fbpx
تحليلاتقلم وميدان

في متطلبات التغيير الحضاري: التوجهات والأولويات الجزء 2

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تمهيد

صفات الاستراتيجي الحضاري الإسلامي الوسطى هي سبيل لتجاوز الثنائيات والاختزالات التي سادت حالة الفكر عن مشروعات النهوض والسابق عرضها. كما أن هذه المفاهيم تولد ثلاث مجموعات من المتطلبات: أولها، توجه مستقبل الأمة، وثانيها، أولويات مستويات النهوض ومجالاته، وثالثاها، عملية بناء الاستراتيجية وتحديد السياسات والبرامج.

أولاً: توجه مستقبل الأمة:

لابد وأن يتحدد بناءً على خطوتين:

الأولى: تحديد ما يميز جوهر الحضارة العربية الإسلامية ويصبغها بصبغته، وفهم واستيعاب أهلها لهذا الجوهر ثم كيفية تحويل هذا الجوهر إلى حركة وفعل وسلوك سواء لعلاج خلل قائم في تحديد الجوهر أو الوعي به والقيام عليه، أو سواء لإنشاء كيان حضاري جديد. والملحوظ أن النقص الساري في فكر النهضة هو كيفية ابتكار المستقبل في عالم متغير، ويظل الحاضر الغائب في كافة الاجتهادات هو عملية الانتقال من التفكير إلى الحركة أي كيفية النظر إلى التطبيق والجانب العملي وإمكانية تحويل النظرية إلى واقع ملموس وعلى نحوٍ يتصف بالوضوح والواقعية ومواكبة تحديات الواقع، وأن تكون رؤية عقلانية، وأن تتجه للناس وتحدد آجال زمنية لا تغرق في العموميات لدرجة توقعها في المثاليات ولا تقع في أسر الأجل السريع فتفتقد لكل رابطة مع التحول المطلوب (1).

الخطوة الثانية: رسم سيناريوهات مستقبل الأمة الإسلامية. ومن أبرز الجهود في هذا المجال ما قدمه “سهيل عناية الله” في بحث قيم بعنوان Alternatives Futures for the Islamic Ummah (2).

وهو يميز بين خمسة سيناريوهات:

– السيناريو الأول (perfection of the past): محاولة العالم الإسلامي العودة إلى الذاكرة التاريخية عن “العظمة” من خلال إعادة تكرار ظروف القرن السابع هجريًا. وهذا سيناريو يبدو في نظر معظم المسلمين كنوع من الانحدار وليس النهوض.

– السيناريو الثاني (Divided Islam، Divided world): تزايد الانقسامات داخل العالم الإسلامي، وحرب مع الغرب وبين الدول المسلمة أنفسها وبين طوائف الإسلام. وهذا سيناريو للانحدار المأساوي يتم ببطء.

– السيناريو الثالث (The liner ascent): يتبع العالم الإسلامي من خلال الإسلام الخط الصاعد ويصبح جزءً من العالم الحداثي العلماني.

– السيناريو الرابع (A pendulum shift): يتداول فيه المسلمون والغرب المواقع صعودًا وهبوطًا.

– والسيناريو الخامس (Virtuous spiral): يتصور حداثة بديلة للعالم الإسلامي، وكذلك مستقبل عالمي بديل بحيث تصبح التعددية داخل الإسلام وفي النظام العالمي قيمة أصيلة. ومن ثم، يصبح الإسلام جزء من البيئة العالمية المشاركة والحوكمة العالمية، وعلى نحوٍ يقدم حلولًا للأمة العالمية في الأفكار والسيادة والسياسة.

وهكذا، فإن سيناريوهات “سهيل عناية الله” الخمسة قد لمست عصبًا أساسيًّا كان مفقودًا بالكامل في الأدبيات التي انشغلت بالنهوض والنهضة، ألا وهو وجهة النهوض وتوجهه: نحو أي سيناريو؟ فمما لا شك فيه أن تحديد جهة النهوض أو النهضة شرط ضروري لابد وأن ينعكس على طبيعة التصور الاستراتيجي عن كيفية النهوض: فهل الغاية إحياء الماضي الذي يتطلب سقوط الحضارة الغربية؟! أم مواجهة حالة “الاستيعاب” الجارية في النظام العولمي؟! أم نهوض في ظل عالم متعدد؟! أم…

بعبارة أخرى، فإن “سهيل عناية الله” قد ركز الضوء على حاضر غائب في خلفيات كل الجهود الباحثة في مشروع نهوض، وعلى نحوٍ يبين كيف أن السيناريو الخامس هو السيناريو الذي يرشحه “عناية الله”، وآخرون، وهو على عكس تيارات حركية تراهن على سقوط الحضارة الغربية كشرطٍ لنهوض إسلامي جديد. في حين تراهن تيارات أخرى أن بمقدور الإسلام أن يقدم حلول لمشاكل العالم بأسره، فلديه الكثير ليقدمه للعالم الحديث في أزمته الراهنة، (ومن أمثالهم: منى أبو الفضل، أحمد داوود أوغلو، أحمد كمال أبو المجد).

والجدير بالإشارة أن د. زكي الميلاد (3)، قد نقد بقوة أسانيد الاتجاه الذي يرى أن البديل الحضاري الإسلامي هو البديل الحتمي للحضارة الغربية التي لابد وأن تنهار، جزمًا بأن البديل الإسلامي هو البديل الحتمي للنظام العالمي القائم. وبالتالي، يرفض الميلاد بذلك إطلاق الحتميات بدون توضيح الأسباب والعوامل؛ على أساس أن الإيمان بالجانب العقيدي وإن كان الأساس إلا أنه لا يغني عن (ولا يجدر أن) ينفصل عن السنن المحركة للنهوض، ولا عن برامج الفعل والعمل. وتلك الأخيرة هي التي تنقصنا في العالم العربي والإسلامي.

بعبارة أخرى، فإن تيارًا كبيرًا من المفكرين المهتمين بالمشروع الحضاري الإسلامي يتوافقون على السيناريو الخامس الذي قدمه “سهيل عناية الله”.

كيف يمكن تنفيذ هذا السيناريو؟ وما البرامج والخطط اللازمة، ومَنْ يقود هذا المشروع الحضاري على صعيد الأمة؟

فمما لا شك فيه، على سبيل المثال، أن نهج كل من إيران وتركيا والسعودية ومصر يعكس توجهًا مختلفًا نحو مستقبل وضع العالم الإسلامي في النظام الدولي… إذن، ما الذي يرجح كفة سيناريو على آخر من سيناريوهات المستقبل؟

ومن ثم، كيف يمكن أن نخطط لمشروع نهوض يتخطى مرحلة التأصيل العام نحو حركة فعلية دون أن يكون هناك –على مستوى الحركة-توافق على السيناريو المأمول؟

وحيث تظل منظمة المؤتمر الإسلامي مجرد ساحة لجمع شمل الفرقاء، وعلى ضوء كل جهود تقويم أدائها، مقارنةً بغيرها من التنظيمات التي نجحت في تحقيق توافق على سيناريو وعلى مشروع نهوض مثل الاتحاد الأوروبي، فسيظل السؤال السابق طرحه قائمًا يحتاج إلى إجابة. وعلى الأساتذة المفكرين والمحللين المهتمين بهذا الأمر –من داخل العالم الإسلامي وخارجه– أن يقدموا له إجابة. فكيف يمكن أن نخطط مشروع دون تحديد وجهة ودون تحديد قيادة ومن ثم دون تحديد برامج وخطط عمل تتجاوز مجرد الشائع من التفكير حول القواعد والمبادئ والأسس الفكرية والتأصيلية؟

إذن، أليس اندلاع الثورات العربية 2011، وخاصةً الثورة المصرية يقدم آفاق أمام الإجابة عن هذه الأسئلة؟ وأليس مستقبل نجاح الثورة المصرية محكًا لتوافر القيادة اللازمة للأمة في المرحلة المقبلة”؟ أليست الثورة المصرية منطلقًا لاستعادة دور مصر القيادي في الدائرة العربية والإسلامية ونحو دور يشارك في متطلبات التغيير العالمي نحو عالم أكثر عدالة إنسانية؟ إن تفرد نموذج الثورة المصرية والمخزون الحضاري لشعب مصر لابد أن ينعكس في مصر جديدة تؤمن بدورها الحضاري وتستعيد ما كان لهذا الدور من تأثير في مراحل سابقة عبر تاريخ الأمة العربية والإسلامية.

 

ثانياً: مستويات الرؤية والاستراتيجية ومجالاتها:

والمقصود بالمستويات: الداخلية والخارجية، وبالمجالات تلك السياسية أو الاقتصادية… إلخ من مجالات العمل والحركة. أما المقصود بالاستراتيجي فهو الذي ينتقل بالفكر من المعرفي والفكري والنظري إلى العملي، وتصبح السياسات العامة هي حلقة الوصل بين التأصيل الفقهي والحضاري وبين التنزيل على الواقع بصورة عملية. ومن ثم، فإن تحديد مستويات هذا التصور ومجالاته والعلاقات البينية التي تجدلها وتضفرها معًا خطوة نحو صياغة السياسات العامة.

–   المستوى الأول ومجالاته: الداخلي المتصل بالإصلاح والتجديد في داخل الأمة (تفاعلا مع المستوى الثاني (الخارجي وتأثيراته)).

ويستوجب الانطلاق من رؤية حول مآل ونتائج جهود النهوض السابقة –ولنأخًذ مثالا مشروع الإمام محمد عبده: وما كتبته عن هذا المشروع منذ خمسة أعوام، خلال الاحتفال بمرور مائة عام على وفاته. فما مآله وما دلالة هذا المآل بالنسبة لأبعاد تصور استراتيجي مستقبلي عما يحتاجه الداخل الآن؟

ومنطلق الحديث في هذا المستوى أن حال أزمة الداخل الآن لا تتحمل تكرار حديث ما قبل مائة عام. فنحن الآن لا نتحدث عن كيف ننقل من الغرب أو ماذا ننقل، ولكن نتحدث عما سبق النقل عن الغرب من أزمات وكيف يُصَدر لنا الغرب أزماته مع الحداثة؟ ومن ثم، فإن البدء بالإشارة إلى مآل مشروع محمد عبده (كمثال) إنما لتوضيح دلالة الملاحظة السابقة.

ما المآل والمحصلة عبر مائة عام منذ مشروع الإمام محمد عبده () ؟:

بداية الاقتباس: “كان للإمام مقولةٌ، وإن لم تحظ بشهرة قولته في السياسة، إلا أنها لا تقل أهمية، وهي: إنه بدون الإصلاح التربوي والتعليمي –ومن منطلق الإصلاح الديني– سيعود الاستبداد والاحتلال بعد كل ثورة.

وإن هذا المشروع لم يتحقق كاملا حتى الآن لعدة اعتبارات نوجزها فيما يلي:

فالإصلاح الديني الذي دعي له محمد عبده كسبيلٍ لتجديد الدنيا لم يتحقق من خلال الربط الفاعل بالدنيوي. ولذا؛ فإن هدف حفظ الدين -خوفًا من تدخل السلطة السياسية الدنيوية وتلاعبها السياسي باسم الدين، وخوفًا أيضًا من عواقب صدمة الاحتكاك المباشر بالغرب– قد آل إلى الحفظ بمعنى الجمود. ومن ثم، وفي مواجهة ضغوط التحدي المزدوج من جانب الاستبداد الداخلي والخارجي، على حدٍ سواء، لم يعد بمقدور الإصلاح الديني أن يقدم طريقًا مستقلا وفاعلا يقاوم هذين النمطين من الاستبداد ولو بالمناورة بأحدهما ضد الآخر.

ومن ناحية أخرى، لم يدعم الإسلام الحضاري، كقاعدة لإصلاح المجتمع، بقدر ما تدعم بالتدريج الإسلام السياسي؛ ومن ثم فقد تدعم التغيير السياسي منفصلًا عن التغيير المجتمعي مما أدى بكل فرص لما يسمى “التغيير الحضاري”.

فإن حركة القوى الوطنية لم تنطلق من رؤى استراتيجية تجمع كافة أنماط الجهود وفق متطلبات الإصلاح الشامل الحضاري، وليس السياسي فقط، بحيث لا يبدو جانبا النضال الوطني على صعيد الإصلاح المجتمعي، وعلى صعيد النضال السياسي والعسكري كما لو كانا بديلين يستبعد أحدهما الآخر، في حين أنهما متكاملان متعاضدان ويعكسان نوعًا من التوزيع الحميد للأدوار الذي تتطلبه متطلبات بناء القوة الشاملة. إلا أن هذا النمط من الاستبعاد والإقصاء المتبادل، وإن لم نقل التنافس بين الأدوار النضالية السياسية والأدوار الإصلاحية، قد ظل ممتدًا عبر مائة عام بعد محمد عبده، سواء على صعيد التيار الإسلامي أو غيره. فنجد على صعيد التيار الإسلامي أنه قد تفرع إلى روافد فكرية وحركية تنغمس كل منها إما في النضال السياسي، أو الإصلاحي العقيدي والتربوي والمجتمعي، كما لو أن هذه المجالات منفصلة أو لا تمثل درجات متراكمة من الجهاد بمعناه الشامل، أو ليس من المفترض أن تصب مخرجات كل رافد في الأخرى وتدعم بعضها البعض، بل قد تتبادل هذه الروافد الاتهامات. وبذا، غاب مفهوم الإصلاح الإسلامي الشامل في مرحلة ما بعد الاستقلال تحت تأثير ظروف عديدة وحال الضعف الحضاري –بالرغم من ملامح تجدد عناصر القوة المادية-دون تحقيق أهداف الحرية والاستقلال.

وفي ظل تجارب النظم الحاكمة في الدول القطرية ما بعد الاستقلال، برزت أبعاد الوجه الآخر للعملة، لدى التيارات الأخرى: سواء القومية أو اليسارية أو الليبرالية ألا وهو علو أولوية السياسي والاقتصادي (سواء ضد الغرب أو إلحاقًا به) على حساب الديني أو هوية الدولة أو التربوي التعليمي والمجتمعي. فجميع هذه التيارات لم تعتبر الإصلاح الديني منطلقًا مناسبًا أو على الأقل حصرته في نطاق ضيق –لا يتعدى حدود الفرد– إن لم تكن قد استبعدته على الإطلاق على اعتبار أن توظيف الدين اجتماعيًا وسياسيًا هو مصدر التخلف والاستبداد، أو أن الفصل بين الدين والسياسة ضرورة الدولة الحديثة.

إن مـآل خبرة المائة عام هذه لتؤكد على أمورٍ ثلاثة وهي أن الإصلاح التربوي– الديني والإصلاح السياسي وجهان لعملة واحدة، وأن جهود الإصلاح الحقيقية لا تحوز رعاية المحتل أو قوى التدخل الخارجية وكذلك قوى الاستبداد الداخلي، وأن مصالح هذه القوى لا تستقيم ودور فاعل للمكون الديني في عمليات الإصلاح.

بعبارة أخرى، فإن مسار خبرة الإصلاح الإسلامي بعد صدمة الحملة الفرنسية، مرورًا بالبعوث إلى الخارج والمدارس التبشيرية وصولًا إلى الاحتلال وما بعده، ومن ثم، نتائج هذه الخبرة المحدودة حتى الآن لتبين -كما يرى البعض-فقدان الميزان الإسلامي العصري للتعامل مع التيارات الحضارية الوافدة لتأخذ طابعًا إسلاميًا قوميًا مميزًا. فهذه هي الإشكالية التي تصدى لها الإمام منذ مائة عام، ولكن لم ينجح ورثة مشروعه في الفكاك منها. مما يدفع بالسؤال: لماذا؟ وما الدلالة الآن وبالنسبة للمستقبل؟ ومن ثم، وبعد ما يزيد عن مائة عام من رحيل الإمام محمد عبده، فإن واقعنا المعاصر يتسم بالتعقيد والتشابك الكبير بين الداخلي والخارجي، بين الثقافي والسياسي، بين الديني– التربوي– التعليمي وبين السياسي، وعلى نحوٍ أبرز وبقوة الآن وأكثر من أوقات سابقة حديث الإصلاح، الذي بيَّن، وبطريقة أكثر ظهورًا عما قبل، إشكالية العلاقة بين الديني والسياسي سواء الداخلي أو الخارجي (تجديد الخطاب الديني بين دوافع ومبررات ومجالات الداخل والخارج) وكذلك العلاقة بين التربوي- التعليمي والسياسي الداخلي (التربية المدنية كشرطٍ أو كداعم للتحول الديموقراطي)، وأخيرًا: العلاقة بين أنماط التفاعل الحضاري (حوارًا أو صراعًا من أجل التجديد الذاتي أو الإلحاق والتبعية الحضارية) وبين آفاق الاستقلال وبناء منظومة القوة الشاملة، حيث أضحى حوار الثقافات أو صراعها في صميم الفعل السياسي داخليًّا وخارجيًّا.

بعبارة أخرى، أضحت قضية الإصلاح في قلب قضايا العلاقات الدولية الراهنة للأمة الإسلامية، أي في قلب المتطلبات الداخلية لإحياء الأمة والخارجية النابعة من صميم وضعها في النظام العالمي وعلاقاتها مع نظمه الفرعية ناهيك بالطبع عن نظامه السائد (في ظل الهيمنة الأمريكية). ومهما بدا لنا من بروز البعد العسكري في الحرب العالمية على الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية –وحلفاؤها– ومهما بدا لنا أيضًا من ظهور البعد العسكري في نمط جديد هو الأعمال الإرهابية أحيانًا وأعمال المقاومة ضد الاحتلال والهيمنة أحيانًا أخرى لمواجهة مشاريع الهيمنة الأمريكية الصهيونية ليس على العالم العربي والإسلامي فقط ولكن العالم برمته، فإن البعد الديني، الثقافي، الفكري، التربوي والتعليمي يحوز أولويته أيضًا باعتباره دافعًا أو مبررًا أو أداة سواء للهيمنة أو لمقاومتها.

ومن ناحية أخرى، وإن بدا لنا أننا نتكلم عن دول عربية ومستقلة (لا تضاهي حالة الاحتلال منذ مائة عام)، إلا أننا في الواقع نعايش حالة احتلال عسكري جديد وحالة استعمار في مرحلة ما بعد الاستعمار الجديد، وفي ظل وضع فكري وثقافي مجتمعي ليس أقل تأزمًا مما كان قائمًا منذ مائة عام، حقيقةً زادت المؤشرات الكمية عن التعليم والصحة… وغيرها من مؤشرات “التحديث” إلا أن الأثر في مضمون فكر وعقل ووجدان الأمة كان واهيًا، بدليل تقلص علامات إرادة الفعل القوية المعارضة والمناهضة للاحتلال الداخلي والهيمنة الخارجية والتي كان يجب أن تترجم نفسها في حركة واسعة على صعيد الشعوب وليس صعيد النخب فقط.

ولذا؛ ومع صعود ملامح النضال السياسي والجهاد العسكري في أماكن متفرقة من الأمة، ترتفع أيضًا من جديد ملامح للنضال الإصلاحي الديني– الثقافي-التربوي التعليمي. وبذا، ألا يمكن القول إن الدلالة التاريخية لعصر محمد عبده تتكرر –من جديد– بعد مائة عام، ولكن في ظل سياقات وطنية وإقليمية وعالمية مختلفة؟ وهذه السياقات وإن أفرزت تحديات متجددة، إلا أنها تظل تعكس ثبات المضامين في ظل أشكال متغيرة. فها نحن الآن نعايش: تدخل أجنبي متزايد باسم حماية الأقليات وحقوق الإنسان والديموقراطية، وهو في الواقع من أجل مصالح استراتيجية كبرى، وخطاب ديني مأزوم كجزء من أزمة مجتمعية وسياسية شاملة في ظل استماتة النظم القائمة على البقاء باسم مسئولية الإصلاح، وتجريم مقاومة الاحتلال والاستيطان والاعتداء على الإسلام ورموزه باسم محاربة الإرهاب، وتفكيك كل رابطة من روابط الانتماء والتماسك الداخلي الإقليمي عبر أرجاء الأمة على نحو يشيع مخاطر التجزئة على مستوى الوطن الواحد أو الدولة الواحدة…

ولهذا كله؛ تبدو أهمية إعادة قراءة منظومة فكر وحركة مفكرين من أمثال الإمام محمد عبده للتذكرة والعبرة والنصح، في سبيل استراتيجية شاملة، ليس للنهضة أو الإحياء أو التجديد، ولكن ربما لأمر جلل أكبر من هذا هو حفظ الأمة، ليس بتجميدها ولكن حفظ بقائها حتى يتيسر نماؤها؛ حيث إن الأمة تتعرض لعملية إفناء منظمة يشارك فيها الداخل والخارج على حدٍ سواء. ولذا؛ أتساءل لماذا لا يحظى الداعون إلى الإصلاح الديني والتربوي والتعليمي، من منظور حضاري، من اهتمام بمثل ما حظي به “المدعويين” بالإرهابيين من جانب “الاحتلال الداخلي” أي سلطة الاستبداد من الداخل، وسلطة الهيمنة الخارجية.

فإن عملية الإصلاح المجتمعية الشاملة المطلوبة، ليست مَهمة الحكومات والقادة السياسيين والحزبيين فقط ولكنها بالأساس وابتداءً مهمة قادة الفكر والمجتمع الأهلي بمؤسساته المختلفة، ليس باعتبارها في صراع مع الدولة (وفق المنظور الواقعي عن وظيفة المجتمع المدني ودوره)، ولكن باعتبارها ذوات دور موازٍ لدور النظم والمؤسسات الرسمية ووظائفها. فمهما استمسكت هذه النظم بالبقاء والاستمرار مدعية أنها قادرة على الإصلاح، ومهما كانت درجة خضوعها لتدخلات وضغوط خارجية باسم الإصلاح أيضًا.” (انتهى الاقتباس)

وعلى ضوء تحديات التطهير والبناء التي تواجه عملية التغيير مع الثورة المصرية: فإن الخبرة الحضارية (المشار إليها) تستوجب استدعاء ذاكرتها ودلالتها عن ضرورة صياغة رؤية شاملة عن مجالات التغيير والخيوط الناظمة بين ما هو سياسي وما هو اجتماعي وما هو تربوي وما هو ثقافي وبين ما هو ديني، وذلك من منظور حضاري ذو مرجعية إسلامية. وهو المنظور الذي يستطيع تجاوز الثنائيات المتضادة.

هذا، وقد بين نموذج الثورة المصرية الحضاري مدى عمق النموذج الحضاري لشعب مصر، وكيف أنه مازال في هذه الأمة أحرار قادرون على الفعل الحضاري. ولعلهم يسترشدون بهذه الذاكرة الحضارية الحية ويعدون متطلباتها وهم يرسمون خطة الحركة والانتقال من الرؤى والأفكار إلى الخطط وبرامج العمل.

 

تنويه:

تم نشر هذه الدراسة ضمن إصدارات مركز الحضارة للدراسات السياسية، ونُعيد نشرها على حلقات تعميماً للفائدة، مع حفظ كافة الحقوق لمركز “الحضارة للدراسات السياسية”

———————————

الهامش

(1) زكي الميلاد، المسألة الحضارية: كيف نبتكر مستقبلنا في عالم متغير؟ مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت، 2008.

(2) Sohail Inayatullah, Alternative Futures for the Islamic Ummah, LINK

(3) زكي الميلاد، مرجع سابق، ص 211- 234.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close