fbpx
تحليلاتقلم وميدان

في متطلبات التغيير الحضاري: الاستراتيجيات والسياسات الجزء 3

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تمهيد

أنقل هنا عن مخطط عكف على إعداده مركز الحضارة للدراسات السياسية (2009) لتقديم تصور استراتيجي عن النهوض يستكمل ما سبق تقديمه في إصدارات حولية “أمتي في العالم”، وانطلاقًا من طبيعة الحالة الراهنة حينئذٍ في مصر والعالم العربي والتي كان يسيطر عليها تراجع خطى التغيير وخمود جذوة الإصلاح بعد اشتدادها. كان محور هذا المخطط ومنطلقة هو كيفية تجديد أنماط الاستجابات الإستراتيجية وضرورة الحديث عن كيفيات الإصلاح (أي عن الحاضر الغائب دائمًا: كيفية الانتقال من الرؤى إلى التطبيق) (1).

(بداية الاقتباس) “وفي هذا الصدد قدم المخطط الأفكار التالية:

1-الخط الذي ينبغي الشروع فيه يشتمل على ثلاث ضرورات:

– ضرورة بيان حال الوعي بالتحديات ورصد الخرائط الإدراكية الخاصة بها لدى النخب والجماهير؛ وذلك في سبيل إيقاظ هذا الوعي وتقويم هذه الخرائط.

– ضرورة بناء القدرة على إنتاج الاستجابات الصحيحة والصالحة المكافئة للتحديات؛ والتعرف على أنماط الاستجابات السالبة والسلبية، وتعديلها أو تحويلها أو إيقافها.

– ضرورة تأسيس استراتيجيات وفكر استراتيجي طويل المدى واسع المجال؛ من أجل استشراف مستقبل الأمة ضمن مشروع حضاري متكامل؛ يبدأ بالرؤية الكلية ويتحرك صوب القطاعات والمجالات النوعية، يرصد تحدياتها، ويقوّم الاستجابات لها، ويؤسّس لاستراتيجيات التعامل البنّاء معها.

2-ومن ثم، اقترح أن تُقدّم الرؤية الكلية التأسيسية التي تنبني –بدورها-على تلخيص ونقد لمجموعة التحديات والاستجابات التي رصدتها الحولية عبر أعداها السبعة الأولى، وأعمال رصدية استراتيجية موازنة. هذه الرؤية الكلية المعنية بكيفيات الإصلاح: مناهج، واستراتيجيات، وسياساتٍ، وإبداعًا، تشتمل على رسمٍ للخرائط الإدراكية الخاصة بتحديات الأمة وأنماط الاستجابات لها، ومناهج بناء الاستجابات الإيجابية الفعّالة، استراتيجيات الإصلاح والنهوض الحضارية:

– كيف تدرك النخبة والجماهير تحديات الأمة وأولوياتها وأنماط الاستجابات الفعلية وسماتها؟

– ما استراتيجيات الإصلاح والتغيير القائمة والتي يقدمها الداخل أو يقُحمها علينا الخارج؟

– “كيفية بناء مشروع حضاري للتغيير والإصلاح؟”.

– هل قَدّم أحدهم/ أو بعض المؤسسات مشروعًا حضاريًّا للإصلاح؟

– هل؟ ومن؟ ومتى؟ وكيف؟

– ما سمات هذه المشروعات؟ هل هي مشروعات استراتيجية مستقبلية؟ أم أنها تكرر رصدًا وتشخيصًا دون طرح سيناريوهات محددة للعمل؟ ولعل هذا ما تم في هذه الدراسة الاستكشافية التي بين أيدينا والتي نحن بصدد خاتمتها.

– كيفية تقديم رؤية إبداعية تجديدية للاستجابات والاستراتيجيات من أجل المواجهة والإصلاح.

وفي هذا تم التنبيه –بل التحذير-من الوقوف عند حدّ رصد التحديات، أو الاقتصار على العمل التنظيري أو التأصيلي، أو طرح الأفكار العامة، أو الاكتفاء بالدعوة إلى التغيير والإصلاح، وضرورة التأكيد على أن “الكيفيات” هي الهدف، وأن إبداع حلول للمشكلات ومخارج للأزمات هو المطلوب.

وفي هذا جرى نقاشٌ حول ماهية “المشروع الحضاري” ومناطه: الأمة أم الدولة؟ الفرد أم الجماعة؟ السياسي أم الاجتماعي؟ الديني أم المدني؟ الداخل أم الخارج؟ … وما إلى ذلك من ثنائيات شاع التصارع بها وعليها ومنها. وكانت خلاصة هذا النقاش أنه إذا كانت الرؤية الإسلامية قد أرست قاعدة اجتماعية عامة تزرع في كل فرد فيها المسئولية والدافعية لتغيير السلبي ومواجهة التحدي من خلال الوصية والتنبيه النبوي الجامع: “كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته…”، فإن الفرد أو الإنسان المسلم هو مناط التغيير والإصلاح ومنطلقة في مشهد الأمة الحضاري الراهن. ومن ثم، فإن استقصاء هذا العدد للخرائط الإدراكية لوعي أطراف الأمة من نخب فكرية وعلمية وسياسية، وقبلها وبعدها وعي المواطن ورجل الشارع العادي بخرائط تحديات الأمة واستجاباتها وآليات تحقيق استراتيجياتها النهضوية الإصلاحية، يمثل خطوة أساسية في بناء مشروع حضاري إسلامي يستهدف فكَّ شفرة قابلية الانقسام المشهودة وإصلاح هذه القابلية لدى الإنسان المسلم –باعتبارها خطوة أولية تأسيسية-وجعله مفتاحًا للخير والتحضر مغلاقًا للشر والتعثر، قادرًا على تقديم إجابات لتساؤلات على نحو:

– أسباب عدم قدرة عالم المسلمين وأمتهم على إبداع حلول للمشكلات، وتنفيذها في واقعهم الحضاري المتأزم.

– كيف يكون التغيير للأصلح؟ وما منطلقة؟

– وما حجم إصرارنا على إنجازه؟

– وبأي مستوىً نبدأ…؟

-كيف يمكن أن نحوّل قابليات الأمة للاختراق والتبعية إلى ممانعات ومواطن مقاومة؟ وكيف نحسِّن كفاءة تفكيرنا لكي نحول الضغوط والتحديات إلى فرصٍ وإمكانات؟

3-تفعيل المداخل المنهاجية التي أنتجها التنظير في المنظور الحضاري. وذلك من قبيل مدخل القيم، ومدخل الأنساق المعرفية المتقابلة، والنموذج المعرفي التوحيدي، والمنظور المعرفي، وفلسفة التغيير، والمدخل السُّفني، والأنماط التاريخية للعلاقات الدولية، ومدخل الأمة القطب، ومدخل المقاصد، ومدخل السُّنن، ومدخل التحديات والاستجابات.

وعقد حلقات نقاشية حول الموضوعات الفرعية يحضرها خبراء متخصصون وأساتذة لطرح رؤاهم العملية حول إجراءات واستراتيجيات التغيير، على أن يتم تحرير مداخلاتهم والاستفادة منها في إنجاز الملفات والدراسات سواء تلك التي يعدها الباحثون الخبراء، أو شباب الباحثين والتي ينفذها شباب الناشطين.

4- بناء الاستراتيجيات: وقضية بناء الاستراتيجيات الإصلاحية والتغييرية في الأمة، يشار فيها إلى أن المدخل المقاصدي يبرز العديد من القدرات والإمكانيات؛ حيث يشتمل على ثماني نظريات أو عمليات واضحة تتضافر في تحقيق هذا الغرض؛ هي: تحديد المجالات (مجالات التحديات، ومجالات بناء الاستراتيجيات) ثم الأولويات، فالوسط أو الواقع المحيط الذي يعد الفقه فيه ومعرفته جيدًا بحاله ومجاله ومآله (أو آثاره) وفجواته وجسوره من أول خطوات بناء الاستراتيجيات، ثم تحديد المناطات الكفيلة بتسكين ما هو جزئي متعين في كليٍّ يفسره ويكشف عن الكثير من خصائصه، فمراعاة قضية الحفظ بنوعيه (إيجابًا وسلبًا) فبناء الموازين والقيام بالموازنات اللازمة للاختيار بين البدائل الاستراتيجية وإنجازها، ومتابعتها، وتقويمها، ثم فقه الآليات والوسائل الأنسب لإنفاذ الاستراتيجية وتطبيقها، ثم تبين المآلات.

وهذه الاستراتيجيات بهذا التكوين المنهجي توفر إمكانية لبناء: السياسات، فالعلاقات، فالمؤسسات، وقبل كل ذلك بناء وإعداد الإدراكات لكي تتواءم مع المتطلبات الاستراتيجية… الأمر الذي لا يعدم حاجة مستمرة إلى المراجعات ذهابًا وإيابًا تحقيقًا لمعنى “الباحث الأوّاب”.

وفي بناء استراتيجيات الأمة، نعني بمنظومة استراتيجيات بناء الأمة، وهي التي تتكفل بها في الخارج جهات وفعاليات يجيد الغربيون الاستفادة منها؛ من قبيل: مراكز التفكير الاستراتيجي، والحاجات ذات البعد الاجتماعي والإسهام الحضاري، والتقارير الاستراتيجية الكاشفة عن التحديات وعن الفرص، والطارحة للبدائل الأكثر فعالية وكفاءة، والسياسات الواعية لحتميات التغير والتغيير وضرورات المواكبة لها بالتعديل والإصلاح الدائمين، والأطر الدولية والإقليمية التي ينبغي أن تهيّأ لاستقبال عمليات البناء والإصلاح استقبالاً غير معيق ولا مانع ولا قاطع للطريق…

إن عمليات بناء استراتيجيات الأمة يقصد بها منظومة من الأعمال والإجراءات التي تقوم عليها قطاعات الأمة وسائر “إنسانها” من أجل تجميع طاقات الأمة وإمكاناتها –وعيًا وسعيًا-بما يحقق لها استقلال القرار، وتقوية الذات، والاعتصام فيما بين الأجزاء والمكونات.” (انتهى الاقتباس)

وعلى ضوء متطلبات التطهير والبناء، فإن الخطط والبرامج تحتل أولوية لإحداث تغيير، وإن التخطيط الاستراتيجي للتحرك من الفكر إلى التطبيق والتنفيذ مجال حيوي ومهم ولكنه يعاني القصور ويحتاج لمزيد من الانطلاق، وليس العودة مرة أخرى للوقوع في مزالق الحديث عن “المشروع” وليس عن الخطط والسياسات والبرامج.

إن هذا الانطلاق يستلزم أمورًا محددة: رؤى جديدة في القطاعات المفصلية، وروابط في القطاعات بين أصحاب الأدوات والآليات الإبداعية في التنفيذ على كافة المجالات. ومن هنا، وعلى ضوء طبيعة نموذج الثورة ذاته كنموذج حضاري توافقي، لابد وأن نسجل ضرورة بل وحيوية التشبيك بين مستويات ثلاثة: أصحاب الرؤى والأفكار، المخططون الاستراتيجيون، الناشطون المبادرون بالحركة على الأرض. وهو التشبيك الذي يمثل طريقًا ذا اتجاهين (من أول مستوى إلى الثالث عبر الثاني، ثم من الثالث إلى الأول عبر الثاني أيضًا) (2).

خلاصة القول:

إن الدراسة المعمقة حول “مشاريع النهوض الحضاري عبر القرن العشرين”، حاولت فهم حالة التفكير حولها، وجرى الحوار عليها؛ وأوضحت أطروحات هذه المشروعات بإجمال والتي اتسم الكثير منها بالشمول مثل (الجامعة الإسلامية)، وكذلك كيف جاء تركيز أغلب الطروحات على: أسباب ضعف الأمة (الاستعمار والاستبداد والتخلف)، ومحاولة تجاوز النظر إلى الواقع وتطوراته إلى مستقبل أرحب لكن دون استيعاب للواقع نفسه يبرزه خطاب هذه المشروعات (3).

كما اتسم كثير من المشروعات بالتعميم المفرط، والاجتزاء في مداخل الإصلاح: سياسي، أو اقتصادي، أو تربوي، دون ربط، وكذلك العناية بعالم الأفكار دون عوالم المؤسسات والأشخاص والأحداث، وأخيرًا اتسمت أغلب هذه المشروعات بالفصل بين الداخل والخارج بصورةٍ عامة. والخلاصة، أنها تعبر عن جهود فكرية عميقة لكن بلا جهد حقيقي للتقريب من التنفيذ. لقد كانت رؤى الإسلاميين مثلًا في هذا الصدد بارزة ومتراوحة بين الخطاب العام ومشروعات ما أسمي الإسلام السياسي وقابله الديني والتربوي والاجتماعي.

وأمام التساؤل لماذا لم تثمر كثير من المشاريع الفكرية والنهضوية نتيجة حقيقية؟ طرحت تفسيرات تتعلق بالفصل الذي أقامه بعض الرواد بين الديني المجتمعي التربوي وبين الشأن السياسي والاستراتيجي، وضعف اتصال الفكر النهضوي بالواقع، كذلك انطلقت مشروعات من قطيعة إما مع المرجعية والأصل، أو مع جديد العصر.

وفي النهاية، فإننا أمام فرصة تاريخية لإنجاز مشروع نهضوي عملي يبدأ من مصر ويمتد إلى سائر الأمة فالعالم، كما أننا ينبغي أن نستفيد من مثالب التجارب السالفة سواء في المشاريع الفكرية أو الخبرات العملية (كثورات مصر 1919، 1952.)، فالمشروع النهضوي بات في حاجة ماسة إلى الجمع بين الفكر والعمل. الفكر يشمل: الرؤية التأسيسية، والهوية والانتماء الحضاري، ومداخل التغيير، وأولويات المرحلة. والعمل يشمل: التوعية والاتصال بقطاعات المجتمع المختلفة، وآليات عدة: لإنشاء أو تبني كيانات تقوم على تفعيل فكر النهوض، وآليات للتحريك والتحويل من الفكر إلى الحركة، ضمن فقه تدبير عملي، وآليات للتنسيق والتجميع، وآليات ترشيد وحفز.

ختامًا:

إن المناخ الذي خلقته الثورة، الحرية المسئولة، يقدم فرصًا كبيرة. فلقد كسر واستبعد التساؤل عمن يبدأ التغيير الحضاري في ظل حكم مستبد، فإن الثورة الشعبية كسرت الحلقة المفرغة وقدمت نموذجًا للإنسان المصري لابد أن ينتشر ويصبح روحًا سارية في كل مصر.

ولكن حذار أن يعلو مجددًا جانب على جانب من جوانب التغيير الحضاري فنعود إلى دائرة مفرغة من الأولويات الكاذبة؛ الديمقراطية أولا أم العدالة الاجتماعية، الهوية أولا أم الديمقراطية…!

وحذار أن نقفز على قضية هوية الأمة والدولة والمجتمع، فنعود إلى ما لدى الوافد من شكل دون جوهر، ونتمسك بثبات الأصيل دون اجتهاد واعٍ وتجديدي.

وحذار أن ننسى أننا جزء من العالم يؤثر فينا ونؤثر فيه مع الوعي بأننا أمة ذات جوهر حضاري متجدد وعلينا مسؤولية تجاه العالم أيضًا.

وحذار أن نعود إلى الثنائيات الاستقطابية بين مرجعيات النخب والقادة، فلابد أن نتجاوزها ونتحرك نحو توافق مجتمعي لبناء تيار رئيس في الجماعة الوطنية.

وحذار أن نظل أسرى الرؤى والأفكار دون إبداع. فإن الاستجابة لهذه المحاذير وغيرها لابد أن تقود الثورة إلى تغيير حضاري، وليس مجرد تغيير سياسي. إن هذه التحذيرات، على ضوء خبرة الذاكرة الحضارية، إنما تستلزمها حزمة التهديدات التي تحيط بالثورة الآن، وجميعها تتطلب حفز الوعي وتعبئة القدرة الثورية ودعم القدرة على الاستمرار. ولعل في الذاكرة الحضارية ما يضيء طريق المستقبل.

تنويه:

تم نشر هذه الدراسة ضمن إصدارات مركز الحضارة للدراسات السياسية، ونُعيد نشرها على حلقات تعميماً للفائدة، مع حفظ كافة الحقوق لمركز “الحضارة للدراسات السياسية”.

———————————-

الهامش

(1) أعد المخطط وناقشه كل من: المستشار طارق البشري، د. سيف الدين عبد الفتاح، د. نادية مصطفى، أمدحت ماهر الليثي. وصاغ التقرير المنقول عنه أ. مدحت ماهر الليثي المدير التنفيذي لمركز الحضارة للدراسات السياسية

(2) أنظر مبادرات تحالف الفكر الحر الذي يجمع بين أصحاب الرؤى وخبرة التخطيط الاستراتيجي والعمل الحر على موقع مركز الحضارة للدراسات السياسية: http://www.ccps-egypt.com

(3) أنظر تقرير أعده أمدحت ماهر عن حلقة نقاشية نظمها مركز الحضارة للدراسات السياسية في 2/4/2011 حول أسس تحالف وطني للتنمية على ضوء رؤية عن مشروع نهوض حضاري شارك فيها كل من: د. نادية مصطفى – م.إيهاب الفولي – د.بسمة عبد الغفار – د.مجدي سعيد – أ.هشام جعفر – أ.توفيق غانم – د.باكينام الشرقاوي – أ.أيمن شحاتة – أ.عبد الرحمن حمدي – أ.عبد الله عرفان – أ. محمد كمال محمد – مدحت ماهر. وهو متوافر على موقع المركز:http://www.ccps-egypt.com

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close