fbpx
اقتصادتقارير

قراءة في مشروع الموازنة المصرية الجديدة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

قراءة في مشروع الموازنة المصرية الجديدة

الملخص التنفيذي:

حاولت الدراسة استقراء البيان التمهيدي لمشروع الموازنة العامة للدولة المصرية للعام 2020/2021، من خلال تحليل الايرادات والمصروفات العامة المقدرة، ومدي مواجهتها للتداعيات الاقتصادية المتوقعة لفيروس كورونا على الاقتصاد المصري، بالإضافة الي مواجهتها للقصور في الموازنات السابقة لا سيما في حقوق الفئات المعوزة وفي مخصصات الصحة والتعليم، ويمكن تلخيص اهم النقاط في هذه الدراسة كما يلي:

  • تفترض الموازنة الجديدة زيادة الناتج المحلي الإجمالي بما يقارب 844 مليار جنيه، بمعدل نمو يبلغ 4.5%، وهو افتراض شديد التفاؤل، ويتجاهل الظروف العالمية التي تسبب فيها انتشار فيروس كورونا، لا سيما في ظل الطبيعة شبه الريعية للاقتصاد المصري، والخلل الهيكلي المزمن لقطاعاته المختلفة، وانكشافه على الخارج وتبعيته العميقة له.
  • من المرجح ان معدل النمو 2% الذي تحدثت عنه المنظمات الدولية ينتج عن زيادة في القيمة الاسمية للناتج (زيادة وهمية)، او هو أحد السيناريوهات المتفائلة التي تتوقع وجود لقاح للفيروس بصورة عاجلة. وطبقا لتحليل المساهمة القطاعية في الناتج يمكن القول، ان المحافظة على المستويات الإنتاجية الحالية للقطاعات الاقتصادية (معدل نمو صفر) قد يصبح إنجازا في ظل المعطيات الحالية، والقراءة الموضوعية لتلك التداعيات.
  • بعد توالي توقعات بيوت الخبرة والبحوث الدولية بصعوبة تجاوز السعر 30 دولار للبرميل قبل نهاية 2020، وتصميم الوزارة على تقدير البرميل بحوالي 61 دولار فقد يشير هذا الي نية الوزارة التربح من المستهلك.
  • اعلنت عدد من الدول اما وقف تصدير القمح كلية، او وقف التصدير خارج الاتحاد الأوروبي، وهو ما ساهم في رفع السعر عالميا لاسيما بعد ازمة التوريد بسبب كورونا، وهو ما تجاهلته الموازنة عند خفضها لسعر القمح مقارنة بالعام الماضي.
  • اثبت البنك المركزي المصري انه يتشبث بتثبيت سعر الصرف خاصة بعد الاعلان عن انخفاض الاحتياطي النقدي بحوالي 5.5 مليار دولار في مارس الماضي، إضافة الي انسحاب أكثر 10 مليار دولار من الاستثمارات في ادوات الدين المحلية، ومن المؤكد تداعيات الازمة على مصادر النقد الأجنبي قد تتخطي قدرات البنك المركزي وارادته في سعر الصرف الذي بني علي اساسه مشروع الموازنة الجيدة.
  • الوزارة تستهدف زيادة الإيرادات الضريبية بنحو 12.6 %، وتشير الأرقام الفعلية  للنصف الأول من العام المالي الحالي الي عدم قدرة وزارة المالية تحصيل مستهدفاتها الضريبية في الموازنة الحالية وبعجز 125 مليار جنيه، أي انخفاض عن المستهدف بنسبة 9%. كما لم تحقق المستهدف الإيرادات غير ضريبية، وبالطبع الفجوة الكبيرة بين الأرقام المقدرة والأرقام المحققة فعليا يضرب سلبا وبشدة مصداقية الوزارة وقدرتها على التقدير ليس فقط في بند الضرائب ولكن في كافة بنود الموازنة العامة.
  • من خلال مراجعة القطاعات الاقتصادية يمكن الجزم بان هذه المستهدفات الضريبية التي بنيت على أساسها الإيرادات العامة لن تتحقق، وان نسبة انخفاضها بنسبة تقارب 30% هو الأكثر معقولية قبل الازمة اسوة بالنصف الأول من العام الحالي، يزيد عليها الانخفاض المتوقع كنتيجة لتباطؤ النشاط الاقتصادي المصري كنتيجة للجائحة، وبذلك ربما قد يصل الانخفاض المتوقع للحصيلة الضريبية الي 50% عن النسبة التي قدرتها الموازنة الجديدة.
  • يقدر البيان الدين الخارجي بمبلغ 873 مليار جنيه، وهذا رقم خاطئ، فقد بلغ الدين الخارجي قرابة 110 مليار دولار، وبسعر صرف 16 جنيه في المتوسط، يعني ان الدين الخارجي يساوي 1760 مليار جنيه وهي علامة استفهام، وتشير بوضوح الي الأخطاء المتكررة والمترتبة على بعضها في المشروع.
  • تقترب الفجوة التمويلية من تريليون جنيه في مقابل 1.3 تريليون من الإيرادات، وذلك يبين حجم المأزق الضخم للمالية العامة المصرية بعيدا عن الفائض الاولي الذي تروجه وزارة المالية.
  • كانت الموازنة القادمة ستشهد اول انخفاض رقمي للعجز بما يقارب 13 مليار فقط، هذا الانخفاض الهزيل يوضح لماذا تصر وزارة المالية علي ترويج النجاح في تحقيق فائض اولي، ونسبة العجز الي الناتج المحلي الذي تزايد بالعملة المحلية بسبب قفزات التضخم خلال الأعوام اللاحقة لبرنامج صندوق النقد.
  • تعد فوائد الديون بشقيها على الديون المحلية والخارجية البند الأكبر في مشروع الموازنة حيث تبلغ 566 مليار جنيه، وهو رقم يقترب من نصف الإيرادات العامة، ويلتهم ما يقرب من 33 % من إجمالي المصروفات للعام الجديد.
  • تنوي الحكومة اقتراض خارجيا 96 مليار جنيه أي ما يزيد قليلا عن 6 مليار دولار، وهو رقم صغير للغاية في ظل التزامات مصر خلال العام 2020 والبالغة 18.5 مليار دولار، بالإضافة الي 2 مليار دولار تقريبا ثمن الغاز المستورد من إسرائيل. هذا بغض النظر عن تأثيرات الجائحة على مصادر مصر الاعتيادية من النقد الأجنبي (السياحة-قناة السويس – تحويلات العاملين في الخارج).
  • من المؤكد ان يتزايد الاقتراض الخارجي خلال الفترة القادمة، خاصة في ظل الاتاحات الضخمة من البنك والصندوق الدوليين لمساعدة الدول النامية على مواجهة تداعيات الجائحة، وبعد نزوح الأموال الساخنة للخارج ستضطر مصر الي المزيد من الاقتراض الخارجي، ولن يكون اللجوء الي المؤسسات الدولية الا شهادة تامين للمساعدة في اختراق اسواق القروض الدولية والإقليمية، وربما تبلغ القروض المصرية ارقاما قياسية مقارنة بالعاميين الماضيين وخلال فترة قصيرة.
  • لم يقدم مشروع الموازنة أي حلول لمواجهة ازمة المديونية المتفاقمة علي الدولة، وربما تواجه الحكومة ازمة في الاقتراض الخارجي عبر السندات الدولية في ظل التداعي المتوقع للدول العالمية – قد يتمثل ذلك في ارتفاع أسعار الفائدة-على الاقتراض لمواجهة الازمة.
  • الزيادة في قيمة مخصص الأجور تقل عن 20% فمعظم هذه الزيادة تذهب لمواجهة ارتفاع أسعار، حيث لا تزال نسبة التضخم في حدود 10% طبقا لسنة الأساس 2018، اما لو سنة الأساس القديمة 2010 فربما يتخطى معدل التضخم 20%، وبذلك سيبتلع معدل التضخم هذه الزيادة التي يمكن وصفها بالاسمية وليست بالحقيقية.
  • مضاعفة دعم الصادرات، في العام الحالي وزيادته بحوالي مليار جنيه، وبنسبة زيادة 16.7%، في العام الجديد يظهر توجه الدولة نحو دعم الصادرات، الا انه يجب التأكيد على ان مضاعفة مبلغ الدعم في العام المالي الحالي ووفاء الدولة بالدفع للشركات المستحقة، لم يسهم في زيادة تذكر في الصادرات المصرية. يعاني دعم الصادرات من سيطرة الشركات الكبرى وتجاهل الشركات المتوسطة والصغيرة، هذا بخلاف الانتقائية في اختيار الشركات المستحقة للدعم.
  • جاء التزايد المضطرد في دعم التامين الصحي والأدوية والعلاج علي نفقة الدولة خلال الأعوام الماضية محدودا مقارنة بزيادة معدلات التضخم المستمرة خاصة خلال الفترة منذ عام 2017 وحتي الان، وعموما لا تزال هذه المخصصات ضعيفة للغاية، خاصة الزيادة في المشروع الحالي، لا سيما ان هذه الزيادة تاتي في العام الثاني من تطبيق نظام التامين الصحي الشامل، والذي من المفترض ان تتسع رقعته الجغرافية تباعا وهو ما يحتاج زيادة المخصصات لمقابلة هذه التوسعات.
  • تزايد الدعم النقدي بقيمة نصف مليار جنيه فقط في العام الجديد ليبلغ 19 مليار جنيه، وهي زيادة شديدة المحدودية على عدة اصعدة، ومن بينها استمرار معاش تكافل وكرامة ضعيف للغاية اقل من 20 دولار للفرد، وكذلك تغاضيه عن التوسع العددي للمستفيدين خلال العام المالي القادم، وكذلك اذا ما قورنت هذه الزيادة بتخفيضات مخصصات الدعم المختلفة في الثلاث أعوام السابقة بالإضافة الي المشروع الحالي.
  • تراجع دعم السلع التموينية -رغم تزايد اعداد الفقراء والمعوزين نتيجة الجائحة – يشير الي نية الحكومة بتخفيض اعداد البطاقات التموينية، وتجدر الإشارة هنا الي ان ارتفاع أسعار السلع الغذائية المتوقع عالميا سيستلزم زيادة في هذه المخصصات وليس تخفيضها.
  •  الرفع النهائي لدعم الوقود والكهرباء، يرجع الي افتراض الحكومة سعر 61 دولار للبرميل في مشروع الموازنة، وفي ظل الأسعار العالمية السائدة حاليا يمكن الجزم بان الدعم رفع فعلا عن المواطن المصري، ومن المفترض ان تشهد أسعار الوقود والكهرباء خفضا حقيقيا وملموسا خلال الفترة القادمة.
  • لا يزال تسعير الغاز للمنازل والمصانع معضلة لم تواجهها الحكومة، فعقد استيرا د الغاز من إسرائيل بقيمة تزيد عن خمسة دولار للمليون وحدة حرارية خلق مشكلة للمصانع التي لن تستطيع منتجاتها المنافسة في ظل عدم تخفيض السعر الحكومي.
  • مجموع مخصصات التعليم والصحة في مشروع الموازنة تبلغ 678.5 مليار جنيه، تشكل 40% من اجمالي المصروفات العامة، واذا اخذنا في الاعتبار ان نسبة 33% من هذه المصروفات موجهة لمدفوعات الفائدة، وحوالي 27% مخصصة للدعم والمنح والمزايا الاجتماعية فذلك يشكل 100% من المصروفات، فمن اين تأتي الحكومة بمصروفات بقية البنود، وذلك يعني ان هذه الأرقام الواردة في البيان مضللة. ما يعني أن وزارة المالية تضلل للراي العام ببلوغ الانفاق على الصحة والتعليم المستهدف الدستوري
  • زيادة بند “المصروفات الأخرى” الموجه للجهات السلطوية بما يقارب 15 مليار جنيه، للعام الثاني علي التوالي الثانية يؤكد حرص الحكومة على اضطراد زيادة مخصصات هذا البند، وبما يزيد عن الخفض في دعم السلع التموينية والكهرباء. كما ان هذه الزيادة تساوي تقريبا مجموع الدعم الموجه الي المزارعين”، والتأمين الصحي والأدوية”، وتنمية الصعيد”، ونقل الركاب.
  • رفعت الحكومة من مخصصات باب “قطاع النظام العام وشؤون السلامة العامة”، وتظهر هذه الزيادة تحيز الدولة لهذه الجهات المساندة لها، وان كان يمكن القول بان المخصص يزداد وفقا لدرجة الاقتراب من السلطة حيث كانت زيادة المصروفات الأخرى ثلاثة اضعاف زيادة مخصصات باب “قطاع النظام العام وشؤون السلامة العامة”، بما يعني ترتيب السلطة لتلك الجهات من حيث الأهمية وتقدير ذلك ماليا.

مقدمة:

تعتبر الموازنة العامة بمثابة البرنامج المالي للخطة الاقتصادية عن السنة المالية المقبلة، والذي يسعي الي تحقيق مجموعة من الاهداف في إطار تنفيذ الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للدول.

وتكتسب الموازنة العامة المصرية للعام المالي الجديد 2020/2021 أهمية خاصة في ظل كونها الموازنة الاولي بعد انتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، والترويج لنجاح الدولة في عملية الضبط المالي وتخفيض عجز الموازنة نسبة الي الناتج المحلي الإجمالي والتي تحمل تبعاتها المواطن المصري، وكان من المفترض ان تحمل الموازنة الجديدة اخبارا سارة للمصريين حول تخفيف بعض تلك الأعباء، وجني بشائر الثمار المترتبة على برنامج الصندوق.

وازدادت أهمية هذه الموازنة بعد تفشي فيروس كورونا حول العالم، وانتشار تداعياته على الصعيدين الدولي والمحلي، وبات من المنتظر ان تتوجه الموازنة الجديدة وفي ظل الهشاشة الاقتصادية والخلل الهيكلي المزمن للاقتصاد المصري ان تعالج او على الأقل تحاول تقليل الاثار المترتبة على الاقتصاد المحلي وعلى المصريين وعلى الأخص فقرائهم، من جراء تفشي الفيروس.

وتحاول هذه الورقة الاستقراء الاولي لأهم بنود الموازنة العامة الجديدة، في ضوء البيانات الأولية المتاحة على موقع وزارة المالية، وهي البيانات الوحيدة المتوافرة بعد موافقة مجلس الوزراء وتحويل الموازنة الي البرلمان، وتجدر الإشارة قبل البدء في هذا الاستقراء الي ملاحظة رئيسية وهي:

أوضاع انتشار جائحة كورونا تجعل وضع مستهدفات عامة للموازنة امرا شديد الصعوبة، فالعام المالي القادم استثنائي بكل المقاييس، وبالتالي فإن الحديث عن أي مستهدفات هو خارج نطاق العقل والمنطق، وقد يمثل الإصرار عليه توجها حكوميا بتجاهل المساندة الواجبة والكافية للفئات المستحقة.

ويمكن اختبار فرضية الملاحظة السابقة والمتعلقة بمحاولة التهرب الحكومي من تخصيص موارد إضافية لمواجهة جائحة كورونا، بالإضافة الي فرضية مواجهة الموازنة الجديدة للقصور في الموازنات السابقة لا سيما في حقوق الفئات المعوزة وفي مخصصات الصحة والتعليم، وذلك من خلال النقاط التالية:

أولا: المستهدفات والافتراضات العامة للموازنة المصرية 2020/2021:

استهدفت الحكومة المصرية تحقيق مجموعة من الأهداف من خلال موازنة العام المالي 2020/2021، وبنيت هذه المستهدفات علي أساس مجموعة من الافتراضات، ويلخص الجدولان التاليان هذه المستهدفات والافتراضات كما يلي:

المصدر: الموقع الإلكتروني لوزارة المالية: البيان التمهيدي ما قبل الموازنة، ص 7.
المصدر: الموقع الإلكتروني لوزارة المالية: البيان التمهيدي ما قبل الموازنة، ص 7.
المصدر: الموقع الإلكتروني لوزارة المالية: البيان التمهيدي ما قبل الموازنة، ص 16.
المصدر: الموقع الإلكتروني لوزارة المالية: البيان التمهيدي ما قبل الموازنة، ص 16.

ويمكن استعراض اهم الافتراضات والمستهدفات الواردة في الجدولين السابقين من خلال النقاط التالية:

1- الناتج المحلي الإجمالي ومعدل النمو المفترض:

تفترض الموازنة زيادة الناتج المحلي الإجمالي بما يقارب 844 مليار جنيه ليبلغ 6.844 مليار جنيه مقارنة 6.030 مليار جنيه في العام المالي الحالي، محققة بذلك معدل نمو يبلغ 4.5% مقارنة بمعدل 5.1 % في الموازنة الحالية، ونزولا عن 6.5% كمعدل نمو مفترض قبل جائحة كورونا.

ومن الواضح ان افتراض هذه الزيادة في الناتج المحلي الإجمالي، وما يترتب عليها من معدل نمو، هو امر شديد التفاؤل، ويتجاهل عن الظروف العالمية التي تسبب فيها انتشار فيروس كورونا، لا سيما في ظل الطبيعة شبه الريعية للاقتصاد المصري، والخلل الهيكلي المزمن لقطاعاته المختلفة، وانكشافه على الخارج وتبعيته العميقة له.

وطبقا لبيانات عام 2018، حول مساهمة القطاعات الاقتصادية المختلفة في الناتج المحلي الإجمالي، فقد ساهم قطاع السياحة بحوالي 2%، وقطاع التشييد والبناء والأنشطة العقارية 16%، وقطاع الصناعة التحويلية 17%، وقطاع الزراعة والثروة السمكية 12%، وتجارة الجملة 14%، والنقل والتخزين 5%، والحكومة العامة 7%، والخدمات الاجتماعية 5%، والأخرى 11% ([1]).

وبالطبع ستتأثر كافة القطاعات سلبيا من التباطؤ الاقتصادي المتوقع عالميا وستختلف درجات التأثر من قطاع الي آخر علي حسب درجة انكشافه على العالم الخارجي ومرونته الانتاجية، ويمكن استعراض ذلك سريعا كما يلي:

  • توقف قطاع السياحة نهائيا في منتصف فبراير الماضي، ومن المرجح عدم عودة السياحة الخارجية حتى منتصف 2021 على الأقل – علي حسب السيناريو الأكثر تفاؤلا-، وبذلك فان مساهمته في الناتج والنمو قد تنخفض الي النصف في العام المالي الجديد وربما اقل من ذلك.
  • قطاع الصناعة التحويلية، يساهم بما يقارب 50 مليار دولار في الناتج المحلي، بنسبة 17% منه، وطبقا لبيانات التقرير العربي الموحد لعام 2019 فقد بلغت قيمة الصادرات الصناعية التحويلية 13.7 مليار دولار، شكلت 53.6 % من اجمالي الصادرات المصرية في العام 2017. ويعني ذلك ان الإنتاج الصناعي تتجه النسبة الكبرى منه الي السوق المحلية، علاوة على مساهمته فيما يزيد عن نصف الصادرات السلعية غير البترولية.
  • من المتوقع ان يتأثر الطلب العالمي على السلع الصناعية المصرية كجزء من تراجع وتيرة الطلب العالمي، كما من المتوقع ان يتأثر الطلب المحلي سلبا لنفس الأسباب، وبذلك فان مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي ومعدل النمو من المرجح انخفاضها خلال ما تبقي من 2020، ومع الاخذ في الاعتبار تصميم الحكومة على تنفيذ مشروعاتها فربما يقترب هذا الانخفاض من ثلث الإنتاج الصناعي.
  • قطاع التشييد والبناء والأنشطة العقارية يساهم بحوالي 16% من الناتج المحلي، وتعاني مصر من تخمة من المعروض العقاري، وبذلك قد يتأثر قطاع الأنشطة العقارية والذي يساهم بحوالي 6% من الناتج المحلي وربما يصل انخفاض مساهمته الي أكثر من 75 %، اما الربع الباقي فسيعتمد على ما تبينه الدولة او تعرضه للمواطنين من أراضي تحت مسميات مختلفة مع وضع تاريخ بناء الزامي.
  • بينما من المتوقع ان يحتفظ قطاع التشييد بنسبة كبري من نشاطه خلال العام المالي لاعتماده في الأساس على الانفاق الحكومي على مجموعة من المشروعات أعلنت الدولة مرارا عزمها على الاستمرار في تنفيذها، وربما يعود ذلك لأسباب سياسية ليست محلا للبحث.
  • قطاع الزراعة والثروة السمكية يساهم بحوالي 12% من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع الا يتأثر بالجائحة الا بنسبة بسيطة للغاية، ترجع في الأساس الي بعض الصعوبات التي قد تعترض عمليات النقل والتوريد، كما ان أثر سد النهضة السلبي على القطاع لن يظهر على الأرجح الا في نهاية العام المالي القادم.
  • تجارة الجملة، يساهم بحوالي 14% من الناتج المحلي ومن المتوقع ان يتأثر بشدة كنتيجة لتأثر الواردات وللانخفاض المتوقع في الطلب المحلي.
  • –       النقل والتخزين 5%، والحكومة العامة 7%، والخدمات الاجتماعية 5%، والأخرى 11%. هذه القطاعات من المتوقع الا تتأثر الا بنسب بسيطة نتيجة الجائحة، لاعتمادها على التمويل الحكومي الي حد كبير.

ومن التحليل السابق يمكن استنتاج التأثير السلبي للجائحة على الناتج المحلي الإجمالي المصري ومعدل نموه للعام المالي القادم، وكان من المنطقي ان ينخفض هذا الإنتاج بمقدار الثلث على الأقل عند تقدير الموازنة، ولكنه في ظل الارتفاع المتوقع لأسعار السلع ومستلزمات الإنتاج المستوردة، يمكن ان تتزايد القيمة الاسمية لهذا الناتج، وبذلك يكون زيادة معدل النمو وهمية الي حد كبير.

اما استهداف الموازنة الجديدة لمعدل نمو 4.5%، فهو حديث يبتعد كثيرا عن المنطق الاقتصادي، ويتجاهل تأثير الجائحة على الوضع الاقتصادي المصري، ومن المرجح ان معدل النمو 2% الذي تحدثت عنه المنظمات الدولية ربما يكون هو هذا المعدل الوهمي الذي سبقت الإشارة اليه، او هو أحد السيناريوهات المتفائلة التي تتوقع وجود لقاح للفيروس بصورة عاجلة.

عموما يمكن القول، ان المحافظة علي المستويات الإنتاجية الحالية للقطاعات الاقتصادية (معدل نمو صفر) قد يصبح إنجازا في ظل المعطيات الحالية، والقراءة الموضوعية لتلك التداعيات.

2- متوسط سعر خام برنت خلال العام المالي القادم 61 دولار:

من المرجح ان هذا السعر اعتمد قبل الازمة الروسية السعودية والتي تسببت في تخمة المعروض وانخفاض الأسعار بالشكل الدرامي الحالي، وقبل ظهور السفن العملاقة التي ترسوا علي الموانئ لا تجد مشترين لمخزونها النفطي الضخم، وقبل توالي التوقعات من بيوت الخبرة والبحوث الدولية بصعوبة تجاوز السعر 30 دولار للبرميل قبل نهاية 2020، وكل ما سبق كان يفرض علي وزارة المالية مراجعة هذه التقديرات والتي تبتعد كثيرا عن قبولها كتقديرات تقترب من الواقع الا اذا كانت الوزارة تنوي التربح من المستهلك جراء تحديد أسعار المحروقات باعلي كثير عن معدلاتها العالمية، وهو ما حدث مؤخرا عند خفض سعر البنزين 25 قرشا فقط.

3- متوسط سعر القمح المستورد 199.5 دولار للطن:

لم تعتبر الموازنة تأثيرات الجائحة على أسعار الاقماح العالمية في ظل استيراد مصر أكثر من 60% من احتياجاتها من الخارج، بل خفضت سعر القمح المقدر في الموازنة الحالية الي 199.5 دولار في مقابل 214 دولار في موازنة العام السابق.

وقد بدأت الأسعار العالمية بالفعل في الارتفاع، حيث زاد القمح الروسي الي 231 دولار بتاريخ 20/4/2020 علي سبيل المثال، وهي زيادات مبدئية خصوصا في ظل اعلان عدد من الدول اما وقف التصدير بعد الوفاء بالتعاقدات السابقة مثل روسيا، او وقف التصدير خارج الاتحاد الأوروبي مثل رومانيا وفرنسا.

يزيد من حدة المشكلة ما أعلنه نقيب الفلاحين مؤخرا أن الحكومة قد سعرت القمح الموسم الماضي بسعر 685 جنيها لإردب القمح الأعلى درجة نقاوة بدرجة 23.5 و670 جنيها للإردب درجة نقاوة 23 و655 جنيها لأقل درجة نقاوة 22.5، مما تسبب في انخفاض المساحات هذا الموسم الحالي بنحو 100 ألف فدان حيث زرع الموسم الماضي 3 ملايين و250 ألف فدان فيما لم تتجاوز مساحة القمح هذا الموسم 3 ملايين و150الف فدان حتي الآن ([2]).

عموما من الممكن القول ان مصر لن تواجه ازمة في إيجاد احتياجاتها من القمح في الموسم الحالي حيث جاء موعد الحصاد مع بداية الازمة، ومع القليل من التنويع للمصادر يمكن ان تتوافر الكميات المطلوبة، ولكن من المؤكد ان هذه الكميات ستكون بأسعار أكثر كثيرا من المقدرة في الموازنة الجديدة، ويسري ذلك على بقية السلع الغذائية المستوردة وبالتالي كان من الواجب زيادة المبالغ المخصصة لدعم السلع التموينية وليس نقصها كما سيتم التطرق اليه لاحقا.

4- سعر الدولار المقدر في مشروع الموازنة:

صرح وزير المالية أن إعداد مشروع الموازنة العامة للدولة للعام الجديد تم استخدام متوسط سعر الصرف السائد فى السوق خلال الفترة من أول يناير حتى نهاية مارس 2020 ([3]).

وطبقاً لبيانات البنك المركزي المصري عن متوسط أسعار صرف الدولار، فان سعر صرف الدولار الأمريكي خلال تلك الفترة تراوح ما بين 15.69 و15.99 جنيه للشراء، و15.79 و16.09 جنيه للبيع.

بالطبع فان تداعيات الجائحة على الاقتصاد يصب الجزء الأكبر منها في انخفاض المصادر الاعتيادية للدولار في الاقتصاد المصري، ومن المنطقي ان يؤثر ذلك سلبيا على سعر صرف الجنيه، ولكن اثبت البنك المركزي المصري انه يتشبث بتثبيت سعر الصرف لاسيما بعد الاعلان عن انخفاض الاحتياطي النقدي بحوالي 5.5 مليار دولار في مارس الماضي، إضافة الي انسحاب 10 مليار دولار من الاستثمارات في اذون الخزانة.

ورغم إدارة البنك المركزي لسعر صرف الجنيه، وتوجيهاته بتثبيت السعر، الا ان تداعيات الازمة على مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري قد تتخطي قدرات البنك المركزي وارادته في سعر الصرف الذي بني علي اساسه مشروع الموازنة الجيدة.

 ثانيا: تحليل الإيرادات والنفقات وأثرهما على العجز والاستقرار المالي المقدر:

بلغ حجم مشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2020-2021 نحو 2.298 تريليون جنيه، تبلغ فيها المصروفات نحو 1.713 تريليون جنيه، بينما يبلغ إجمالي الإيرادات نحو 1.3 تريليون جنيه، وزعت مصادرها المستهدفة بين ضرائب ومنح وإيرادات أخرى بنحو 1.289 تريليون جنيه، والمتحصلات من حيازة الأصول المالية البالغة نحو 21.1 مليار جنيه، والاقتراض من خلال الأوراق المالية بالأذون والسندات وغيرها بنحو 987.6 مليار جنيه.

وبذلك فان العجز المقدر يبلغ 432 مليار جنيه، حوالي 6.3% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تبلغ الفجوة التمويلية نحو 987 مليار جنيه، وهي تتكون من عجز الموازنة (432 مليار) بالإضافة إلى الديون المستحقة خلال العام المالي والبالغة 555.5 مليار جنيه.

وفيما يلي قراءة تحليلية لاهم عناصر الإيرادات والمصروفات في الموازنة الجديدة:

1- قراءة في اهم مفردات الإيرادات العامة:

توجد العديد من بنود الإيرادات في الموازنة العامة للدولة، وسيتم التطرق الي عنصرين رئيسيين منها، وذلك كما يلي:

أ- الإيرادات الضريبية:

تشتمل الإيرادات الضريبية علي شقين، الأول الإيرادات الضريبية السيادية وتشمل ضرائب قناة السويس، والبنك المركزي، وضرائب أذون وسندات الخزانة، وثانيها تشمل الإيرادات العادية المتولدة من مصلحة الضرائب.

يظهر البيان التمهيدي لمشروع موازنة 2020-2021، الذي نشرته وزارة المالية على موقعها الإلكتروني، أن الوزارة تستهدف زيادة الإيرادات الضريبية بنحو 12.6 % لتبلغ 964.7 مليار جنيه (61.45 مليار دولار)، مقابل 856.6 مليار جنيه في العام المالي الحالي.

وتستهدف الحكومة زيادة الإيرادات من ضريبة السجائر والتبغ (الدخان) بنحو 13.3 في المائة، لتصل إلى 74.6 مليار جنيه، بجانب زيادة عائدات ضريبة القيمة المضافة المفروضة على مختلف القطاعات الإنتاجية والتجارية والخدمية.

وبخلاف تأثيرات الجائحة على النشاط الاقتصادي في مصر، وبالتالي التأثير السلبي على الحصيلة الضريبية، فان تقرير وزارة المالية حول أداء الموازنة العامة للدولة عن النصف الأول من العام المالي الحالي يشير الي تراجع الإيرادات الضريبية، حيث بلغ اجمالي الإيرادات الضريبية 304 مليار جنيه في مقابل 309.9 مليار للنصف الأول من العام المالي 2018/2019.

وتشير الأرقام الفعلية السابقة الي عدم قدرة وزارة المالية تحصيل مستهدفاتها الضريبية في الموازنة الحالية والبالغة حوالي 857 مليار جنيه، بما يعني ان نصفها كان يجب ان يبلغ 429 مليار جنيه، بينما حققت فعليا 304 مليار فقط بعجز 125 مليار جنيه، أي انخفاض عن المستهدف بنسبة 29%.

كما استهدفت الوزارة إيرادات غير ضريبية قدرت بحوالي 278 مليار جنيه في موازنة العام المالي الحالي، حققت منها فعليا 85.6 مليار جنيه خلال النصف الأول منه، بدلا من 139 مليار مقدرة.

وبالطبع الفجوة الكبيرة بين الأرقام المقدرة والأرقام المحققة فعليا يضرب سلبا وبشدة مصداقية الوزارة وقدرتها على التقدير ليس فقط في بند الضرائب ولكن في كافة بنود الموازنة العامة. وبالتالي فان تداعيات الجائحة من المنطقي ان تزيد هذه الفجوة اتساعا، ويمكن الجزم بان هذه المستهدفات الضريبية التي بنيت على أساسها الإيرادات العامة لن تتحقق، وان نسبة انخفاضها بنسبة تقارب 30% هو الأكثر معقولية قبل الازمة اسوة بالنصف الأول من العام الحالي، يزيد عليها الانخفاض المتوقع كنتيجة لتباطؤ النشاط الاقتصادي المصري كنتيجة للجائحة، وبذلك ربما قد يصل الانخفاض المتوقع للحصيلة الضريبية الي 50% عن النسبة التي قدرتها الموازنة الجديدة.

ب- إصدارات الدين الحكومية:

يبلغ اجمالي الدين المستهدف في الموازنة العامة 2020/2021 نحو5.7 تريليون جنيه كدين داخلي (يمثل 70% من الناتج المحلي)، و873 مليار جنيه دين خارجي (يمثل 12.8% من الناتج المحلي الإجمالي)، ويصور الشكلان التاليان تطور الدين العام والفجوة التمويلية خلال الفترة من العام المالي 2016/2017-2020/2021:

المصدر: البيان التمهيدي للموازنة العامة: الموقع الإلكتروني وزارة المالية المصرية، ص30
المصدر: البيان التمهيدي للموازنة العامة: الموقع الإلكتروني وزارة المالية المصرية، ص30
المصدر: البيان التمهيدي للموازنة العامة: الموقع الإلكتروني وزارة المالية المصرية، ص30.
المصدر: البيان التمهيدي للموازنة العامة: الموقع الإلكتروني وزارة المالية المصرية، ص30.

وتوضح بيانات الجدولين ما يلي:

  • من المتوقع ان تصل جملة الاحتياجات التمويلية للعام المالي 2020/2021 الي 987.7 مليار جنيه، منها 432.1 عجز كلي، و555.6 قيمة سداد أقساط القروض المحلية والأجنبية، ومن المتوقع ان تحصل الحكومة على تمويل محلي بقيمة 892,1 مليار جنيه من خلال اصدار اذون خزانة بقيمة 490.7 مليار جنيه، وإصدار سندات خزانة بقيمة 401.5 مليار جنيه.
  • يقدر البيان الدين الخارجي بمبلغ 873 مليار جنيه، وهذا رقم خاطئ، فقد بلغ الدين الخارجي قرابة 110 مليار دولار، وبسعر صرف 16 جنيه في المتوسط، يعني ان الدين الخارجي يساوي 1760 مليار جنيه وهي علامة استفهام، وتشير بوضوح الي الأخطاء المتكررة والمترتبة على بعضها في المشروع.
  • من المتوقع ان تحصل الحكومة على تمويل خارجي من المؤسسات والجهات الدولية بحوالي 96 مليار جنيه من خلال اصدار سندات دولية.
  • من المتوقع ان تصل قيمة اجمالي مدفوعات الفائدة 566مليار جنيه، مقسمة الي 517 مليار جنيه فوائد محلية، 48.8 مليار جنيه فوائد اجنبية.

ومن البيانات السابقة يمكن توضيح ما يلي:

  • تقترب الفجوة التمويلية من تريليون جنيه في مقابل 1.3 تريليون من الإيرادات، وذلك يبين حجم المأزق الضخم للمالية العامة المصرية بعيدا عن الفائض الاولي الذي تروجه وزارة المالية.
  • العجز الكلي للموازنة العامة يتزايد رقميا وسنويا كما أوضح الجدول، وكانت الموازنة القادمة ستشهد اول انخفاض رقمي للعجز من 445.1 مليار جنيه في العام الحالي الي 432.9 مليار في العام الجديد ( بفرض تحقق ذلك وهو فرضية أصبحت بعيدة تماما)، بانخفاض يقارب 13 مليار فقط، هذا الانخفاض الهزيل يوضح لماذا تصر وزارة المالية علي ترويج النجاح في تحقيق فائض اولي، ونسبة العجز الي الناتج المحلي الذي تزايد بالعملة المحلية بسبب قفزات التضخم خلال الأعوام اللاحقة لبرنامج صندوق النقد.
  • تعد فوائد الديون بشقيها على الديون المحلية والخارجية البند الأكبر في مشروع الموازنة حيث تبلغ 566 مليار جنيه، وهو رقم يقترب من نصف الإيرادات العامة، ويلتهم ما يقرب من 33 % من إجمالي المصروفات للعام الجديد.
  • تنوي الحكومة الاقتراض خارجيا 96 مليار جنيه أي ما يزيد قليلا عن 6 مليار دولار، وهو رقم صغير للغاية في ظل التزامات مصر خلال العام 2020 والبالغة 18.5 مليار دولار، بالإضافة الي 2 مليار دولار تقريبا ثمن الغاز المستورد من إسرائيل. هذا بغض النظر عن تأثيرات الجائحة على مصادر مصر الاعتيادية من النقد الأجنبي (السياحة-قناة السويس – تحويلات العاملين في الخارج).
  • من المؤكد ان يتزايد الاقتراض الخارجي خلال الفترة القادمة، خاصة في ظل الاتاحات الضخمة من البنك والصندوق الدوليين لمساعدة الدول النامية على مواجهة تداعيات الجائحة، وبعد نزوح الأموال الساخنة للخارج ستضطر مصر الي المزيد من الاقتراض الخارجي، ولن يكون اللجوء الي المؤسسات الدولية الا شهادة تامين للمساعدة في اختراق اسواق القروض الدولية والإقليمية، وربما تبلغ القروض المصرية ارقاما قياسية (ضعف المبلغ المرصود لتصل الي 12 مليار دولار) مقارنة بالعاميين الماضيين وخلال فترة قصيرة.
  • لم يقدم مشروع الموازنة أي حلول لمواجهة ازمة المديونية المتفاقمة علي الدولة، وربما تواجه الحكومة ازمة في الاقتراض الخارجي عبر السندات الدولية في ظل التداعي المتوقع للدول العالمية – قد يتمثل ذلك في ارتفاع أسعار الفائدة-على الاقتراض لمواجهة الازمة.

ج- قرارات الحكومة بإيرادات (جديدة خارج مشروع الموازنة):

  • اقرت الحكومة قرارين مهمين في إطار بحثها عن إيرادات جديدة لتعويض النقص المتوقع في الإيرادات الضريبية، ويمكن تناول هذين القرارين كما يلي:
  • القرار الأول: فرض رسم تنمية الموارد المالية للدولة (رسم على منتج البنزين، ومنتج السولار)
  • وافق مجلس النواب على طلب الحكومة بإعادة البند رقم (24) من المادة الثانية من مشروع القانون المقدم من الحكومة بتعديل بعض أحكام القانون رقم (147) لسنة 1984 بفرض رسم تنمية الموارد المالية للدولة، وهو البند الخاص بفرض رسم على منتج البنزين بأنواعه بواقع 30 قرشا على كل لتر مُباع، ومنتج السولار بواقع 25 قرشا على كل لتر مُباع.

وكانت لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب قد قررت حذف البند 24، خلال مناقشتها لمشروع القانون.

  • وطبقا لوزير المالية فان هذه القرار لن يترتب عليه أي زيادة فى أسعار السولار والبنزين على المواطنين، حيث سيكون هناك تسوية بين الخزانة العامة والهيئة العامة للبترول، بحيث هذه القيمة تروح للخزانة العامة، وهي عملية محاسبية.
  • وهنا يبرز التساؤل حول تحمل الهيئة العامة للبترول لهذ الرسم، ومصدر سداده، والواقع ان الهيئة العامة للبترول راكمت الفترة الماضية الأرباح الناتجة عن انخفاض أسعار البترول عالميا، وبيعها إياه للمواطن بأسعار مرتفعة، وستستمر هذه التراكمات ما بقي سعر البترول منخفض عالميا، وهذا يعني ببساطة ان جيوب المواطنين هي الممول لهذا الرسم ولكن عن طريق الهيئة العامة للبترول.
  • القرار الثاني: مشروع قانون لخصم 1% من رواتب الموظفين العموميين:
  • ورغم ان القانون لم يصدر بعد الا انه المرجح صدوره، وطبقا لوزير المالية فان هذا القرار بالإضافة الي زيادة بعض الرسوم الأخرى سيوفر إيرادات للدولة بقيمة 6 مليار جنيه.

ويلاحظ في ذلك ان مشروع القانون لا يفرق بين فئات الموظفين الدخلية، ولا يعفي الذين يحصلون علي الحد الأدنى للأجور، وذلك ليس تجاهلا للمعوزين واستمرار الاعتماد عليهم في تمويل الإيرادات فقط، وانما أيضا تحيزا لكبار موظفي الدولة الذين يتقاضون مئات الالاف من الجنيهات شهريا، مع تجاهل دائم بوضع حد أقصى للأجور.

2- المصروفات العامة:

يستهدف مشروع الموازنة للعام المالي القادم زيادة المصروفات العامة لتصل الي 1713.2 مليار جنيه بمعدل نمو 8.8 % مقارنة بالعام المالي الحالي. ويوضح الشكل التالي التقسيم الاقتصادي للمصروفات العامة بوجود الفوائد وبعد حذفها، ومنه سيتضح ما يلي:

المصدر: البيان التمهيدي للموازنة العامة: الموقع الإلكتروني وزارة المالية المصرية، ص21.
المصدر: البيان التمهيدي للموازنة العامة: الموقع الإلكتروني وزارة المالية المصرية، ص21.

ويمكن استعراض اهم بنود المصروفات العامة وذلك كما يلي:

أ- النفقات العامة الرئيسية:

  • تستهدف الموازنة زيادة الانفاق علي باب شراء السلع والخدمات بحوالي 33.7% عن موازنة العام السابق، ومخصصات التغذية بما فيها التغذية المدرسية بحوالي 17.8%، ومخصصات المياه بحوالي 133%، وهو ما وصفه مشروع الموازنة بالتركيز علي زيادة مخصصات مستلزمات الإنتاج والخدمات التي يتلقاها المواطنين ذات البعد الإنتاجي والاجتماعي. ويوضح الجدول التالي هذه الزيادات كما يلي:
المصدر: البيان التمهيدي للموازنة العامة: الموقع الإلكتروني وزارة المالية المصرية، ص20.
المصدر: البيان التمهيدي للموازنة العامة: الموقع الإلكتروني وزارة المالية المصرية، ص20.
  • يستهدف مشروع زيادة الاستثمارات الممولة من الخزانة العامة للدولة بحوالي 26.4%، والأجور 11.3%، عن موازنة العام الحالي، وزيادة الدعم النقدي (معاش تكافل وكرامة) 2.7%، وزيادة دعم التامين الصحي ودعم الادوية والعلاج علي نفقة الدولة بحوالي 3.9%، والإسكان الاجتماعي 46.2% مقارنة بالعام المالي الحالي.

ويبين الجدول التالي ذلك كما يلي:

المصدر: البيان التمهيدي للموازنة العامة: الموقع الإلكتروني وزارة المالية المصرية، ص20.
المصدر: البيان التمهيدي للموازنة العامة: الموقع الإلكتروني وزارة المالية المصرية، ص20.
  • طبقا لمشروع الموازنة يشهد العام المالي القادم السيطرة عي فاتورة مدفوعات الفائدة، والتي ستنخفض قيمتها 0.6% مقارنة بموازنة العام السابق. ويبين الجدول التالي ذلك كما يلي:
المصدر: البيان التمهيدي للموازنة العامة: الموقع الإلكتروني وزارة المالية المصرية، ص21.
المصدر: البيان التمهيدي للموازنة العامة: الموقع الإلكتروني وزارة المالية المصرية، ص21.
  • تستهدف الموازنة الجديدة تحسين أجور العاملين بالدولة والارتقاء بأحوالهم، حيث تم تخصيص 335 مليار جنيه للأجور بزيادة قيمتها 34 مليار جنيه عن العام المالي الحالي بنسبة 11.3% لصرف العلاوات الدورية بنسبة 7% من الأجر الوظيفي للمخاطبين بالخدمة المدنية و12% من المرتب الأساسي لغير المخاطبين بحد أدنى 75 جنيهًا والحافز الإضافي الذي يتراوح بين 150 جنيهًا إلى 375 جنيهًا.
  • زيادة بدل المهن الطبية 75% (يصرف للأطباء وهيئات التمريض) بقيمة 2.25 مليار جنيه.

ومن البيانات السابقة يمكن توضيح ما يلي:

  • الزيادة في قيمة مخصص الأجور تقل عن 20% فمعظم هذه الزيادة تذهب لمواجهة ارتفاع أسعار، حيث لا تزال نسبة التضخم في حدود 10% طبقا لسنة الأساس 2018، اما لو سنة الأساس القديمة 2010 فربما يتخطى معدل التضخم 20%، وبذلك سيبتلع معدل التضخم هذه الزيادة التي يمكن وصفها بالاسمية وليست بالحقيقية.
  • اما عن زيادة مخصص المياه بحوالي 133% فلا شك بداية انها زيادة محمودة، ولكن المدقق بتطور الرقم المنفق على المياه نجده هزيل للغاية، وقد تناقص هذا المخصص من 1.4 مليار جنيه في موازنة العام المالي 2018/2019 الي 0.8 مليار في موازنة العام الحالي، ولذلك بدت الزيادة في مشروع الموازنة كأنها قفزة كبري، وعموما ورغم هذه الزيادة لا يزال قطاع المياه في مصر في حاجة الي طفرة حقيقية لاسيما بعد رفع أسعار المياه للمنازل أكثر من مرة جراء برنامج صندوق النقد الدولي.
  • شهد العام المالي الحالي مضاعفة لدعم الصادرات، كما مشروع الموازنة الجديد زيادة بحوالي مليار جنيه، وبنسبة زيادة 16.7%، ولا شك ان هذه الزيادة تظهر توجه الدولة نحو دعم الصادرات، الا انه يجب التأكيد على ان مضاعفة مبلغ الدعم في العام المالي الحالي ووفاء الدولة بالدفع للشركات المستحقة، لم يسهم في زيادة تذكر في الصادرات المصرية.
  • يعاني دعم الصادرات من سيطرة الشركات الكبرى وتجاهل الشركات المتوسطة والصغيرة، هذا بخلاف الانتقائية في اختيار الشركات المستحقة للدعم، ولذا يجب ان تعيد الدولة نظرتها لهذا الأمور بناء علي دراسات علمية جادة، وبعدها قد يكون هذا المبلغ المخصص لدعم الصادرات قليلا وتجب زيادته.
  • يوجد تزايد ملحوظ في العامين الأخيرين للصادرات الزراعية، ورغم التحفظ على ذلك نظرا لشح المياه، وعدم الاكتفاء الذاتي في الكثير من السلع، ومطالبة العديد من الدراسات لإعادة التركيب المحصولي لا سيما في ظل ازمة كورونا، الا انه يمكن التوجيه بتقديم جزء من هذا الدعم الي المنتج الزراعي.
  • جاء التزايد المضطرد في دعم التامين الصحي والأدوية والعلاج علي نفقة الدولة خلال الأعوام الماضية محدودا مقارنة بزيادة معدلات التضخم المستمرة خاصة خلال الفترة منذ عام 2017 وحتي الان، وعموما لا تزال هذه المخصصات ضعيفة للغاية، خاصة الزيادة في المشروع الحالي، لا سيما ان هذه الزيادة تاتي في العام الثاني من تطبيق نظام التامين الصحي الشامل، والذي من المفترض ان تتسع رقعته الجغرافية تباعا وهو ما يحتاج زيادة المخصصات لمقابلة هذه التوسعات.
  • تزايد الدعم النقدي بصورة مستمرة خلال الفترة الماضية، حيث زاد من 8.8 مليار جنيه هام 2015/2016 الي 18.5 مليار عام 2019/2020. ثم تزايد في المشروع الجديد الي 19 مليار جنيه، وهي زيادة شديدة المحدودية على عدة اصعدة، ومن بينها استمرار معاش تكافل وكرامة ضعيف للغاية اقل من 20 دولار للفرد، وكذلك تغاضيه عن التوسع العددي للمستفيدين خلال العام المالي القادم، وكذلك اذا ما قورنت هذه الزيادة بتخفيضات مخصصات الدعم المختلفة في الثلاث أعوام السابقة بالإضافة الي المشروع الحالي.
  • –       اما الزيادة المخصصة لدعم الإسكان الاجتماعي بنسبة 46%، فربما تبرز هنا الحاجة الي دراسة منفصلة عن دور الدولة في هذا النوع من الإسكان وكيف تحولت الي مطور عقاري يتاجر ويرفع قيمة الأراضي ثم يعيد بيعها تحت العديد من المسميات.
  • –       الزيادة المقررة في المشروع للأجور هي الزيادات الاعتيادية، ولا تزال اقل كثيرا من معدلات التضخم، ولا توفر الحياة الكريمة للغالبية العظمي من موظفي الدولة. اما مخصص الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات بقيمة 170مليار جنيه، فيخصص جزء منه لسداد القسط الثانى من التزامات الخزانة العامة للدولة نحو الهيئة، متضمنة الفروق الناتجة عن صرف العلاوات الخمسة، والعلاوة الخاصة المقرر منحها لأصحاب المعاشات بنسبة 14%، وهي النسبة التي تقل عن علاوة العام السابق بمقدار 1%.

اما عن تقديرات مشروع الموازنة للدعم فجاءت كما يلي:

  • كشف المشروع كذلك عن تراجع دعم السلع التموينية بنحو 4.6 مليار جنيه، مقارنة بموازنة العام المالي الجاري، حيث يبلغ إجمالي دعم السلع التموينية 84.4 مليار جنيه مقابل 89 مليار جنيه، ودعم نقل الركاب من 1.850 مليار جنيه إلى 1.8 مليار جنيه. وستبلغ قيمة دعم الخبز نحو 42.5 مليار جنيه و36.4 مليار جنيه دعمًا للسلع التموينية.
  • كما خفضت الحكومة من مخصصات بند الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية من 327.69 مليار جنيه إلى 326.27 مليار جنيه، في تمهيد لرفع الدعم نهائياً عن الوقود والكهرباء، حيث خفضت الحكومة المصرية دعم المواد البترولية من نحو 52.963 مليار جنيه (نحو 3.36 مليارات دولار) إلى 28.19 مليار جنيه، وبنسبة خفض بلغت نحو 47 %، وكذا دعم الكهرباء من 4 مليارات جنيه إلى (صفر)، وهو ما يعني تحرير أسعار بيع الكهرباء للمواطنين.

ويلاحظ في هذه التقديرات ما يلي:

  • تراجع دعم السلع التموينية -رغم تزايد اعداد الفقراء والمعوزين نتيجة الجائحة – يشير الي نية الحكومة بتخفيض اعداد البطاقات التموينية، وتجدر الإشارة هنا الي ان ارتفاع أسعار السلع الغذائية المتوقع عالميا سيستلزم زيادة في هذه المخصصات وليس تخفيضها.
  •  اما عن نية الحكومة الرفع النهائي لدعم الوقود والكهرباء، فيرجع الي افتراض الحكومة سعر 61 دولار للبرميل في مشروع الموازنة، وقد بينت الدراسة سابقا عدم منطقية هذا الطرح، بل وفي ظل الأسعار العالمية السائدة حاليا يمكن الجزم بان الدعم رفع فعلا عن المواطن المصري، ومن المفترض ان تشهد أسعار الوقود والكهرباء خفضا حقيقيا وملموسا خلال الفترة القادمة.
  • لا يزال تسعير الغاز للمنازل والمصانع معضلة لم تواجهها الحكومة، فعقد استيرا د الغاز من إسرائيل بقيمة تزيد عن خمسة دولار للمليون وحدة حرارية خلق مشكلة للمصانع التي لن تستطيع منتجاتها المنافسة في ظل عدم تخفيض السعر الحكومي، علما بأن السعر العالمي في الوقت الراهن يقل عن دولارين للمليون وحدة حرارية، علاوة على تصميم الحكومة بعدم تخفيض أسعار الغاز للمنازل، وتجدر الإشارة كذلك الي ان سعر أسطوانة الغاز حاليا اسبح غير مدعوما مقارنة بالسعر العالمي.

ب- استيفاء نسب الاستحقاق الدستوري للصحة والتعليم:

أوضح مشروع الموازنة الجديد أنه تم استيفاء نسب الاستحقاق الدستوري للصحة والتعليم الجامعي وقبل الجامعي والبحث العلمي، حيث تبلغ مخصصات الصحة 254.5 مليار جنيه بزيادة 98 مليار جنيه عن العام المالي الحالي وبنسبة زيادة 45%، كما تمت زيادة مخصصات التعليم بـ 46.9 مليار جنيه لتصل الي 363.6 مليار جنيه وبنسبة زيادة 14.8 %، والبحث العلمي بـ 7.5 مليار جنيه بنسبة زيادة 14.1 % لتصل الي 60.4 مليار جنيه ([4]).

وبذلك يبلغ مجموع المخصصات لتلك القطاعات الي 678.5 مليار جنيه، وهي تمثل 10% تقريبا من الناتج المحلي الإجمالي المقدر بحوالي 6.8 تريليون جنيها تقريبا، وهو ما يحقق نصوص المواد 18 و19 و21 و23 من الدستور، والمتعلقة بالتزام الدولة بتخصيص نسبة من الناتج المحلي لا تقل عن 3% من الناتج القومي لقطاع الصحة، و4% للتعليم ما قبل الجامعي، و2% للتعليم العالي، و1% للبحث العلمي.

وتعقيبا على ما سبق:

  • بلغت الموازنة المقدرة لقطاع الصحة للسنة المالية الحالية 2019/2020، حوالي 73 مليارا و62 مليون جنيه، وبزيادة 11 مليار و52 مليون عن موازنة السنة الماضية 2018/2019 المقدرة بحوالي 61 مليار جنيه.
  • يعني ذلك ان الزيادة المقدرة لقطاع الصحة في المشروع الجديد تتجاوز 180 مليار جنيه مقارنة بالعام المالي الحالي. وهنا يبرز التساؤل هل فعلا ستطبق هذه الطفرة؟
  • عموما، تغطي مصروفات الصحة والتي تغطي المستشفيات والمراكز الطبية المتخصصة والأدوية، للأجور وتعويضات العاملين ولديوان الوزارة، والدعم المخصص لبند الأدوية وألبان الأطفال، ونصيب مديريات الشئون الصحية، ونفقات الصيانة، وبند أغذية العاملين وبند الوقود والزيوت، والإقامة بالجهات النائية، والمخصصات المالية لعلاج المواطنين على نفقة الدولة، والبرامج الخاصة بالتأمين الصحي لمختلف الفئات، والمخصص لهيئة التأمين الصحي.
  • احتل قطاع التعليم المرتبة الثالثة في بنود المصروفات بواقع 132.038 مليار جنيه بواقع (8%) من إجمالي حجم المصروفات في الموازنة الحالية، في مقابل 115.7 مليار جنيه العام المالي الحالي 2019/2018 وبمعدل زيادة قدرها (14%). ويعني ذلك ان الزيادة المقررة لقطاع التعليم بمكوناته المختلفة تبلغ 204.5 مليار جنيه تقريبا. ويبرز ذلك نفس التساؤل السابق هل فعلا ستنفذ الحكومة هذه الوعود؟
  • ومن الجدير بالذكر أن أهم مكونات قطاع التعليم “التعليم قبل الجامعي بكل مراحله والتعليم العالي، والتعليم غير المحدد بمستوى، وخدمات مساعدة التعليم”، والبحوث والتطوير فى مجال التعليم، وتشمل “وزارتي التربية والتعليم، التعليم العالي، والجامعات، ومديريات التربية والتعليم بالمحافظات، والأكاديمي المهنية للمعلمين، والمركز القومي للبحوث التربوية، والمركز القومي للامتحانات، والهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار، والهيئة العامة للأبنية التعليمية، وصندوق تطوير التعليم.
  • وبجمع مخصصات التعليم والصحة في مشروع الموازنة تبلغ 678.5 مليار جنيه، وبنسبتها الي اجمالي المصروفات العامة والبالغة 1713.2 مليار جنيه، نجد ان هذا المجموع يشكل نسبة 40% من تلك المصروفات، واذا اخذنا في الاعتبار ان نسبة 33% من هذه المصروفات موجهة لمدفوعات الفائدة، فذلك يعني ببساطة ان حوالي 73 % من المصروفات ستذهب الي هذه البنود الثلاثة فقط.
  • وبالرجوع الي الشكل أعلاه الذي يوضح التقسيم الاقتصادي للمصروفات العامة، نجد تخصيص المشروع لحوالي 27% اخري للدعم والمنح والمزايا الاجتماعية، وبذلك تكتمل 100% من المصروفات العامة، رغم ان الشكل يوضح تخصيص 20% من المصروفات العامة للأجور، 16% من المصروفات لشراء الأصول غير المالية، و6% لشراء السلع، و6% للمصروفات الأخرى، وبذلك فان المصروفات الاجمالية تشكل 140%، وبزيادة 40% عن المقرر، بالطبع بعد خصم المخصص للوزارتين من بنود 40% الزائدة.
  • ومن هذا التحليل يمكن التأكيد على تضليل وزارة المالية للراي العام ببلوغ الانفاق على الصحة والتعليم المستهدف الدستوري، والذي خالفته الخمسة أعوام السابقة، وان الأرقام المعلنة من قبلها للمصروفات العامة متضاربة، بما يشكك في الرقم المخصص لهما، إضافة الي الاستفهام المنطقي حول قدرة الحكومة علي توفير تلك المخصصات.
  • قيدت الحكومة نفسها بهذا الإعلان وعلى الجميع مطالبتها بتنفيذ ما تعهدت به، مع التأكيد ان هذه القفزة الكبيرة في المخصصات تتطلب خطط قومية للإنفاق، ويمكن اقتراح مشروع بناء 50 مستشفيي حكومي، و500 مدرسة، و10 جامعات حكومية، وتطوير إمكانات مراكز البحوث، خلال الخمسة أعوام قادمة، ان كانت الدولة جادة فعلا في هذا الاتجاه.

ج- زيادة مخصصات الجهات السلطوية:

ويمكن تقسيم هذه الجهات الي مجموعتين رئيسيتين يمكن بيان مخصصاتهما كما يلي:

بند “المصروفات الأخرى”

زاد بند “المصروفات الأخرى” في مشروع الموازنة الجديدة من 90.44 مليار جنيه إلى 105 مليارات جنيه، أي بما يقارب 15 مليار جنيه، وتعد ذلك هي الزيادة الثانية على التوالي بنفس المبلغ تقريبا، مما يؤكد حرص الحكومة على اضطراد زيادة مخصصات هذا البند.

ومن الجدير بالذكر ان بند المصروفات الأخرى يشمل، المخصص لميزانيات الدفاع والأمن القومي، ووزارة الخارجية، والجهاز المركزي للمحاسبات، ومجلس النواب، وكذلك الاشتراكات الدولية، والتعويضات، والغرامات، وهي في الاغلب ما يسمي بموازنة الرقم الواحد.

عموما التدقيق في هذه الزيادة يوضح انها اكبر من الانخفاض في مخصصات الدعم الموجه لدعم السلع التموينية والذي انخفض من 89 مليار جنيه إلى 84.487 مليار جنيه ( 5 مليار تقريبا) بالإضافة الي دعم الكهرباء الذي اصبح صفر بدلا من 4 مليار جنيه، وهما البندان اللذان يفيدان ملايين المواطنين، كم انه اكثر من نصف التخفيض لدعم المواد البترولية (من نحو 52.963 مليار جنيه إلى 28.19 مليار جنيه)

كما ان هذه الزيادة تساوي تقريبا مجموع الدعم الموجه الي المزارعين” والمقدر بـنحو 665 مليون جنيه، والتأمين الصحي والأدوية” والمقدر بنحو 3 مليارات و599 مليون جنيه، وتنمية الصعيد” المقدر بـنحو 250 مليون جنيه، ونقل الركاب المقدر بنحو مليار و800 مليون جنيه.

هذه المقارنات السابقة بين قيمة الزيادة في هذا البند (المصروفات الأخرى) والذي يعود بالنفع على قلة محدودة من الجهات المحسوبة علي السلطة، وبين الانخفاضات في بنود تعود بالنفع الواسع علي المواطنين خاصة الفقراء منهم، ومنه يتضح تحيز الحكومة الواضح للجهات المساندة لها علي حساب باقي الشعب.

مخصصات باب “قطاع النظام العام وشؤون السلامة العامة”

رفعت الحكومة من مخصصات باب “قطاع النظام العام وشؤون السلامة العامة” من 69 ملياراً و688 مليون جنيه في الموازنة الجارية، إلى 78 ملياراً و879 مليون جنيه في الموازنة الجديدة، من بينها 59 ملياراً و166 مليون جنيه لصالح باب الأجور وتعويضات العاملين، بزيادة قدرها 5 مليارات و129 مليون جنيه.

وتشمل مخصصات هذا الباب خدمات الشرطة، والسجون، والحماية ضد الحريق، والمحاكم، ووزارة الداخلية، ووزارة العدل، والمحكمة الدستورية العليا، والهيئات القضائية، ودار الإفتاء المصرية، وصندوق تطوير الأحوال المدنية، وصندوق أبنية المحاكم، وصندوق السجل العيني.

ونعد الزيادة في هذا المخصص النتيجة السابقة بالمزيد من تحيز الدولة لهذه الجهات المساندة لها، وان كان يمكن القول بان المخصص يزداد وفقا لدرجة الاقتراب من السلطة حيث كانت زيادة المصروفات الأخرى ثلاثة اضعاف زيادة مخصصات باب “قطاع النظام العام وشؤون السلامة العامة”، بما يعني ترتيب السلطة لتلك الجهات من حيث الأهمية وتقدير ذلك ماليا.

الخاتمة: 

حاولت هذه القراءة في مشروع الموازنة العامة اختبار فرضية التهرب الحكومي من تخصيص موارد إضافية لمواجهة جائحة كورونا، وتعديل المستهدفات والبنود الرئيسية لها، بما يمكن من دعم القطاعات والفئات المعوزة، وهو ما ثبت فعليا من خلال الكثير من افتراضات ومستهدفات ومخصصات المشروع.

كما ان قراءة المخصصات كشف تضليل الحكومة بشأن تحقيق الاستحقاق الدستوري في نسبة المخصصات للصحة والتعليم في المشروع، كما كشف تحيزها لصالح بعض الجهات الموالية للسلطة بزيادة مستمرة في المخصصات المالية لها.

تستمر الحكومة كذلك في رفع الدعم عن المواطنين، سواء اكان الدعم الموجه للسلع التموينية او الي الكهرباء اوالي الوقود، وتتخفي الحكومة بأسعار مبالغ فيها للنفط لتحقيق هذه الوفورات، بما يعني ان جيوب المواطنين ستصبح مصدر ايراد للحكومة التي ستتربح من وراء فروق أسعار الوقود.

استمر تجاهل الحكومة للقطاع الزراعي والمزارعين، سواء بحجم الدعم المخزي لموجه للمزارع، او عند تسعير القمح بسعر اقل كثيرا من المتوسط العالمي السائد حاليا او المتوافق مع الازمة، لتمرير دعم سعر شراء القمح من الفلاح علي خلاف الحقيقة.

أعلنت الحكومة ان أسوأ سيناريو في حال تواصلت تداعيات فيروس “كوفيد-19″، ولم يتم احتواء تفشي الوباء قبل بداية العام المالي في يوليو المقبل، فإنه من المتوقع أن ينمو عجز الموازنة ليصل إلى 7.7% من الناتج المحلي الإجمالي، بدلا من التراجع المستهدف عند 6.3%، مع إمكانية أن تعجز الإيرادات المرتبطة بالنشاط الاقتصادي عن تحقيق المستهدف عند 25%. وفي مثل هذا السيناريو، ولم توضح كيف ستتعامل مع هذا السيناريو، وربما الإجابة ببساطة هي المزيد من الاقتراض الخارجي.


الهامش

[1] د. أحمد ذكرالله: الاقتصاد المصري بعد عام 2013، السياسات والتحديات.

[2] نقيب الفلاحين: 3 مشكلات تهدد زراعة القمح فى مصر

[3] «المالية» تعلن عن سعر الدولار والنفط فى موازنة 2021/2020

[4] المصدر: البيان التمهيدي للموازنة العامة: الموقع الإلكتروني وزارة المالية المصرية، ص7.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close