fbpx
قلم وميدان

في سوريا .. أي شيء أفضل من الإسلام

في سوريا أي شيء أفضل من الإسلام

(1) ضمن أقل بلدان العالم في تكلفة المعيشة، “حيث تستطيع التخلي عن كل شيء والبدء من جديد”، كالمغرب وكوستاريكا وجزر برمودا، تلك البلاد حيث يمكنك افتتاح مقهى على البحر والشعور بالسعادة بينما تقف حافيا على الرمال، قامت الصحيفة الإيطالية اليومية الكبرى لا ريبوبليكا باقتراح سوريا. فمن كان يُعقل أن يَقترح البوسنة في التسعينيات من القرن العشرين؟

وفقا لأعلى التقديرات، حصدت الحروب في يوغوسلافيا السابقة مجتمعةً 250,000 من الضحايا، أي نصف عدد ضحايا سوريا. لكن على الرغم من مرور عشرين عاما، لا زالت تطاردنا ذكريات لا تحصى لتلك الحروب. حصار ساراييفو، ومذبحة سريبرينيتشا، وانهيار جسر موستار القديم. أولئك الذين كانوا في المدرسة آنذاك، مثلي، درسوا “مذكرات زلاتا” آن فرانك الجديدة. ما الذي تغير منذ ذلك الوقت؟ منذ سنوات حرب البوسنة، أو الاحتجاجات على الحرب على العراق في 2003، حين نزل 15 مليون شخص إلى شوارع 600 مدينة، ضد الحرب دونما استثناءات أو تحفظات؟ ما الذي تغير؟ حتى منذ الحرب الأخيرة على غزة، حين اجتاحت الاحتجاجات العالم؟ بينما تقرأ هذه السطور، يُقتل سوري كل 25 دقيقة. بعد خمس سنوات هناك نحو 500 ألف قتيل، كيف لا زلنا كصحفيين نُسأل: حلب؟ وأين هي؟

في أبريل 2016، وبعد أن استهدفت غارة جوية من بين غارات لا تحصى أحد المستشفيات في حلب، وبعد أن قُتل طبيب الأطفال الوحيد المتبقي في مناطق المدينة التي يسيطر عليها الثوار، استجدى السوريون الدعم العالمي بحملة “#حلب_تحترق”: لكن رأينا في ميادين العالم بضعة أعلام فقط. من السهل بمكان أن ندعي أن الحركة الساعية للسلام، وأن الحركات بشكل عام، هي في انحدار. إنه ادعاء مريح للغاية. وليس فقط لأنه خاطئ إذا ما وُضع في إطار أوسع، فإن فكرنا بحركة “أوكيوباي” (Occupy) مثلا، فهذا الادعاء خاطئ في هذه الحالة بالتحديد. وفي كوباني أبدى الناس تضامنهم بشكل واسع. وروج آفا، كردستان السورية، تعد نموذجا للديمقراطية، والنشطاء من كل مكان منخرطون في عدد من الأنشطة ليس فقط في بلادهم بل في كردستان ذاتها. ليس صحيحا أن الحركة الساعية للسلام قد اندثرت. لكنها في سوريا ببساطة تقف مع الأسد.

تقف مع الرجل الذي لجأ لأي سلاح ممكن ضد السوريين، حتى الأسلحة الكيماوية وحتى التجويع؛ الرجل الذي استعمل البراميل المتفجرة، والذي أمر بضرب كل شيء وكل شخص، سوى الدولة الإسلامية، الرجل الذي قتل أو جرح 11.5 بالمائة من الشعب الذي يتظاهر بحكمه. ومع ذلك لا يزال يعتبر المفسدة الأخف. لماذا؟

لأن أي شيء أفضل من الإسلام. وليست المسألة فقط أن لا أحد يأبه بأن أكثر من نصف السوريين إما مهجرون أو لاجئون، ولا أن أربعة من بين كل خمسة يعيشون تحت خط الفقر، ولا أن مليونا منهم، حاليا، يعيشون على الأعشاب ومياه المطر، بل كذلك أنه لا يهم حتى أن الأسد، من الناحية العسكرية، يقاوم فقط بفضل الدعم الخارجي، بالضبط كحال من يحتقرهم من خصومه. من دون حزب الله، وروسيا، وإيران، وعشرات المرتزقة – وحتى بهم في الواقع، ومع تفوقه الجوي – فإن الأسد لا يفوز في هذه الحرب. لكن لا يهم أننا نُبقي في السلطة رجلا لا سلطة فعلية لديه. لا يهم. لأن الأسد علماني، وهذا كل ما يهم بالنسبة لنا.

الأسبوع الماضي قمت بتغريد صورة التقطتها لنفسها صحفية موالية للأسد تدعى كنانة علوش، كانت تبتسم وخلفها عدد من الجثث، تلقيت مئات الشتائم، رد على الناس بأن هؤلاء ليسوا سوريين: هؤلاء إرهابيون. وماذا يعني ذلك؟ وحتى لو كانوا إرهابيين؟ هل بررنا صور أبو غريب، فقط لأن السجناء كانوا من القاعدة؟

يُقال لنا أن العالم يقف ساكنا إزاء المأساة السورية. أتمنى لو كان ذلك صحيحا. الآن تدخلت روسيا – ومن الواضح أنها تدخلت بموافقة الولايات المتحدة الضمنية؛ لكن سوريا قد شهدت قبل ذلك تدخُل العديد من الدول، لأن فتح الحدود في الحرب أو غلقها – كما هو حال تركيا – هو شكل، بل وشكل قوي، من أشكال التدخل. في سوريا، الطرف الوحيد الذي وقف ساكنا هو المجتمع المدني الدولي، الذي يناط به دور أساسي في الواقع، لأن محادثات جنيف لم تهدف أبدا لهدنة، بل للحد من الاقتتال.

وهذا قد يعني نتيجتين متناقضتين. بالنسبة لأحدهم، ولا جدوى من إنكار ذلك، فالهدنة وسيلة لدعم الأسد من خلال اتفاقيات محلية لوقف إطلاق النار تساعده على التركيز على مناطق استراتيجية، واحدة تلو الأخرى، وخوض كل حرب على حدة – وخاصة أن هذه الاتفاقيات تستثني “الإرهابيين” دونما تحديد: أي أنها تسمح للأسد بإلقاء القنابل على من يشاء. ولكن للآخرين، هذه المحادثات هي جهود حقيقية نحو السلام، مبنية على فكرة أنه توجد الكثير من الجماعات المسلحة حاليا، على جانبي خط النار، وهم كثر ومشرذمون لدرجة يصعب معها التوصل لاتفاق شامل.

أو بعبارة أخرى، أن أحدا، سواء الأسد أو الثوار، لم يعد لديه القوة الكافية، والأهم من ذلك التأييد الشعبي الكافي، ليحكم البلاد؛ وأننا بحاجة إلى بديل – نحن بحاجة إلى إقناع السوريين بالعودة إلى وطنهم واستعادة دورهم في تقرير مصير سوريا. ولهذا السبب يناط بالمجتمع المدني الدولي دور أساسي، لأن علينا تقوية المجتمع المدني السوري. نحن نستخدمه فقط لتوصيل الدعم الإنساني؛ علينا أن نساعده على تنظيم صفوفه وبناء هياكله، بذات المبادرات التمكينية التي يطلقها الآن النشطاء من كل مكان مع الأكراد، ومع الفلسطينيين، والعراقيين، والتونسيين، والأفغان. لكن السوريين عوضا عن ذلك وحدهم. وحدهم تماما.

لماذا؟ لنكن صرحاء. إنهم وحدهم لأننا نعتقد بأن سوريا إن تحولت إلى ديمقراطية، فإن الإسلاميين سيفوزون بالانتخابات، كما في مصر. ونحن نُفضل الأصوات الانتخابية فقط عندما نُفضل الناخبين، التجربة في الحقيقة تفيد بأن الإسلاميين فور وصولهم إلى السلطة يقدمون أداء ضعيفاً لنهزمَهم. من المنطقي أكثر أن نتركهم يحكمون وننتظر للانتخابات التالية – لكن المشكلة هنا أعمق.

وهي عجزنا التام عن أن نواجه أنفسنا حقا حيال أولئك المختلفين عنا. بعيدا عن الكلام البلاغي عن التنوع الثقافي والتسامح – المشكلة هي عجزنا التام عن مواجهة أنفسنا حيال الإسلاميين. وبالتأكيد لا أتحدث عن القاعدة والجهاديين. أنا أتحدث عن الآخرين جميعا، عن كل تلك الحركات الإسلامية التي ننكر وجودها وحجمها داخل مجتمعاتها – ناهيك عن أن نتقبل دورها السياسي. صحيح أن أفكارهم تكون غالبا بعيدة عن أفكارنا. لكن ذلك صراع ثقافي. صراع حول الأفكار وأساليب الحياة، وأحيانا بالطبع حول الحقوق وحول الحرية. لكن كيف نفكر بالفوز فيه؟ من خلال القتل الجماعي؟ أم من خلال محاولة إقناع الآخرين بأسبابنا ربما؟

لكن تكلفة ذلك كبيرة، هي تكلفة الانخراط الحقيقي في تلك الدول وقضاء الوقت في أحيائها الفقيرة، بين الجوع والظلم والاغتراب والغضب، وليس بين النخب التي تجيد الإنجليزية، اللطفاء المثقفون الذين يشبهوننا كثيرا؛ هي تكلفة مواجهة أنفسنا حيال أولئك الذين يُثير تنوعهم التساؤلات حول قيمنا وسياساتنا، أولئك الذين يكشفون عيوبنا، هي تكلفة إدراك أنك إن نشأت في إيطاليا برلسكوني، فإنك لست ذلك المثال المثير للإعجاب لتحرير المرأة. هي تكلفة تذكر أن الأمر – كما كان يقول الفيلسوف نوربرتو بوبيو – ليس أبدا حريتنا مقابل اضطهادهم: بل هي مسألة أشكال مختلفة من الحرية وأشكال مختلفة من الاضطهاد.

هي تكلفة 500،000 قتيل.

——————————-

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close