fbpx
ترجمات

فير أوبزرفر: السودان على شفا كارثة جديدة

نشرت فير أوبزرفر، وهي مؤسسة إعلامية أمريكية غير ربحية مقرها بلمونت، كاليفورنيا، في 26 ديسمبر 2023 مقالاً تحليلياً بعنوان: “السودان على شفا كارثة جديدة” لمارتن بلوت، كبير الباحثين في معهد دراسات الكومنولث.

يقول مارتن بلوت إن الحرب السودانية التي اندلعت في إبريل من هذا العام بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ليست مجرد صراع بين جنرالين كما صوّرها البعض، إذ يقف خلف طرفي الصراع مجموعة من القوى الخارجية. كما أن الصراع في السودان ليس أيضاً مجرد قضية إقليمية كما قد يبدو، إذ لديه القدرة على أن يعيد تشكيل سياسة المنطقة، مع ما يترتب على ذلك من عواقب على الشرق الأوسط بأكمله.

وقد جاء المقال على النحو التالي:

في يوم الثلاثاء 19 ديسمبر، سقطت مدينة ود مدني، ثاني أكبر مدن السودان، في أيدي إحدى أكثر الجماعات المسلحة وحشية في العالم. ولم يتصدر هذا الأمر سوى القليل من العناوين الرئيسية في عالم منشغل تماماً بالقتال الدائر حالياً في غزة.

لقد وضعت الحرب السودانية – التي اندلعت في أبريل من هذا العام –القوات المسلحة السودانية في مواجهة قوات الدعم السريع. على السطح، لم يكن الأمر أكثر من شجار بين جنرالين. ولكن الحقيقة أن خلف هذين العسكريين تقف مجموعة من القوى الخارجية. وفي حين كان الجيش هو الحصن التقليدي للدولة، فقد انبثقت قوات الدعم السريع من ميليشيا الجنجويد سيئة السمعة، وهي ميليشيا عربية سودانية سيئة السمعة متهمة بارتكاب جرائم إبادة جماعية بسبب أنشطتها في منطقة دارفور بغرب السودان.

وكما كتبت كيت فيرجسون، المديرة التنفيذية المشاركة لمؤسسة “مناهج الحماية”، إذ تقول: “إن قوات الدعم السريع هي نفسها “الجنجويد” التي أعيد تسميتها، “الشياطين على ظهور الخيل، والتي استخدمتها الحكومة السودانية منذ عام 2003 لتنفيذ جرائم واسعة النطاق ومنهجية ضد المجتمعات غير العربية في جميع أنحاء دارفور. وكانت قوات الدعم السريع، ولا تزال، تحت قيادة الجنرال محمد حمدان دقلو “حميدتي“.

الحرب مأساة للشعب السوداني: حيث أُجبر ما يقدر بنحو 6.7 مليون شخص على الفرار من منازلهم. ووفقاً لوكالات الإغاثة، فإن هذه الأزمة هي “أكبر أزمة نزوح على مستوى العالم”. ورغم أن الصراع في السودان ليس مجرد قضية إقليمية على ما يبدو، إلا أنه يمتلك القدرة على إعادة تشكيل سياسة المنطقة، مع ما يترتب على ذلك من عواقب على الشرق الأوسط بأكمله.

قد تأتي إعادة التشكيل هذه لاحقاً: ولكن في الوقت الراهن، فإن الأزمة الإنسانية وخيمة ويمكن فهمها من خلال خريطتين. حيث تُظهر الخريطة الأولى، التي أعدتها المنظمة الدولية للهجرة، الأماكن التي فر إليها السكان.

المنظمة الدولية للهجرة، 12 ديسمبر 2023. مصفوفة تتبع النزوح - لقطة النزوح الأسبوعية في السودان 13. المنظمة الدولية للهجرة، السودان
المنظمة الدولية للهجرة، 12 ديسمبر 2023. مصفوفة تتبع النزوح – لقطة النزوح الأسبوعية في السودان 13. المنظمة الدولية للهجرة، السودان

وتظهر الخريطة الثانية، التي أعدها نظام الإنذار المبكر بالمجاعة، مدى اقتراب العديد من السودانيين من المجاعة، بعد أن أُجبروا على ترك أراضيهم. إن أكثر من نصف السكان – 25 مليون شخص، بما في ذلك 13 مليون طفل، هم بحاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية.

مدى اقتراب العديد من السودانيين من المجاعة

إن سقوط مدينة ود مدني بعد ثلاثة أيام من القتال ترك لقوات الدعم السريع موارد ثمينة. ولم يقتصر الأمر على استيلائها على المدينة التي كانت موطناً لفرقة المشاة الأولى بالجيش، بل إن قوات الدعم السريع تسيطر الآن على المنطقة الحضرية التي لجأت إليها معظم وكالات الإغاثة بعد اندلاع القتال في الخرطوم، العاصمة السودانية. والآن، تسيطر قوات الدعم السريع المتمردة على معظم الخرطوم وأجزاء كبيرة من دارفور، في حين اضطر الجيش السوداني، بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان، إلى الانتقال إلى منطقة آمنة نسبياً في بورتسودان.

وقد لخّص محللو تشاتام هاوس الوضع بدقة بالقول إنه: “قد ظهر تقسيم فعال في السودان، حيث يسيطر الجيش على الشرق والشمال الشرقي، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على جزء كبير من العاصمة وغرب البلاد”.

القوات الدولية تغذي الصراع

ولم يحرز الاتحاد الأفريقي وهيئته الإقليمية – الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيجاد) – تقدما يُذكر في مساعي إنهاء القتال. وتحاول جنوب السودان وجيبوتي وإثيوبيا تعيين مبعوث خاص، ولكن حتى لو تمكنوا من اختيار وسيط مناسب، فمن الصعب أن نرى كيف سيحرز هذا المبعوث تقدماً. ولم يتم بعد نشر القوة الاحتياطية الأفريقية التي يتبجح الاتحاد الأفريقي بها كثيراً، والتي أنفق عليها الاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي مبالغ ضخمة من المال. وبدلاً من ذلك، جرت محادثات السلام الوحيدة القابلة للاستمرار في جدة، وهو ما يشير إلى أن العالم العربي، وليس الاتحاد الأفريقي، هو الذي يلعب دوراً أكثر أهمية في السودان.

ويحظى القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بدعم خارجي كبير. فالبرهان والجيش يتطلعون شمالاً للحصول على الدعم. وتاريخياً، كان معظم السودانيين يتطلعون إلى مصر للحصول على الدعم اللازم. وكان البرهان قد تلقى تدريبه في مصر وهو ضيف منتظم للجنرال عبد الفتاح السيسي، الذي فاز للتو بفترة رئاسية ثالثة في البلاد. ويمكن للجنرال السوداني أيضاً الاعتماد على السعوديين للحصول على بعض الدعم. كما أن الولايات المتحدة تمنح البرهان والجيش دعماً فاتراً.

والسبب وراء كون الدعم الأمريكي فاتراً هو أمر بسيط. فالرئيس جو بايدن متورط في الحرب التي تشنها إسرائيل في غزة. ومع انطلاق حملة إعادة انتخابه، لم يعد لدى بايدن سوى القليل من الوقت للتركيز على السودان. وهذه اللامبالاة الظاهرة خطأ كبير. ويرى أليكس دي وال أن الإهمال الحميد (الذي لا ينطوي على سوء نية) لا يخدم مصالح واشنطن. حيث لن الأزمة السودانية إلا عندما تتدخل الولايات المتحدة بقوة أكبر.

وبينما تبدو قاعدة دعم البرهان والجيش ضعيفة، فإن قوات الدعم السريع تتمتع بموارد أفضل بكثير. حيث يقود محمد حمدان دقلو، المعروف عموماً باسم “حميدتي”، يقود قوات الدعم السريع. وهو زعيم سابق للجنجويد وكان نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي بعد الانقلاب السوداني عام 2019. ولحميدتي مؤيدون، وقوات الدعم السريع لديها أموال ورجال وحوافز أكثر من الجيش بكثير.

ولحميدتي روابط عبر الحدود في تشاد، استغلها إلى أقصى حد. وفي الواقع، فإن قوات الدعم السريع هي نسخة متجددة من الجنجويد التي كانت قد أرهبت السودان، عندما قام مقاتلوها العرب بمهاجمة وقتل السكان الأفارقة في دارفور.

خرائط السيطرة

كما سيطر حميدتي على موارد المنطقة بشكل عام، ومناجم الذهب بشكل خاص. وحظي بتشجيع ودعم من مجموعة فاجنر الروسية، التي أخذت حصة من الغنائم مقابل إمداد قوات الدعم السريع بالسلاح. وقد قامت سي إن إن برصد هذا الدعم وتتبعه. وهناك الآن دليل واضح على أن مجموعة فاجنر كانت تزود قوات الدعم السريع بالصواريخ. وكان الذهب السوداني، الذي تم نقله جواً من ليبيا إلى القاعدة الروسية في اللاذقية، يدفع ثمن الأسلحة. ولم يمول هذا الذهب شركة فاجنر فحسب، بل قام أيضاً بتمويل حرب الرئيس فلاديمير بوتين في أوكرانيا.

وبصرف النظر عن مجموعة فاجنر الروسية، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة تُعدّ هي الداعم الرئيسي الآخر لقوات الدعم السريع. ويقول الجيش السوداني إن لديه “معلومات من المخابرات والمخابرات العسكرية والدائرة الدبلوماسية تفيد بإرسال الإمارات طائرات لدعم الجنجويد”. وقد أنشأت الإمارات مستشفيات في تشاد لتقديم العلاج للاجئين الفارين من القتال. وعلى الرغم من أن الإمارات تنفي ذلك، إلا أن هناك اعتقاداً واسع النطاق بأن المساعدات التي ترسلها ليست أكثر من مجرد واجهة لإمدادات الأسلحة لقوات الدعم السريع.

ويُنظر إلى أوغندا على أنها طريق بديل لدعم الإمارات لعمليات حميدتي. وبحسب تقارير، فعندما هبطت طائرة في مطار عنتيبي الرئيسي في أوغندا في يونيو من هذا العام، ذكرت وثائق رحلتها أنها كانت تحمل مساعدات إنسانية أرسلتها الإمارات للاجئين السودانيين. ولكن بدلاً من ذلك، “قال المسؤولون الأوغنديون إنهم عثروا على عشرات الصناديق البلاستيكية الخضراء في عنبر شحن الطائرة مليئة بالذخيرة والبنادق الهجومية وغيرها من الأسلحة الصغيرة”.

وليس من المستغرب إذن أن يعلن الجيش السوداني أن 15 عضواً في سفارة الإمارات أشخاص غير مرغوب فيهم في 11 ديسمبر. ولكن يبدو أن موقف البرهان يضعف مع الوقت وأنه أصبح يتمتع بدعم دبلوماسي محدود. وفي هذه اللحظة، يبدو أن هناك فرصة ضئيلة لأن يقدم حلفاؤه للجيش السوداني الدعم الذي يحتاجه لصد قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي. وإذا نجح حميدتي في حملته للإطاحة بالجيش السوداني (وهو لا يزال بعيدًا عن تحقيق هذا الهدف على كل حال)، فسيكون ذلك بمثابة دفعة كبيرة لمؤيديه. وكان من الممكن أن توسع دولة الإمارات نفوذها في عمق أفريقيا. وكان من المفترض أيضاً أن تقوم مجموعة فاجنر بتعزيز عملياتها عبر مساحة شاسعة من منطقة الساحل. ومن شأن فوز حميدتي أن يعزز نفوذ بوتين وأمواله. كما سيكون ذلك بمثابة ضربة قوية للولايات المتحدة والغرب. وقد قامت مجموعة فاجنر بالفعل بطرد الفرنسيين من مالي. وغني عن القول أن الكثير يعتمد على نتائج الحرب الأهلية السودانية. فالمستقبل على المحك، ليس لبلد ما على حدة، بل للمنطقة بأكملها أيضاً.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Close