لمساعي كبيرة ومستمرة للحشد ضدها، مثل احتجاجات “القميص الأحمر” في تايلاند في عام 2010 أو الاحتجاجات المناهضة لمبارك أو ضد العسكر في مصر في عام 2011.

ويوضح نموذج كمبوديا كيف يمكن أن تعمل هذه الديناميات:

نموذج كمبوديا

تبنت حكومة رئيس الوزراء هون سين، الذي يشغل منصبه هذا منذ عام 1985، تبنت أساليب تحَكم تقنية للمساعدة في الحفاظ على سيطرتها على السلطة. ففي ظل حُكم هون سين، فرضت وسائل الإعلام التقليدية قيوداً على تغطيتها للمعارضة الكمبودية. وفي الفترة التي سبقت انتخابات يوليو 2013، أدى ذلك إلى اعتماد المعارضة بشكل كبير على الأدوات الرقمية من أجل حشد مؤيديها. وتم تزوير الانتخابات حينها، مما دفع الآلاف من المواطنين إلى الخروج إلى الشوارع للمطالبة بإجراء انتخابات جديدة. وبالإضافة إلى استخدام القوة الغاشمة لقمع الاحتجاجات، قامت الحكومة بتصعيد استخدامها للقمع الرقمي. فعلى سبيل المثال، قام أحد مزودي خدمة الإنترنت في أغسطس 2013 بحجب الفيسبوك بشكل مؤقت، وفي ديسمبر 2013، أغلقت السلطات في مقاطعة “سيم ريب” أكثر من 40 مقهى إنترنت. وفي العام الذي تلاه، أعلنت الحكومة عن إنشاء “فريق الحرب السيبرانية”، الذي تم تكليفه بمراقبة الإنترنت للإبلاغ عن أي نشاط مناهض للحكومة على الإنترنت. وبعد مرور عام، أقرّت الحكومة قانوناً يمنحها سيطرة واسعة على صناعة الاتصالات وأنشأت هيئة تنفيذية يمكنها تعليق خدمات شركات الاتصالات وحتى فصل موظفيها. وكنتيجة جزئية لهذه الخطوات، فشلت حركة الاحتجاج في كمبوديا. ووفقاً لــ مشروع “التعبئة الجماهيرية”، لم يكن هناك سوى احتجاج واحد ضد الحكومة في البلاد في عام 2017، مقارنةً بـــ 36 احتجاج عام 2014، عندما كانت حركة المعارضة في أوج نشاطها.

ولا تستخدم الأنظمة الديكتاتورية التكنولوجيا فقط من أجل قمع الاحتجاجات ولكن أيضاً لتشديد أساليب السيطرة القديمة. ويشير تحليلنا الذي استخلصناه من مجموعة بيانات “تصنيفات من الديمقراطية” إلى أن الأنظمة الدكتاتورية التي تزيد من استخدامها للقمع الرقمي تميل أيضاً إلى زيادة استخدامها للأشكال العنيفة من القمع “في الحياة الحقيقية”، وخاصة ممارسة التعذيب وقتل المعارضين. ويشير هذا إلى أن القادة المستبدين لا يستبدلون القمع التقليدي بالقمع الرقمي (بل يستخدمون كليهما). وبدلاً من ذلك، فإن القمع الرقمي يتيح للأنظمة الاستبدادية إمكانية تحديد مَنْ مِنَ المعارضين سيُكتفى بتحذيره ومن سيتحتم إلقاؤه في زنزانة وذلك بشكل أكثر فاعلية من خلال تسهيل كشف هذه الأنظمة لمعارضيها والتعرف عليهم بدقة. هذا الاستهداف للمعارضين عن قرب بشكل أكبر (بفضل استخدام التقنيات الحديثة في المراقبة) يقلل من الحاجة إلى اللجوء إلى القمع العشوائي، والذي يمكن أن يؤدي إلى ردة فعل شعبية وانشقاقات داخل النخبة.

نموذج الصين

يُعد تطور آليات المراقبة التي تعمل بنظام الذكاء الاصطناعي هو أهم تطور في مجال الاستبداد الرقمي. لقد أتاحت الكاميرات عالية الدقة، وتقنيات التعرف على الوجه، وبرمجيات التجسس الخبيثة، وتحليل النص آلياً، ومعالجة البيانات الكبيرة – أتاحت مجموعة واسعة من الأساليب الجديدة لمراقبة المواطن. حيث تسمح هذه التقنيات للحكومات بمراقبة المواطنين وتحديد المعارضين منهم في الوقت المناسب – بل وبشكل استباقي في بعض الأحيان.

لم يستغل أي نظام الإمكانات القمعية للذكاء الاصطناعي تماماً مثلما فعل النظام في الصين. فالحزب الشيوعي الصيني يجمع كمية لا تصدق من البيانات عن الأفراد والشركات: الإقرارات الضريبية، والبيانات المصرفية، وتاريخ الشراء، والسجلات الجنائية والطبية. وبعد ذلك يستخدم النظام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل هذه المعلومات وتجميع “درجات الائتمان الاجتماعي”، والتي يسعى لاستخدامها لتحديد معايير السلوك المقبول وتحسين مستوى السيطرة على المواطن. وقد يجد الأفراد أو الشركات التي تُصنف بأنها “غير جديرة بالثقة” – يجدون أنفسهم مستبعَدين من بعض المزايا التي تقدمها الدولة، مثل استئجار شقة بدون الحاجة لدفع مبالغ تأمين، أو يُمنعوا من السفر جواً أو عن طريق قطارات السكك الحديدية. وعلى الرغم من أن الحزب الشيوعي الصيني لا يزال يُطور هذا النظام، فإن التقدم في تقنيات تحليل البيانات الكبيرة وتكنولوجيات صنع القرار لن يؤدي إلا إلى تحسين قدرة النظام على السيطرة التنبؤية، وهو ما تسميه الحكومة الصينية “الإدارة الاجتماعية”.

وتعتبر الصين نموذج واضح يجسد كيف يساعد القمع الرقمي على القمع الجسدي.

وتجسد الصين أيضاً كيف يساعد القمع الرقمي على القمع الجسدي – على نطاق واسع. ففي شينجيانج، احتجزت الحكومة الصينية أكثر من مليون من مسلمي اليوغور في معسكرات “إعادة التعليم”. أما أولئك الذين لم يكونوا داخل هذه المعسكرات فقد كانوا عالقين في المدن التي تحيط بها الأحياء السكنية المزودة ببرنامج إليكتروني يتم من خلاله التعرف على الوجه. ويحدد هذا البرنامج من الذي يمكن أن يُسمح له بالمرور، ومن الذي لا يُمكنه المرور، ومن الذي سيتم احتجازه على الفور. وقامت الصين بجمع قدر كبير من البيانات عن سكانها من اليوغور، بما في ذلك معلومات الهاتف الخلوي، والبيانات الوراثية، ومعلومات حول الممارسات الدينية، والتي تقوم بتجميعها بزعم الحيلولة دون قيامهم بأعمال تعتبرها الحكومة مخلة بالنظام العام أو الأمن القومي.

كما تتيح التقنيات الحديثة للمسؤولين الصينيين سيطرة أكبر على أعضاء الحكومة. حيث إن الأنظمة السلطوية دائماً ما تكون عرضة للتهديدات من الداخل، بما في ذلك الانقلابات والانشقاقات داخل النخبة رفيعة المستوى. ويتمكن القادة الصينيون من خلال الأدوات الرقمية الجديدة من تتبع المسؤولين الحكوميين، وقياس مدى تقدمهم في تحقيق أهداف النظام واستئصال المسؤولين ذوي الأداء الضعيف الذين يمكن أن يتسببوا في تشويه النظرة العامة للنظام بمرور الوقت. فعلى سبيل المثال، أظهرت الأبحاث أن بكين تتجنب فرض رقابة على منشورات المواطنين حول الفساد المحلي على صفحات “ويبو” (المعادل الصيني لتويتر) لأن هذه المنشورات تتيح للنظام نافذة للتعرف على أداء المسؤولين المحليين.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحكومة الصينية تنشر التكنولوجيا من أجل إحكام نظم الرقابة التي تتبعها. فعلى سبيل المثال، يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي فحص كميات هائلة من الصور والنصوص وتصفية وحجب أي محتوى غير مواتٍ للنظام. ومع اشتداد حركة الاحتجاج في هونغ كونغ في الصيف الماضي، على سبيل المثال، قام النظام الصيني ببساطة بتعزيز “جدار الحماية العظيم”، حيث قام بإزالة المحتوى المناهض للحكومة من الإنترنت في الصين بشكل فوري تقريباً. وحتى إذا فشلت الرقابة وتصاعدت المعارضة، فإن الأنظمة الاستبدادية الرقمية لديها خط دفاع إضافي: حيث يمكنها منع وصول جميع المواطنين إلى الإنترنت (أو أجزاء كبيرة منه) لمنع أعضاء المعارضة من التواصل أو تنظيم أو بث رسائلهم. وفي إيران، على سبيل المثال، نجحت الحكومة في إغلاق الإنترنت في جميع أنحاء البلاد أثناء الاحتجاجات واسعة النطاق التي جرت في نوفمبر الماضي.

وعلى الرغم من أن الصين هي اللاعب الرئيسي في القمع الرقمي، إلا أن الأنظمة الاستبدادية على اختلاف مشاربها تتطلع إلى أن تحذو حذوها. فالحكومة الروسية، على سبيل المثال، تتخذ خطوات لكبح جماح الحرية النسبية لمواطنيها على الإنترنت من خلال تفعيل عناصر من “جدار الصين العظيم“، مما يسمح للكرملين بقطع الإنترنت في البلاد وعزلها عن بقية العالم. وبالمثل، ذكرت مؤسسة “فريدوم هاوس” في عام 2018 أن العديد من الدول تسعى لمحاكاة النموذج الصيني للرقابة الواسعة والتتبع الآلي لمواطنيها، وأن العديد من المسؤولين في الأنظمة الاستبدادية على امتداد إفريقيا ذهبوا إلى الصين للمشاركة في دورات تدريبية حول “إدارة الفضاء الإلكتروني”، حيث يتعلمون الأساليب الصينية في التحكم والسيطرة.

القفاز المخملي

لا تُسهل التقنيات الحديثة على الحكومات قمع منتقديها فحسب؛ بل إنها كذلك تجعل من السهل استيعابهم واحتواءهم. فالتكامل التقني القائم بين الأجهزة الحكومية للنظام الصيني يتيح التحكم بشكل أدق في الوصول إلى الخدمات الحكومية، حتى يتمكن من التقنين الدقيق لتوزيع أو رفض أيٍ من الخدمات الإليكترونية المتاحة، بما في ذلك بطاقات ركوب الحافلات وجوازات السفر وصولاً إلى الوظائف والتعليم. ولنظام الائتمان الاجتماعي الناشئ في الصين نفوذٌ أيضاً حيث يمكن من خلاله معاقبة الأفراد الذين ينتقدون النظام ومكافأة أولئك الذين يدينون له بالولاء. ويستفيد المواطنون الحاصلون على درجات ائتمانية اجتماعية جيدة من مجموعة من الامتيازات، بما في ذلك الإسراع في الموافقة على طلبات السفر للخارج، وفواتير الطاقة المخفضة، وتقليل تكرار عمليات التدقيق. وبهذه الطريقة، تساعد التقنيات الحديثة الأنظمة الاستبدادية في ضبط توجيه استخدامها لأساليب المَنح والمَنع، مما يؤدي إلى الدمج ما بين الاحتواء والسيطرة القسرية.

ويمكن للأنظمة الدكتاتورية أيضاً استخدام تقنيات جديدة من أجل تشكيل المفاهيم العامة عن النظام وشرعيته. ويمكنها أيضاً، من خلال الحسابات الآلية (أو الروبوتات) على وسائل التواصل الاجتماعي، تضخيم الحملات المؤثرة على الرأي العام وتوجيه موجات من التشتيت والتضليل لمزاحمة رسائل المعارضين والتعتيم عليها. وهذا هو المجال الذي لعبت فيه روسيا دوراً رائداً. إذ يقوم الكرملين بغمر الإنترنت بقصص مؤيدة للنظام، ويشتت انتباه المستخدمين عبر الإنترنت عن الأخبار السلبية، ويثير البلبلة وعدم اليقين من خلال نشر روايات بديلة.

ومن المرجح أن تزيد التكنولوجيات المتطورة، وخاصة ما يُعرف بــ “الاستهداف الدقيق” و “التزييف العميق” – في مجال التزوير الرقمي بحيث يستحيل تمييز الصوت أو الفيديو أو الصور المزورة عن الأصلية – من تعزيز قدرة الأنظمة الاستبدادية على التلاعب بتصورات مواطنيها. حيث سيسمح الاستهداف الدقيق في النهاية للحكومات المستبدة بتخصيص محتوى لأفراد معينين أو شرائح معينة من المجتمع، مثلما يستخدم العالَم التجاري الخصائص الديموغرافية والسلوكية لتخصيص الإعلانات التي تناسب فئة معينة في مكان ما. وسوف تسمح الخوارزميات التي تعمل بنظام الذكاء الاصطناعي لتلك الحكومات المستبدة بأن تحدد للأفراد أهدافاً دقيقة من خلال معلومات إما تؤدي إلى تعزيز دعمهم للنظام أو تسعى إلى مواجهة مصادر معينة من السخط. وبالمثل، فإن صناعة الشائعات وما يسمى بـ “التزييف العميق” سيجعل من الأسهل على تلك الأنظمة تشويه سمعة قادة المعارضة وسيجعل من غاية الصعوبة على الجمهور معرفة ما هو حقيقي وما هو مزيف، وبث الشك والارتباك واللامبالاة في نفوسهم.

وقد تساعد الأدوات الرقمية الأنظمة في أن تبدو أقل قمعية وأكثر استجابة لمطالب مواطنيها. ففي بعض الحالات، كانت الأنظمة الاستبدادية تنشر تقنيات جديدة لمحاكاة مكونات الديمقراطية، مثل المشاركة والتداول. فعلى سبيل المثال، يستخدم بعض المسؤولين الصينيين المحليين الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي للسماح للمواطنين بالتعبير عن آرائهم في استطلاعات رأي عبر الإنترنت أو من خلال قنوات المشاركة الرقمية الأخرى. وأشارت دراسة أجراها العالِم السياسي روري تروكس عام 2014 إلى أن هذه المشاركة عبر الإنترنت تُعزز التصور العام للحزب الشيوعي الصيني لدى المواطنين الأقل تعليماً. وتجعل المواقع الاستشارية، مثل بوابة “أنت تقترح رأيي” التابعة للنظام في الصين، تجعل المواطنين يشعرون أن أصواتهم مهمة دون أن يضطر النظام إلى إجراء إصلاح حقيقي بالفعل. ومن خلال محاكاة عناصر الديمقراطية، يمكن للديكتاتوريات تحسين جاذبيتها للمواطنين وتقليص الضغوط المتصاعدة من أجل التغيير.

الأنظمة الاستبدادية الرقمية المعمرة

وحيث إن الأنظمة الاستبدادية قد تعلمت أن تستعين بالتكنولوجيات الجديدة، فقد أصبحت الأخيرة تشكل تهديداً كبيراً للديمقراطية. وأصبحت الأنظمة الدكتاتورية اليوم على وجه الخصوص أطول عمراً. فما بين عامي 1946 و2000 – العام الذي بدأت فيه الأدوات الرقمية في الانتشار – حكمت الأنظمة الديكتاتورية لنحو عشر سنوات. ومنذ عام 2000، زاد هذا الرقم بأكثر من الضعف، ليصل إلى ما يقارب 25 سنة.

وعلى ما يبدو فإن المد المتصاعد للتكنولوجيا لم يُفِد جميع الدكتاتوريات فحسب، بل إن تحليلنا التجريبي يُظهر أن تلك الأنظمة الاستبدادية التي تعتمد بدرجة أكبر على القمع الرقمي هي من بين أطول الأنظمة عمراً. فما بين عامي 2000 و2017، انهارت 37 من الديكتاتوريات الـ 91 التي استمرت أكثر من عام؛ وكان لدى الأنظمة التي نجت من الانهيار مستويات أعلى من استخدام القمع الرقمي، أو على الأقل أعلى من تلك التي سقطت. وبدلاً من الاستسلام لما بدا أنه تحدٍ مدمر لسلطتهم – وهو ظهور وانتشار التقنيات الحديثة – فإن العديد من الديكتاتوريات تستفيد من هذه الأدوات بطرق أصبحت تُرسخ بقاءهم في الحكم.

وعلى الرغم من أن الأنظمة الاستبدادية اعتمدت طويلاً على ممارسة درجات مختلفة من القمع لدعم أهدافها، إلا أن السهولة التي تستطيع بها الأنظمة الاستبدادية الحالية اكتساب هذه القدرة القمعية تمثل خروجاً كبيراً عن شكل الدول البوليسية التي كانت سائدة في الماضي. فعلى سبيل المثال، لم يكن بناء فاعلية ومدى انتشار جهاز “ستاسي” الأمني في ألمانيا الشرقية شيئاً يمكن تحقيقه بين عشية وضحاها. فقد كان على النظام غرس الولاء في الآلاف من الكوادر وتدريبهم وإعدادهم للمشاركة في المراقبة على أرض الواقع. بحيث لا تملك معظم الديكتاتوريات ببساطة القدرة على إقامة مثل هذه العملية الواسعة. فوفقاً لبعض الروايات، كان هناك في ألمانيا الشرقية جاسوس لكل 66 مواطناً. بينما تتلاشى هذه النسبة تماماً عند المقارنة مع معظم الأنظمة الدكتاتورية المعاصرة (التي تتوفر لها البيانات). صحيح أن نسبة أفراد الأمن الداخلي والمخبرين للمواطنين في كوريا الشمالية – التي ربما تُصنف على أنها الدولة البوليسية الأكثر كثافة والتي لا تزال في السلطة اليوم – هي من 1 إلى 40، لكنها كانت من 1 إلى 5,090 في العراق في عهد صدام حسين ومن 1 إلى 10,000 في تشاد تحت حكم حسين حبري. ومع ذلك، فإنه في العصر الرقمي، لا تحتاج الديكتاتوريات إلى استدعاء مثل تلك القوى البشرية الهائلة من أجل تتبع ومراقبة مواطنيها بشكل فعال.

وبدلاً من ذلك، فإن الديكتاتوريات الطموحة تستطيع شراء تكنولوجيات حديثة، وتدريب مجموعة صغيرة من المسؤولين على كيفية استخدامها – وغالباً ما يكون ذلك بدعم من الفواعل الخارجية، مثل الصين – وهم على أتم استعداد للقيام بذلك. فعلى سبيل المثال، نشرت شركة هاواي، وهي شركة اتصالات صينية مدعومة من الدولة، نشرت تقنية المراقبة الرقمية الخاصة بها في أكثر من عشرة أنظمة استبدادية في العالم. وفي عام 2019، ظهرت تقارير تفيد بأن الحكومة الأوغندية كانت تستخدمها لاختراق حسابات وسائل التواصل الاجتماعي والاتصالات الإلكترونية لخصومها السياسيين. وجدير بالذكر أنه ليس بالضرورة أن بائعي هذه التقنيات يقيمون دائماً في بلدان استبدادية. فقد قامت شركات إسرائيلية وإيطالية ببيع برمجيات المراقبة الرقمية للنظام الأوغندي. وباعت الشركات الإسرائيلية برمجيات تجسس وجمع معلومات استخبارية لعدد من الأنظمة الاستبدادية في جميع أنحاء العالم، ومنها أنجولا والبحرين وكازاخستان وموزمبيق ونيكاراجوا. وقامت شركات أمريكية بتصدير تقنية التعرف على الوجه إلى حكومتي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

منحدر زلق

ومع استمرار الأنظمة الاستبدادية في السلطة لفترة أطول، فإنه من المرجح أيضاً أن يزداد عدد هذه الأنظمة القائمة في أي وقت، في ظل تراجع بعض الدول عن الحكم الديمقراطي. وعلى الرغم من أن عدد الأنظمة الاستبدادية على مستوى العالم لم يرتفع بشكل كبير في السنوات الأخيرة، وأن عدداً أكبر من الناس أكثر من أي وقت مضى يعيشون في دول تُجري انتخابات حرة ونزيهة، فإن المد قد يتحول إلى النقيض. وتُظهر البيانات التي جمعتها مؤسسة “فريدوم هاوس“، على سبيل المثال، أنه على الرغم من أن ثلاث دول انتقلت من وضع “حرة جزئياً” إلى وضع “حرة” (جزر سليمان وتيمور الشرقية وتونس) بين عامي 2013 و2018، كانت هناك سبع دول على العكس من ذلك، حيث انتقلت من حالة “حرة” إلى حالة “حرة جزئياً” (جمهورية الدومينيكان، المجر، إندونيسيا، ليسوتو، الجبل الأسود، صربيا، سيراليون).

إن خطر مساهمة التكنولوجيا في تصاعد موجة من الاستبداد أمر مقلق للغاية حيث إن أبحاثنا التجريبية قد أظهرت أن الأدوات الرقمية تساهم في زيادة خطر تراجع الديمقراطية في الديمقراطيات الهشة، بالإضافة إلى دعم الأنظمة الاستبدادية. وتُشكل التكنولوجيات الحديثة بشكل خاص خطراً على الديمقراطيات الضعيفة لأن العديد من هذه الأدوات الرقمية ذات استخدام مزدوج: فالتكنولوجيا يمكن أن تعزز كفاءة الحكومة وتوفر القدرة على مواجهة التحديات مثل الجريمة والإرهاب، ولكن بغض النظر عن النوايا التي تكون عند الحكومات في بداية سعيها للحصول على مثل هذه التكنولوجيا، فإنه يمكنها أيضاً استخدام هذه الأدوات لتكميم الأفواه وتقييد أنشطة معارضيها.

إن وقف انتشار الاستبداد الرقمي سيتطلب معالجة الآثار الضارة للتكنولوجيات الحديثة على الحكم في الأنظمة الاستبدادية والأنظمة الديمقراطية على حد سواء. وكخطوة أولى، فإن على الولايات المتحدة سرعة تحديث التشريعات ذات الصلة وتوسيع نطاقها للمساعدة في ضمان عدم قيام الكيانات الأمريكية بتمكين الأنظمة الاستبدادية من ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان. ويُبرز تقرير ديسمبر 2019 الصادر عن مركز الأمن الأمريكي الجديد الحاجة إلى قيام الكونجرس بتقييد تصدير الأجهزة التي تتضمن تقنيات التعرف على الهوية البيولوجية التي تدعمها تقنيات الذكاء الاصطناعي، مثل التعرف على الوجه والصوت وطريقة المشي؛ وفرض مزيد من العقوبات على الشركات والكيانات التي توفر تكنولوجيا المراقبة أو التدريب أو المعدات للأنظمة الاستبدادية المتورطة في انتهاكات حقوق الإنسان؛ مع النظر في سن تشريعات لمنع الكيانات الأمريكية من الاستثمار في الشركات التي تُصَنع أدوات للقمع مدعومة بتقنية الذكاء الاصطناعي، مثل شركة “سينس تايم” الصينية للذكاء الاصطناعي.

يجب أن تكون للولايات المتحدة الريادة في تقنيات الذكاء الاصطناعي وأن تُدير هذا الأمر بطرق تتفق مع قيمها الديمقراطية.

ويجب على الحكومة الأمريكية أيضاً أن تقوم بتفعيل قانون جلوبال ماجنيتسكي، الذي يسمح لوزارة الخزانة الأمريكية بمعاقبة الأفراد الأجانب المتورطين في انتهاكات لحقوق الإنسان، بهدف معاقبة الأجانب الذين يشاركون أو يسهلون انتهاكات حقوق الإنسان المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي. ويُعتبر مسؤولو الحزب الشيوعي الصيني الذين تورطوا في ارتكاب فظائع في “شينجيانج” أكثر من يُرشحوا لمثل هذه العقوبات.

ويجب على الهيئات الحكومية الأمريكية ومنظمات المجتمع المدني أيضاً اتخاذ الإجراءات اللازمة لتخفيف الآثار السلبية المحتملة لانتشار تكنولوجيا المراقبة، وخاصة في الديمقراطيات الهشة. وينبغي أن ينصب تركيز هذه المساهمة على تعزيز الأطر السياسية والقانونية التي تحكم كيفية استخدام تقنيات المراقبة وبناء قدرات المجتمع المدني والمنظمات الرقابية من أجل مراقبة انتهاكات الحكومة.

إن الأمر الأكثر أهمية هو أنه على الولايات المتحدة أن تحرص على أن تكون لها الريادة في تقنيات الذكاء الاصطناعي وأن تساعد في صياغة المعايير العالمية لاستخدامها بطرق تتسق مع القيم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. وهذا يعني أولاً وقبل كل شيء أن يحصل الأميركيون في الداخل على هذا الحق، حتى يتسنى خلق نموذج يستطيع الناس في جميع أنحاء العالم محاكاته. ويجب على الولايات المتحدة أيضاً أن تعمل جنباً إلى جنب مع الديمقراطيات المشابهة لها في التفكير لوضع معيار للمراقبة الرقمية يحقق التوازن الصحيح بين الأمن واحترام الخصوصية وحقوق الإنسان. وستكون الولايات المتحدة أيضاً في حاجة إلى العمل عن كثب مع الحلفاء والشركاء المشابهين لها في طريقة التفكير لوضع وتطبيق قواعد الطريق، بما في ذلك استعادة القيادة الأمريكية في المؤسسات متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة.

وعلى الرغم من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي والابتكارات التكنولوجية الأخرى كانت تبشر بتحسين الحياة اليومية بشكل كبير، إلا أنها بلا شك أسهمت في تقوية قبضة الأنظمة الاستبدادية. حيث يقدم القمع الرقمي المنتشر بشكل مكثف في دول مثل الصين – يقدم صورة قاتمة للسيطرة الحكومية المتزايدة باستمرار والحرية الفردية المتقلصة بشكل مضطرد.

لكن لا ينبغي أن تكون هذه هي الرؤية الوحيدة. فعلى المدى القريب، من المرجح أن يؤدي التغير التكنولوجي السريع إلى بروز ديناميكية القط والفأر في الساحة، حيث سيتنافس المواطنون والحكومات على الفوز فيها لمن تكون له اليد العليا. وإذا كنا سنأخذ العبرة من التاريخ، فإن الإبداع ومدى استجابة المجتمعات المفتوحة سيسمحان للأنظمة الديمقراطية، ولو على المدى البعيد، بأن تخوض غمار عصر التحول التكنولوجي هذا بشكل أكثر فاعلية. ومثلما طورت الأنظمة الاستبدادية الحالية نفسها لاكتساب أدوات جديدة للقمع، فإنه يجب على الأنظمة الديمقراطية كذلك تطوير أفكار جديدة، ومفاهيم جديدة، وتولي القيادة لضمان ألا تصبح الآمال المعقودة على التكنولوجيا في القرن الحادي والعشرين لعنة على الجميع.

جذور الاستبداد في الشرق الأوسط

إقرأ أيضا: جذور الاستبداد في الشرق الأوسط

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
كلمات مفتاحية
الاستبداد
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close