تقارير

فوضوية النظام الدولي عند كينيث والتز

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

الفهرس

ملخص

مقدمة

أهمية الدراسة

هدف الدراسة

أولاً: الفوضوية ومدى ارتباطها بممارسة العنف واستخدام القوة

ثانياً: الفارق بين البنية المحلية والبنية الدولية

ثالثا: استراتيجيات تغيير البنية الدولية

رابعاً: وضع الدولة في عالم فوضوي

خاتمة


ملخص:

تعتبر الفوضوية مفتاحاً لتفسير سلوك الدول في مجال السياسة الدولية، كما أن منطق توازن القوى الذي تميل إليه كتابات الفكر الواقعي عموماً والفكر البنيوي خصوصاً، تقوم على التعريف بمصطلح الفوضوية كمحرك لسلوك الدول داخل البنية التي تتسم باللاسلطة داخل النظام الدولي، وفي هذا التقرير سنعمل على تحديد خصائص هذا المصطلح داخل الفكر الواقعي من خلال رؤية رائد الفكر الواقعي الدفاعي “كينيث والتز”.

كما سنوضح أن الفرق بين الفوضوية والسلطوية يكمن في البنية فقط، بغض النظر عن ممارسة العنف الموجودة في كل من البنيتين بأشكال مختلفة، كما أننا نوضح الخيارات التي توضع فيها الدول وأسباب استحالة تحقيق التعاون بشكله الكامل في عالم لا يعترف إلا بالبحث عن الأمن والاستقلال ولا يساعد فيه أحداً الآخر على صعيد الدول بالطبع، وبتحليل أفكار “والتز” في كتابه “نظرية العلاقات الدولية” تتجه المناقشة إلى مناقشة أبرز النقاط الآتية:

– وحدات النظام الدولي الفوضوي- الدول في هذه الحالة-  ستتبنى قرارات وأفعال لا تريدها بالضرورة وتدرك خطورتها، لكنها مضطرة إلى تبنِيها ومتابعة تنفيذها طالما وجدت احتمالية لأن يقوم الفاعلون الأخرون بمتابعة تنفيذها، وهذه النقطة بالتحديد تفيد في تحليل سباقات التسلح والحروب التجارية والعقوبات الاقتصادية المتبادلة والحروب بالوكالة والقرصنة الشبكية وغيرها.

– يفترض “والتز” أنه حتى في حالة الفوضى ستظل الدول تمتلك حد أدنى من الرشادة العقلانية التي تجعلها تخضع تصرفاتها على الساحة الدولية لحسابات التكلفة والعائد، وهذه النقطة يمكن أن تفيد في تحليل أسباب تجاهل الدول الكبرى لتعزيز قدرات بعض القوى الإقليمية لنفسها، طالما لم تخرج عن سياق توازن القوى التي تستفيد منه القوى العظمى ولا تمثل لها أي خطر على مصالحها.

مقدمة:

الفوضوية هي أحد أهم الأسس التي تقوم عليها النظرية الواقعية، حيث تبدأ الاتجاهات الواقعية الهجومية والدفاعية من افتراض أن الدول تعيش في عالم فوضوي بمعنى عدم وجود سلطة عليا تلجأ إليها الدول في حالة وقوع اعتداء، أي أنه نظام دولي حيث لا مساعدة “self- help system “1 ، وأنه نتيجة لهذا الافتراض ينتج افتراضان يتعلقان بجوهر سعي الدول نحو التوازن هما البقاء والسعي من أجل الأمن، ففي عالم غير آمن لا تستطيع دولة التأكد من نوايا دولة أخرى، ويسعى الجميع لتعزيز قوتهم من أجل البقاء كما تؤكد الواقعية الهجومية.

أما الواقعية الدفاعية، والتي يعتبر “كينيث والتز” (Kenneth N. Waltz )2 من روادها حيث كتب كتابه نظرية العلاقات الدولية (Theory of international politics ) فقد دفعت بأن الفوضوية تؤدي لظهور معضلة الأمن، فنتيجة لعدم تأكد الدولة من نوايا الدول الأخرى تندفع لتبني استراتيجيات عدائية لاعتقادها بأن سياسات التوسع هي التي ستعزز شعورها بالأمن ويعزز ذلك تحفيز الظروف على مستوى النظام الدولي من أجل التوسع، إلا أن استراتيجيات السعي من أجل الأمن متبادلة وكل دولة كما يرى “والتز” ستقابل عداء الدول الأخرى بنفس الأسلوب3 ، لذا فعلى الدول أن تسعى لتبني استراتيجيات معتدلة، وعلى الدول العظمى أن تسعى لتوازن القوة عن طريق سياسات عسكرية واقتصادية ودبلوماسية منضبطة.

أهمية الدراسة:

تكمن في التعريف بأفكار “والتز” عن الفوضوية والتي رأى أنها هي سمة بنية السياسة الدولية وأن توازن القوة لابد أن يكون في عالم فوضوي، والبنية الفوضوية لتوازن القوة لها عدة خصائص تميزها عن الهياكل الأخرى ذات الطبيعة السلطوية داخل الدول بالتحديد.

هدف الدراسة:

مناقشة خصائص هذه الطبيعة الفوضوية، حيث سنقوم بمحاولة تفصيل طبيعتها في عدة نقاط أساسية، في قراءة لما جاء به فكر كينيث والتز في هذه القضية والتي أفرد لها فصلاً كاملاً في كتابه بعنوان “النظم الفوضوية وتوازن القوة”.

أولاً: الفوضوية ومدى ارتباطها بممارسة العنف واستخدام القوة

ظهور العنف مرتبط بغياب السلطة سواء كان بين الدول أو الأفراد، لكن التهديد باستخدام القوة وظهور ممارسة العنف يميز شئون السياسة الدولية عن نظيرتها المحلية، فالدولة وبسبب احتمال استخدام قوة الغير ضدها عليها أن تكون متأهبة لمثل هذا الوضع بتعزيز قوتها، ومع ذلك فإن حقيقة السعي لتحقيق والحفاظ على السلطة والنظام والعدالة داخل الدول قد تكون أكثر دموية من الصراعات بين الدول، فكما أن غياب السلطة مرتبط بظهور العنف فإن تواجدها قد يهدد بذلك أيضاً، فلا يمكن إغفال المجادلات المستمرة للشعوب في استخدام العنف لمقاومة الحكام أو حتى إزاحتهم، ولعل التاريخ يوضح أن أكثر الحروب دموية كانت داخل الدول في شكل صراعات أهلية وطائفية على السلطة أو مقاومتها فمثلاً خلفت الحرب الأهلية الأمريكية حوالي 600 ألف قتيل وراح حوالي 5 مليون شخص ضحايا لحملات التطهير داخل الاتحاد السوفيتي في عهد ستالين، أيضاً خلفت الانقلابات العسكرية والتمرد المستمر في امريكا اللاتينية آلاف الضحايا، فقد كانت كثيرة الحدوث لدرجة أنه بين 1957- 1984م فقد حوالي 200ألف شخص حياتهم في الصراع الأهلي بكولومبيا4 .

إذاً فإن ربط الفوضوية بالدّمار والعنف والموت لا يعطي تمييزاً واضحاً عن نظيرتها السلطوية، لأن استخدام القوة أو الخوف المطّرد من استخدامها موجود كما أسلفنا في المجالين، فلا يوجد تنظيم إنساني سواء كان على مستوى العائلة أو المجتمع أو حتى مجتمع الدول أثبت مناعته ضد العنف بحسب “والتز”5 .

فالفارق- إذاً- لا يرتبط بحدوث العنف بقدر ما يرتبط بالبنية التي يمارس فيها، بالتالي التنظيمات التي تقف مع أو ضد ممارسة العنف واستخدام القوة. فالحكومات المحلية ليس لديها احتكار لاستخدام العنف لكنّ لديها احتكارا لشرعية استخدامه، بمعنى أن الشعب لن يدافع عن نفسه في حالة استخدام العنف ضده لكنه سيلجأ إلى السلطة العليا ممثلة في الحكومة لتدافع عنه، عكس النظام الدولي القائم على فكرة الاعتماد على النفس في صدَ عنف الغير “self help system “، حيث لاشرعية لسلطة عليا في استخدام العنف تلجأ إليها الدول في حالة وقوعه6 .

ثانياً: الفارق بين البنية المحلية والبنية الدولية

طالما كانت هناك سلطة فهناك تنظيم، وبالتالي للوحدات التي تكون هذا التنظيم الحق في التخصص في مجال ما أو تعزيز قدرة ما على حساب باقي القدرات لتحقيق منافعها الخاصة، إذ أن هذه الوحدات لم يعد وجودها أو بقاؤها في خطر طالما تواجدت سلطة تمدها بالأمن، كما أنهم لن يخشوا الترابط والاعتمادية التي تترتب على تلك الحالة من التخصص.

كما يبرز- هنا- الفارق بين البنيتين: المحلية، والدولية عن طريق الأساليب التي يتبناها كل نظام سواءً كان محلياً أو دولياً في تحديد الأهداف وتطوير الوسائل التي تحققها، بالتالي ففي الهيكل الدولي الفوضوي نجد الوحدات متشابهة الوظائف وهو ما يعني أنها دول ذات سيادة إذ أنها تعرف طبيعة النظام وتتعامل معه عكس الفاعلين غير الدوليين الأخرين حيث يتعلق هذا التشابه بالوظائف التي تواجها الوحدات وليس بتماثلها في قدرات التنفيذ7 ، ويميل معظمها إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي والاستقلال بعيداً عن الوحدات الأخرى، أما في البنية المحلية فإن الوحدات مختلفة وتميل إلى التخصص الوظيفي مما يعزز من اتجاه أن تصبح هذه الوحدات معتمدة على بعضها البعض وتميل إلى الترابط كما أسلفنا من قبل، إذاً يبرز هنا ونتيجة للفوضوية، والسلطوية التي تميز كل من المجالين الدولي والمحلي على الترتيب، مصطلحان هما: “الترابط” لكي يصف الوضع داخل الدول، ومصطلح “التكامل” لوصف الحالة بينهم، فعلى الرغم أن الدول وحدات متشابهة الوظائف إلا أنها مختلفة القدرات، فقد تتعاون الدول من أجل المنافع المتبادلة لكن سيظل هناك صراع وإن كان غير تنافسياً (Non- zero sum game ) حيث سيظل يؤرقها كيفية تقسيم هذه المنافع فيما بينها إذ سيعزز الشعور بالتهديد المتبادل بالحد من التوسع في هذا التعاون بعيداً عن تداخل المصالح بفعل المساومة والتنازلات بين الدول، وسيكون من حصل على أكبر المكاسب والقدرات- دائماً- أهم من طبيعة تلك المكاسب خصوصاً إذا كان الصراع تنافسي (Zero sum game )، إذ قد يقوم صاحب النسبة الأكبر باستخدام قدراته لتدمير الآخرين (الدول في هذه الحالة).

وفي عالم فوضوي تأخذ اعتبارات المكاسب والمنافع بكل أنواعها حيزاً تابعاً للإرادة السياسية للدول التي قد ترى في المكاسب المحتملة للدول، ترجيحاً لكفة خصومها المحتملين وإخلالاً بتوازن القوة في غير صالحها، فالمكاسب- هنا- تكون نسبية بالنسبة لمكاسب الآخرين أكثر من كونها مكاسب محققة للجميع وهو ما يعرف باسم نظرية المباريات8 (Game theory )9 ، وعليه ستسعى دائماً الدول لتأكيد كونها كيانا مستقلاً وأنه حتى لو تعاونت هذه الدول بدافع التخصص الوظيفي على الصعيد الاقتصادي مثلاً، فسيظل هذا التعاون محدودا حتى ولو كان يحقق ميزات للجميع، لأن المقاربة في عالم  سلطوي هي التخصص الكامل في العمل بين الوحدات، بالتالي تتفاعل وتتعاون الوحدات غير المتشابهة محققة مكاسب للجميع دون خوف من تهديد أمن أي من تلك الوحدات داخل الدولة، على عكس المقاربة في عالم النظام الدولي الفوضوي حيث تمتاز وحداته بالتشابه، ويأخذ كل منهم على عاتقه مسألة أمنه الذاتي ، عندئذٍ يكون تبني المقاربة المحلية في التعامل مع مصطلح الفوضوية خطأ جسيما بحسب “والتز”10 ، فلا يمكن التقليل من أهمية الإنفاق العسكري للدول لمجرد أنها نفقات غير منتجة يمكن أن تستغل لتحسين رفاهية المجتمع، فهي مع ذلك ضرورية، وتكون عوائدها ملموسة ومهمة في شكل الحفاظ على استقلال وأمن الدولة.

ثالثا: استراتيجيات تغيير البنية الدولية

بما أن المجال الدولي يمتاز بالفوضوية، أي غياب سلطة عليا، إذاً فالبنية أو الهيكل الذي يتكون منه النظام الدولي سيتجه- دائماً- إلى نتائج وتأثيرات للتفاعلات بين وحداته المكونة لهذا الهيكل دون أن تكون هذه النتائج مقصودةً أو مخططا لها. بمعنى أن الفاعلين على المستوى الدولي سيدركون هذه الحقيقة وسيتعاملون مع نتائجها لكن لن يستطيعوا منعها إذ أن ذلك سيتطلب تغييراً على مستوى البنية أو الهيكل ككل.

فالواقع، يقول إن بعض القرارات قد ترتب قرارات وأفعال لا يريدها الفاعل الدولي، لكنه مضطر إلى تبنِيها ومتابعة تنفيذها طالما وجد احتمالية لأن يقوم الفاعلون الأخرون بمتابعة تنفيذها، لأنه في هذه الحالة سيؤثر عدم تبنيه لهذه القرارات أو تأخره في متابعة تنفيذها تأثيرات سلبية كبيرة.

وهنا يبرز اصطلاح، ما أسماه “ألفريد كان” (Alfred E.Kahn )، ديكتاتورية القرارات الصغيرة، وقد عني به وصف تلك الحالة التي ينتج فيها سلوك طرف ما أو أطراف أخرى عديدة نتائج لا يرغبون بها بحيث تمر هذه العملية عبر تجميع لسلسلة من القرارات الصغيرة التي يتخذها كل طرف لتشكل تغييراً كبيراً أو نتيجة قد لا تكون مقصودة بالضرورة فيقول” إذا اختار مائة مستهلك الاختيار X ، مما يجعل السوق يتخذ القرار X – حيث X= 100 – لكن مع ذلك لا يبدو صحيحاً أن نفس المستهلكين كانوا سيرجحون نفس النتيجة التي رتبتها محصلة قراراتهم على اعتبار عرض هذه المحصلة العامة عليهم بشكل واضح ومجرد . 11

كما أن “والتز” يعطينا أمثلة أخرى فيقول مثلاً يختار معظم الناس قيادة سياراتهم الخاصة بدلاً من استقلال القطار، فالسيارات تملك مرونة تتعلق بالمواعيد واختيار الوجهة، لكن في أوقات الطقس السيء على سبيل المثال حيث تتعذر القيادة، تكون خدمة القطارات هي الأنسب. كذلك تكون بضائع ومنتجات السلاسل التجارية الكبرى أكبر وبأسعار منخفضة عن البقالة الصغيرة العادية بجانب المنزل التي توفر خدمات أخرى مطلوبة أيضاً، مثل: الحساب الآجل والتوصيل للمنزل. لكن ونتيجة لاستقلال الناس لسياراتهم الخاصة والتبضع من السلاسل التجارية الكبرى بشكل أكبر هو تحقيق خسائر لخدمة القطارات والتسبب في تقليل عدد محلات البقالة الصغيرة. وهذه النتيجة قد لا يريدها معظم الناس، وقد يريدون حتى الدفع مقابل بقاء هذه الخدمات، لكن مع ذلك لا يستطيع هؤلاء الأفراد التأثير على المحصلات النهائية.12

هذا ويبدو الفصل واضحاً كعادة الفكر الواقعي ذو الصبغة الميكيافيلية بين المبادئ الأخلاقية المثالية التي لا ينكرها “والتز” وبين الواقع المترتب على بنية النظام الدولي الذي تتواجد الوحدات بداخله- الدول في هذه الحالة- حيث يؤكد “والتز” أن المصالح الوطنية تابعة للمصالح الدولية، وأنها يجب أن تخدمها، فالمشاكل تظهر على المستوى العالمي على الرغم من أن السبب والحلّ كليهما يعتمد على الحصيلة التابعة للسياسات المحلية لكل الأطراف، لكنه يعود ليؤكد على أن المشكلة ستظل موجودة طالما أوجدت بنية النظام، عقبات تحول دون تبني الدول لسياسات تأخذ في الاعتبار مصلحة النظام إذ ستحتم الرشادة المفترضة في الفاعل الدولي أن يأخذ بعين الاعتبار أن هذه العقبات الهيكلية لتقوده دائماً لنتائج غير مقصودة، وأن السلوك الأكثر رشادة يحتم عليه الاهتمام بمصلحته فقط بغض النظر عن مصلحة النظام الدولي.13

وهذا يقود إلى إمكانية تغيير بنية النظام الدولي وهل هذا ممكن أم لا؟، وإذا كانت ممكنة فما هي الاجراءات التي قد تتخذ في سبيل هذا الهدف؟، ففي البداية يؤكد “والتز” على أن تغيير البنية الهيكلية للنظام الدولي ممكنة إذا تم تغيير في توزيع القدرات بين الوحدات المكونة له، أو فرض اجراءات ومتطلبات تحدد اتجاه عملية صنع القرار داخل هذه الوحدات14 .

وما يعنينا في هذا السياق، إمكانية التحديد والتأثير في عملية صنع القرار داخل الوحدات هل هي ممكنه أم لا؟، وتجيب الواقعية البنيوية على هذا الطرح المتعلق بالاعتقاد بتغيير الأهداف والوعي العام لكل من الأيديولوجيا والتنظيمات داخل الدولة قد يغير من نمط المجال الدولي الموجود فيه وإن هذا لم يَقُد إلى شيء حيث تغيرت الدول وأيديولوجيتها وحتى حدودها عبر عقود لكن ظل نمط النظام الدولي كما هو، فالدول قد تسعى وراء الوصول لتلك الأهداف المقبولة التي تقود إلى تغيير نمط المجال الدولي إلى الأفضل.

لكن- فقط- لا تستطيع اكتشاف الطريقة المثلي للوصول إليها، ليس لقصور في فهم وإدراك هذه الوحدات، بقدر ما هو قصور في بنية النظام الدولي التي لا تتواجد فيه الظروف التي تسمح للوحدات والتنظيمات المختلفة داخله من متابعة سياسات واستراتيجيات عقلانية تفرض نفسها فوق الخطر المستمر والخوف الغالب من نوايا تبني الوحدات الأخرى سياسات غير عقلانية قد تهدد بتغيير توازن القوة وبالتالي بقاء الأطراف الأخرى حيث لا يستطيع أحد التأكد من نوايا الآخر لعدم وجود سلطة عليا يتم اللجوء إليها في حالة الاخلال بأمن أحد الأطراف من جانب طرف آخر.

ولعل أبرز مثال على ذلك تأكيدات “تشرشل” بان سباق التسلح البحري بين كل من بريطانيا العظمى وألمانيا قد يقود إلى كارثة، لكنه يعود ليعترف بأن بريطانيا العظمى لم يكن لديها اختيار واقعي آخر غير المتابعة في مثل هذا السباق15 ، وعليه فالدول قد يكون لديها رغبة صادقة في تجنب الصراع الذي تفرضه عليها بنية النظام الدولي وهذه ضرورة لكن مجرد تواجدها لا يتيح أحد وظائف أي تنظيم احتمالات واختيارات لتحقيقها حيث يؤكد “والتز” أن الحل الوحيد لتجنب تأثيرات ونتائج البنية الهيكلية لأي نظام، هو بتغير هيكلي وبنيوي لهذا النظام.

رابعاً: وضع الدولة في عالم فوضوي

الدول تسعى من وجهة نظر “والتز” إلى متابعة الخطط الكفيلة بتحقيق أهدافها والحفاظ على بنية التنظيم الذي أوجدته، وإذا كان هذا التنظيم في عالم فوضوي فإنه سيتمتع بالحرية لكنه سيعاني من عدم وجود الأمن، حيث ستتناسب درجة الحرية صعوداً وهبوطاً مع تواجد الأمن او افتقاده، بالتالي ستسعى الوحدة داخل المجال السلطوي التي تكون فيه الحرية محدودة ودرجة الأمن أعلى إلى السيطرة على هذا الجسم السلطوي الممثل في شكل تنظيم واسع الصلاحيات ومؤثر وهي الدولة، وستسعى- دائماً- هذه الأطراف إلى الحفاظ على وجود هذا التنظيم دائماً حتى وإن تغيرت بنيته على عكس الوضع في المجال الدولي الذي لا توجد به حكومة أو سلطة عليا حيث تزيد حرية الوحدات بداخله ويقل الأمن، بالتالي ستسعى كل دولة من أجل مصلحتها الخاصة، ولن يعنيها كثيراً الحفاظ على أي تنظيم لأنه في النهاية يكون شكليا بلا وظيفة تقريباً أو ذا وظائف محدودة. وتتوقف فاعليتها على فاعلية أهداف ونوايا الأطراف والأقطاب الدولية لا لكون هذا التنظيم مؤثرا مثلما الحال في عصبة الأمم والأمم المتحدة من المؤسسات الدولية. التي هي عبارة عن أدوات في يد القوى الكبرى لتحقيق مصالحهم وهو ما يعني أيضاً هلامية ووهمية الطرح المتعلق بالأمن الجماعي الدولي.16

بالتالي فإن ممارسة العنف تختلف في المجال الفوضوي عنها في المجال السلطوي ، فاستخدام القوة داخل الدولة هو لمصلحة الأفراد كما أن الحكومات لديها شرعية استخدام القوة لتجنب الفوضى؛ لأن العلاقات المترتبة هي علاقات السلطة، كما أن الاستخدام الخاص للقوة من أي طرف داخل تنظيم الدولة قد ينذر بتهديد التنظيم السياسي للدولة وحتى بقائها، على عكس المجال الدولي الذي يمتاز بالفوضوية الذي يكون استخدام القوة فيه من أجل اقتسام المكاسب وترتيب الأوضاع لصالح الأقوى، إلا أن استخدام القوة لا يؤدي لهدم تنظيم موجود مثلما الحال مع مجال الدولة السلطوي حيث لا سلطة عليا تملك- حصرياً- حق استخدام القوة.

بالتالي سيكون التأثير فقط لوحدات النظام الدولي، وهي في هذه الحالة الدول كما أن التأثير على مستوى النظام الدولي لا يكون بنفس الحجم داخل الدولة ، لكن- أيضاً- على الرغم من ذلك يمثل الاستخدام المحتمل للقوة من كل الأطراف عاملا من عوامل الردع والاعتدال، كما أنها قد تفيد في التخفيف من حدة النزاعات وهو ما يسميه “أورتيجا جاسيت” (Ortega Y. Gasset ) “الإخضاع المسبق للقوة للتفكير العقلاني”17 ، حيث يدرك الفاعل الدولي أن الضغط بقوة قد يؤدي إلى الحرب وأنه لذلك عليه أن يوازن دائماً بين المكاسب المحتملة والأخطار التي قد تنتج عن مثل هذا الإجراء، بالتالي سيكون هذا أساسا للتفاهمات والمفاوضات بين الأطراف الدولية، كما قد يتيح للأطراف الأضعف هامشا من حرية الحركة حيث لن يرى الطرف الأقوى من تحركات أو زيادة في قدرات الأطراف الأضعف، أي تهديد لمكانته ووضعه وبقائه داخل النظام الدولي.

أي أن عناصر تأجيج الصراع بالنظام الدولي قد تكون هي نفسها عوامل تسكينه وتهدئته، ولو بشكل هش، فالصراع يبدأ متدرجاً من المجالات السياسية والاقتصادية حتى يصل إلى المواجهه العسكرية المباشرة، وذلك حسب المكاسب المتوقعة، بل حتى الصراع العسكري سيخضع لنفس النمط التدريجي، فلن تبدأ الحرب بشكل موسع كحرب شاملة (Total war )، لكن ستخضع دوماً لمنطق الحسابات السياسية، وستكون في الأغلب بهدف تحسين شروط التفاوض لتأخذ شكل حرب محدودة (Limited war ) كما يرى العسكري الألماني “كلاوسفيتش”.

خاتمة:

يقودنا النقاش السابق إلى حقيقة أن توازن القوة بين الدول هو أداة تدافع بها عن استقلالها وبقائها الذي يتهدد بزيادة القوة للمنافسين الآخرين، وأن ممارسة العنف من وجهة نظر “والتز” لا يمكن ربطها بمصطلح الفوضوية بشكل مطلق فكل بنية لها شكل ممارسة العنف التي تميزها، كذلك كان “والتز” متأثراً كثيراً خلال مناقشته للفوضوية داخل النظام الدولي بحركة اقتصاد السوق الحر الليبرالي، فكثيراً ما كان يورد أمثلة تتعلق بشكل المنافسة داخل اقتصاد السوق ليوضح مع الفارق شكل المنافسة بين الدول في عالم فوضوي، ومدى التقارب الذي يوجد بين البنيتين، لكنه كان دائماً ما يذكر أن منافسة الدول لم تكن بهدف المساهمة بمجهودها الفردي ضمن الجهود للدول الأخرى من أجل الانتاج المشترك للسلع لتبادل المنافع، لكن المنافسة ستتعلق هنا بمحاكاة الدول الأخرى وما يقومون سعياً للحفاظ على أمنهم واستقلالهم، ولعل هذا ما يفسر سباقات التسلح، والتنافس الاقتصادي ذو الابعاد السياسية بين الدول، وحتى الحروب الوكالة18 .


الهامش

1 Kenneth N. Waltz, Theory of international politics, University of California, Wesely publishing company, p107.

2 ولد في ميتشجن بالولايات المتحدة عام 1924م وتوفي عام 2013م، وتعتبر رسالة الدكتوراة المنشورة له تحت عنوان (Man, the state and war: A theoretical analysis ) من أهم أعمال النظرية السياسية حيث ناقش نظريات ورؤى أعظم المفكرين السياسيين الغربيين عم أسباب الحرب والسلام، ويعرف والتز برائد العلاقات الدولية ، فحين بدأ دراسته العليا لم يكن مبادئ متكاملة عن العلاقات الدولية، على الرغم من وجود دراسات تجريبية عن الشئون الخارجية، فلعب دوراً محورياً في تطوير هذا الحقل، ويعتبر أهم وأوسع كتبه  انتشاراً “نظرية العلاقات الدولية 1979م”، وفيه شرح منظم لتوازن القوى الدولية وقد ظلت النص الأساسي المتعارف عليه في العلوم السياسية في القرن الواحد والعشرين. انظر André Munro, Kenneth N. Waltz, Encyclopeadia Britannica inc., March 09, 2018, available:

https://www.britannica.com/biography/Kenneth-N-Waltz

3 Kenneth N. Waltz, Op. Cit., p109.

4  Claire Felter and Danielle Renwick, Colombia’s Civil Conflict, Council of foreign relations, Council on foreign relation, 11 January 2017, available:

https://www.cfr.org/backgrounder/colombias-civil-conflict .  تاريخ الدخول 11/04/2018

5 Kenneth N. Waltz, Op.Cit., p103.

6 أنور محمد فرج، نظرية الواقعية في العلاقات الدولية (دراسة نقدية مقارنة في ضوء النظريات المعاصرة)، مركز كردستان للدراسات الاستراتيجية، السليمانية، 2007، ص 78.

7 جوانيتا إلياس وبيتر ستش، أساسيات العلاقات الدولية، ترجمة/ د. محيي الدين حميدي، دمشق: دار الفرقد، 2016، ص 75.

8 عرفت نظرية المباريات منذ عام 1944م، عندما نشر أوسكار مورجنسترن وجون نيومان كتابهما “نظرية المباريات والسلوك الاقتصادي”، ثم وجدت هذه النظرية تطبيقاً واسعاً لها في الامور المتعلقة بالاستراتيجية والتخطيط للسياسات الدفاعية والامور المتعلقة بالسياسات الخارجية وغيرها، للمزيد انظر: سعد حقي توفيق، ط5، العراق: المكتبة القانونية، 2010، ص ص 124- 127.

9 بير رونوفان وجان بابتيست دوروزيل ، مدخل إلى تاريخ العلاقات الدولية، ترجمة/ فايز كم نقش، اسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1989، ص ص 248- 252.

10   Kenneth N. Waltz, op.cit., pp104,105.

11 Alfred E. Kahn, THE TYRANNY OF SMALL DECISIONS: MARKET FAILURES, IMPERFECTIONS, AND THE LIMITS OF ECONOMICS, February 1966, available:

http://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1111/j.1467-6435.1966.tb02491.x/pdf  تاريخ الدخول 29مارس 2018

12 Kenneth N. Waltz, op.cit., P 108.

13 Ibid, p109.

14 Ibid., p108.

15 John H. Maurer, GUNS OF AUGUST 1914-2014 – Churchill’s “Naval Holiday”: His Plan to Avert the Great War, winstonchurchill.org, Summer 2014, available: https://www.winstonchurchill.org/publications/finest-hour/finest-hour-163/guns-of-augus-t-1914-2014-churchill-s-naval-holiday-his-plan-to-avert-the-great-war  تاريخ الدخول 30مارس 2018

16 اسماعيل صبري المقلد، العلاقات السياسية الدولية: دراسة في الأصول والنظريات، القاهرة: المكتية الأكاديمية، 1991 ،  ص ص 233-234.

17 Kenneth N. Waltz, op.cit., p113.

18 الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *