دراسات

قراءات نظرية: عوامل التحول الديمقراطي جزء 2

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تمهيد

يلاحظ المتتبع لظاهرة التحول الديمقراطي واستمرارها في أي دولة من دول العالم أن هناك مجموعة من العوامل تسهم في حفز عملية التحول الديمقراطي.

وقد أوضحت دراسات الموجة الأولى للتحول الديمقراطي، والتي حدثت بعد الحرب العالمية الأولى، أن من أهم أسباب هذا التحول الديمقراطي هو: النمو الاقتصادي والتحول الحضري وظهور الطبقة البرجوازية والمتوسطة وخفض التفاوت الاقتصادي، فضلاً عن انتصار الحلفاء الغربيين.

وبالنسبة لثاني موجات التحول الديمقراطي، فكانت العوامل العسكرية واضحة فيها، ذلك أن معظم الدول التي انتقلت إلى الديمقراطية في غمار هذه الموجة تندرج تحت نوعين: أولها: الحلفاء المنتصرون والذين فرضوا الديمقراطية على الدول التي احتلتها قوات الحلفاء، وثانيها: فهي مجموعة الدول التي كانت مستعمرة من قِبَل القوى الغربية وتبنت النظام الديمقراطي.

أما بالنسبة للموجة الثالثة من موجات التحول الديمقراطي، فإن “صموئيل هنتنجتون” يرى أنها جاءت بفعل عوامل متضافرة، سواء داخل الدولة الواحدة أو داخل مجموعة من الدول.

وبصفة عامة، فإن أسباب التحول الديمقراطي تختلف من حالة إلى أخرى، فقد تكون أسباب التحول نابعة من داخل المجتمع ذاته كالهند، كما قد تكون الديمقراطية مفروضة على المجتمع من خارجه كحالة اليابان عقب الحرب العالمية الثانية، حيث فرض عليها الحلفاء نظامًا ديمقراطيًا وإن كان قد أصبح متقبلاً في اليابان في مرحلة لاحقة، أو يمكن أن يكون سبب التحول مقرونًا بتلقي المساعدات الخارجية، حيث تربط الدول المانحة بين درجة التحول الديمقراطي من ناحية وبين حجم المعونات من ناحية أخرى. كذلك فإن كل دولة لها ظروفها وواقعها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الخاص، الأمر الذي يترتب عليه اختلاف أسباب التحول من حالة إلى أخرى، فقد تؤدي بعض الأسباب إلى التحول الديمقراطي في بلد ما في ظل ظروف معينة، وهي نفسها قد تؤدي إلى التحول إلى الديكتاتورية أو السلطوية في ظروف أخرى في حالة أخرى1.

ويمكن تقسيم أسباب التحول الديمقراطي إلى أسباب داخلية وأخرى خارجية، علمًا بأن موجات التحول الديمقراطي قد تمت في إطار تداخل شديد الترابط بين الأسباب الداخلية والخارجية، ولكن سوف يتم الوقوف على دور كل منها في عملية التحول الديمقراطي بشكل منفصل وذلك لغرض التحليل العلمي، وهي كالتالي:

المجموعة الأولى: العوامل الداخلية:

بالنسبة للعوامل الداخلية للديمقراطية فقد حصرها الباحثون في النقاط التالية:

أولاً: القيادة السياسية:

تشير العديد من الدراسات التي تناولت أسباب التحول الديمقراطي إلى أن هناك دورًا مهمًا للقيادة السياسية في حفز عملية التحول الديمقراطي، فعندما تكون هناك قيادة سياسية راغبة، ومؤمنة بالتغيير، وقادرة على مواجهة القوى المحافظة، ازدادت فرص نجاح عملية التحول الديمقراطي؛ حيث تحتاج عملية التحول إلى قيادة ماهرة تتمكن من مواجهة المعارضين والمتشددين، وتوسيع نطاق المشاركة في عملية صنع القرار وتوزيع الموارد الاقتصادية، كما تعتبر القيادة مسئولة عن عملية التماسك الديمقراطي وعن حماية الفرد من تعسف الدولة والتفاوض مع الجماعات الاجتماعية التي تهدد عملية التحول مصالحها للوصول إلى أكثر صيغ التحول قبولاً في المجتمع، لذا لا يعد توافر الشروط الاقتصادية والاجتماعية الضرورية لقيام الديمقراطية كافيًا في حد ذاته لنجاح التحول، وإنما يلزم الأمر رغبة القيادة السياسية نفسها في التحول2.

وهكذا كان حال القيادات الجديدة في البرازيل بدءًا من عام 1973، وتايوان في عام 1986، والمجر في عام 1989، وتعد الحالة الإسبانية في عام 1976 مثالاً شديد الثراء في هذا الإطار؛ فوفاة الجنرال “فرانكو” سمح بعودة الملكية إلى أسبانيا، وقاد الملك “خوان كارلوس” عملية التحول الديمقراطي باقتدار في عام 1982 في أول تداول سلمي للسلطة في أعقاب الانتخابات البرلمانية3.

وفي هذا الصدد يرى “صموئيل هنتنجتون” أن القيادة السياسية هي التي تسعى إلى تعزيز الإصلاح الاجتماعي والحضاري والاقتصادي ومن ثم استيعاب مطالب جماعات جديدة بالمشاركة في العمل السياسي، وفي هذه الحالة تتبع القيادة السياسية ثلاث خطط استراتيجية: إما محاولة تقليص دور السلطة الحالية، أو إنهاء دورها، وبالتالي الدفع بالتحرك نحو ملكية دستورية عصرية تكون السلطة فيها من حق الشعب (والأحزاب والمجالس النيابية)، أو أن تبادر إلى بذل جهد واع من أجل جمع السلطتين الملكية والشعبية في نظام سياسي واحد. ويؤكد هنتنجتون أن الزعماء في النظم الشمولية يمكن أن يضعوا حدًا للنظام القائم واتخاذ الإجراءات الكفيلة لبدء عملية تحول ديمقراطي، إما لإيمانهم بأن الديمقراطية هي هدف بحد ذاتها، أو لأنها تؤدي إلى أهداف أخرى، أو لأنها نتيجة لتحقيق أهداف خاصة4.

ويشير “Juan Lins” إلى أن القيادة السياسية مسئولة إلى حد كبير عن تحقيق التماسك الديمقراطي، فهي مسئولة عن ترسيخ الإيمان بالقيم الديمقراطية الجديدة لدى الأفراد، وأن تشعرهم بالحرية والأمان من تعسف الدولة، وأن توفر المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية اللازمة لتمكين الجماهير من المشاركة الفعلية في عملية التحول الديمقراطي. من هنا تجدر الإشارة إلى دور القيادة السياسية في حفز أو تقويض عملية التحول الديمقراطي، فكما أن للقيادة السياسية دورًا في دعم عملية التحول الديمقراطي، يمكن أيضاً أن تسهم في تقويض عملية التحول الديمقراطي، فعلى سبيل المثال: تصل بعض القيادات السياسية إلى سدة الحكم عن طريق انتخابات نزيهة وحرة لكنها لا تلبث أن تعمل بشتى الطرق على الاستمرار في السلطة مما يقوض أسس التحول الديمقراطي5.

وكذلك يؤكد كل من (دياموند، ولينز، ومارتن ليبست) على الدور الحاسم للقيادة التي تتسم بالكفاءة والالتزام بالديمقراطية في المبادرة إلى إدخال إصلاح سياسي على النظام السلطوي، هذا بالإضافة إلى تنامي إدراك هذه القيادة بأن استمرارها في الحكم يؤدي إلى إضعاف الأبنية التي يوكل إليها دور مهم في عملية الانتقال إلى الديمقراطية، كما أن النظام السلطوي ذاته يتعرض للتآكل6.

أما عن الأسباب التي تجعل قادة النظم السلطوية يتجهون نحو تأييد الخيار الديمقراطي، فمن بينها:

(1) تردي الشرعية السياسية للنظام القائم.

(2) إدراك القيادة بأن تكاليف بقائها في السلطة مرتفعة للغاية وأنه من الأفضل المبادرة بالتحول لعدة أسباب منها انقسام التحالف الذي يؤيد بقاءها في السلطة.

(3) قد يلجأ القادة إلى الديمقراطية باعتبارها بديلاً عن النظام السلطوي الذي استنفد مبررات وجوده ولم يعد قادراً على مواجهة احتياجات المجتمع أو الضغوط الداخلية والخارجية.

(4) اعتقاد القادة أن التحول الديمقراطي سوف ينجم عنه اكتساب دولتهم العديد من المنافع، مثل زيادة الشرعية الدولية، والتخفيف من العقوبات التي تفرضها الدول المانحة على دولهم، وفتح باب المساعدات الاقتصادية والعسكرية، والحصول على القروض من صندوق النقد الدولي، والانضواء تحت لواء التجمعات الدولية الكبرى.

(5) في بعض الحالات قد يجد هؤلاء القادة أن الديمقراطية قد تكون هي الشكل الأمثل لنظام الحكم، وأن حكومتهم ودولتهم قد تطورت إلى الدرجة التي أصبحت معها مؤهلة لإقامة نظام ديمقراطي7.

جدول (1) أنماط دور القائد في عملية التحول الديمقراطي8

 

ثانياً: انهيار شرعية النظام القائم:

تعد الشرعية من أهم مرتكزات استمرار النظام السياسي، فإذا فقد شرعيته وأخفق في حل مشاكل المجتمع والوفاء باحتياجات المواطنين ومواجهة الأخطار الخارجية أدى ذلك إلى فقدانه الشرعية والقبول الجماهيري والرضاء الشعبي.

1ـ أسباب أزمة الشرعية:

وهناك الكثير من الأسباب التي يؤدي توافرها أو بعضها إلى أزمة في شرعية النظام مما يسهم في إحداث التحول الديمقراطي لتجاوز هذه الأزمة، ومن هذه الأسباب ما يلي:

(أ) استنفاد النظام للغرض الذي قام من أجله، بمعنى أنه إذا قامت ثورة أو انقلاب عسكري في بلد ما أسفر عن نظام حكم سلطوي شغل نفسه بمسألة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وفي حال بلوغ هذا الهدف فإن النظام السياسي القائم يكون قد استنفد غرض وجوده مما يؤدي إلى تراجع شرعيته، ومن جهة أخرى قد يفشل هذا النظام السياسي في تحقيق الهدف الذي قام من أجله، فيفقد شرعيته أيضاً.

(ب) التغيير في القيم الاجتماعية التي تصبح أقل تقبلاً للحكم التسلطي، بمعنى أن تكون هناك قيم معينة تشكل أساس شرعية نظام الحكم ولكن بعد فترة معينة تتغير هذه القيم وبالتالي يفقد النظام السياسي شرعيته من خلال تغيّر القيم9.

(ج) عدم قدرة النظام السياسي على استيعاب المتغيرات الجديدة في المجتمع، وفي مقدمتها ظهور فئات جديدة يعجز النظام السياسي عن توفير فرص المشاركة لها، ويحدث هذا بشكل خاص في الفترات التي يشهد فيها النظام السياسي تحولات اقتصادية أو اجتماعية.

(د) ضعف دور ومكانة البرلمان في النظام السياسي، فبالنظر إلى أن البرلمان هو الذي يجسد أفراده العامة فإن عجزه يؤدي إلى خلق فجوة بين النظام والمجتمع، ويصبح ضعف دور المؤسسة التشريعية سبباً مباشراً لأزمة الشرعية التي قد يعانيها النظام.

(هـ) عدم تمثيل النظام السياسي لمختلف قيم ومصالح المجتمع؛ فالتمييز الذي قد يمارس ضد جماعة معينة يكون سبباً في عدم قبول تلك الجماعة للنظام، وتزداد فرص عدم استقرار النظام السياسي بقوة ونفوذ حجم الجماعة أو الجماعات المعارضة له، وفي أحيان أخرى قد تتسع قاعدة عدم شرعية النظام حينما ينفصل عن المجتمع أي لا يكون له مؤيدون.

(و) صورة النظام على الصعيد الدولي، فالنظام المعزول دولياً لأسباب مختلفة، قد يكون عرضة لتداعيات تشكك المواطنين الذين يعيشون في ظله في قدرته وأهلية بقائه، وتزداد أهمية هذا الاعتبار في الوقت الراهن بالنظر إلى الثورة التي شهدها العالم في مجالات الاتصالات، وتتسع فرص حصول ذلك إذا كان هذا النظام بالفعل يعاني من أزمة كبيرة تتمثل في عدم شرعيته10.

وتختلف مشكلات الشرعية حسب طبيعة النظام، إلا أن القاسم المشترك بالنسبة للحكومات الديمقراطية هو أن شرعيتها تعتمد على الأداء الناجح، حيث يقيّم الحكام شرعيتهم على أساس آدائهم وليس على أساس ما يتوقعه منهم ناخبوهم، بينما في ظل النظام السلطوي ليس هناك فرق بين شرعية الحكام وشرعية النظام، فالإخفاق في أداء النظام يعني سقوط كل من الحكام والنظام، ولذلك كان للقصور في الأداء الاقتصادي للنظم الديكتاتورية أثره في ظهور أزمة الشرعية لهذه النظم.

2ـ عوامل الاستقرار السياسي:

إن مشاكل الشرعية بالنسبة لنظام ما قد لا تقود بالضرورة إلى انهياره، بل يمكن أن تنذر قيادة النظام بالعديد من التحديات المؤسسية، فالشرعية وإن كانت شرطاً ضرورياً لبقاء النظام إلا أنها لا تعد كافية لبقائه أو انهياره، فقد يظل النظام مسيطراً على الحكم برغم تراجع شرعيته حيث لا يوجد بعد النظام البديل والمقبول11.

ويحدد “الموند” مجموعة من العناصر والقدرات الأساسية الواجب توافرها في أي نظام لضمان استمراريته وبقائه، وإن كانت تختلف قوة كل عنصر فيها من نظام إلى آخر. وهذه العناصر هي كالتالي:

(أ) القدرة الاستخراجية: وهي مدى قدرة النظام على تعبئة الموارد البشرية والمادية والمعنوية بهدف تحقيق أهداف النظام.

(ب) القدرة التنظيمية: وهي مدى قدرة النظام على ضبط سلوك الأفراد داخل المجتمع والتأثير في المحيطين الإقليمي والدولي.

(ج) القدرة التوزيعية: وهي مدى قدرة النظام وكفاءته في توزيع وتخصيص الموارد والخدمات بين الأفراد والجماعات داخل المجتمع، ومدى الاتساق والتناسب بين المتطلبات واحتياجات الأفراد وما يتم إشباعه منها.

(د) القدرة الرمزية: وهي قدرة النظام على الاستخدام الفعّال للرموز، أي استخدامها بشكل يضمن له الحصول على تأييد المواطنين.

(هـ) القدرة الاستجابية: وهي تشير إلى مدى كون المخرجات (السياسات والقرارات) انعكاساً للمطالب، بمعنى آخر: مدى كون الأنشطة الاستخراجية والتوزيعية والتنظيمية استجابة لمطالب أفراد المجتمع12.

وفضلاً عن أن هذه القدرات تعد من المستلزمات الوظيفية التي يعتمد عليها النظام فإنها تعد من المؤشرات التي على أساسها يمكن تصنيف ومقارنة النظم السياسية، كذلك يمكن عن طريقها التنبؤ باحتمالات حدوث التغيير السياسي وتفسيره. من هنا يرى الموند أن شرعية النظام وقدرته على الاستمرار والبقاء متوقفة على هذه القدرات التي تحدث عنها، فكلما كانت هذه القدرات قوية ازدادت فرصة استمرار وبقاء النظام، وبالعكس، كلما ضعفت هذه القدرات ازدادت احتمالات حدوث التغيير13.

ثالثاً: دور العامل الاقتصادي:

يعد العامل الاقتصادي من العوامل ذات الأهمية القصوى في أي تحول أو تغير سياسي، حيث تؤثر الأبعاد الاقتصادية على عملية التحول الديمقراطي تأثيرًا مزدوجًا؛ فالإخفاق في عملية التنمية الاقتصادية هو أحد الأسباب الدافعة للتحول، وفي الوقت نفسه فإن وجود هذه التنمية الاقتصادية يوفر آفاقًا رحبة لتفعيل هذه العملية وما تنتجه من فرص إحداث هذا التحول14، وذلك على النحو التالي:

1ـ تؤدي التنمية الاقتصادية إلى تغيير قيم السكان؛ فنتيجة لزيادة نسبة المتعلمين وانتشار التعليم جراء التنمية الاقتصادية فإن ذلك يؤدي إلى زيادة قبولهم لفكرة التسامح والاعتدال والعقلانية، وبموجب ذلك تنشأ الثقافة السياسية للديمقراطية15.

2ـ ينتج عن التنمية الاقتصادية مستويات أعلى من الدخل والأمن الاقتصادي لغالبية السكان، وبالتالي تحد التنمية الاقتصادية من احتمالات صراع الطبقات، ومن التمييز القائم على أساس الطبقة، كما أن هذه الزيادة تزيد من حجم الطبقة الوسطى التي تعمل على إحداث توازن واعتدال في الصراع.

3ـ تؤدي التنمية الاقتصادية إلى ظهور عدد كبير من المنظمات الاجتماعية الخيرية وغير الحكومية، والتي لا تعد فقط منظمات تراقب وتحاسب الحكومات، بل إنها أيضاً تزيد من المشاركة في العمل السياسي وتدعم المهارات السياسية وتخلق وتنشر آراء ووجهات النظر الجديدة16.

وقد أكد هذه العلاقة بين التنمية الاقتصادية وتعزيز قيد الديمقراطية “صموئيل هنتنجتون” الذي أشار إلى أهمية التطور الاقتصادي لإمكانية تحقيق الديمقراطية، بل وأسبقية التطور الاقتصادي لإمكانية تحقيق الديمقراطية17، إذ يعتقد هنتنجتون أن النمو الاقتصادي الكبير قد مهد السبيل لقيام الموجة الثالثة للديمقراطية ويسر انتشارها؛ فالتحول إلى الديمقراطية غير وارد في الدول الفقيرة ويتطلب حد أدنى من النمو الاقتصادي. لكن الثراء وحده لا يكفي لتحقيق الديمقراطية؛ مما دفع هنتنجتون إلى إضافة شرط “النمو الاقتصادي ذات القاعدة العريضة” كسمة للنظم المتوقع تحولها للديمقراطية، وارتبط هذا في تحليلاته بإبراز الأهمية التي تمثلها الطبقة الوسطى18.

إلا أن فرانسيس فوكو ياما وبعض الباحثين الغربيين يرون أن الديمقراطية هي عملية سياسية غير مرتبطة بالاقتصاد، مستندين إلى تجربة النمور الآسيوية والتي حققت معدلات اقتصادية عالية في حين أنها لم تشهد إصلاحات ديمقراطية إلا في مرحلة لاحقة ومتأخرة للطفرة الاقتصادية، كما يشير البعض إلى أن الديمقراطية قد تعوق النمو الاقتصادي وذلك بسبب أن النمو يتطلب بالضرورة توجيه الخبراء واستعداد الأفراد لأن يضحوا بالاستهلاك الحالي من أجل مكاسب اقتصادية طويلة الأجل، ويحتج آخرون بأن النظم السلطوية لها تكاليفها الاقتصادية والاجتماعية وأن النسق التعددي الاقتصادي يقدم أساساً خلاقاً لبناء الاقتصاد19.

من هنا فإن العلاقة بين التنمية الاقتصادية والتحول الديمقراطي هي قضية خلافية، فبينما يرى البعض أنه ليس هناك علاقة بينهما، أو أن العلاقة في اتجاه أن التنمية الاقتصادية تمثل بداية لمد نطاق المشاركة السياسية تدريجياً، فإن البعض الآخر يرى وجود علاقة وثيقة بين الديمقراطية والتنمية، وأن هذه العلاقة تسير في اتجاه تأثر التنمية الاقتصادية بمدى وجود ركيزة ديمقراطية لدعم عملية التنمية الاقتصادية وتهيئة المناخ الاستثماري وتشجيع روح الابتكار، وهو ما خلصت إليه الدراسات الغربية والتي قام بها دانيال ليرنر “Danial Lerner”وفليبس كترايت “Philips Cutright”وليون هيروتز “Leon Hurwitz”في شأن تفسير العلاقة بين التنمية الاقتصادية والتحول الديمقراطي.

لكن بصفة عامة فإن الافتراض الغالب هو وجود علاقة وثيقة بين التنمية الاقتصادية وهامش الديمقراطية الذي يتمتع به النظام، وأنه دائمًا ما يكون هناك علاقة سلبية بين التنمية الاقتصادية والأنظمة الشمولية، حيث تسيطر الدولة مركزيًا على الاقتصاد فيما عدا حالات قليلة من التجارب التنموية، كتجارب النمور الآسيوية مثلا20. وبغض النظر عن الجدل حول إمكانية حدوث تنمية في ظل غياب الديمقراطية، فإن ديمومة هذه التنمية تتطلب وجود الديمقراطية بما توفره من آليات تكفل الشفافية وحسن إدارة موارد المجتمع21.

رابعاً: تزايد قوة المجتمع المدني:

يقصد بالمجتمع المدني تلك المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنقابية التي تعمل في استقلال عن سلطة الدولة لتحقيق أغراض متعددة منها ما هو سياسي، كالمشاركة في صنع القرار، ومثال ذلك الأحزاب السياسية، ومنها ما هو نقابي كالدفاع عن مصالح أعضائها، ومنها ما هو ثقافي كما في اتحادات الكتاب والمثقفين والتجمعات الثقافية التي تهدف إلى نشر الوعي الثقافي وفقاً لاتجاهات أعضاء كل جماعة، وبعضها يسعى إلى تحقيق أغراض اجتماعية مثل الإسهام في العمل الاجتماعي لتحقيق التنمية.

وبفعل ثورة الإتصالات التي يشهدها العالم في وقتنا المعاصر أصبح دور المجتمع المدني قوة لا يستهان بها، ليس فقط في مواجهة النظم الاستبدادية، وإنما أيضاً على المستويين الإقليمي والدولي، وذلك من خلال الدور الذي يلعبه في مواجهة القضايا ذات الطابع الدولي22، إذ نجد أن مؤسسات المجتمع المدني تلعب دورًا مهمًا في رفع معدلات النمو الثقافي للمجتمع مما يساعد على تهيئة ظروف مناسبة وبيئة ملائمة لتوعية المجتمع بما له من حقوق وما عليه من واجبات مما يرفع درجة الوعي لدى المواطنين ومن ثم خلق ثقافة ديمقراطية تساعد على الانتقال إلى الديمقراطية واستدامتها، فضلاً عن أن غالبية مؤسسات المجتمع المدني لا تسعى للوصول إلى السلطة، وهذا ما يجعل طرحها دائماً مفيداً للنظام الحاكم23.

ومن ثم يتضح أهمية دور المجتمع المدني في عملية التحول الديمقراطي كونه أفضل وسيلة لتعبئة الأفراد ولما يطرحه من مثل عليا للمجتمع مما يعد نقداً راديكالياً للأوضاع القائمة بهدف تحقيق الأهداف السامية التي ينشدها مجتمع الحرية.

خامساً: نمو ثقافة سياسية ديمقراطية:

يلاحظ بهذا الصدد أن توسع التعليم وتطور برامجه، وانتشار الصحافة المكتوبة والإعلام السمعي والبصري، فضلاً عن الاحتكاك بالعالم الخارجي، ساعد على رفع معدلات النمو الثقافي لدى المجتمعات المنغلقة وزاد من إدراك الناس لحقوقهم السياسية، ومن نتائج ذلك أن هذه المجتمعات باتت تمتلك رصيداً من الأفكار السياسية الحديثة يسمح بالحديث عن بدايات تكوّن وتوسع الثقافة الديمقراطية في مجتمعات العالم الثالث، وهو ما يوفر عاملاً جديداً لتسهيل عملية التحول الديمقراطي24.

المجموعة الثانية: العوامل الخارجية:

إضافة إلى الأسباب الداخلية للتحول الديمقراطي هناك أيضاً أسباب خارجية تؤثر في اتجاه إيجابي نحو إجراء تحولات ديمقراطية في تلك الأنظمة التي لم تأخذ بعد بالديمقراطية. وتمثل العوامل الخارجية مجموعة المتغيرات السياسية والاقتصادية والأيديولوجية التي تنبع من المجتمع الدولي وتدفع في اتجاه التحول نحو الديمقراطية. ويلاحظ بصفة عامة أن الدول النامية في العالم الثالث سريعة التأثر بالعوامل الخارجية والتأثير الخارجي خاصة بالدول الغربية. وبشكل عام يمكن إيجاز هذه العوامل الخارجية في النقاط التالية:

أولاً: ضغوط القوى الخارجية:

كانت النخب الحاكمة تستطيع فيما مضى أن تتجاهل المطالب الديمقراطية الداخلية وممارسة أنواع الانتهاك للحقوق المدنية والسياسية للمواطنين دون أن تخشى الاحتجاج الدولي، أما اليوم فهي مدفوعة إلى فتح ملف الديمقراطية وحقوق الإنسان، فنجد أن القوى الخارجية تلعب دوراً مهماً في دفع العملية الديمقراطية، سواء كانت هذه القوى دولاً أو منظمات أو مؤسسات دولية، وذلك على النحو التالي:

1ـ ضغوط الدول المانحة على الدول المتلقية للمعونات من أجل الإسراع في عملية التحول الديمقراطي، حيث ساد الاعتقاد مع نهاية الثمانينيات بأن غياب الديمقراطية ومحاسبية الحكام كانا من أهم العوامل التي أدت للأزمات والتدهور الاقتصادي الذي تعاني منه دول العالم الثالث، ولذلك فقد بدأت الدول المانحة في ربط المساعدات المالية بالإصلاحات السياسية25.

2ـ ضغوط المؤسسات الدولية، سواء المؤسسات المالية أو غيرها من المنظمات الأخرى، حيث تقوم هذه المنظمات بتشجيع الإصلاحات السياسية في الدول الأخرى من أجل إنشاء منظمات مستقلة عن الدولة، بمعنى تكوين مجتمع مدني فعّال، وذلك انطلاقاً من أن الديمقراطية تعد حجر الأساس للتنمية وفق الرؤية المتداولة في أعمال المؤسسات الدولية المعنية؛ فالديمقراطية أو الإصلاح السياسي ليس فقط في مستوى الأهمية التي يمثلها الإصلاح الاقتصادي، بل هي الشرط لهذا الإصلاح الاقتصادي.

ونظرًا لاعتبار الديمقراطية القاعدة الأساسية للتنمية، فقد اهتمت المؤسسات الدولية بالمفهوم الشامل للديمقراطية، والذي يتضمن أبعاد ومؤشرات عديدة تتعلق بقضايا كالفساد والشفافية والانتخابات وفاعلية الحكومة والاستقرار السياسي والعنف والإرهاب، كما تتضمن إجراءات وعمليات كالتصويت والانتخابات والمشاركة السياسية، وتتسع لحقوق الإنسان وحرياته وكرامته26.

3ـ كما قد يكون التحول الديمقراطي ناتج عن رغبة النظام في الاندماج في المجتمع الدولي ومنظماته خاصة المنظمات الدولية المالية والاقتصادية بهدف تلقي مساعدات ومنح خارجية، خاصة وأن الدول المانحة تأخذ بعين الاعتبار درجة التقدم الديمقراطي وسجل حقوق الإنسان للدولة الممنوح لها المساعدات27.

ويمكن القول إن دور القوى الخارجية لا يقف عند موضوع التحوّل فقط، بل يتعداه إلى تفعيل هذا التحول عن طريق تتبع العمليات الانتخابية وغيرها من الإجراءات الديمقراطية، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال ما يقوم به الاتحاد الأوروبي من تدعيم للديمقراطية في دول جنوب أوروبا ومطالبة الدول التي تريد الانضمام إليه بإجراء إصلاحات سياسية ودستورية واقتصادية وتحسين وضع حقوق الإنسان مما يزيد من تدعيم العملية الديمقراطية28.

ثانياً: نظرية “الدومينو” Domino Theory:

أطلق عليها “صموئيل هنتنجتون” ظاهرة “كرات الثلج” التي تتزايد حجماً من أعلى إلى أسفل؛ حيث إن التحول الديمقراطي الناجح في دولة ما يشجع على التحول الديمقراطي في دولة أخرى فيما يشبه “كرة الثلج” التي تتزايد حجمًا كلما تدحرجت. ولقد ظهر أثر مثل هذه النماذج الناجحة في التجربة الديمقراطية عام 1990 في حالات بلغاريا ورومانيا ويوغوسلافيا وألبانيا. ويعود ذلك لأحد-أو كل-الأسباب الآتية:

1ـ تواجه جميع هذه الدول مشاكل متماثلة فتعتبر الديمقراطية دواءً مفيدًا لمشكلاتها.

2ـ الدولة التي تحولت إلى الديمقراطية قد تكون على درجة من القوة، أو تعد مثالاً سياسيًا وثقافيًا يحتذى به29.

3ـ دور التقارب الجغرافي والتشابه في انتقال عملية التحول من دولة إلى أخرى، وهو ما حدث في دول أوروبا الشرقية التي انفرط عقدها إثر تفكك الاتحاد السوفييتي السابق، وبدأت سباقاً نحو الديمقراطية لتنهي سيطرة شمولية امتد أجلها30.

4ـ أثر التطور السريع في مجال الإعلام والاتصال ودوره البارز في عملية العدوى أو المحاكاة، حيث إن هذا التطور جعل العالم كله كالقرية الصغيرة، فإذا وقع حدث في بلد ما فقد يتأثر به بلد آخر وبسهولة، وإذا حدث انتهاك خطير لحقوق الإنسان في بلد ما تسارع الدول الأخرى إلى التنديد بالأمر والتهديد بفرض عقوبات، بل التلويح بالتدخل للأغراض الإنسانية.

وعموماً يلاحظ أن عملية المحاكاة لن تنجح في أي بلد إلا إذا كانت هناك عوامل محلية تشجع هذه العملية، وهو ما يؤكد على الترابط بين العوامل المحلية والخارجية في عملية التحول الديمقراطي31.

ثالثاً: التوجه العالمي نحو الديمقراطية:

مع الاتجاه المتزايد لعولمة الحياة السياسية والاقتصادية وإخفاق النظم الشمولية ونجاح النظم الديمقراطية وتزايد الاعتماد المتبادل بين دول العالم أصبح من الصعب على أي دولة أن تكون بمنأى عن التحولات العالمية نحو الديمقراطية، وخاصة أن المجتمعات السياسية لم تعد مجتمعات منعزلة، وإنما لها علاقاتها المعقدة مع القوى الأخرى32.

وفي هذا الصدد: تعكس مقولات كل من “فرانسيس فوكو ياما” حول نهاية التاريخ وانتصار القيم الليبرالية بقيادة المعسكر الغربي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، و”صاموئيل هنتنجتون” حول الموجة الثالثة من التحول الديمقراطي، تزايد التوجه العالمي نحو الديمقراطية.

فقد أشار فوكو ياما في دراسته حول نهاية التاريخ إلى: “أن الطابع العالمي للثورة الليبرالية قد اكتسب أهمية خاصة؛ إذ يشكل دليلاً جديدًا على أن ثمة اتجاهاً أساسياً يفرض على المجتمعات البشرية نمطاً واحداً في تطورها، هو بإيجاز بمثابة تاريخ عالمي للبشرية متجه صوب الديمقراطية الليبرالية33.

وأكد “صاموئيل هنتنجتون” على أنه “خلال الخمسة عشر عامًا التالية لحدوث الانقلاب العسكري في البرتغال عام 1975 والذي أطاح بديكتاتورية سالازار، أصبحت الموجة الديمقراطية عالمية في نطاقها، إذ انتقلت حوالي ثلاثون دولة من التسلط إلى الديمقراطية، وقد تأثر على الأقل عدد كبير من الدول الأخرى بتلك الموجة الديمقراطية”34، مما أدى لاتساع مساحة التحول الديمقراطي على الصعيد الدولي وتحول نظم غير ديمقراطية إلى نظم ديمقراطية، والضغط على الأنظمة غير الديمقراطية للتحول للديمقراطية35.

خاتمة:

في إطار هذه العوامل التي تؤثر في عملي التحول الديمقراطي، فإننا نجد أن الدراسات التي تحدثت عن هذه العوامل توصلت إلى مجموعة من النتائج يمكن إيجازها في النقاط الآتية:

1ـ أن هناك مجموعة من العوامل هي التي تخلق البيئة الملائمة لظهور الديمقراطية.

2ـ هذه العوامل لا تدفع في اتجاه التحول الديمقراطي بصورة منفردة، بل هناك تداخل وترابط فيما بينها لحدوث الديمقراطية.

3ـ أن العوامل المسئولة عن ظهور الديمقراطية ليست هي العوامل التي تؤدي إلى تحقيق التماسك الديمقراطي.

4ـ تختلف أسباب التحول الديمقراطي من حالة إلى أخرى.

———————————–

الهامش

(1) أحمد جمال عبد العظيم، التحول الديمقراطي في الصين، رسالة ماجستير غير منشورة، القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2003، ص 22.

(2)د. أحمد ثابت، الديمقراطية المصرية على مشارف القرن القادم، (القاهرة: مركز المحروسة للبحوث والتدريب والنشر، 1999)، ص 17-23

(3)مبارك مبارك أحمد عبد الله، التغير في القيادة السياسية والتحول الديمقراطي في النظم السياسية العربية في التسعينيات، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2006، ص 36

(4)Samuel P.Huntington, op.cit, p p 107- 108

(5)علي سعيد صميخ المري، مرجع سابق، ص 34

(6)بلقيس أحمد منصور أبو إصبع، مرجع سابق، ص ص 28-29

(7) المرجع السابق، ص 29

(8) د. صلاح سالم زرنوقة، “دائرية انتقال السلطة”، مجلة الديمقراطية، العدد 18، أبريل 2005، ص 104

(9)علي سعيد صميخ المري، مرجع سابق، ص ص 31-32

(10)مبارك مبارك أحمد عبد الله، مرجع سابق، ص ص 36-37

(11)بلقيس أحمد منصور أبو اصبع، مرجع سابق، ص ص 29-30

(12)أحمد جمال عبد العظيم، مرجع سابق، ص ص 23-24

(13)المرجع السابق، ص 24

(14)Heather deegan, The Middle East and Problems of Democracy, (New york:, Lunne Rienner publisher,Inc.1994), pp 3-5

(15)عبد الغفار رشاد القصبي، “التطور السياسي والتحول الديمقراطي”، الكتاب الثاني: الحراك السياسي وإدارة الصراع، ط2، (القاهرة: مكتبة الآداب بحرم جامعة القاهرة، 2006)، ص 90

(16)مبارك مبارك أحمد عبد الله، مرجع سابق، ص 38

(17)Samuel P.Huntington, op.cit, p p 39

(18)عبد الغفار رشاد القصبي، مرجع سابق، ص 89

(19)علي سعيد صميخ المري، مرجع سابق، ص 34

(20)أحمد جمال عبد العظيم، مرجع سابق، ص 25

(21)مبارك مبارك أحمد عبد الله، مرجع سابق، ص 37

(22)أحمد جمال عبد العظيم، مرجع سابق، ص ص 25-26

(23)علي سعيد صميخ المري، مرجع سابق، ص 35

(24)بلقيس أحمد منصور أبو اصبع، مرجع سابق، ص 37

(25)هالة جمال ثابت، مرجع سابق، ص 12

(26)يوسف سلامة حمود المسيعدين، التحول الديمقراطي والاستقرار السياسي في الأردن. 1989-1999، رسالة ماجستير غير منشورة، معهد البحوث والدراسات العربية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، جامعة الدول العربية، 2001، ص 25

(27) أحمد جمال عبد العظيم، مرجع سابق، ص 28

(28) علي سعيد صميخ المري، مرجع سابق، ص ص 25-36

(29) هالة جمال ثابت، مرجع سابق، ص 20

(30) بلقيس أحمد منصور أبو اصبع، مرجع سابق، ص35

(31) يوسف سلامة حمود المسيعدين، مرجع سابق، ص 26

(32) David Held, Key debates. Global Democracy, (London: Routledge, 2000), p26

(33) مبارك مبارك أحمد عبد الله، مرجع سابق، ص 40

(34)Samuel P.Huntington, op.cit, p 5

(35) مبارك مبارك أحمد عبد الله، مرجع سابق، ص 41

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *