قلم وميدان

في الهولوكوست والحداثة ورسائل مجزرة رابعة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

في هذا المقام الذي يخصصه المعهد المصري للدراسات السياسية والإستراتيجية، لأغراض الحوار وتلاقح الأفكار، نشر الكاتب المرموق د. سعيد الحاج مقالا/ عرضا، متميزا كعادته، حول الحداثة والهولوكوست، في إسقاط منه لهذه الخبرة الإنسانية الحزينة على “مجزرة رابعة” التي راح ضحيتها جملة من أنبل من عرفت خلقا وسماحة، معيدا للأذهان ملامح تلك المدرسة النقدية التي بدأت في أوروبا في السبعينيات من القرن العشرين، تنتقد ادء الحداثة، وكان من أبرز روادها مدرسة فرانكفورت التي طورت المذهب الأدبي الشكلاني الروسي لتنتج لنا رؤية تنتقد ادء الحداثة حيال الإنسان، وما آل إليه حاله في إطارها من تشيؤ مقيت، وربما تسلع، صار – فيما صار – حاله معها إلى نموذج محرقة اليهود، ونموذج قتل الجنود الذين باتت إصاباتهم تحول دون أن يؤدوا واجباتهم العسكرية في الجبهة القتالية أو واجباتهم الإنتاجية في الجبهة الداخلية، وإن كان الأمر لا يخلو من تضخيم دعائي في كلا النموذجين، إما إمعانا في تشويه صورة الخبرة النازية “غير الإنسانية” من وجهة نظري، أو لإسباغ شرعية على هجرة الصهاينة لبلادنا واحتلالها إقليم فلسطين، وما آل إليه الحال إثر ذلك من إقامة للدولة الصهيونية المعادية للإنسان بقدر عدائها لمفهوم النهضة الإقليمية.

كان لي شرف أن أحتك بهذه المدرسة في مقتبل حياتي العملية في مطلع التسعينيات، حين عملت كباحث مساعد إلى جوار أستاذنا الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعتيه: أولاهما اليهود واليهودية والصهيونية، وثانيتهما: موسوعة العلمانية، وكلتاهما بنيت على احتواء الرؤية النقدية ضمن السياق التاريخي والثقافي والسياسي حتى الفكري للمنطقة العربية، وقادته ميدانياً لقيادة “حركة كفاية” في إحدى أحلك اللحظات التاريخية التي كانت تمر بها مصر سياسيا، وانتجت الخبرة الوطنية الجامعة التي نجحت في ضم الحركة للتيار الأساسي للأمة، والنأي بها عن مساعي الاستقطاب التي سادت مصر خلال فترة حكم “إدارة مبارك”.

لقد كان للحداثة مسار سلبي، سواء في بيئتها التي بدأت بخيار التصنيع والتحديث، أو في البيئات التي استوردت أفكار الحداثة، ويبدو أنها لم تبذل الجهد الكافي لاستيعابها تاريخيا، فآل الوضع في مصر إلى مواجهة على خلاف ما أراد المؤسسون الأوائل الذين كان من بينهم علماء للأزهر، من نافلة القول أن نشير منهم لرفاعة الطهطاوي ومحمد عبده.

هذا الحديث العارض لا يصرفني عن التاكيد على تنقيح الحداثة التي أنتجت مسارا إنسانيا، لم يتمكن بطبيعة الحال من إلغاء المسار الأول، لكنه أسهم في ضبطه وتقييده ضمن رؤية وضعت الإنسان في مركز الرؤية المجددة والتي ما فتأت تتجدد. غير أن تأكيدي على المسار الإنساني بدوره لا يثنيني عن الإشارة إلى أن مجزرة رابعة بكل اهوالها، وبكل ما اعتورها من وحشية مفرطة وأنكار لإنسانية ومصرية ضحاياها، إلا أنها ليست تعبيرا عن تطور حداثي بقدر ما تعد تعبيرا عن نمط سلطوي جديد وجد صيغة مساندة ما من “تشكيلات إسلامية”، بعضها سانده حتى ما بعد رابعة، وبعضها استنكف أن يقبل إراقة أنهار الدمار أو أن يخضع لضعوط بتبريرها، حتى وإن كان دفق الإعلام “المباع” لدول عربية، بعضها يطبق الشريعة، وبعضها الآخر يدعي ثقافة إسلامية نوعية متطورة. وهو ما يدعوني انتهاء لوضع “الإشكالية” ضمن السياق الذي أراه مدخلا لمصر المستقبل.

 

الحداثة بين التشيؤ والأنسنة

بقدر ما إن للحداثة أثر ثقافي ينتهي نوعيا إلى تشيؤ الإنسان، وربما تحوله إلى سلعة، تسهل التعاطي معه بصيغة تنزع عنه إنسانيته، إلا أن هذه الصيغة النقدية ربما تُفسر حالات جماعات بشرية نجحت في أن تعزل نفسها بصورة جعلت من الميسور شيطنتها، على نحو ما حدث مع يهود شرق أوروبا، الذين تحولوا إلى ضحايا بني ديانتهم من يهود غرب أوروبا، بعد أن أتوا بفقرهم وفاقتهم، وانعزلوا في جيتوهاتهم، وبسبب ضعف تكوينهم مقارنة بيهود غرب أوروبا الذين تمتعوا بمهارات أسهمت في حراكهم الاجتماعي صعودا لقمة السلمين الاجتماعي والسياسي في غرب أوروبا، ليصبح لدينا نموذجان تاريخيان من نماذج “التعاطي الحداثي” مع الآخر الديني والثقافي، أحدهما في شرق ووسط أوروبا، والآخر في غرب أوروبا قاطبة، حيث تمكن يهود غرب أوروبا، مع قربهم من دوائر القرار، في إحداث تطوير نوعي في النموذج الاستعماري الغربي، بإنشاء “دولة خادمة للاستعمار” على غرار شركة الهند الشرقية تتولى إدارة المصالح الغربية في أقاليم جنوب المتوسط التي بدا وكأنها في طريقها للاستقلال بعد معرفة المنطقة للمد الغربي، وكان أن نتج الكيان الصهيوني بين ظهرانينا.

ولا يفوتنا في هذا المقام العروج سريعاً على الخبرة الاستعمارية الغربية التي تُمثل أحد أبرز تجليات الحداثة في نظرتها للآخر الحضاري. إلا أن هذا لا يعني أن ضحايا الحداثة كانوا فقط ذلك الآخر الحضاري والديني والثقافي، فأهم ضحايا هذه الحركة كان العمال الغربيون أنفسهم، وهو ما قاد لتحولات تصحيحية في مسار الحداثة، أفضت لحداثة متأخرة وما بعد حداثة كان لها أثرها الإصلاحي. ففي النهاية، لا يسقط إلا الفكر الجامد على نحو ما أصاب الخبرتين الفاشية والنازية في أوروبا وكذلك كان حال الاتحاد السوفيتي.

مآسي العمال والمرأة في الحضارة الغربية عززت التيارات النقدية، والتي كان من بين معالم صفها الثاني زيجموت بومان، الذي عرض الدكتور سعيد الحاج لكتابه الذي تناول علاقة الحداثة بالهولوكوست، غير أن نتاجاً أدبياً هائلاً برز في الاتحاد السوفيتي السابق، وتطور نحو مدرسة في علم الاجتماع كان من أبرز روادها هربرت مركيوز ويوريجين يوركهايمر، وامتدت عبر الجغرافيا والتاريخ لنجد أليكس كارليل ومارجريت ميد وحتى يوريجين هابرماس أبرز نجوم الرعيل الثاني لمدرسة فرانكفورت، وامتداداتهم عبر مريديهم وتلاميذهم، وغيرها من المدارس والإسهامات الفلسفية والتطبيقية التي قدمت نقداً أسهم في تقويم مسار الحداثة، وأنتج ما يُعرف الآن بـ”الحلم الغربي”، والذي جعل مهد الحداثة ملاذا لملايين اللاجئين العرب والمسلمين الفارين بحيواتهم ودينهم وحتى أفكارهم، ومن بينهم إسلاميون كذلك!

الحداثة في إصداراتها المتأخرة هي التي وفرت مفهوم “المواطنة” كأساس لتقييد علاقة السلطة الغربية بالمحكومين، ثم ضبطت علاقة الحاكم بالمواطن، وألزمت الحاكم بالنظر للمواطن باعتباره مصدر السيادة، ومصدر السلطة، والممول الأساسي لها عبر ما يقدمه لها من ضرائب.

نفس الحداثة هي ما أنتجت مفهوم المصلحة الوطنية، وأنتجت مفهوم التوافق ليكون ضامنا لصيغة المصلحة الوطنية، بحيث لا تصير نهباً لأهواء هذا الحاكم أو ذاك، ودعمت ذلك المفهوم بجملة من المفاهيم مثل سيادة القانون والفصل بين السلطات، فأدت لتعزيز الواقع المؤسسي المساند برؤية للحوكمة أنتجت مؤسسات فاعلة.

هذه الحالة المؤسسية الحداثية هي التي تمنع اليوم حاكما مثل “دونالد ترامب” من العبث بالدولة الأمريكية وقيمها وفق أهوائه، وهي للمفارقة، التي منعته من تنفيذ الأمر التنفيذي الذي قضى بمنع مواطني سبع دول إسلامية من دخول الولايات المتحدة، كما لا تزال تحاصره وتحاصر علاقات مصالحه الاقتصادية مع روسيا وبعض الدول العربية، وتحول دون طغيان هذه المصالح على المصالح الأمريكية وقيم الدولة في الداخل، وربما بعض المساحة الحقوقية في الخارج. ومعروف أن حماية مصالح وحقوق العرب والمسلمين ليست من مسؤولية المؤسسات الحكومية الغربية، بل يفترض أنها مسؤولية حكامنا العرب والمسلمين.

هذه المؤسسات، للمفارقة أيضا، هي التي تحمي الوجود المسلم في أوروبا، برغم هذه الموجة العاتية من الإرهاب المقيت التي تضرب إقليم أوروبا في أكثر من دولة، في صورة مقيتة تستهدف المدنيين الأبرياء العزل أكثر مما تستهدف من العسكرييين أو من الشركات متعدية الجنسية التي تلعب دورا هاما في بناء شبكات المصالح مع المستبدين العرب. أقول هذا برغم رفضي الشخصي لكافة أشكال العنف، حيث إن عنف الشركات المتعدية للجنسية ضد حضارتنا وضد دول الجنوب بشكل عام أكثر وحشية وظلما وظلامية، وبرغم هذا يظل منطق العنف الموجه للمدنيين أكثر بشاعة بشكل عام، من حيث ضرره على كل البشر، ناهيك عن كونه أشد إضرارا بالمصالح الوجودية لكل المسلمين الغربيين.

 

الهولوكوست المصري

الإصرار على العزلة واستمرار الانقسام المريض داخل المجتمع المصري على خلفية الاستقطاب أراه جريمة. ليس البديل أبدا أن يحدث تنازل، بل البديل هو الوعي. العقل الجمعي المصري لن يتعافى إلا على أساس الإقرار بالحق في الاختلاف، وصيانته على مستوى عالم الأفكار والسياسات. الدعوة إلى الله تعالى حق لكل مسلم، لكنها لا تخول الإجبار والإكراه في الدين الذي حرمه الله تعالى. فما الحل إذا ما اختلفنا؟ هل نظل نتقاتل بينما ينعم المستبدون والفاسدون بموارد بلادنا ويحرمون منها مواطنينا؟ الإصرار على المضي في دعم الاستبداد باستمرار إضعاف المجتمعات العربية والإسلامية جريمة؛ ليس فقط أمام التاريخ، بل أمام الله أيضا. إن حرية الإيمان بالعيش في إطار يتسم بالتفاهم والتسامح أولى وأكثر فائدة من تدين منقوص يصنع على عين الحاكم ويصاغ بمفردات هواه.

في هذا السياق، لابد من رفض الإصرار على وضع الإسلام في مواجهة الحداثة في إطار معركة وجود. المراد معركة صياغة تفاهم مشترك. يعقبها صياغة قواعد عيش مشتركة، على مستوى السياسات والبرامج، تتيح الإيمان ومقتضياته لمن أراد بقدر ما تتيح الحرية لمن أراد سلوك غير هذا السبيل. تلك كانت رسالة “مجزرة رابعة”.

ربما أراد المستبد عبر “مجزرة رابعة” أن يوفر سابقة عنف رادعة لكل من تسول له نفسه، من الجماهير أو القوى السياسية، أن يجرح الصمت حيال مسالك المستبد في مصادرة المجال العام بما يشتمله من حقوق وحريات وواجبات تلزمه بقدر واجبات أخرى تلزم المواطن. غير أن رسالة “مجزرة رابعة” نفسها تمثلت في ضرورة صياغة قواعد العيش المشترك، وعدم الاستخفاف بما يملكه الآخر من ركائز قوة مختلفة، حتى وإن افتقرت – جدلا – للعدد والتنظيم، من شأنها أن تؤدي إلى استمرار التضحية بمجموعة من المواطنين يحملون فكرا إسلاميا، وإقصائهم خارج دائرة الوطن، وتبرير التنكيل بهم أمام العامة، بعد استغلال أحاديتهم ضدهم، وتشويههم بناء على هذه الأحادية التي تنفي حق الآخر في سنة وجودية مستخلصة من شأن الله في خلقه، تسمى التعددية التي لا تعني بالضرورة خضوع الأقلية لأغلبية لم تصغ بعد رؤية واضحة لمنهج التعامل مع الآخر، وتجليات هذه الرؤية في ما يمكن أن يطرح من برامج وسياسات.

هناك حديث يتزايد اليوم عن زيادة عدد اللاأدريين في مصر والعالم العربي، ويماثله زيادة في عدد الملحدين، والفارق بينهما في الحضور العددي. ويمكننا القول ابتداء بأن السبب المباشر وراء هذه الزيادة تغييب الأزهر وغياب الإسلاميين عن المجال العام، مع استثناءات قليلة. ويمكننا التأكيد على أن المنطقة تسير الآن باتجاه العمل على تأسيس ديكتاتوريات علمانية لا مكان فيها لمعارضة إسلامية. وبالقطع، هناك استغلال مبتذل لما تمارسه الجماعات الإرهابية لتحقيق غرض الحكومات العربية التي تتولى قيادة الوضع الإقليمي الراهن وتدفعه باتجاه استئصال الإسلاميين، واستبقاء تيار تدين يُسبِح بحمد الديكتاتوريات الآخذة في دعم مواقعها.

لكن دعونا نسمع ما قد لا يسرنا؛ السبب الأساسي وراء هذه الحالة المتمددة من إنكار حق الامة في إطلاق طاقات دينها الهائلة هو تقاعس الإسلاميين عن التبكير بامتلاك وسائط إعلام فاعلة، كما أن سببه التقتير الشديد السابق في الإنفاق على “مراكز التفكير”، وإقصاء الرؤى التي تقدم استجابات فعالة لتحديات الواقع وضغوطه. لكن المقام هنا يدفعني للتنبيه إلى أن الوضع في مصر اليوم يتجاوز زيادة نسبة الإلحاد واللاأدرية باتجاه بناء تيار أساسي يضعف فيه المكون الإسلامي الغائب، مع تراخ إسلامي واضح في إقامة جسور التواصل مع الحالة الآخذة في الاتساع داخليا، وهو ما ينذر بأزمة اندماج أكبر في الآفاق حتى تتخلص مصر من عبء إدارة 3 يوليو.

أعلم، شأني شأن أي مراقب للحركات الإسلامية، أن ضعف استجابة الحركات الإسلامية في مصر للتحديات التي سبقت 2011 مرده إلى ضعف المجال العام وانسداد آفاقه، وهو ما عمق أزمة الهوية في مصر عبر مسارات مختلفة من ضغوط السلطة والأخطاء المتبادلة لشركاء الوطن، وهو ما قاد بدوره لانجرار قطاع واسع من الإسلاميين في براثن الترييف، وأسر توجهات التسلف والقطبية، وصادفه في ذلك حالة تجديد فكرية تأثرت بنفس المنطلقات، فتعمقت الأزمة، واتسع معها الفتق على الراتق، وتوجه الجميع نحو أقرب الصخور وأشبعوها نطحا أفضى لواقع 3 يوليو.

 

الاستبداد لا الحداثة

قلت في مطلع هذه المقالة أنها لا تعنى بالرد بقدر ما تعنى بمحاولة تقديم اجتهاد يجعلنا نبتعد عن وضع مشاجب (شماعات) تفسيرية لا تسمن ولا تغني من وضع مأزوم، إن لم تزد حدة تأزمه وتمزقه. هنا أقول إن الحداثة على الأرجح تُمثِل تحدياً، لكنها ليست العدو، وليست العامل التفسيري الأبرز والأكثر تسببا في إنتاج الأزمة. العامل المفسر والعدو في آن هو الاستبداد. فهذه الحالة الاستبدادية التي نكابدها، تماماً كما كابدتها أوروبا من قبل وكابدتها آسيا السوفيتية/ الروسية والصينية أيضا هي المتسبب في نفي المواطنة عن المواطنين، ليس في مصر وحدها. فبالنظر إلى الأزمة الخليجية الراهنة، وذلك التحزب الخليجي الجزئي ضد دولة قطر، نجد أن دولة مثل الإمارات أسقطت الجنسية عن نحو 100 من مواطنيها بسبب أزمة دولية مختلقة، اخترعتها أهواء نظم الحكم، وعذبت بسببها مواطنين لها ومصالحهم كما مصالح الشركات المقامة على أراضيها. هكذا الاستبداد يصنع في أوطاننا، يحولهم إلى قطعان أنعام ليس لها إلا الطعام والشراب والنوم، إن تحصلوا على هذه المطالب الأساسية.

المطالع لخبرات الذكرى الرابعة لأحداث 30 يونيو يُدرك كم أن المشاركين فيها يعانون عذابات مرة بسبب مشاركتهم بها، لا لنقمة منهم عليها بقدر ما إنها أضحت معبرا إلى “مجزرة رابعة”. والجل الكاسح ممن ما زال يتمسك منهم بهذه الحركة أعلنها صريحة مدوية بأنه رفض إراقة الدم المصري، وأنه لم يتوقع أن تؤول الحركة إلى ما آلت إليه من استبداد وإهدار للدم الزكي. وبلغ الأمر حد أن قام أحد قادة هذه الحركة بضرب نفسه بالحذاء أمام عدسة كاميرا لما آل إليه الوضع بعد 3 يوليو. هكذا تصرفت النخبة الحداثية المصرية جراء خطأ هي فيه شريكة بقدر مسؤولية الإسلاميين عما آل إليه حال مصر بسبب “تخوفاتهم الهوياتية”، وضعف ثقتهم بالآخر الذي انعزلوا عنه على نحو أضر بمستقبل مصر وبدماء الشباب الزكي الطاهر الذي يعاني السجن والتهجير بعدما عانى الغيلة في رابعة وأخواتها.

إن الاستبداد هو التفسير لتدهور وضع مصر. هو العدو. وأية محاولة تستبدل به أي مفهوم آخر تعكس أن صاحبها إما غريب عن المشهد أو متفائل بحاله أو بمآله. اليوم، تشهد مصر مخاض استعادة التيار الأساسي الذي طمرته أحداث 3 يوليو، وتعمل بقوة للإفلات من أسر التصور الدعائي الهوياتي المريض “إحنا شعب وانتو شعب”، وتدعو للتأكيد على المواطنة كمصدر لرفض الإقصاء ونفي الآخر “الإسلامي”. وكل محاولة لتغييب الاستبداد أو البحث عن تفسير في غيره لمآسي مصر ومواطنيها محض نكوص عن الشراكة سينتج أزمات أقسى في المستقبل1.

———————

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية “.

في الهولوكوست والحداثة ورسائل مجزرة رابعة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *