fbpx
تحليلاتقلم وميدان

في متطلبات التغيير الحضاري: الخصائص والثنائيات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تمهيد

بعد أن تجسدت الثورة ذاتها في نموذج حضاري أثار انتباه الجميع من الداخل والخارج، وفي ظل التحديات التي تواجهها عملية بناء النظام الجديد والتي سرعان ما تحولت إلى نوعٍ من التهديد خلال أقل من شهر بعد خلع مبارك، لابد وأن نقف من جديد ونؤكد إنه إذا كان نموذج الثورة نموذجًا حضاريًا يؤسس لتوافق مجتمعي جديد، فمن ثم لابد من اكتشاف وتدعيم فرص التغيير الحضاري.

وهو الأمر الذي يستدعي بدوره التحذير من فقدان الفرص من جديد، بعد أن ظللنا نفقد ولأكثر من قرن من الزمان فرصًا متوالية، وكانت أسباب ذلك الفقدان معرفية وفكرية وسياسية على حدٍ سواء.

إن التأكيد على القول السابق والتحذير من ضياع الفرص ليس بالطبع نتاج خبرة الشهرين الماضيين فقط، ولكن مثل هذه الأمور المتصلة بالتغيير الحضاري في الأمم لابد وأن تستند إلى الذاكرة الحضارية ولابد أن تنبع منها. فإن هذه الذاكرة تقدم الكثير من الدلالات حول مسار الخبو الحضاري للأمة ثم مسار النهوض المأمول.

هذا، ولقد اقتربت جهود فكرية وسياسية متنوعة الاتجاهات، وبكثافة كبيرة وتكرار منتظم، من المنطقة المسماة “مشروع النهوض الحضاري أو المشروع التنموي الشامل”، وذلك خلال العقد الأول من الألفية الثالثة، بل وأيضًا خلال العقد الأخير من الألفية الثانية.

وقد كان تقييم هذه الجهود في حد ذاتها غاية علمية وعملية أمامي. ولقد قمت على هذا التقييم منذ عامين (2009) (1)، مهتدية بمنهج علمي منظم ومستهدفة متطلبات صياغة مشروع استراتيجي لنهوض حضاري إسلامي وسطي.

ولقد سجلت مجموعة من النتائج عن “الحاضر الغائب” في مشروعات النهوض والذي أفصحت عنه القراءة النقدية المتراكمة في الأدبيات عن هذه المشروعات.

وخلال تفاعلي مع نموذج الثورة المصرية وما تواجهه من تحديات وتهديدات أمام فرص “التغيير الحضاري” كانت ذاكرتي تستدعي ما سجلته من هذه النتائج، وأضحيت أتساءل: هل الثورة المصرية اختبار متجدد لأهمية نتائج هذا التقييم؟ ومن ثم، كيف لابد لنا، ونحن نواجه متطلبات حركة ثورية –التطهير والبناء-أن نستعين بالرؤى والتوجهات التي أُنجزت بالفعل ومازالت تنجز، سعيًا نحو تخطيط الحركة الرشيدة المأمولة، وهو التخطيط الذي بقدر ما يكون إبداعيًا، لابد وأن يستند إلى خبرة الذاكرة الحضارية حتى لا نبدأ دائمًا من الصفر؟

بعبارة أخرى، أريد الآن استدعاء أهم هذه النتائج أولًا على أن أترك للقارئ ثانيًا، أن يجتهد ويحدد الإجابة عن تحذيري من أن نضيع الفرصة مجددًا، وذلك على ضوء ما سأقدمه من تصور عن متطلبات مشروع نهوض استراتيجي وسطي حضاري، وما سأطرحه من أفكار تربط بين واقع الثورة الآن وبين دلالة الذاكرة الحضارية.

أولًا: ملامح وخصائص كبرى للحالة الفكرية الراهنة عن النهضة:

تتلخص أهم هذه الملامح في الآتي:

من ناحية: نجد أن تحديات الغرب في ظل التغيرات العالمية منذ نهاية القرن العشرين تمثل المنطلق في الدعوة إلى الحاجة لمشروع نهوض في ظل استحكام أزمة الواقع العربي والإسلامي، وباعتباره امتدادًا لحلقات سابقة من التأزم والتدخل الخارجي.

مما يعني أن الداخل والخارج أضحيا في تداخل وتضافر شديدين ولدرجة أضحى الخارج هو المنطلق نحو الداخل. ومن ثم، أضحى رصد فقه واقع هذا الخارج بمثابة المدخل والمحدد الأساس.

ومن ثم، فإن الخيط الناظم عبر مراحل تعاقب التاريخ خلال ما يزيد عن القرنين هو تزايد وطأة تدخلات الخارجي وتأثيراته وذلك بواسطة أدوات متطورة من أجل إجهاض مشروع حضاري مستقل عن المشروع الغربي، سواء كان عروبيًّا أو إسلاميًّا.

وفي المقابل، فإن الوجه الثاني من هذا الخيط هو أنه في مواجهة هذه التحديات والتهديدات (الحضارية الشاملة التي تنجدل فيها مختلف الأبعاد العسكرية– السياسية– الاقتصادية مع المعرفية العقيدية القيمية) لم تنقطع أنماط المقاومة والاستجابة من الدائرة الحضارية العربية والإسلامية، إلا أنها أخفقت في تحقيق أهدافها.

ومن ناحية أخرى: فإن الاقتراب من تفسير هذا الوضع، بعد رصد خصائصه وأعراضه، لا يقتصر على الأسباب الراهنة فقط، ولكن يتم على النحو الذي يبرز أن الوضع الراهن ليس إلاَّ نتاجَ إخفاقات متكررة في مسار عملية النهوض التي بدأت منذ ما يزيد عن قرنين دون تحول نوعي جذري في الحالة.

إلا أن هذه الاقترابات التفسيرية بالرجوع إلى التاريخ تفتقد للآتي: تفسير استمرار التخلف والتبعية بالرغم من تتابع جهود النهوض (لماذا؟ وكيف؟): هل نتاج تزايد وطأة التدخل الخارجي، أم لغياب فقه التغيير الحضاري الشامل؟ أم لافتقاد البعد الاستراتيجي اللازم لتحويل الفكر إلى حركة؟ أم لتركيز جهود النهوض على النخب دون الامتداد إلى الشعوب وعدم اعتبارها قوى مشاركة؟

ومن ناحية ثالثة: نجد أن الحديث عن مشروعات نهوض الأمة ككل، وليس الأوطان ابتداءً، وهو الأمر الذي يعكس مستوى كلي في التحليل يفترض أن “وحدة الأمة” سبيل إلى نهوض أوطانها، وإذا افترضنا العكس، أي أن النهوض يبدأ من الأوطان، فإن الحديث لا يحدد من يقوم بالعملية: النظم العاجزة أم الجماهير غير القادرة أو غير الممكَّنة من اختيار توجهها الحضاري. ناهيك عن أن الاستغراق في الأمة وعمومياتها هو السبب في غلبة الفكري العام على حساب رصد وتشخيص الواقع من ناحية وعلى حساب تصميم الخطط التنفيذية ووضع البرامج والسياسات والمؤسسات لمواجهة المشاكل وإبداع الحلول.

ومن ناحية رابعة: فإن من الملامح والخصائص الكبرى أيضًا ذلك الافتقاد إلى تأصيل مرجعية مشروع النهوض كمنطلق لبيان نمط المشروع المأمول والمتوافق عليه مجتمعيًّا.

فالمطلوب التأصيل المرجعي للنهوض (المعيار، الميزان) ثم تقويم نتائج مسار عملية النهوض، فكرًا وحركة، سعيًا لتحديد عوامل الإخفاق وعوامل النهوض على ضوء المعيار والميزان. ثم فقه الواقع أو فقه عملية الانتقال من مرحلة إلى أخرى من تطوره وأخيرًا بالطبع “فقه بدائل المستقبل”.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن هذا الملمح يستدعي الحديث عن فروق أخرى بين الإقترابات “العروبية” لمشروع النهضة وبين نظائرها الإسلامية. وتمثل هذه المقابلة، بين العروبي والإسلامي، وكذلك بين الإسلامي والحضاري، أحد أوجه الثنائيات السائدة في فكر تقويم جهود النهضة.

ثانياً: خريطة الثنائيات السائدة على حالة فكر النهضة:

وتندرج في خريطة أكبر من الثنائيات، أو هي بمثابة فرع من تيار واضح في أدبيات الفكر العربي والإسلامي بصفةٍ عامة وعن النهضة بصفة خاصة. وقد كانت هذه الظاهرة محل رصد وتحليل، وتمثل منطلقًا أساسيًّا للنقد والمراجعة عن الظواهر السياسية والمجتمعية من منظور حضاري إسلامي، حتى أضحى هذا المنظور هو السبيل لتجاوز هذه الثنائيات وعلاج ما يترتب عليها من نقائص تحليلية وعملية.

تقع أغلب “الثنائيات” ضمن تصنيفة: القديم والحديث، التراثي والمعاصر، ومنها ثنائيات: الدين والعلم، والديني والسياسي، والإسلامي والغربي، والإسلامي والعلماني، الخصوصية والعالمية، الحوار والصراع، … إلخ. هذه الثنائيات التي باتت تملأ حياتنا الفكرية والعلمية والثقافية، وتؤثر في وعينا بالعالم من حولنا وإدراكنا لأنفسنا ولقضايانا وللعلاقات فيما بيننا.

لقد كرست هذه الثنائيات مفهوم وحالة “الفصل” و”الفصام النكد” بين مكونات ذاتنا الحضارية (قديمها وجديدها) تارة، وبين طموحاتها الحضارية (التقدم والوحدة والتمكين) وبين إمكاناتها وقدراتها (الموروثة والمستجدة)، وبين مجالات عيشها: السياسي والثقافي، والاجتماعي والاقتصادي، وبين حقائقها النوعية: المرأة والرجل، والأسرة والمجتمع والدولة والأمة، والطفل والشاب، والأجيال، الأمر الذي تسرّب إلى العديد من إسهامات الإسلاميين أنفسهم.

إن رسم هذه الخريطة من الثنائيات وتحديد ملامحها خطوة منهاجية أساسية ولا غنى عنها، ينطلق منها تصورنا النقدي والبنائي عن متطلبات صياغة مشروع استراتيجي حضاري وسطي لنهضة الأمة الإسلامية ويمكن تلخيص أبعاد هذه الخريطة فيما يلي:

أ-ثنائية النطاق الزمني والوجهة: التاريخ المستقبل مرورًا بالواقع

إن هذه الثنائية تطرح بقوة ضرورة تأصيل مفهوم الاستراتيجي وما يرتبط به من سيناريوهات المستقبل، بلا انفصال عن التاريخ أو الواقع الراهن، وما يرتبط به أيضًا من سيناريوهات.

ب-ثنائيات النهوض أو النهضة ووصفها بالحضاري

– فهناك معنيان أو مفهومان للنهوض: مقاومة الاستعمار أو بناء كيان جديد.

– وهناك تياران للنهوض: تغريبي حداثي/ أصيل أو عربي وإسلامي.

– وهناك مستويان لمشروع النهوض: فكري وحركي.

– وهناك بيئتان للنهوض ومحدداته: داخلية وخارجية.

– وهناك تجليات للنهوض: إخفاقًا أو نجاحًا.

– وهناك وجهان لعملية النهوض: ثباتًا وتغيرًا فهي ليست لخطة استاتيكية ولكن عملية تختلف تحدياتها واستجاباتها من مرحلة إلى أخرى.

– وهناك منظومات لقضايا النهوض وأولوياته الداخلي (الإصلاح) أم البيني (الوحدة ومسائلها) أم الخارجي (الاستقلال ومسائله).

– وهناك مستويان لتنفيذ النهوض: جزئي ينطلق من مدخل محدد نحو مداخل أخرى وفق رؤية عن الأولويات أو الترتيب أو الشروط.

– وهناك فواعل قائدة أو محركة للنهوض: نخب، جماعات، دول، أمم…

– وهناك التعارف والتواصل والتدافع الحضاري مع النماذج الحضارية المقارنة للنهوض: نقلاً وتقليدًا، أم انفتاحًا وتفاعلاً أم انغلاقًا.

وهذه المجموعة من الثنائيات تطرح مفهوم “الحضاري” بكل أبعاده، وباعتباره جوهر منظور من مرجعية إسلامية، ويعكس خصائص الرؤية الإسلامية للعالم والنموذج المعرفي الإسلامي.

والحضاري المقصود هنا هو ذلك الذي يتجاوز كل الثنائيات السابقة فيجدل في رؤية منظومية كلية شاملة تعبر عن الذات الحضارية بين مستويات النهوض ومجالاتها وتياراتها وعلى نحوٍ يجمع بين الأبعاد المادية والأبعاد القيمية وخاصةً بين الأبعاد الدينية والثقافية والأبعاد الأخرى السياسية (وغيرها).

ج-ثنائية العروبي – الإسلامي: نموذجًا شارحًا

والتوقف عند هذه الحالة ليس انتقائيًا عشوائيًا ولكن انتقائي ذو دلالة معرفية ومنهجية. باعتبار أن قضية مرجعية نهوض الأمة بكل تياراتها هي قضية محورية بل لعلها القضية المحورية التي تعوق مشروع النهوض عن تحقيق أهدافه عبر ما يزيد عن القرنين، منذ أن بدأت عملية الإصلاحات والتجديدات تتأثر بقوة: اصطدامًا واحتكاكًا في ظل فرض وقسر وليس في ظل مناخ تثاقف وتفاعل حضاري “طبيعي”. بل لقد اعتبر البعض أن آفة عدم نجاح مشروع النهوض عبر قرنين هي الصدع الذي أصاب مرجعية الأمة بين أصيل ووافد ولقد انعكست قضية المرجعية على نمط تفسير أزمة التدهور والركود وعلى التصورات عن نمط التغيير المطلوب ووجهته، وعلى تقدير رؤية الخارجي مقارنةً بالداخل سواء في التدهور أو في إعاقة النهوض من جديد، وهكذا.

فإن المقابلة بين الاختلافات في الرؤى على الجانبين –القومي والإسلامي وموضعها من أسباب إخفاقات مشروع النهوض-تطرح بقوة مفهوم “المشروع الوسطي”، ليس وفق مفهوم “الوسطية” السائد في الدراسات الإسلامية ولكن بمعنى المشروع الذي يتوافق حول ملامحه الكبرى وتوجهاته الاستراتيجية التيار الرئيس في الجماعة الوطنية.

وهو الأمر الذي يطرح بدوره أهمية وضرورة أن يتبلور هذا التيار حيث إن أدبيات التنمية أو التحول الديمقراطي في العالم العربي والإسلامي تتوافق على أن أحد أهم أسباب الإخفاقات، ليس الإسلام كمرجعية (كما ترى بعض التيارات) ولكن عدم وجود توافق وطني أو قومي حول توجهات استراتيجية النهوض ومن ثم التغير أو الإصلاح المطلوب. بعبارة أخرى، فإن “الوسطي” هنا يشير إلى المشروع الذي يتحقق من نتاج رأب الصدع بين التيارات الفكرية الأصلية والتيارات الفكرية الوافدة، بل وعلى صعيد كل مجموعة من هذه التيارات. لأن الإسلامية تتنوع ليس تنوع التكامل المحمود ولكنه التنوع الذي انقلب إلى تعددية تدعم من التجزئة أكثر مما يحقق توزيع الأدوار (2).

تنويه:

تم نشر هذه الدراسة ضمن إصدارات مركز الحضارة للدراسات السياسية، ونُعيد نشرها على حلقات تعميماً للفائدة، مع حفظ كافة الحقوق لمركز “الحضارة للدراسات السياسية”

———————————

الهامش

(1) د. نادية محمود مصطفى: دراسة استكشافية في مشروعات نهضة الأمة: نحو بناء مشروع استراتيجي لنهوض حضاري وسطي، في: أ.د.نادية محمود مصطفى، د.هبة رءوف عزت (محرران)، مشروع النهوض الحضاري ونماذجه التطبيقية: الأمة والعالم، مركز الحضارة للدراسات السياسية، منتدى النهضة والتواصل الحضاري، القاهرة، الخرطوم، 2009

(2) أنظر في هذا الصدد؛ أي حول سمات الجماعة الوطنية وشروط رأب الصدع على صعيدها: طارق البشري، المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية، دار الشروق، القاهرة، 1988.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close